أزمة القيادة في المعارضة الإسرائيليّة: هل سيكون غادي آيزنكوت بديل نتنياهو؟

ساهر غزاوي وكريم قرط

اتسمت السياسة الإسرائيلية منذ عام 2019 بحالة من السيولة والتذبذب، تجلت في الصعود السريع لشخصيات طُرحت تباعًا باعتبارها البديل القادر على منافسة بنيامين نتنياهو، قبل أن تتراجع بالسرعة نفسها. وقد تعمقت هذه الظاهرة بسبب الأزمة السياسية المستمرة، ثم الحرب وتداعياتها الداخلية والخارجية، بما كرّس حالة من البحث المتكرر عن “البديل” أكثر من البحث عن مشروع سياسي جديد. وفي هذا السياق، برز غادي آيزنكوت باعتباره أحد أبرز المرشحين لرئاسة الحكومة، في وقت بات فيه حزب “المعسكر الرسمي” مهددًا بعدم تجاوز نسبة الحسم.

يسعى هذا المقال إلى تحليل ظاهرة صعود “البديل” في السياسة الإسرائيلية، من خلال تفسير العوامل السياسية والأمنية والإعلامية التي تسهم في صناعتها. ويعتمد منهج التتبع والتحليل المقارن لمسار الشخصيات التي تصدرت معارضة نتنياهو منذ انتخابات نيسان/أبريل 2019 حتى انتخابات تشرين الأول/أكتوبر 2026، متخذًا من غادي آيزنكوت حالةً للدراسة.

أزمة القيادة في المعارضة الإسرائيلية

منذ انتخابات نيسان/أبريل 2019 لم تعرف السياسة الإسرائيلية استقرارًا في قيادة القوى التي تصدرت معارضة بنيامين نتنياهو، بل تعاقب على تمثيل “البديل” أكثر من قائد. إذ حلّ غادي آيزنكوت وحزبه يشار، حسب استطلاع الرأي الذي أجرته هيئة البث الإسرائيلية عقب حل الكنيست في 17 تموز/يوليو، في المرتبة الأولى بحصوله على 24 مقعدًا متجاوزًا الليكود الذي حصل على 23 مقعدًا، ومتقدمًا بفارق كبير عن تحالف بينيت-لابيد “بياحد” الذي حصل على 15 مقعدًا فقط، مما يجعل آيزنكوت المرشح الأبرز لمنافسة نتنياهو وقيادة معسكر المعارضة.

جاء هذا الصعود السريع لآيزنكوت في ظل تراجع كبير لقيادات وأحزاب أخرى في معسكر المعارضة شكلت في السنوات الأخيرة المنافس الأساسي لحزب الليكود. فمنذ 7 أكتوبر 2023، شهدت السياسة الإسرائيلية صعودًا وهبوطًا متسارعين لشخصيتين مركزيتين وهما: بني غانتس ونفتالي بينيت.

فالأول، وحزبه “همحنيه همملختي”، كان يحصل في الأشهر الأولى من الحرب على قرابة 42 مقعدًا، وهي نسبة غير مألوفة في السياسة الإسرائيلية خلال العقدين الأخيرين، لا سيما وأن ذلك الحزب لم يكن له إلا 12 مقعدًا في الكنيست. غير أن غانتس ظل يتراجع، في ظل عدد من التحولات التي شهدها حزبه كخروج غدعون ساعر منه، ثم خروجه من حكومة الطوارئ مع نتنياهو وإعلانه لاحقًا استعداده للعودة إليها، فيما وصف بأنه يسعى لإنقاذ نتنياهو مجددًا. وقد استمر تراجعه مع خروج آيزنكوت من الحزب في يونيو/حزيران 2025، وصولًا إلى عدم تجاوزه لنسبة الحسم لأول مرة في استطلاعات أغسطس/آب 2025.

في مقابل تراجع غانتس، كانت حظوظ نفتالي بينيت تشق طريقها نحو الصعود مكانه، مستفيدًا أيضًا من تراجع الليكود وأحزاب أخرى. ففي أول استطلاع أدرج فيه افتراضيًا، بما أنه كان خارج المشهد السياسي حينها، في أغسطس/آب 2024 حصل على 23 مقعدًا. ولكن مع أواخر 2024 أخذ بينيت يتجاوز الليكود، الذي حصل على 24 مقعدًا مقابل 25 لبينيت في حال شكّل حزبًا. وقد أخذت حظوظه تتصاعد بشكل متسارع، إذ وصل إلى 27 مقعدًا بفارق أسبوع واحد عن الاستطلاع السابق.

