رأي الخبراء: انتخابات المجلس الوطني 2026.. مآلات الخطوة ومحاذيرها

صادق الرئيس محمود عباس في الرابع من حزيران/يونيو 2026، على النظام الانتخابي للمجلس الوطني الفلسطيني، الذي ستُجرى بموجبه انتخابات المجلس في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني 2026، حيث سيُنتخب أعضاء المجلس الوطني في انتخابات عامة ومباشرة، وفق نظام التمثيل النسبي الكامل (القوائم).
وقد حدد النظام عدد أعضاء المجلس الوطني بـ350 عضوًا، منهم 200 عضو يمثلون دائرة الأراضي الفلسطينية (الداخل)، و150 عضوًا يمثلون الفلسطينيين في الخارج والشتات.
وفي هذا الإطار، يسعى مركز رؤية للتنمية السياسية، من خلال استقراء آراء العديد من القيادات الشعبية والسياسية والأكاديميين، إلى تفسير الدوافع والحيثيات التي أفضت إلى هذا القرار، من حيث أهدافه وتوقيته، مع تحليل طبيعة النتائج المترتبة عليه، ومدى انعكاسها على القضايا الوطنية الأخرى، بما فيها مسألة تقليص فجوة الانقسام السياسي الداخلي.
وقد استُعرِضَت الآراء من خلال المحاور والأسئلة التالية:
- ما أهداف إجراء انتخابات المجلس الوطني قبل نهاية العام الجاري؟
- كيف يمكن أن ينعكس تنظيم انتخابات المجلس الوطني على حالة التوافق الفلسطيني الداخلي؟
- ما أبرز الملاحظات على صيغة النظام الانتخابي المعتمد (التمثيل النسبي الكامل)، مع تحديد 200 مقعد لفلسطينيّي الداخل، و150 مقعدًا لفلسطينيّي الشتات؟
- هل تملك لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية الصلاحيات والقدرة الكافية للإشراف الفردي والتحضير لهذه العملية الانتخابية؟ أم أن هناك حاجة لهيئات وطنية أخرى لمساندتها في هذا الدور؟
- ما أبرز العوائق التي قد تحول دون إجراء الانتخابات في موعدها المقرّر في تشرين الثاني/ نوفمبر 2026؟
ويمكن تلخيص آراء الخبراء بما يلي:
- رغم أن الانتخابات تمثل ضرورة وطنية لتجديد شرعية مؤسسات منظمة التحرير وتعزيز تمثيل الفلسطينيين في الداخل والخارج، فإنّ غياب التوافق الوطني حول توقيت التنفيذ وآلياته يثير تساؤلات حول أهداف هذه الخطوة.
- يُخشى أن يهدف إجراء الانتخابات دون توافق وطني مسبق إلى إعادة تشكيل مؤسسات المنظمة بما يخدم توجهات سياسية محددة، ممّا يكرّس هيمنة طرف واحد على القرار الفلسطيني.
- نجاح الانتخابات مرهون بتحقيق توافق وطني شامل يضمن مشاركة جميع القوى والفصائل الفلسطينية، إذ إن أي انتخابات أحادية ستؤدي إلى تعميق الانقسام وإضعاف شرعية المؤسسات.
- ترتبط فعالية النظام الانتخابي القائم على التمثيل النسبي الكامل بمدى عدالة توزيع المقاعد وضمان شمولية التمثيل للكل الفلسطيني.
- يؤخذ على الصيغة المطروحة لتوزيع المقاعد بين الداخل والشتات عدم تمثيلها لحجم الثقل البشري الحقيقي لفلسطينيي الخارج، فضلًا عما تشوبه من إشكاليات تتعلق بتقسيم الدوائر، واستثناء بعض التجمعات الأساسية، وغياب سجلات انتخابية دقيقة.
- تمتلك لجنة الانتخابات المركزية خبرة فنية وإدارية وازنة، غير أنها لا تستطيع بمفردها إدارة عملية انتخابية تتوزع على مناطق جغرافية متعددة وسيادات دول مختلفة، مما يتطلب تشكيل هيئات إشرافية وتنسيقية مساندة محليًّا ودوليًّا لضمان النزاهة والشفافية.
- تبرز عقبات وتحديات ميدانية كبرى قد تحول دون إجراء الانتخابات في موعدها المقرّر، وفي مقدمتها استمرار الحرب والأوضاع الإنسانية الكارثية في قطاع غزة، وسياسات الملاحقة والتضييق الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس، وصعوبة تنظيم الاقتراع في بعض دول الشتات، إلى جانب استمرار الانقسام الداخلي.
