الضمّ غير المُعلن: ما دور مكبّات النفايات الإسرائيلية في التوسّع الاستيطاني؟

رغد عزام
شهدت الضفة الغربية خلال العقود الأخيرة توسّعاً في مواقع ومنشآت النفايات المرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي والمستوطنات، بما في ذلك المكبات ومحطات المعالجة ومرافق التخلص من النفايات. وقد تناولت معظم النقاشات المرتبطة بهذه المنشآت آثارها البيئية والصحية، مع تركيز خاص على التلوث والمخاطر التي تتحملها التجمعات الفلسطينية القريبة منها[1]. وفي سياق الاستعمار الاستيطاني، فإن هذه الآثار لا تتوقف عند حدود الأضرار البيئية، بل تؤثر أيضاً في العلاقة بين السكان وأراضيهم. إذ يؤدي إضعاف القدرات الإنتاجية للأرض، وتراجع جدواها الاقتصادية، وتقييد إمكانات استغلالها، إلى تقويض استقرار التجمعات الفلسطينية، وإضعاف سيطرتها الفعلية على الأرض، في وقت تتواصل فيه مشاريع التوسع الاستيطاني وإعادة تشكيل المجال الفلسطيني.
وتنطلق هذه الورقة من اعتبار منشآت النفايات الإسرائيلية جزءاً من وقائع الضم الجارية بتسارع في الضفة الغربية، وتبحث في الكيفية التي تؤثر من خلالها هذه المنشآت في وظائف الأرض وقدراتها الإنتاجية، وفي التوزيع غير المتكافئ للتكاليف البيئية والاقتصادية بين الاحتلال والفلسطينيين، وفي أنماط السيطرة على الموارد والبنية التحتية. كما تفحص الدراسة العلاقة بين هذه التحولات وبين مسارات الضم الاستيطاني.
نشأة ظاهرة المكبّات الإسرائيلية وتوسّعها
ارتبطت قضية النفايات الإسرائيلية في الضفة الغربية بإنشاء المستوطنات والمناطق الصناعية الإسرائيلية منذ عقود، حيث استُخدمت المناطق الفلسطينية لاستقبال أنواع مختلفة من النفايات القادمة من الاحتلال والمستوطنات، بما في ذلك النفايات الصناعية والطبية والإلكترونية والمواد الكيميائية الخطرة والحَمأة[2]. وقد ساعدت السيطرة الإسرائيلية على مناطق واسعة من الضفة الغربية، ولا سيما المناطق المصنفة (ج)، في نقل جزء من أنشطة معالجة النفايات والصناعات الملوِّثة خارج مناطق سيطرة الاحتلال، مستفيدة من انخفاض تكاليف التخلص من النفايات وضعف الرقابة الفلسطينية. ووفق منظمة بتسيلم، يدير الاحتلال أكثر من 15 منشأة لمعالجة النفايات في الضفة الغربية، من بينها ست منشآت مخصصة للنفايات الخطرة.
وتثير هذه الممارسات إشكاليات قانونية تتعلق بحظر نقل النفايات إلى الأراضي المحتلة بموجب قواعد القانون الدولي واتفاقية بازل بشأن التحكم في نقل النفايات الخطرة والتخلص منها عبر الحدود، كما تتعارض مع قانون البيئة الفلسطيني الذي يحظر إدخال النفايات الخطرة إلى الأراضي الفلسطينية. وقبل السابع من أكتوبر 2023، اتجهت السياسات الفلسطينية نحو تقليص المكبات العشوائية وإغلاق معظمها ضمن إستراتيجية لإدارة النفايات، إلا أن القيود المشددة على الحركة، وإغلاق مساحات واسعة من المناطق المصنفة (ج)، وإغلاق الطرق بعد السابع من أكتوبر أدت إلى ظهور عشرات المكبات العشوائية الجديدة، الأمر الذي عزز ضعف الرقابة الفلسطينية على أنشطة التخلص من النفايات في المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، ووفّر مناخاً مواتياً لاستمرار نقل النفايات الإسرائيلية ومعالجتها داخل الضفة الغربية.