ومع إعلان تحالف حزبي بينيت ويأير لابيد تحت مسمى بياحد (معا) في أبريل/نيسان 2026، كانت التوقعات أن يحوز هذا الحزب على أكثر من 30 مقعدًا نظرًا إلى عدد المقاعد التي كان يحصل عليها كل حزب منهما منفردًا، غير أن الاستطلاعات أظهرت العكس، إذ أظهرت أنهما لا يحصلان إلا على 26 مقعدًا. وقد استمر لاحقًا في التراجع حتّى أصبح يحصل على 15 مقعدًا فقط. وهو تراجع سريع يقارب 15 مقعدًا في قرابة 3 أشهر فقط.

في المقابل، كان آيزنكوت الذي أسس حزبه “يشار” في سبتمبر/أيلول 2025 يتقدم في استطلاعات الرأي. إذ بدأ مسيرته بـ 9 مقاعد في الاستطلاعات، و15 مقعدًا مع تشكيل تحالف بينيت – لابيد. ومع التراجع المستمر لـ”بياحد”، الذي يترافق مع تراجع الليكود وائتلافه بطبيعة الحال، وصل آيزنكوت إلى 24 مقعدًا، كما أشرنا في البداية.

يلاحظ من الاستعراض السابق، أن هناك حالة اضطراب سياسي مزمنة في إسرائيل، إذ في غضون أشهر أو أسابيع برزت شخصيات وأحزاب وتصدرت استطلاعات الرأي ثم أخذت بالتراجع وصولًا إلى ما يشبه الانهيار. وحاليًّا في ظل بدء السباق الانتخابي مع حل الكنيست سيكون التقلب أسرع ويقاس بالأيام. كما يكشف هذا التسلسل أن التغير لم يكن في البرامج السياسية بقدر ما كان في الشخصية التي يُعلِّق عليها الناخبون آمالهم في كل مرحلة.

من ناحية أخرى، فإن الصعود والهبوط المتسارعين لا يخضعان لعوامل منطقية وموضوعية. فباستثناء نتنياهو الذي تهوي أسهمه خلال الأزمات ومراحل الفشل التي تواجه سياساته، ثم يتعافى مع تمكنه من تحقيق إنجازات عسكرية وسياسية، ثم يعود للتراجع مجددًا مع تبخر تلك الإنجازات، فإن بقية أقطاب المعارضة لا تخضع للمعايير نفسها.

فمن المنطقي أن تكون تقلبات غانتس في استطلاعات الرأي مترافقة مع صعود نتنياهو وهبوطه، ولكنه يتلاشى كلية في الاستطلاعات ليحل مكانه بينيت. وهذا الأخير، ليس له رصيد سياسي حقيقي يمكنه من تبوّؤ تلك المكانة، بل إنه خلال توليه منصب رئاسة الحكومة لعام واحد فقط، بصدفة انتهازية من طرفه، كانت سياسته أبعد ما تكون عن سياسة رجل دولة قوي. فقد غدر بشركائه في اليمين مقابل أن يتولى رئاسة الحكومة، وعندما تمّ له ذلك جاء تفكك “حكومة التغيير” من حزبه ومكتبه شخصيًّا. ما جعله يبتعد عن المشهد السياسي كلية، ويترك خلفه حزبه وشريكته إيليت شاكيد لتتخبط وتفشل في اجتياز نسبة الحسم في انتخابات 2022.

غادي آيزنكوت.. الحصان الأسود

على المنوال ذاته، قد يبدو صعود آيزنكوت الحالي غير مبرر نظرًا إلى سجله السياسي القريب. فعلى خلاف كثير من الجنرالات الذين انتقلوا مباشرة إلى تأسيس أحزاب جديدة أو السعي إلى قيادة المشهد السياسي بعد تقاعدهم من الجيش، اختار آيزنكوت دخول العمل الحزبي من بوابة العمل الجماعي، فانضم عام 2022 إلى “معسكر الدولة” بقيادة غانتس، حيث جمعتهما خلفية عسكرية مشتركة ورؤية متقاربة في معظم القضايا الأمنية والإستراتيجية. وفي تلك المرحلة، لم يُنظر إلى آيزنكوت منافسًا لغانتس، بل شريكًا يعزز مكانة الحزب، ويمنحه ثقلًا أمنيًا إضافيًا، مستندًا إلى ما يتمتع به من احترام ومصداقية داخل المؤسسة العسكرية.