- يُتوقع أن يعمل الاحتلال الإسرائيلي على عرقلة مشاركة الفلسطينيين بشكل فاعل -لا سيما في القدس المحتلة- قياسًا على تجارب انتخابية سابقة، فضلًا عن احتمالية رفض بعض الدول المستضيفة للاجئين تنظيم الانتخابات على أراضيها.
- يتلخص التحدي الحقيقي في ضمان شمولية الانتخابات وعدالتها، وتأمين بيئة سياسية وقانونية وأمنية مناسبة، تفضي في النهاية إلى قيادة وطنية تحظى بقبول واسع وتعزز وحدة النظام السياسي الفلسطيني، بدلًا من تكريس الانقسام القائم.
عمر عساف، منسق لجنة المتابعة لـ”المؤتمر الشعبي الفلسطيني 14 مليون”
إن الهدف الأول من إجراء انتخابات المجلس الوطني هو إحكام السيطرة على المؤسسات وتطويعها، استكمالًا للمسار الذي طُبّق سابقًا في المجالس المحلية، وقبلها في النقابات المهنية والمؤتمر الثامن لحركة فتح.
وتأتي هذه الخطوة استجابةً للضغوط الأوروبية، وفي ظل تآكل الشرعية التي يعاني منها النظام السياسي الحالي، وانحسار تأييده في الشارع إلى نسبة تقترب من 10-12%.
ومع المضيّ في نهج سياسي يقوم على تقديم المزيد من التنازلات، تبدو هذه الانتخابات محاولةً لإيجاد غطاء شرعي يمرر برنامج القيادة الرسمية، ويهيئ المناخ للاستجابة للشروط الإسرائيلية الرامية إلى حصر السقف الفلسطيني في حدود “الحكم الذاتي”. وهي أهداف يرى الرئيس أن بالإمكان تحقيقها لإعادة صياغة النظام السياسي الفلسطيني وهندسته بما يضمن استمراريته ونفوذه.
إنّ الإصرار على السير بهذا الاتجاه بمعزل عن التوافق الوطني والحوار الشامل، سيقود إلى تعميق الانقسام وتوسيع إطاره في المشهد الفلسطيني. وقد يترتب على هذه الخطوة اتساع دائرة الفصائل والتيارات التي ستخرج من إطار المنظمة، مما ينذر بتكريس نهج التفرد والنزعة الديكتاتورية في يد الرئيس والدائرة المحيطة به. وفي نهاية المطاف، لن يسفر هذا المسار إلا عن تعميق عزلة هذه النخبة الحاكمة، ومضاعفة فجوة الاغتراب بينها وبين الشارع الفلسطيني.
وتنطلق الاشتراطات الإسرائيلية أساسًا من فرض الالتزام الفلسطيني بما ورد في اتفاقيات أوسلو، وتحديدًا فيما يتعلق بطبيعة المشاركة الشعبية وحجمها، وحصر مشاركة المقدسيين بالاقتراع عبر مكاتب البريد، وهذا يعني سلبًا صريحًا للسيادة الفلسطينية في القدس.
وفي هذا السياق، فإن الذهاب نحو انتخابات عامة (تشريعية ورئاسية) قبل نهاية العام الجاري، ورغم ما يتردد عن زيادة عدد مقاعد المجلس التشريعي إلى 200 مقعد، سيظل محكومًا بالسقف الذي رسم في اتفاقيات أوسلو، بحيث لا ينتج عنه أي نموذج حقيقي للدولة الفلسطينية، التي بات الحديث عن مقوماتها يتراجع بشكل دراماتيكي. ويفضي هذا المسار في نهاية المطاف إلى مقايضة الحقوق الوطنية والاكتفاء بالقبول بنظام إدارة وظيفية للحالة السياسية، دون تمكين الفلسطينيين من أي من مقومات السيادة والاستقلال الفعلي.
إنّ إجراء الانتخابات في كل أماكن الوجود الفلسطيني يحتاج -بالضرورة- إلى ترتيبات لوجستية ومتسع من الوقت للاستعداد، والأهم من ذلك كله هو التوصل إلى توافق وطني جامع يمنح هذه العملية القوة والشرعية.