توظيف النفايات في خدمة الضم الاستيطاني
يرتبط اتساع نطاق التلوث الناتج عن النفايات ارتباطاً مباشراً بالتوسع الاستيطاني، إذ تؤدي زيادة عدد المستوطنات وتوسع المناطق الصناعية التابعة لها إلى ارتفاع كميات المياه العادمة والمخلفات الصلبة والنفايات الصناعية المنتجة. ومع ازدياد هذه التدفقات، يتسع المجال الجغرافي المتأثر بها، إذ لا يقتصر الأثر المكاني لمكبات النفايات على تخصيص الأرض التي تقام عليها المنشآت، بل يمتد ليتجاوزها إلى الأراضي المحيطة بها من خلال الطرق ومناطق الحماية وشبكات نقل النفايات والطاقة والمياه العادمة. وتتسبب هذه العوامل مجتمعة، بما يرافقها من تلوث وروائح كريهة وحركة دائبة للشاحنات وقيود تخطيطية، في تغيير إمكانات استخدام الأراضي المجاورة. وتؤدي هذه العملية إلى التلاعب في ملكية الأرض؛ فقد تظل ملكيتها فلسطينية من الناحية الاسمية، بينما تتراجع قدرتها الفعلية على دعم النشاط الاقتصادي أو التوسع العمراني.
يظهر هذا بوضوح في مشروع معالجة النفايات وتوليد الطاقة المخطط على أراضي قرية قلنديا، شمال القدس. فقد وزعت سلطة الأراضي الإسرائيلية في عام 2025 أوامر إخلاء على سكان مبنيين يضمان عشرات الفلسطينيين، وشملت الأوامر المنازل والأراضي الزراعية المجاورة. ويرتبط الإخلاء بمشروع واسع لمعالجة النفايات الإسرائيلية، يحتاج تنظيم استخدامات الأرض وربط الموقع بالبنية التحتية الإسرائيلية المحيطة بمنطقة عطروت. كما تتضمن الخطة تغييراً في مسار الجدار وإدخال مساحات فلسطينية إضافية ضمن المجال المباشر للمشروع.
وفي المقابل، تظهر مناطق فلسطينية أخرى خاضعة للسيطرة الإسرائيلية أن التمييز الاستعماري يشمل أيضاً الإهمال البيئي والخدمي، وضعف جمع النفايات وتراكمها، وتراجع خدمات البنية التحتية الأساسية في تلك المناطق. وقد برزت هذه الظاهرة في الأحياء الفلسطينية الواقعة خلف جدار الفصل في القدس، حيث أدى تدهور الخدمات البيئية وتراكم النفايات إلى تفاقم المشكلات الصحية وتراجع جودة الحياة اليومية للسكان. وتؤثر هذه الظروف في القدرة على السكن أو إقامة أنشطة اقتصادية، كما تدفع بعض الأسر إلى البحث عن بدائل سكنية في مناطق أخرى أكثر قدرة على توفير الخدمات الأساسية.
تبين هذه الحالات أن دور مكبات النفايات يتجاوز إدارة المخلفات أو استيعاب التدفقات المتزايدة من النفايات الإسرائيلية، ليصبح جزءاً من تنظيم المجال الفلسطيني نفسه. فمكبات النفايات تغير أنماط استخدام الأراضي المحيطة بها، وتوجه قرارات الاستثمار والتخطيط والبنية التحتية بصورة تتكامل مع الاحتياجات المكانية للمستوطنات والمنشآت الإسرائيلية. ومن خلال هذه العملية، تتحول أجزاء من الأرض الفلسطينية إلى مناطق تؤدي وظائف مرتبطة بالمنظومة الاستعمارية الإسرائيلية، سواء عبر استيعاب النفايات أو خدمة الشبكات اللوجستية والبنية التحتية المرتبطة بها. وتكتسب هذه التحولات أهمية خاصة لأنها تتم بصورة تدريجية ومن خلال أدوات تبدو في ظاهرها خدمية أو بيئية، بينما تسهم عملياً في ترسيخ السيطرة الإسرائيلية عليها، لتغدو البنية التحتية للنفايات إحدى الآليات التي تشارك في إنتاج الوقائع المكانية المرتبطة بالضم على الأرض.
تآكل القاعدة الاقتصادية
تتطلب المكبات ومحطات المعالجة ومرافق إعادة التدوير تخصيص مساحات واسعة من الأراضي، كما تفرض قيوداً على استخدام الأراضي المحيطة بها نتيجة التلوث، والروائح، وحركة الشاحنات، ومتطلبات الحماية البيئية. ويؤدي ذلك إلى إخراج الأراضي الزراعية والرعوية من الدورة الإنتاجية أو خفض قيمتها الاقتصادية، بما يقلل من قدرتها على توليد الدخل وفرص العمل.
ففي منطقة ترمسعيا شمال رام الله، وثقت تقارير ميدانية قيام مستوطنين بتحويل أراضٍ مزروعة بأشجار الزيتون إلى مكبات للنفايات الصناعية، بالتوازي مع تجريف مساحات زراعية واسعة وقطع آلاف الأشجار. وارتبطت هذه الممارسات بفرض قيود على وصول المزارعين إلى أراضيهم وتحويل أجزاء من السهل الزراعي إلى مناطق تستخدمها البؤر الاستيطانية للرعي والزراعة، بما أدى إلى تعطيل استغلال آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية المنتجة.
وتشير تقارير فلسطينية حديثة إلى وجود منشآت ومكبات للنفايات الإسرائيلية في مناطق مثل إذنا (غرب الخليل) ونعلين ورنتيس (غرب رام الله) وقلنديا، حيث ارتبطت عمليات نقل النفايات بالاستيلاء على مساحات من الأراضي الزراعية وتحويلها إلى مواقع لتجميع النفايات أو معالجتها، الأمر الذي تسبّب في تراجع القيمة الاقتصادية للأرض وتقييد إمكانات استغلالها الزراعي مستقبلاً.
تؤثر السمعة البيئية السلبية للمناطق المحيطة بالمكبات في القدرة على تسويق المنتجات الزراعية، إذ يميل المستهلكون والتجار إلى تجنب المحاصيل المرتبطة بمناطق يُنظر إليها باعتبارها ملوثة أو معرضة للمخاطر البيئية. فقد واجه مزارعون صعوبات في تسويق منتجاتهم نتيجة ارتباطها بمناطق متأثرة بالتلوث، ممّا زعزع ثقة المشترين بها وخفض قدرتها التنافسية في السوق. وترافق ذلك مع تراجع إنتاج المحاصيل وارتفاع تكاليف الإنتاج، ما أدى إلى انخفاض العائد الاقتصادي للزراعة، وفرْض ضغوط متزايدة تهدد استدامة استغلال الأرض.
وفي المناطق الرعوية، تؤدي النفايات الإسرائيلية ومخلفات الأنشطة الزراعية في المستوطنات إلى تقليص مساحة المراعي الآمنة، وإضعاف قدرتها على دعم القطعان. وتظهر هذه الآثار في منطقة وسط الأغوار الشمالية، حيث تنتشر مكبات غير مسيجة للنفايات والمخلفات الزراعية التابعة للمستوطنات بالقرب من المراعي والتجمعات البدوية. وقد أدى إلقاء مواد ومخلفات سامة في مناطق الرعي إلى نفوق عشرات رؤوس الأغنام وتهديد بقية القطعان، ما دفع الرعاة إلى تجنب أجزاء من المراعي التي اعتادوا استخدامها وتحويلها عملياً إلى مناطق غير صالحة أو غير مأمونة للرعي. ويؤدي تخصيص هذه المساحة للمكب، وما يرافقه من مخاطر التلوث وانتشار النفايات في محيطه، إلى إخراج هذه الأراضي الرعوية من الاستخدام الإنتاجي وتقليص المساحات المتاحة للرعي، الأمر الذي يرفع اعتماد المربين على الأعلاف والمياه المنقولة، ويزيد تكاليف الإنتاج. ومع استمرار هذه الضغوط تتراجع الجدوى الاقتصادية للرعي وتتقلص أحجام القطعان، وهو ما ينعكس على دخل الأسر التي تعتمد على النشاط الرعوي.