مع أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 وما أعقبها انضم كل من غانتس وآيزنكوت إلى حكومة الطوارئ التي شكلها نتنياهو، وشاركا معًا في مجلس إدارة الحرب، كما وجها انتقادات متقاربة لإدارة الحرب، وانسحبا من الحكومة في التوقيت نفسه. ومع ذلك، أفضى هذا المسار السياسي المشترك إلى نتائج متباينة، إذ تراجعت شعبية غانتس بصورة حادة، في حين أخذت شعبية آيزنكوت بالتصاعد، رغم أن تجربته السياسية لم تكن مستقلة عن تجربة غانتس.

ومع تراجع شعبية بني غانتس تدريجيًا، لم يكن آيزنكوت بحاجة إلى تقديم مشروع سياسي مختلف جذريًا حتى يتقدم عليه في استطلاعات الرأي، إذ إن مواقفهما بقيت متقاربة في معظم الملفات الكبرى. غير أن الفارق الأساسي لم يكن في البرامج السياسية، وإنما في الصورة الذهنية التي تشكلت حول كل منهما. فمع مرور الوقت، بات غانتس يُنظر إليه باعتباره سياسيًا تقليديًا استُهلك بفعل مشاركاته الحكومية المتكررة وتسوياته مع نتنياهو، بينما احتفظ آيزنكوت بصورة “المملختي” (ממלכתי)، وهو مصطلح متداول في الخطاب السياسي الإسرائيلي يُطلق على الشخصية ذات الطابع الرسمي والمؤسساتي، التي تُقدِّم اعتبارات الدولة والمصلحة العامة على الحسابات الحزبية والشخصية الضيقة. وقد عززت هذه الصورة رصيده لدى قطاعات من الناخبين الباحثين عن قيادة جديدة لمعسكر الوسط، وجعلته يبدو، في نظر كثيرين، البديل الأكثر قدرة على منافسة نتنياهو واستعادة ثقة هذا المعسكر.

وقد تداخلت في هذا الصعود عوامل شخصية وسياسية وأمنية، فقد دخل الحياة السياسية بعد مسيرة عسكرية طويلة تُوِّجت بتوليه رئاسة أركان الجيش الإسرائيلي بين عامي 2015 و2019، وهي مرحلة رسخت صورته في الوعي الإسرائيلي باعتباره قائدًا مهنيًا يتسم بالهدوء والانضباط، قليل الظهور الإعلامي، وبعيدًا عن الخطاب الشعبوي الذي يميز عددًا من السياسيين.

وإلى جانب العوامل السياسية، أسهمت عوامل شخصية في ترسيخ هذه الصورة، وفي مقدمتها فقدانه ابنه غال في المعارك الدائرة في قطاع غزة، ثم فقدانه أحد أقاربه بعد أشهر، وهو ما أضفى على حضوره السياسي بعدًا إنسانيًا في الأوساط الإسرائيلية، وأسهم في تعزيز صورته لدى قطاعات من الرأي العام باعتباره قائدًا دفع ثمن الحرب شخصيًا، وليس مجرد مسؤول يتحدث عنها من بعيد.

غير أن مسألة التمايز عن غانتس عند الاختبار العملي قد لا تبدو منطقية أيضًا، إذ كما أسلفنا لم تكن في تاريخ آيزنكوت السياسي أي محطة فاصلة مغايرة لغانتس. حتى أن ميزته العسكرية يتمتع بها غانتس أيضًا الذي كان رئيسًا للأركان من 2012 حتى 2015، بل إن آيزنكوت يواجه انتقادات كونه المسؤول عن تقليص القوات البرية وإهمالها في جيش الاحتلال، إبان رئاسته للأركان، ما أدى إلى حدوث 7 أكتوبر.