ففي قطاع غزة اليوم، تبرز الأولويات الإنسانية الملحة والإغاثة كعناوين لا يمكن تجاوزها، فضلًا عن أن الحرب لم تضع أوزارها بعد، إذ إن ما يمارسه الاحتلال يوميًا من استباحة وقتل يتطلب البحث عن مناخ ملائم يتيح للفلسطينيين حدًّا أدنى من الاستقرار والأمان لتأدية هذا الاستحقاق.
وفي الضفة الغربية، تشكل سياسات وجرائم المستوطنين -المحمية بغطاء سياسي وأمني من حكومة الاحتلال والجيش- تقويضًا مستمرًا لأسس الحياة اليومية وعقبة أمام أي حراك سياسي، وهو الواقع ذاته الذي ينسحب على مدينة القدس المحتلة.
هذا المشهد البالغ التعقيد والصعوبة يجبر الكل الفلسطيني على عدم التسرع، والذهاب بدلًا من ذلك نحو بلورة خطة وطنية متوافق عليها تضمن نزاهة الانتخابات وشفافيتها، تفاديًا للوقوع في فخ الانتخابات الشكلية التي قد تُفصّل نتائجها وتُفرض قسرًا بتواطؤ من بعض الأطراف الدولية لتمرير نتائج وفقًا للمقاس السياسي.
يعتبر توزيع مقاعد المجلس الوطني بواقع 200 مقعد للداخل و150 مقعدًا للشتات يجافي معايير العدالة التمثيلية، إذا ما انطلقنا من مبدأ أن المجلس يجب أن يعكس الوزن الديمغرافي والواقع الحقيقي للتجمعات الفلسطينية في أماكن وجودها كافّة. وتأسيسًا على ذلك، فإن الإنصاف يقتضي أن تكون هذه النسبة معكوسة تمامًا؛ بحيث يُخصص 200 مقعد للخارج مقابل 150 مقعدًا للداخل.
ومن جانب آخر، فإن الإعلان الاستباقي عن تقسيم ساحات الخارج إلى ثماني دوائر انتخابية يمثل توجيهًا مسبقًا للعملية برمتها، فالغاية الأساسية تكمن في إجراء انتخابات حرّة ونزيهة، لا تكريس تقسيمات مصطنعة تؤسس لنظام محاصصة وتوزيع نفوذ.
وأمام هذا كله، يظل غياب السجلات الانتخابية الدقيقة والمحدثة في بلدان اللجوء والشتات معضلة مستعصية، من شأنها التشكيك في صحة ودقة التمثيل الممنوح لكل ساحة منها.
تدرك لجنة الانتخابات أن قدراتها وحدها لا تكفي لتولي مهمة الإشراف والرقابة الشاملة على انتخابات المجلس الوطني، لا سيما في ساحات الشتات الخارجية. وبحسب المعلومات المتداولة، فإن اللجنة ذاتها طلبت من الرئاسة تأجيل موعد الانتخابات ريثما تُشكَّل لجان إشراف مساندة في الخارج، وتُهيّأ البيئة المواتية لضمان نزاهة العملية وشفافيتها. إذ يتطلب هذا المسار جهودًا مضنية تبدأ أولًا بإنشاء وتحديث السجلات الانتخابية للناخبين في الشتات، وصولًا إلى تنظيم وتأمين عملية الاقتراع ذاتها.
تتعدد معوقات العملية الانتخابية وتتشابك، فبينما تبدأ العقبة الأولى بغياب التوافق والحوار الوطني الجامع للاتفاق على أسس واضحة، تتمثل العقبة الثانية في الكارثة الإنسانية وحرب الإبادة المستمرة في قطاع غزة. أما التحدي الثالث، فيكمن في غياب السجلات السكانية الموثوقة للفلسطينيين في مختلف ساحات وجودهم بالخارج، يضاف إليها عائق رابع يتمثل في ممارسات الاحتلال واعتداءاته المتواصلة في الضفة الغربية والقدس. وبناءً على ذلك، فإن المدخل الأساسي لتجاوز هذه العقبات برمتها يكمن في تصويب الثغرات تمهيدًا للوصول إلى بيئة مواتية وناضجة لانتخابات حرة ونزيهة.
رياض العطاري، عضو المكتب السياسيّ للاتحاد الديمقراطي الفلسطيني- فدا
أثار الإعلان عن إجراء انتخابات المجلس الوطني قبل نهاية العام الجاري تساؤلات عديدة لدى مختلف القوى والأحزاب السياسية -سواء من داخل منظمة التحرير أو خارجها- حول أبعاد هذا التوقيت ودلالاته.
وتتبلور غايات هذه الخطوة ضمن مسارين رئيسين؛ أولهما: تلبية ضرورة وطنية ملحة، وثانيهما: الاستجابة لمطلب دولي ضاغط لا ضير في التعاطي معه، ما دامت العملية الانتخابية تُجرى وفق الرؤية والشروط الوطنية الرامية إلى تجديد الشرعية الفلسطينية.
إن إعادة بناء شرعية المؤسسات بعد هذا الغياب الطويل أصبح استحقاقًا ملحًّا، فهو يفسح المجال لإشراك قوى وشرائح مجتمعية جديدة في صنع القرار، ويسهم في رص صفوف البيت الفلسطيني الداخلي الممزق. ولا سيما في ظل ما يواجهه الشعب الفلسطيني من تحديات مصيرية، وفي مقدمتها ظروف الحرب الراهنة والمتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة. ومن شأن هذا الإصلاح أن يعزز الحضور والمكانة الفلسطينية في المحافل الدولية، عبر تقديم مؤسسات فاعلة قادرة على تمثيل القضية والشعب على المستويات كافة.
ومع ذلك، يظل تقييم هذه الدوافع مرتبطًا بالتموضع السياسي لكل طرف، وبآلية إجراء الانتخابات ومدى شموليتها. وفي هذا الإطار، يندرج السجال الداخلي الراهن تحت سؤال جوهري واحد: كيف ستنعكس هذه الانتخابات على جهود المصالحة؟
وثمة منظوران يفسران هذا المشهد؛ الأول: يرى في التوافق رافعة لإنعاش الحياة السياسية الفلسطينية، وتجديد حيويتها. والثاني: يحذّر من أنّ غياب هذا التوافق سيؤدي حتمًا إلى تكريس الانقسام، وزيادة الخلافات حول شرعية المؤسسات الفلسطينية. بناءً على ذلك، فإن التوصل إلى إجماع وطني قبل الشروع في أي مسار انتخابي ليس مجرد خيار، بل هو مطلب أساسي وضرورة قصوى لضمان إنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة.
ومع ذلك، يظل السؤال المركزي شاخصًا حول فرص نجاح هذه التجربة الانتخابية، إذ يبدو أن حظوظ تنظيم انتخابات شاملة ومتزامنة (للمجلس الوطني والتشريعي والرئاسة) تشمل الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة والشتات، تظل ضئيلة ومحدودة. فالعملية برمتها تبدو أقرب إلى معركة نضالية تستوجب مواجهة حزمة من العقبات والتحديات.
ويقف الاحتلال الإسرائيلي في صدارة هذه التحديات؛ لكونه يتحكم في الجوانب اللوجستية كافة في الأراضي المحتلة عام 1967، فضلًا عن تصاعد الهجمة الاستيطانية، والحرب الممنهجة المفتوحة ضد السلطة الفلسطينية، مما يشير إلى أن الحكومة الإسرائيلية الحالية ليست بوارد السماح بأي حالة استقرار سياسي فلسطيني، تكرارًا لسيناريو عرقلتها لانتخابات عام 2021.
ويضاف إلى التحدي الخارجي عوامل ذاتية ومحلية، فاستمرار الانقسام والخلافات حول آليات التمثيل والانتخاب جعلت السلطة الفلسطينية عاجزة عن بسط سيادتها كلاعب رئيس وحيد في كامل الجغرافيا المحتلة، لا سيما في قطاع غزة الذي تدير حركة حماس تفاصيله وإدارته الحكومية والأمنية بصفة منفردة. فالشروع في هذه الانتخابات في ظل غياب التوافق الوطني، لن يؤدي إلا إلى استدامة حالة الانقسام -وربما تعميقه- واستمرار نهج التفرد في تشكيل المؤسسة القيادية الفلسطينية.
وعلاوة على ذلك، تبرز معوقات إقليمية ودولية ترتبط بمدى سماح بعض الدول المضيفة للاجئين بإجراء الاقتراع فوق أراضيها، وتخوفها من اصطدام هذا النشاط بمفهوم المواطنة لديها، أو تداخله مع حساباتها السياسية الداخلية. تستدعي هذه العقبات المتداخلة جهدًا دوليًا وازنًا لتبديد التعقيدات، وضغطًا سياسيًا حقيقيًا ومباشرًا على إسرائيل لتهيئة بيئة تسمح بإنجاز هذه الانتخابات.
ومن المنظور الموضوعي، يبرز هنا اتجاهان؛ الأول: يرى أن رهن إصلاح الهياكل الوطنية وتفعيلها بالتوصل إلى توافق شامل ومسبق لن ينتج عنه سوى جمود سياسي، وبالتالي فإن إجراء الانتخابات قد يمثل دفعة لتنشيط هذه المؤسسات وإخراجها من حالة الركود.
في المقابل، يحذر الاتجاه الثاني من أن أي إعادة هيكلة للمؤسسات بمعزل عن الإجماع الوطني ستؤول إلى تقويض شرعيتها وإضعاف دورها، فضلًا عن تكريس هيمنة الأطراف المشاركة على حساب المقاطعة، مما يضع عراقيل إضافية أمام مساعي المصالحة المستقبليّة.
وتأسيسًا على ذلك، يتضح أن المعضلة الحقيقية لا تكمن في عملية الاقتراع بحد ذاتها، بل في شموليتها وقدرتها على إفراز قيادة وطنية تحظى بالتفاف شعبي وفصائلي واسع، فالشرعية القيادية في التجربة الفلسطينية تاريخيًا استندت إلى التوافق الوطني والشراكة السياسية بقدر ما تطلبت الصناديق والعملية الانتخابية.
أما ما يتعلق بالنظام الانتخابي ومدى عدالته، فإن نظام التمثيل النسبي الكامل ينطوي على أهمية كبيرة، ويحقق أهدافًا مهمة، أبرزها كسر احتكار الهيمنة لدى القوى السياسية الكبرى، وإتاحة الفرصة للأحزاب والمجموعات الصغيرة للمشاركة والتأثير، ولا سيما عند خفض نسبة الحسم، مما يمهد لتأسيس كيان فلسطيني متعدد وأقرب للعدالة والمشاركة الواسعة، بدلًا من تكريس الإقصاء.
ومع ذلك، يظل نجاح هذا النظام رهنًا بمدى التوافق الوطني الذي يضمن مشاركة الشرائح كافة بسهولة.
يبرز دائمًا التساؤل حول نزاهة الرقابة، وقدرة الجهات المشرفة على ضمان سلامة العملية الانتخابية. ومع أن لجنة الانتخابات المركزية تحظى بثقة وطنية وازنة، فإن فتح الباب لإشراك هيئات رقابية أخرى -محلية ودولية- لا يُعدُّ تقليلًا من مكانة اللجنة، بل تعزيزًا لشفافية المسار وتثبيتًا لمصداقيته، كما جرى في الانتخابات عام 1996، وانتخابات عام 2006، وانتخابات البلديات بمراحلها المختلفة.
وبناءً على ذلك، يصبح السماح للمؤسسات غير الحكومية والاتحادات والهيئات، والمراقبين المستقلين بممارسة دورهم أمرًا ضروريًا، إذ إن المسألة لا تقف عند الحدود الفنية والإدارية البحتة، بل تتجاوزها إلى البعد السياسي الذي سيكون محط أنظار ومتابعة من الأطراف المحلية والإقليمية والدولية.
د. إبراهيم أبو جابر، أستاذ العلوم السياسية ومدير مركز الدراسات المعاصرة سابقًا، أم الفحم
يطرح السؤال الجوهري نفسه: كيف لحركة تحرر وطني ممثلة في منظمة التحرير الفلسطينية أن تخوض غمار انتخابات لا تعكس منطلقها الأساسي المتمثل في مشروع التحرر الوطني؟ ولا تترجم رؤية جامعة تتوافق عليها الفصائل المنضوية تحت مظلتها أو تلك التي تقع خارجها؟
إنّ هذا التناقض يفتح الباب على مصراعيه للبحث في الغايات الفعلية، فهل تندرج هذه المساعي في سياق الاستجابة لضغوط إسرائيلية وإقليمية ودولية ترمي إلى تفريغ المنظمة من مضمونها الثوري والكفاحي، والالتفاف على برامجها التاريخية بهدف تمييع مؤسساتها وإنهاء دورها؟ أم أنها مجرد انعكاس لتقاطع مصالح فئوية لتيارات متنفذة تسيطر على النظام السياسي وتتحكم في مفاصله، دون أدنى اعتبار للمصالح الوطنية المشتركة والمتوافق عليها فلسطينيًا؟
ومما لا شك فيه أنّ المجلس الوطني يعاني ركودًا مزمنًا في اجتماعاته ودوره، وأن محاولات إعادة إحيائه وتفعيله تمثل ضرورة وطنية ملحة، غير أن الدخول في مسار انتخابي يفتقر إلى الوضوح والتوافق المسبق سيلقي بظلال كثيفة من الشكوك والتحفظات على نزاهة العملية ومخرجاتها. ويبقى التساؤل الأكثر واقعية وإلحاحًا: كيف يمكن إجراء عملية اقتراع حقيقية في ظل غياب تام لبيئة مهيّأة ومواتية، سواء في الأراضي المحتلة أو في بلدان اللجوء والشتات؟
وتأسيسًا على ما تقدّم، فإن إجراء الانتخابات في ظل هذه المعطيات والملاحظات لا يدعو إلى التفاؤل بأن تفضي العملية إلى انعكاسات إيجابية، لا سيما في وقت تمر فيه القضية الفلسطينية بمحاولات تصفية متسارعة، فما يجري في قطاع غزة يكشف عن مخطط إسرائيلي للسيطرة على نحو 70% من أراضيه، في حين بات مشروع ضم الضفة الغربية مسألة وقت لا أكثر.
وبناءً عليه، فإن المضي في المسار الانتخابي دون إجماع وطني لن يسفر إلا عن اتساع الشرخ الداخلي بين حركة فتح وبقية الفصائل والقوى الوطنية، بل ربما يضعنا أمام مواجهة فلسطينية داخلية إذا ما أفرزت الصناديق برامج مغايرة للبرامج التي تأسست عليها منظمة التحرير.
وفي هذا الإطار، تبدو حظوظ إجراء الانتخابات متفاوتة جغرافيًّا، فبينما يمكن إنجازها في الضفة الغربية ضمن ترتيبات أمنية وإدارية معينة، على غرار ما حدث في انتخابات المجلسين الثوري والمركزي، فإن الاحتلال في القدس المحتلة سيعمل على إفشالها بكل السبل، وحتى إن سمح بها فستكون وفق معايير تمنع التمثيل الحقيقي للمقدسيين، ولن يغير من هذا الواقع اللجوء إلى خيار الانتخابات الإلكترونية الذي تظل نزاهته وموثوقية نتائجه محل شك كبير.
وعلى صعيد الشتات، فإن رفض العديد من الدول المستضيفة للاجئين، وفي مقدمتها الأردن، السماح بإجراء هذا الاستحقاق فوق أراضيها، سيحرم شرائح واسعة من فلسطينيي الخارج من حقهم الطبيعي في المشاركة والاقتراع. والواقع ذاته ينسحب على قطاع غزة، إذ إن الوضع الإنساني الكارثي، وتزاحم الأولويات الإغاثية والمعيشية، فضلًا عن غياب التوافق مع بقية الفصائل والقوى، عوامل تؤكد مجتمعةً أن القطاع لن يحظى بحضور فاعل أو تمثيل حقيقي في هذه الانتخابات.
يعتبر الذهاب إلى الانتخابات دون توافق وطني جامع مؤشرًا على سعي حركة فتح للهيمنة والسيطرة على المؤسسات كافّة، وهو نهج غير صحي سيؤدّي حتمًا إلى تعميق حالة الانقسام، وتكريس نهج التفرد بالقرار المؤسسي الفلسطيني، وحصره في يد فئة محددة.
وفيما يتصل بالنظام الانتخابي، فمن الأهمية بمكان ضمان أقصى درجات الشفافية والنزاهة بما يكفل حق الجميع في المشاركة، وهو مسار يستوجب بالضرورة صياغة توافق وطني شامل بإجماع الكل الفلسطيني.
وفي هذا السياق، فإن تخصيص 200 مقعد لفلسطينيي الداخل مقابل 150 مقعدًا لفلسطينيي الشتات يُعد إجراءً غير منصف ولا عادل، بالنظر إلى أن عدد فلسطينيي الشتات يوازي عدد فلسطينيي الداخل، وربما يتجاوزه، مما يتطلب مراجعة جذرية لهذه المعايير لئلا تظل محكومة بالمزاج والمصالح السياسية الضيقة.
يثير المضي في مبدأ التقسيم العددي بهذا الشكل مخاوف حقيقية من كونه يمهد لآلية تعيين مسبق أو نظام محاصصة (كوتات)، يجري تمريره تحت غطاء عملية انتخابية شكلية، تُستغل فقط لتجميل توزيع الحصص وتأمين السيطرة المطلقة على إدارة المجلس الوطني وبقية مؤسسات صناعة القرار.
د. أيمن دراغمة، نائب سابق بالمجلس التشريعي الفلسطيني
تتداخل الأسباب والدوافع وراء الدعوة لإجراء انتخابات للمجلس الوطني بين ما هو معلن وسياقاته الدبلوماسية، وبين ما يقع في جوهر الحسابات السياسية الداخلية. ففي العلن، تُسوّق هذه الدعوة بوصفها خطوة لتجديد شرعية مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية التي عانت من التكلس والتقادم، والذوبان التدريجي تحت جناح السلطة الفلسطينية. كما تأتي استجابةً لضغوط المجتمع الدولي، والاتحاد الأوروبي على وجه الخصوص، للمطالبة بالإصلاح الهيكلي، ومحاربة الفساد، وتطوير منظومة العدالة والقضاء، كشروط أساسية لاستمرار الدعم المالي والسياسي والدبلوماسي.
ومع ذلك، فإن هذا الهدف المعلن يصطدم بحقائق مغايرة على الأرض تُفقد هذه الدعوة الكثير من مصداقيتها، فمع هذه الدعوة الهامة لا يزال مصير الانتخابات التشريعية والرئاسية غير واضح رغم إصدار مرسوم رئاسي بتحديدها قبل نهاية العام، إلا أن إلغاء انتخابات المجلس التشريعي عام 2021 قبيل بدء الدعاية الانتخابية بساعات يبقى علامة الاستفهام حاضرة إن كانت كل هذه محاولات لامتصاص الضغوط أم أن هناك قناعة حقيقية باستكمال إجراءات الانتخابات. يضاف إلى ذلك قيام رئيس السلطة بحل المجلس التشريعي عبر المحكمة الدستورية (التي شُكّلت في سياق يثير جدلًا قانونيًا)، مع وقف الرواتب التقاعدية لثلثي أعضائه، ورفض تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة ببطلان هذه القرارات. علاوة على ذلك، فإن هذه الدعوة جاءت بقرار منفرد بعيدًا عن أي حوار وطني شامل أو توافق داخلي، مما دفع المراقبين للتشكيك في أهدافها الحقيقية.
وبناءً على الخبرة التاريخية مع طروحات السلطة والمنظمة وإدارتهما السياسية على مدار العقدين الماضيين، يرجح أن هذه الدعوة جاءت للاستجابة للمطالب الأوروبية من جهة، وتموضعًا استباقيًّا في ترتيبات “اليوم التالي” لقطاع غزة من جهة أخرى، فضلًا عن محاولة التكيف مع الوقائع الميدانية التي يفرضها الاحتلال في الضفة الغربية.
ولدحض هذه الشكوك، يتعين على القيادة الفلسطينية إعلان مسار واضح لإعادة بناء البيت الفلسطيني وفقًا للاتفاقيات الداخلية والقانون الأساسي المعدل لعام 2003، على أن تصدر الدعوة للانتخابات ضمن إطار توافقي تشارك فيه فصائل العمل الوطني كافة. ويتطلب هذا التوافق تشكيل لجان متخصصة، منها لجنة لصياغة قانون الانتخابات، ولجنة عليا تتولى الرقابة والمتابعة لأعمال لجنة الانتخابات المركزية. وتناط بهذه اللجان مهمة ضبط الإجراءات اللازمة لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني ومؤسسات المنظمة، والجدولة الزمنية لهذه الاستحقاقات بما يتسق مع الأولويات الوطنية، وفي مقدمتها إنجاز المصالحة.
الإصرار على المضي في مسار الانتخابات دون توافق وطني مسبق سينتج عنه تداعيات خطيرة على مستقبل النظام السياسي ومستقبل القضية الفلسطينية وحاضرها، فالذهاب إلى صناديق الاقتراع يتطلب حسم قضايا محورية كما أشرت مثل تشكيل لجنة صياغة قانون الانتخابات، وتحديد أماكن وإجراءات الإشراف عليها، وتوفير منصات رقمية موثوقة لحصر وتحديث السجل الانتخابي الفلسطيني لغزة والشتات، وبدون هذه الترتيبات، فإن العملية برمتها ستفقد مشروعيتها الإجرائية، بل تصبح مستحيلة التحقق.
يثير إجراء الانتخابات في هذا التوقيت تساؤلات جوهرية حول جدواها وأهميتها، إذ إن المضيّ فيها بمعزل عن التوافقات الوطنية سيؤدي حتمًا إلى تكريس الواقع المأزوم، والمتمثل في سلطة ضعيفة، ومنظمة تحرير مغيبة، ورئاسة تفتقر لتجديد الشرعية وسط تراجع شعبي ملحوظ بحسب استطلاعات الرأي.
وبدلًا من أن تكون الانتخابات مخرجًا، فإنها ستتحول إلى أداة لإعادة إنتاج الوضع الحالي دون منح القيادة ثقة الشعب، الذي يضع تشكيل قيادة موحدة وإنهاء الانقسام على رأس أولوياته. زيادة على أن هذه الدعوة تأتي في وقت يواجه فيه الوجود الفلسطيني والهوية الوطنية الفلسطينية والأراضي الفلسطينية تهديدات غير مسبوقة؛ حيث بات خطر الاستيطان والضم يهدد كل أراضي الضفة الغربية، بل أصبح على بعد أمتار من مراكز القرار في الضفة الغربية والمقاطعة ذاتها، بالتزامن مع غياب خطة واضحة ومقنعة من السلطة تجاه قطاع غزة المنهك.
تواجه عملية إجراء الانتخابات الشاملة في مختلف الأقاليم عوائق سياسية وميدانية معقدة تحول دون نجاحها، فقطاع غزة يعيش واقعًا إنسانيًّا وميدانيًّا قاهرًا يضع الانتخابات خارج أولويات المواطنين، كما يصعب تنظيمها في ظل غياب مؤسسات السلطة وعدم التوافق مع الفصائل التي تدير القطاع.
أمّا في القدس المحتلة، تقف سياسات الاحتلال الإسرائيلي حائلًا دون أي نشاط سياسي أو انتخابي فلسطيني داخل المدينة، مما يجعل إجراءها هناك شبه مستحيل. وعلى صعيد الشتات الفلسطيني، يواجه فلسطينيّو الخارج (الذين يمثلون الأغلبية) غياب الهيئات التنسيقية الموحدة، فضلًا عن القيود القانونية والسياسية لبعض الدول المضيفة التي ستمنع إجراء انتخابات دولة أخرى على أراضيها، هذا بالإضافة لعدم وجود سجل انتخابي للفلسطينيين في الشتات.
ولا بد من التنويه إلى الملاحظات القانونية واللوجستية الهامة حول قانون الانتخابات المقترح، فالمعلومات المتوفرة حوله تشير إلى وجود خلل حاد؛ حيث تم الحديث عن تخصيص 150 مقعدًا للشتات مقابل 200 مقعد للمحافظات الشمالية والجنوبية والقدس، وهذا التوزيع لا يضمن تمثيلًا عادلًا لفلسطيني الخارج الذين يمثلون الغالبية العظمى من السكان. ويُخشى أن هذا التصميم للمقاعد يستهدف تأمين النصاب العددي اللازم لانعقاد جلسات المجلس الوطني حتى لو تعذر إجراء الانتخابات في القدس أو أجزاء واسعة من الشتات، مما يعني التضحية بالقيمة الديمقراطية والتمثيلية لصالح الإجراء الشكلي.
وعلى الصعيد التنظيمي، ورغم الثقة العالية والمهنية التي تتمتع بها لجنة الانتخابات المركزية لدى كل الأطراف، إلا أن انتخابات المجلس الوطني تتجاوز قدراتها التنفيذية المنفردة؛ فهي تتطلب لجانًا مساندة في الخارج، وتنسيقًا مع الجاليات، ودعمًا دبلوماسيًا من الدول المضيفة وسفارات فلسطين. وإن غياب رؤية لتشكيل لجنة عليا للإشراف على الانتخابات تكون لجنة الانتخابات المركزية عمودها الفقري يعد ثغرة تنظيمية تعيق التنفيذ في الشتات.
وختامًا، إن الاستمرار في هذا المسار الأحادي قد يؤدي إلى مقاطعة واسعة من القوى السياسية، والفصائل الوطنية، والشخصيات المستقلة. والمضي في انتخابات غير توافقيّة لن يسفر سوى عن مجلس وطني مشوه لا يمثل الإرادة الشعبية الحقيقية، بل سيكون أقرب إلى “مجلس حكم ذاتي” يعيد إنتاج وتسويق القيادة الحالية دوليًا تحت لافتة “الممثل الشرعي” دون رصيد ديمقراطي حقيقي.
ولتفادي هذه النتائج الكارثية، ينبغي على الجهة الداعية للانتخابات التوقف والمراجعة، والعودة إلى المسار الصحيح المتمثل في حوار وطني شامل يصوغ ميثاقًا جامعًا لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس ديمقراطية توافقية صلبة، ضمن خارطة طريق وطنية شاملة.



