خارطة ميلادينوف والعودة إلى نقطة الصفر: كيف يُعاد تشكيل اتفاق غزة؟

أعاد التقرير الأول الذي قدمه “مجلس السلام” إلى مجلس الأمن، وما تبعه من إحاطة نيكولاي ميلادينوف، فتح النقاش بصورة علنية حول طبيعة المرحلة المقبلة في قطاع غزة، وحدود التحول الجاري في مقاربة اتفاق وقف إطلاق النار المعروف باسم “خطة ترامب” المعتمدة بموجب القرار 2803.
وفي هذا السياق، برزت “خارطة الطريق” التي طرحها ميلادينوف باعتبارها محاولة لإعادة تعريف أولويات الاتفاق ومراحله، عبر نقل مركز الثقل من وقف الحرب وإنهاء الكارثة الإنسانية، إلى عنوان “نزع السلاح” بوصفه المدخل الإلزامي لأي تقدم لاحق.
وتحاول هذه الورقة تفكيك مضامين إحاطة مجلس السلام وخارطة الطريق التي طرحها ميلادينوف، وقراءة الدلالات السياسية والأمنية الكامنة فيها، إلى جانب تحليل المخاطر المرتبطة بمحاولة إعادة صياغة اتفاق وقف إطلاق النار، وتحويله من اتفاق يُفترض أن يقود إلى إنهاء الحرب، إلى إطار مفتوح لإعادة هندسة الواقع الفلسطيني في قطاع غزة سياسيًا وأمنيًا وإداريًا.
إحاطة مجلس السلام: إعادة هندسة غزة بين الإعمار ونزع السلاح
قدّم نيكولاي ملادينوف، الممثل السامي لما يُعرف بـ”مجلس السلام في غزة”، إحاطة أمام مجلس الأمن تناولت أول تقرير مكتوب حول تنفيذ القرار 2803 وخطة إدارة مرحلة ما بعد الحرب في قطاع غزة.
وصف التقرير وقف إطلاق النار بأنه “صمد إلى حد كبير” طوال سبعة أشهر رغم وجود “انتهاكات جسيمة”، من دون تحميل الاحتلال الإسرائيلي مسؤولية مباشرة عنها، رغم استمرار القصف والقيود المفروضة على القطاع.
أقرّ التقرير بأن الوضع الإنساني لا يزال “كارثيًا”، مع استمرار النزوح، وغياب الخدمات الأساسية، وارتفاع البطالة إلى نحو 80%، إضافة إلى تدمير واسع للبنية التحتية والمدارس والمستشفيات. كما قدّر التقرير حجم الدمار بتضرر أو تدمير نحو 85% من البنية التحتية، ووجود نحو 70 مليون طن من الأنقاض، مع حاجة عاجلة إلى 3.1 مليارات دولار لتغطية الاحتياجات الإنسانية الأساسية، إلى جانب تعهدات دولية وصلت إلى 17 مليار دولار لإعادة الإعمار.
وفي الجانب الإداري، تناول التقرير تأسيس “مجلس السلام” واللجنة الوطنية لإدارة غزة باعتبارها الجهة المقترحة لإدارة المرحلة الانتقالية، إلى جانب الحديث عن قوة استقرار دولية، وإعادة تنظيم الخدمات والمعابر والتمويل والإدارة المدنية في القطاع.
إلا أن جوهر الإحاطة تمحور حول ملف نزع سلاح المقاومة، إذ اعتبر التقرير أن إعادة الإعمار لا يمكن أن تبدأ فعليًا دون التوصل إلى اتفاق يقود إلى نزع سلاح حماس والفصائل الفلسطينية، واصفًا ذلك بأنه “المتغير الحاسم” لبدء تنفيذ بقية عناصر الخطة. كما دعا التقرير مجلس الأمن إلى التأكيد العلني والمتواصل على أن نزع السلاح يمثل شرطًا أساسيًا لإطلاق إعادة الإعمار وانسحاب القوات الإسرائيلية ضمن جدول زمني محدد.
وخلال الإحاطة، حاول ملادينوف تغليف صيغة باعتبارها أكثر مرونة لمسار نزع السلاح، مؤكدًا أن السلاح “لن يُسلَّم لإسرائيل”، وإنما إلى “الدولة الفلسطينية” عبر اللجنة الوطنية لإدارة غزة، ضمن عملية تدريجية تخضع لرقابة دولية.
وفي الوقت نفسه، حملت الإحاطة رسائل ضغط واضحة تجاه حركة حماس والفصائل الفلسطينية، إذ لوّح ملادينوف بإمكانية بحث “خيارات عملية” بديلة إذا تعثر مسار الانتقال ونزع السلاح، داعيًا مجلس الأمن إلى استخدام “كل الوسائل المتاحة” للضغط من أجل القبول بخارطة الطريق، بالتوازي مع مطالبة إسرائيل بالالتزام بتعهداتها المتعلقة بوقف إطلاق النار.
خارطة الطريق: الترتيبات المقترحة ورد حركة حماس عليها
عرض ملادينوف خلال الإحاطة، وما تبعها من تصريحات، “خارطة طريق” مكونة من 15 نقطة لتنفيذ الخطة الشاملة الخاصة بقطاع غزة، قال إنها صيغت بعد مشاورات مع مصر وتركيا وقطر والولايات المتحدة، إلى جانب نقاشات مع الفصائل الفلسطينية. وتقوم الخارطة على مبدأ “المعاملة بالمثل”، بحيث ترتبط كل خطوة من أحد الأطراف بخطوة مقابلة من الطرف الآخر، ضمن آلية تحقق دولية مستقلة تشرف على تنفيذ الالتزامات تدريجيًا.
وتشمل الخارطة تثبيت وقف إطلاق النار، وإدارة غزة مدنيًا، وإعادة الإعمار، وإعادة هيكلة المؤسسات الأمنية، إلى جانب ترتيبات نزع السلاح والانسحاب الإسرائيلي التدريجي. كما تنص على أن الهيكل الإداري الذي يضم “مجلس السلام” واللجنة الوطنية لإدارة غزة، هو انتقالي تمهيدًا لعودة السلطة الفلسطينية بعد إعادة هيكلتها. وتربط الخطة الانتقال بين المراحل بتنفيذ الالتزامات المتعلقة بالمساعدات والمعابر والترتيبات الأمنية وفق آلية رقابة دولية.
ويُعد ملف السلاح البند الأكثر حساسية في الخارطة، إذ تتحدث عن “تفكيك تدريجي” لسلاح الفصائل الفلسطينية بدل النزع الفوري، عبر نقل السلاح تدريجيًا إلى جهات فلسطينية تعمل تحت إشراف اللجنة الوطنية لإدارة غزة، بالتوازي مع انسحاب إسرائيلي تدريجي وتوسيع مشاريع إعادة الإعمار.
كما تنص على مبدأ “سلطة واحدة، قانون واحد، سلاح واحد”، وإعادة هيكلة الشرطة المدنية، وعدم وجود أي دور مباشر أو غير مباشر لحركة حماس والفصائل في إدارة القطاع مستقبلًا. كما تربط الخطة أي انسحاب إسرائيلي بإنجاز مراحل “التفكيك التدريجي” وانتشار “قوة الاستقرار الدولية”، مع التأكيد على أن إعادة الإعمار الواسعة تتطلب بيئة أمنية مستقرة وإدارة مدنية موحدة.
في المقابل، جاء رد حركة حماس حادًا تجاه مضمون الخارطة وآلية طرحها؛ فقد اتهم عضو المكتب السياسي للحركة باسم نعيم، ملادينوف بمحاولة خلق جبهة شعبية ضاغطة على المقاومة عبر نشر الوثيقة إعلاميًا، مع تجاهل الخروقات الإسرائيلية والتركيز شبه الحصري على ملف السلاح.
وأكد أن الحركة لا تزال متمسكة بالمفاوضات وتطبيق المرحلة الثانية من الاتفاق، لكن “ليس بطريقة انتقائية أو وفق قراءة نتنياهو”، مشددًا على أن الاحتلال واصل خروقاته اليومية منذ توقيع الاتفاق، بما في ذلك استمرار القتل والتدمير وتوسيع السيطرة الميدانية ومنع إدخال مواد الإعمار.
وشدد نعيم على أن سلاح المقاومة مرتبط بوجود الاحتلال وبحق الشعب الفلسطيني في المقاومة، مؤكدًا أن الحركة أبدت “مرونة عالية” عبر القبول بوقف إطلاق نار طويل المدى وتجميع السلاح ضمن إطار دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة. كما أوضح أن الحركة لا تعارض من حيث المبدأ مقولة “سلطة واحدة وقانون واحد وسلاح واحد”، لكنها تربط ذلك بوجود سلطة فلسطينية شرعية ومنتخبة وفي إطار دولة مستقلة.
إعادة صياغة الاتفاق ودور مجلس السلام
من الواضح أن المدير التنفيذي لمجلس السلام، نيكولاي ميلادينوف، قرر عمليًا القفز عن مسار مفاوضات القاهرة بعد فشل الجولات الأخيرة في انتزاع موافقة فلسطينية صريحة وواضحة على خارطة الطريق التي يطرحها، والتي تتمحور بدرجة أساسية حول ملف نزع السلاح. وقد بدا ذلك جليًا خلال الجلسة التفاوضية التي شارك فيها مستشار مجلس السلام أرييه لايتسون، والتي حملت رسائل تهديد وتلويح واضحة بإمكانية استئناف العدوان على قطاع غزة في حال عدم استجابة الفصائل الفلسطينية للمقاربة المطروحة.
خلال تلك الجولات قدمت الفصائل الفلسطينية، كما الوسطاء، مجموعة من المقاربات والصيغ التي كان يُفترض أن تمنع انهيار المفاوضات أو الوصول إلى طريق مسدود، وفق قاعدة رئيسية تنطلق من كون الأساس هو إلزام الاحتلال بتنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى، كمدخل لنقاش أي تفاصيل مرتبطة بالمرحلة الثانية، بما في ذلك الطروحات المتعلقة بالإدارة الانتقالية، والقوات الدولية، واللجنة الإدارية، وصولًا للمقاربات طويلة المدى المرتبطة بوقف إطلاق النار وقضايا حصر السلاح.
إلا أن تحركات ميلادينوف بقيت محصورة ضمن سقف إسرائيلي واضح، يهدف إلى إعادة اختزال كامل العملية التفاوضية في عنوان واحد هو “نزع السلاح”، بما يتوافق مع رؤية بنيامين نتنياهو الساعية إلى تحويل الاتفاق إلى اتفاق أحادي الالتزامات، تُطالب فيه المقاومة وحدها بتقديم التنازلات، بينما يتراجع الاحتلال عمليًا عن التزاماته المتعلقة بالانسحاب، ووقف الانتهاكات، وإدخال الإعمار، ورفع القيود عن القطاع.
ويُمثل التقرير الذي رفعه مجلس السلام إلى مجلس الأمن أخطر تحول سياسي في وظيفة المجلس منذ تشكيله بموجب القرار 2803. فالمجلس الذي كان يُفترض أن تكون مهمته الإشراف على تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار وضمان احترام بنوده، يتحول تدريجيًا إلى أداة ضغط سياسي وأمني تعمل على إعادة صياغة الاتفاق نفسه، ودفعه نحو مسار مختلف يعيد خلط أولوياته وشروطه.
وتكمن خطورة هذا التحول في أن خارطة الطريق التي يطرحها ميلادينوف لا تتعامل مع المرحلة الثانية باعتبارها استكمالًا لمسار وقف إطلاق النار، وإنما باعتبارها نقطة إعادة تأسيس كاملة للاتفاق، يتم فيها القفز عمليًا عن استحقاقات المرحلة الأولى التي لم يلتزم بها الاحتلال، وإعادة ربط كل شيء، من الإعمار إلى الانسحاب إلى تدفق المساعدات، بمسار “التفكيك” لسلاح المقاومة.
ويحاول ميلادينوف تثبيت مقاربة سياسية وأمنية جديدة تقوم على تحويل ملف السلاح إلى المدخل الإلزامي لأي تقدم إنساني أو سياسي أو اقتصادي في قطاع غزة، بما يعني عمليًا استخدام الكارثة الإنسانية والاحتياجات المعيشية الهائلة في القطاع كوسيلة ضغط سياسية لدفع المقاومة نحو القبول بشروط لم تستطع “إسرائيل” فرضها عسكريًا طوال الحرب.
كما أن التقرير يهيئ بصورة واضحة الرأي العام الدولي لاحتمال استئناف العدوان، من خلال بناء سردية مسبقة تحمل الطرف الفلسطيني مسؤولية تعثر الاتفاق، وتقديم نزع السلاح باعتباره “العقدة المركزية” التي تعطل إعادة الإعمار والاستقرار.
وفي الوقت ذاته، يتعمد التقرير التلاعب في توصيف الخروقات، عبر الحديث عن “انتهاكات” بصيغة عامة ومنسوبة إلى فاعل مجهول، دون تسمية الاحتلال الإسرائيلي بوصفه الطرف المسؤول مباشرة عن القصف اليومي، والتجويع، ومنع الإعمار، وتوسيع السيطرة الميدانية، وتعطيل تنفيذ معظم الالتزامات المتعلقة بالمرحلة الأولى من الاتفاق.
كما أن ربط الانسحاب الإسرائيلي بتنفيذ مراحل “التفكيك التدريجي” يعيد تعريف الانسحاب نفسه، بحيث لا يعود استحقاقًا ناتجًا عن وقف إطلاق النار، ويتحول إلى أداة ابتزاز سياسي وأمني مشروطة بدرجة استجابة المقاومة للمطالب الإسرائيلية، مما يجعل الاحتلال شريكًا في إدارة المرحلة الانتقالية وضامنًا أمنيًا لها، بدل أن يكون طرفًا ملزمًا بإنهاء عدوانه والانسحاب من القطاع.
والمفارقة أن هذا المسار يتقاطع بصورة كبيرة مع الحسابات السياسية الداخلية لرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، الذي يسعى إلى منع تثبيت أي صيغة يمكن أن تُفهم داخليًا باعتبارها نهاية للحرب دون تحقيق هدف “نزع السلاح”. ويبدو أن مجلس السلام، من خلال مبعوثيه ومقارباته، ينخرط بصورة متزايدة في توفير الغطاء السياسي والدولي لهذه المقاربة، حتى لو كان الثمن فتح الباب أمام جولة جديدة من الحرب والدمار والتهجير في قطاع غزة.
الخاتمة
بالرغم من أن مقاربة ميلادينوف، أو ما اصطلح على تسميته بـ”خارطة الطريق” لنزع السلاح، خضعت خلال جولات التفاوض الأخيرة لعمليات تطوير وتعديل مرتبطة بالمواقف التي أبدتها المقاومة الفلسطينية، وبالمقاربات “التجسيرية” التي قدمها الوسطاء في محاولة لمنع انهيار المسار التفاوضي، فإن نطاق هذه التعديلات بقي محصورًا ضمن هامش مناورة لا يمس جوهر المقاربة نفسها، والتي تقوم على تثبيت قاعدة أساسية مفادها أن “نزع السلاح” هو المدخل الإلزامي لكل ما يتعلق بالانسحاب، والإعمار، والإدارة، والاستقرار، وليس استكمال المراحل التي تضمنتها خطة ترامب الأصلية وقرار مجلس الأمن 2803.
وإلى جانب خطورة محاولات استدراج مجلس الأمن لتبني مقاربة مجلس السلام، عبر تحميل المقاومة مسؤولية تعطيل الاتفاق وإنجاز مراحله. فإن التلويح الوارد في إحاطة ميلادينوف بأنه في حال “رفض أو تأخير العملية الانتقالية ونزع السلاح” فإن مجلس السلام سيناقش “أساليب فعالة وعملية لتعزيز استقرار المدنيين والإغاثة الإنسانية والتعافي”، مع التحذير من أن “الوضع الراهن المتدهور قد يصبح وضعًا دائمًا”، يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر خطورة تتجاوز مجرد الضغط التفاوضي.
هذا الخطاب مقرونًا بالحديث المتكرر عن “الخطة البديلة” واللجوء إلى ترتيبات جزئية أو مناطقية، يتقاطع بصورة واضحة مع ما كشفه موقع “أكسيوس” نقلًا عن مصادر أميركية وإسرائيلية، بشأن بحث إدارة ترامب البدء بتنفيذ ترتيبات الحكم والإعمار في مناطق لا تخضع لسيطرة حماس، بعد تعثر المفاوضات المتعلقة بنزع السلاح. كما أشار التقرير إلى لقاءات جمعت ملادينوف ومسؤولين أميركيين برئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو لدفع هذا المسار، بما يعكس وجود توجه متصاعد نحو فرض وقائع انتقالية مجزأة داخل القطاع تحت غطاء إنساني وأمني.
ولا تنحصر خطورة هذا السيناريو في محاولة تجاوز البنية الوطنية في القطاع أو إعادة تشكيل البيئة السياسية والأمنية الفلسطينية فحسب، وإنما في إمكانية أن يتحول إلى مدخل عملي لتكريس تقسيم وظيفي وجغرافي داخل قطاع غزة، يُدار عبر مناطق منفصلة تخضع لترتيبات أمنية وإدارية متفاوتة، بما يبقي أجزاء واسعة من القطاع تحت واقع الإبادة المستدامة، ويحوّل اتفاق وقف إطلاق النار من أداة يفترض أن تنهي الحرب والمعاناة، إلى غطاء سياسي لإدامة الأزمة وإعادة إنتاجها بصيغ جديدة أكثر تعقيدًا وخطورة.