غير أن العامل المباشر في صعود آيزنكوت كان مرده إلى تراجع بينيت بالدرجة الأولى، لا سيما بعد تحالفه مع لابيد. وهو تحالف، كان من المتوقع أن ينضم آيزنكوت له في البداية، إلا أنه لم ينضم إليهما، نظرًا لأنه يطمح شخصيًّا للمنافسة على رئاسة الحكومة، وكان لديه تصور مختلف حول طبيعة الائتلاف الذي يريد المشاركة فيه معهما. فالعامل الأساسي حاليًّا في صعوده يتعلق بما يمكن أن نطلق عليه “خلو العرش”، إذ لا توجد شخصية في المعارضة ظلت تحظى بإجماع أو أنها قادرة على استقطاب أصوات من مختلف التوجهات، من اليمين والوسط تحديدًا، ما يخولها أن تتزعم تكتل المعارضة. وهنا وجد آيزنكوت نفسه ينهض على أنقاض غانتس ويصعد على تراجع بينيت ولابيد معًا. فيما لا يستطيع يأير غولان، زعيم “الديمقراطيون” وأفيغدور ليبرمان زعيم “إسرائيل بيتنا” أن يشكلا منافسًا على زعامة المعارضة لأنهما يمثلان قطاعات وتيارات محددة.

لماذا يصعد البديل الإسرائيلي ثم يتراجع؟

إذا كان صعود غادي آيزنكوت قد ارتبط بعوامل شخصية وسياسية وأمنية وحالة اضطراب سياسي، فإن السؤال الأهم لا يتعلق بالرجل نفسه، وإنما بالنمط السياسي الذي أفرزه.

ولا يمكن تفسير هذه الظاهرة بالاختلافات الشخصية بين غانتس وبينيت وآيزنكوت ومعهم لابيد، فالقاسم المشترك بينهم أكبر من نقاط التباين. فجميعهم ينتمون إلى اليمين ويمين الوسط، ويتبنون مواقف متقاربة في معظم القضايا الأمنية والإستراتيجية، ولا يقدم أي منهم مشروعًا سياسيًا يمثل قطيعة مع الإجماع الصهيوني السائد، لا سيما فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية. لذلك، فإن انتقال التأييد من أحدهم إلى الآخر لا يعكس تحولًا أيديولوجيًا لدى الناخب الإسرائيلي، بقدر ما يعكس بحثًا متواصلًا عن الشخصية التي تبدو، في لحظة معينة، الأكثر قدرة على منافسة نتنياهو.

ويكشف هذا الواقع عن أزمة بنيوية في القوى التي تُصنف عادة ضمن ما يُعرف بـ”معسكر الوسط” الإسرائيلي. فمنذ تراجع تجربة “المعسكر الصهيوني” 2015، لم تنجح هذه القوى في بناء إطار حزبي مستقر أو قيادة جامعة قادرة على منافسة الليكود على المدى الطويل، بل أصبحت تعتمد على الشخصيات أكثر من اعتمادها على المؤسسات والبرامج. كما أن هذا “المعسكر” لم يعد يمثل تيارًا سياسيًا متجانسًا، وإنما إطارًا انتخابيًا واسعًا يجمع أطرافًا مختلفة في معارضتها لنتنياهو أكثر مما يجمعها مشروع سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي موحد. وفي المقابل، حافظ الليكود بقيادة نتنياهو على تماسكه التنظيمي، وهو ما جعل تراجع صورة أي قائد معارض ينعكس سريعًا على الحزب الذي يقوده، كما حدث مع بني غانتس مثلًا.

غير أن البحث المتكرر عن “البديل” لا يمكن تفسيره بأزمة المعارضة وحدها، بل يرتبط أيضًا بحالة التيه السياسي التي يعيشها المجتمع الإسرائيلي نتيجة تراكم أزمات متلاحقة منذ عام 2019. فقد أدت حالة عدم الاستقرار السياسي وتكرار الانتخابات، ثم هجوم السابع من أكتوبر والحرب الطويلة التي تلته، وما رافقها من خسائر بشرية واقتصادية، وتراجع صورة إسرائيل الدولية، واتساع الانتقادات لأداء الحكومة، والجدل المتصاعد حول دور الأحزاب الحريدية وأعباء التجنيد، إلى تعميق الشعور بالحاجة إلى تغيير القيادة. وفي الوقت نفسه، لم تستطع قوى المعارضة تقديم مشروع سياسي متماسك يعالج هذه التحديات، بل ظل القاسم المشترك بينها هو معارضة نتنياهو أكثر من تقديم رؤية بديلة. وهكذا أصبح قطاع متزايد من الإسرائيليين يدرك ما لا يريده، لكنه لم يحسم بعد ما يريده أو من يستطيع أن يقود المرحلة المقبلة.