وتبرز النفايات الإلكترونية مثالاً واضحاً على نقل التكاليف البيئية والاقتصادية من الاحتلال إلى الضفة الغربية. إذ تحولت بلدات إذنا وبيت عوا ودير سامت والكوم غرب محافظة الخليل إلى واحدة من أبرز بؤر معالجة النفايات الإلكترونية والخردة في الضفة الغربية. وترتبط هذه الظاهرة بجملة من التحولات الاقتصادية التي شهدتها المنطقة، حيث فقد العديد من السكان مصادر دخلهم التقليدية نتيجة القيود المفروضة على الحركة والعمل، وتراجع فرص العمل داخل الخط الأخضر، ما دفع بعضهم إلى جمع واستيراد النفايات الإلكترونية والمعادن غير الصالحة للاستعمال من تجار إسرائيليين وفلسطينيين. ومع مرور الوقت توسعت هذه الأنشطة وتحولت إلى مصدر دخل لعدد من الأسر، إلا أن عمليات تفكيك النفايات وحرقها لاستخراج النحاس والمعادن الأخرى أدت إلى انتشار حرائق النفايات الإلكترونية وتراكم التلوث في المنطقة، ما جعل هذه البلدات من أكثر المناطق تأثراً بالأضرار البيئية والصحية المرتبطة بهذا النشاط، الأمر الذي يتيح تجنب تكاليف المعالجة القانونية والتخلص الآمن من النفايات داخل الخط الأخضر.
يُقدر الاحتلال حجم النفايات الإلكترونية المنقولة إلى الضفة بنحو 57–64 ألف طن سنوياً، كما قُدرت تكلفة التلوث الناتج عن هذه الممارسات بنحو 1.3 مليار شيكل في عام 2023، مع توقع وصولها إلى نحو 9.1 مليار شيكل تراكمياً خلال الفترة 2023–2030 إذا استمر الوضع القائم. وتكشف هذه التقديرات الحجم الاقتصادي للخسائر المرتبطة بنقل النفايات ومعالجتها داخل الضفة الغربية، حيث تتراجع جودة الأراضي والموارد الطبيعية وتزداد تكاليف الإنتاج والاستصلاح والمعالجة البيئية. ومع تراكم هذه الآثار تنخفض قدرة الأرض على دعم الأنشطة الزراعية والرعوية وتوليد الدخل والتوسع الإنتاجي في المناطق المتضررة. ويساهم ذلك في استنزاف الوظائف الاقتصادية للأرض، وإضعاف قدرتها على دعم الوجود الفلسطيني، الأمر الذي ينسجم مع أهداف السيطرة الإسرائيلية على الأرض، وتوسيع إمكانات الضم الفعلي.
خاتمة
تضع هذه الورقة البنية التحتية للنفايات ضمن الأدوات الاستعمارية التي تساهم في تشكيل المجال الفلسطيني. ويُظهر تحليل العلاقة بين مكبات النفايات الإسرائيلية والقدرات المرتبطة بالأرض أن هذه المنشآت تؤثر في الفرص الاقتصادية التي تتيحها الأرض، وفي إمكانات استخدامها وإدارتها وتطويرها على المدى الطويل. ومن هذا المنطلق، تعتبر مكبات النفايات إحدى الآليات التي تسعى لتوزيع المنافع والأعباء المرتبطة بالأرض، وتسهم في إنتاج الشروط المادية التي يقوم عليها الضم غير المعلن.
[1] يُنظَر: مركز رؤية للتنمية السياسية. (2019). التلوث البيئي بفعل النفايات الخطرة الناجمة عن المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية. إسطنبول: مركز رؤية للتنمية السياسية. https://vision-pd.org/التلوث-البيئي-بفعل-النفايات-الخطرة-ال/
B’Tselem. (2017). Made in Israel: Exploiting Palestinian Land for Treatment of Israeli Waste. Jerusalem: B’Tselem. https://www.btselem.org/publications/summaries/201712_made_in_israel
Stamatopoulou-Robbins, S. (2019). Waste siege: The life of infrastructure in Palestine. Stanford University Press.
Randles, S. (2024). Ripple Effects: Exploring the Environmental Impact of Israeli Settlements’ Wastewater Discharge. Oslo: Norwegian Refugee Council (NRC). https://www.nrc.no/globalassets/pdf/reports/ripple-effects/exploring-environmental-impact-israeli-settlements-wastewater-discharge.pdf
Stefanelli, A., & Taglieri, F. (2026). Environmental Oppression in the West Bank: Is Europe Complicit? Green European Journal, 23 June 2026. https://www.greeneuropeanjournal.eu/environmental-oppression-west-bank-is-europe-complicit/
[2] الحَمأة هي الرواسب شبه الصلبة الناتجة عن عمليات معالجة مياه الصرف الصحي.