وفي هذا السياق، يبدو أن صعود منافسي نتنياهو وتراجعهم يرتبط، إلى حد بعيد، بمستوى الثقة الشعبية بأدائه السياسي والأمني. فكلما تراجعت شعبية نتنياهو أو تفاقمت الأزمات التي تواجه حكومته، تعززت فرص بروز شخصية جديدة تُقدم على أنها “البديل” القادر على منافسته. وفي المقابل، عندما يستعيد زمام المبادرة أو تتحسن مكانته السياسية، يتراجع زخم هؤلاء المنافسين. وهذا ما كان ملاحظًا مثلًا مع الحرب الإسرائيلية الأولى على إيران يونيو/حزيران 2025 التي عاد عقبها الليكود للموقع الأول في الاستطلاعات. ولذلك ظهرت تحليلات بأن نتنياهو سيتوجه لعملية أخرى ضد إيران قبيل الانتخابات حتى يحسن موقعه أكثر.

وبذلك، لا يتحرك منحنى صعود “البديل” بصورة مستقلة، بل يتأثر بدرجة كبيرة بمنحنى قوة نتنياهو وتراجعها. ففي الوقت الذي يحسن فيه نتنياهو موقعه يكون منافسوه قد استُهلكوا واستنزف رصيدهم، لا سيما وهم لا يتوقفون عن كيل الاتهامات له، وأخذت شعبيتهم بالتلاشي لا سيما في ظل التحالفات والانشقاقات والتحركات السياسية لدى المنافسين التي تفقدهم زخمهم.

ولعل نتنياهو شخصيًّا، أكثر من يستفيد من تحول المعارضة إلى معسكر “فقط لا نتنياهو“، إذ إن توجيه زعماء المعارضة كل خطابهم نحو نتنياهو وسياساته الفاشلة يجعله قادرًا على هدم كل خطابهم بمجرد تحقيقه أي إنجاز كبير، ما يسقطهم من أعين الجمهور.

وتؤدي استطلاعات الرأي ووسائل الإعلام دورًا مهمًا في تكريس هذه الظاهرة، فهي لا تكتفي بقياس المزاج العام، بل تسهم أيضًا في إعادة تشكيله، من خلال تقديم شخصية معينة باعتبارها “البديل الأكثر قدرة على الفوز”. ومع تكرار هذه الصورة إعلاميًا، تنتقل إليها أصوات من داخل المعسكر نفسه، ليس اقتناعًا ببرنامجها السياسي، وإنما انطلاقًا من حسابات براغماتية تبحث عن المرشح الأكثر قدرة على إزاحة نتنياهو.

الخاتمة

بناءً على ما سبق، فإن صعود آيزنكوت الحالي ليس مضمونًا، ليس بالنظر إلى طبيعة التقلبات السياسية المتسارعة في معسكر المعارضة فحسب، وإنما لأسباب تتعلق بحزبه وسياساته التي سيسعى لتنفيذها. فمن ناحية الحزب، ما زال آيزنكوت يحاول استقطاب شخصيات لملء المقاعد التي تعطيه إياها استطلاعات الرأي، غير أنّه يواجه تحديا حقيقيًّا في جذب أسماء وازنة يمكنها تعزيز صعوده. ومن ناحية أخرى سيواجه آيزنكوت، إذا ما استمر في صدارة المشهد، التحديات نفسها التي واجهت غانتس ومن قبله بينيت. فكلما اقترب أي مرشح من السلطة، انتقل من موقع الرمز إلى موقع السياسي المطالب بتقديم إجابات عملية عن إدارة الحرب، وتشكيل الائتلاف، والعلاقة مع الأحزاب الحريدية، ومكانة الأحزاب العربية، وإدارة التوازنات داخل معسكره وخارجه، وهي ملفات سرعان ما تفرض تسويات تؤدي إلى تآكل الصورة التي صنعت صعوده.

وتتعمق هذه المسألة عند اقتراب المنافس من موقع المسؤولية سواء قبيل الانتخابات أو عقبها مباشرة. فحين يدخل في مفاوضات ائتلافية، أو يضطر إلى تقديم تنازلات، أو يشارك في الحكومة، تتراجع صورة “القائد النظيف” أو “المنقذ” التي رافقت صعوده، ويبدأ البحث عن شخصية جديدة لم تُستهلك بعد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى