فلسطينيو أراضي 48: النضال تحت سقف المواطنة الإسرائيليّة

تعتبر هبة الأقصى أو (هبة أكتوبر 2000) بمثابة فصل جديد في تاريخ وذاكرة الفلسطينيين في أراضي الـ48، عندما هبّت الجماهير العربية في مدن وقرى الداخل احتجاجًا على اقتحام زعيم المعارضة الإسرائيلية في حينه، “أرييل شارون”، باحات المسجد الأقصى مدججًا بحراسة أمنية مشددة يوم 28 أيلول/سبتمبر، وهو اليوم الذي شهد اندلاع الانتفاضة الثانية. وقد فتحت قوات الأمن التابعة لحكومة “إيهود باراك” النار على المحتجين العرب، ممّا أسفر عن ارتقاء ثلاثة عشر شهيدًا من قرى وبلدات عربية مختلفة.
شكلت هذه الهبة الوطنية في الداخل لحظة زمنية فارقة نظرًا لارتباطها المباشر بأحداث المسجد الأقصى، على النحو الذي تكرر بعد حوالي عقدين من الزمن حينما التحق العرب في الداخل بهبة الأقصى والشيخ جراح في القدس، فيما عرف بـ “هبّة الكرامة” في أيار/مايو 2021. ويبرهن هذا التلاحم على أن القدس، والمسجد الأقصى فيها على وجه الخصوص، هي الرابط الوجداني والمادي الذي يصل العرب في الداخل بباقي أبناء شعبهم، إذ انبثقت كلتا الهبّتين من الانتهاكات التي طالت المسجد الأقصى تحديدًا.
ما بين هبتين
اندلعت هبة الأقصى عام 2000 نتيجة جملة من الأسباب المختلفة، متراكمة ومتصلة بالواقع المعيش لفلسطينيي الداخل بوصفهم “مواطنين إسرائيليين”، ومن أبرزها: التمييز العنصري، وخيبة الأمل بحكومة “إيهود باراك”. إذ ساهم العرب في إيصال حزب العمل بزعامة “باراك” إلى سدة الحكم في انتخابات عام 1999، أملاً في إحداث تغيير في سياسات المؤسسة الإسرائيلية تجاههم في قضايا مختلفة. وعلاوة على ذلك، برز البعد الوجداني – الديني متمثلًا في التفاعل والالتحام مع قضية المسجد الأقصى، إلى جانب البعد الوطني الذي تجسد في التضامن مع سائر أبناء الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة. ويُضاف إلى تلك العوامل تنامي حالة النقمة لدى فلسطينيي الداخل على الشرطة الإسرائيلية وممارساتها القمعية اليومية بحقهم، والتي تراوحت بين الملاحقة والتضييق، وتحرير المخالفات التعسفية، واتباع إجراءات تمييزية وعنصرية ضدهم لكونهم عربًا.
ومع أنّ هذه الأسباب تعدّ تراكمية وتاريخية، وفقًا لما يراه المفكّر عزمي بشارة في دراسته حول الهبة المعنونة بـ “فصل جديد في تاريخ الجماهير العربية في الداخل”، إلا أنّ ظاهرة “هبة الأقصى عام 2000” نفسها شكّلت حدثًا مستجدًا بالكامل، وهو مكمن أهمية الحدث[1]. وعليه، فإن الأسباب القديمة والتقليدية لا تكفي عادةً لتفسير نشوء ظاهرة جديدة، بحسب أطروحته. ومن هذا المنطلق، اكتسبت هبّة أكتوبر/الأقصى في الداخل مميزاتٍ خاصّة، تثبت انتقال العرب في الداخل إلى طورٍ جديدٍ من تاريخهم النضالي، وذلك من حيث:
- الجاهزية الوطنية – التنظيمية في الداخل، إذ اضطلعت لجنة المتابعة العليا والأحزاب والقوى السياسية الوطنية بدور محوري في تعبئة الشارع العربي وتفعيل حراكه.
- الانكشاف المباشر على العقيدة العدائية للأجهزة الأمنية الإسرائيلية بعد أن فتحت الأخيرة النار واستخدمت الرصاص الحي بحق المتظاهرين، حيث عادت منذ ذلك الحين أجهزة الأمن -بمختلف تشكيلاتها من شرطة وحرس حدود وشاباك مسنودة بالمستوطنين- لفرض قبضتها وتواجدها المكثف في المدن والقرى العربية، لا سيما تلك التي شهدت نشاطًا وحراكًا وطنيًا.
- تبلور وعي جمعي لدى العرب في الداخل بمقولة مفادها أن “الصهيونية لا يمكن أن تنتج يسارها في إسرائيل”، إذ تبددت الأوهام حول وجود فارق جوهري بين ما يسمى “اليسار” و”اليمين” في إسرائيل في سياساتهما تجاه المواطنين العرب تحديدًا، وذلك بعد أن قُتل أبناؤهم برصاص أمن حكومة يُفترض أنها “يسارية”، وهي حكومة “إيهود باراك”.
- انحسار دائرة النقد والمراجعة الذاتية داخل المجتمع الإسرائيلي، وتحديدًا لدى النخب اليسارية والليبرالية التي عبّر بعضها عن “خيبة أمل” في المواطنين العرب، لمجرد خروجهم واحتجاجهم على سياسات الحكومة تضامنًا مع أبناء شعبهم[2].
على أثر استشهاد ثلاثة عشر مواطنًا عربيًا في الداخل، شُكلّت لجنة تقصي حقائق إسرائيلية عُرفت بـ “لجنة أور“، وكان من أبرز ما أسفرت عنه تبرئة الشرطة الإسرائيلية من دماء الشهداء العرب[3]. وقد كانت ردة فعل الشرطة باللجوء إلى الرصاص الحي، مدفوعة بانحيازمؤسسات الدولة والمجتمع الإسرائيليين إلى جانب خيار أجهزة الأمن، كفيلة بإرباك الشارع الفلسطيني في الداخل وتخويفه، ممّا أدى في نهاية المطاف إلى تراجع زخم الهبّة، لا سيّما إذا ما أخذ بعين الاعتبار تحول الانتفاضة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة إلى العمل الكفاحي المسلح ضد جيش الاحتلال. هذا التحول المفصلي كان يدفع القوى والأحزاب العربية في الداخل دائمًا للتراجع من “الشارع إلى رصيفه”، أي الانسحاب والعدول عن الاحتجاج الميداني، والاكتفاء بموقف المراقب، تفاديًا لأن يُنظَر إلى حراك “المواطنين العرب” في إسرائيل بوصفه جزءًا من انتفاضة فلسطينية مسلحة ضدها. وفي سياق متصل، حاولت الحكومة الإسرائيلية وقتئذ -بمختلف مؤسساتها الأمنية والسياسية والإعلامية- تحميل القوى السياسية والقيادات العربية في الداخل المسؤولية عن مقتل المواطنين العرب الثلاثة عشر، في محاولة لدقّ إسفين بين القيادة العربية وجماهيرها.
بعد نحو عقدين، وتحديدًا في أيار/مايو 2021، هبت الجماهير العربية في أراضي الـ48 منتفضةً على خلفية الأحداث في الشيخ جراح والمسجد الأقصى، وهي الانتفاضة التي عُرفت بـ “هبة الكرامة”. وقد اندلعت هذه الهبة نتيجة الأسباب التاريخية المتراكمة ذاتها المتصلة بالتمييز والعنصرية ضد المواطنين العرب، والسلوك القمعي المستمر لأجهزة الشرطة بحقهم، فضلًا عن المكانة المركزية للقدس والمسجد الأقصى، وأثرهما في تحريك الشارع العربي في الداخل الإسرائيلي.
إلا أن ما يميّز هبة أيار/مايو 2021 عن هبة تشرين الأول/أكتوبر 2000، هو أن رقعة الاحتجاج الميداني في الداخل اتسعت لتطال مدنًا وبلدات أوسع بكثير، لا سيما في المدن التي تُعرف بـ “المدن المختلطة”[4] مثل اللد والرملة ويافا، بالإضافة إلى بئر السبع ورهط في النقب. وبذلك تغطي خريطة الاحتجاجات كامل جغرافيا الوجود العربي في الداخل تقريبًا، ممتدةً من النقب في الجنوب، مرورًا بالمثلث والساحل، وصولًا إلى الجليل شمالي البلاد.
كما شهدت هذه الهبة استهدافًا لمراكز الشرطة الإسرائيلية في بعض المدن والبلدات العربية على نحوٍ غير مسبوق، إلى حد استخدام السلاح والذخيرة ضد عناصر الشرطة الإسرائيلية والمستوطنين، كما جرى في اللد وبئر السبع مثلًا. وهو ما عكس حجم الاحتقان المتراكم لدى المواطنين العرب ضد الشرطة الإسرائيلية وسياستها القمعية تجاههم. في المقابل، لم يكن دور القوى والأحزاب السياسية والوطنية العربية وقياداتها بالشكل الذي كان عليه في هبة أكتوبر 2000 من حيث التعبئة والتنظيم، إذ سبقت الجماهير قياداتها إلى الشارع في هبة أيار/مايو، مما أربك القوى والأحزاب وعلى رأسها لجنة المتابعة العليا.
وقد قمعت أجهزة الأمن التابعة للحكومة الإسرائيلية المحتجين العرب في الداخل بوسائل مختلفة وغير مسبوقة، مثل استخدام الرصاص الإسفنجي والحي، والذي راح ضحيته المواطن الشهيد محمد كيوان من مدينة أم الفحم. كما شنت أجهزة الشرطة والأمن -بما فيها جهاز الشاباك- حملة اعتقالات واسعة طالت سائر البلدات والمدن العربية التي شهدت احتجاجًا على مدار أيام الهبة في أيار/مايو 2021، بمن فيهم النساء والقاصرون. وقد وثقت جمعية “عدالة” هذه الممارسات في دراسة استقصائية أصدرتها بعنوان “عامان على هبة الكرامة (أيار 2021): سياسات القمع والفصل العنصري”[5].
يعتبر قمع الشرطة وأجهزة الأمن الإسرائيلية للاحتجاجات باستخدام الرصاص الحي عاملًا كفيلًا بإجهاض أي إمكانية لاستمرار الاحتجاجات والهبات الجماهيرية في الداخل. ولكن بالنظر إلى تجربة الاحتجاج هناك، والخشية من وصمه إسرائيليًا بالانخراط في الكفاح المسلح، فقد ترافق دخول المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة على خط المواجهة، فيما عُرف في حينه بمعركة “سيف القدس”، مع بدء تراجع زخم الهبة، التي أخذت تهدأ شيئًا فشيئًا بالتوازي مع تعمق انخراط المقاومة في المواجهة. وهو ما يجسّد بوضوح متلازمة ارتباك الاحتجاج في الداخل من دخول العمل الفلسطيني المسلح على خط المواجهة في كل انتفاضة أو هبة شعبية، وهو أمر مثبت بحكم التجربة كما أشرنا آنفًا في حالة هبة الأقصى 2000. وهذا ما يفسر جزئيًا حالة الصمت المطبق إلى حد الخوف، والتي عمت الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 48 إبان هجوم 7 تشرين/أكتوبر 2023 “طوفان الأقصى” والأشهر التي تلته، بالتزامن مع بدء حرب الإبادة التي أعلنتها الحكومة الإسرائيلية على قطاع غزة عمومًا. تأسيسًا على تتبع السياق التاريخي واستقرائه، تظل الهبّات الجماهيرية في الداخل محكومة بسقف لا يمكن تجاوزه سنأتي على توضيحه لاحقًا.
ومع ذلك، يبرز هنا سؤال إشكالي: لو لم تتدخل المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة عبر معركة “سيف القدس” على خط المواجهة، هل كان للهبة الجماهيرية في الداخل أن تستمر؟ وتأتي الإجابة بالنفي؛ نظرًا لوجود أسباب ذاتية أخرى تفسر هذا التراجع، وتتعلق أساسًا بعفوية الحركة وتلقائيتها، وغياب الأطر التنظيمية والمؤسساتية الكفيلة بضمان استمرارية أي عمل احتجاجي شعبي. ويُضاف إلى ذلك وحشية أجهزة الأمن الإسرائيلية في قمع الاحتجاجات، إذ سبق وأن استخدم الرصاص الحي ضد المواطنين العرب المحتجين في محطات احتجاجية أو هبات جماهيرية عديدة، لعل أبرزها أحداث يوم الأرض في سبعينيات القرن الماضي. وهذا كله يفسر أكثر مما يبرر العوامل الكامنة وراء تراجع الهبات الشعبية في الداخل.
بين سردية المواطنة والإنكار
بناءً على ما تقدم، يبرز سؤال إشكالي: هل تفسر عوامل مثل القمع والاعتقال، وسوء التعبئة والتنظيم الجماهيري، ودخول العمل الفلسطيني المسلح على خط المواجهة وحدها أسباب تراجع الهبة الجماهيرية في الداخل؟ والحقيقة أنّ هذه العوامل، على الرّغم من وجاهتها وصحتها، لا تقدّم إجابة وافية عن سؤال سرعة تراجع الفعل الاحتجاجي في الداخل. فلطالما بدا هذا التراجع ظاهرة تاريخية متكررة في محطات احتجاجية وهبات جماهيرية عرفها العرب في أراضي الـ 48.
وفي هذا الصدد، تضمّن العدد الخاص بحرب الإبادة على غزة، والذي أصدرته “مجلة الدراسات الفلسطينية” في خريف 2025 الماضي، ملفاتٍ بحثية متصلة بأشكال تفاعل كل من الضفة الغربية والداخل الفلسطيني بعد سنتين من الحرب. وبرزت من بينها مقالات كتبت عن الداخل الفلسطيني، حاولت الإجابة عن سؤال الصمت والقنوط في ظل حالة الترهيب، وتكميم الأفواه، والملاحقة، والاعتقالات الإدارية التي تعرض لها فلسطينيو أراضي الـ48 منذ بدء الحرب، وهي أسباب تساهم في تفسير الحالة عقب السابع من أكتوبر بشكل خاص كحالة دراسية. إلا أن مقالة للكاتبة والقيادية السابقة في التجمع الوطني الديمقراطي حنين زعبي نشرت في العدد ذاته بعنوان “لحظة غزة: مقاربة في فهم الداخل الفلسطيني”، عالجت الموضوع من منظور بنيوي أعمق، يتخطى جملة الأسباب التفسيرية المرافقة للحالة. إذ قصدت زعبي فهم حالة الخوف والصمت التي خيمت على الداخل خلال حرب إبادة غزة، مستقرئة إياها بوصفها لحظة انكشاف على حقيقة تُجيب عن سؤالنا المطروح هنا.
تُحيل زعبي ذلك الصمت إلى ما أطلقت عليه “حالة إنكار الصراع/العداء” لدى فلسطينيي الداخل مع المشروع الصهيوني تاريخيًا، في ظل ما تعتبره “سردية المواطنة”. وهي لا تقصد بالمواطنة هنا مجرد مكانة قانونية وإجرائية تحدد واقع فلسطينيي الداخل وعلاقتهم بالدولة العبرية، وإنما تبحثها بوصفها سردية أعادت إنتاجها بانتظام قوى سياسية ووطنية في الداخل، حتى صار العمل السياسي هناك محكومًا بالكامل بشروطها[6]. هذا المنظور لا يفسر –وفقًا لزعبي– حالة الصمت والإرباك التي خيمت على الداخل في ظل حرب الإبادة الأخيرة على غزة فحسب، بل يفسّر بدوره ظاهرة الانسحاب والتراجع من الشارع إلى الرصيف تاريخيًا. ووفقًا لهذه المقاربة، فإنّ الداخل يُنكر حالة الصراع مع المشروع الصهيوني، وينكر حالة العداء التي يكنها المشروع الصهيوني للعرب في الداخل كأعداء محتملين على الأقل، مما يجعل الفعل الاحتجاجي على شكل هبة جماهيرية قصيرًا في نفسه، ومضبوطًا في خطابه تحت سقف المواطنة الإسرائيلية.
وحتى على مستوى خطاب التجمع الوطني الديمقراطي، الذي مثّلته زعبي على مدار سنوات بحكم موقعها القيادي في حزب التجمع، فإنّها ترى فيه محاولة “إزاحة للصراع بدلاً من الإنكار”.[7] تقول زعبي عن تبني التجمع لخطاب “دولة المواطنين” كحالة لخلق تناقض مع المشروع الصهيوني في ظل يهودية الدولة، بأنه “خطوة لم تمثل اعترافًا كاملًا بطبيعة الصراع، بقدر ما مثلت إزاحة له من صراع ضد مشروع استعماري صهيوني إلى صراع ضد نظام حكم صهيوني…”[8].
خاتمة
إن سردية “المواطنة الإسرائيلية” لدى العرب في أراضي الـ 48 تشكلت بفعل العوامل “السياسية والقانونية والاقتصادية”، بقدر ما تمثل مُعطًى تاريخيًا وواقعًا قسريًا فرض على العرب في الداخل كشرط بقاء على أثر نكبة عام 1948. وبناءً على ذلك، يمكننا أن نتفق مع توصيف زعبي في أن الموقف في الداخل، بما فيه الوطني، بات يعمل تحت سقف المواطنة، وهذا ما أثبتته هبات وحَراكات احتجاجية مختلفة على مدار عقودٍ، والتي تجسدت مؤخرًا في حالة الصمت التي خيمت على مناخ الداخل في ظل هجوم السابع من أكتوبر وحرب الإبادة على القطاع. إلا أن الصراع/العداء الذي ترى زعبي أن الداخل يداوم على إنكاره، يظل طرحًا إشكاليًا، لأن الصراع يختلف عن العداء مبدئيًا. فالفلسطينيون في الداخل يخوضون صراعًا مستمرًا ضد سياسات التمييز الإسرائيلية ضدهم، وهو صراع مستبطن، ومباشر أحيانا، ضد يهودية الدولة من أجل المواطنة الكاملة، كما يتبدّى في خطاب التجمع الوطني مثلًا. أما “العداء”، وإن كان يعكس حقيقة بنيوية في عقيدة المنظومة الإسرائيلية التي تنظر إلى فلسطينيي الداخل بوصفهم “أعداء محتملين”، إلا أنها حقيقة صماء لا تقدم أي أفق عملي لفلسطينيي الداخل في ظل واقعهم التاريخي المتجذر على أرضهم؛ باعتبارهم فلسطينيي الانتماء والهوية، ومواطنين في دولة إسرائيل في الوقت نفسه.
وعليه، فإنه في ظلّ حتمية “المواطنة الإسرائيلية”، لا يمكن لفلسطينيي الداخل خوض نضال وجودي يستند علنًا إلى العداء مع المشروع الصهيوني، بل يتخذ نضالهم شكل الصراع القائم على أرضية فضح تناقض ديمقراطية الدولة العبرية في ظل يهوديتها. وهذا –في تقديرنا– أقصى ما يمكن لفلسطينيي الداخل الذهاب إليه نضاليًا وسياسيًا في ظل “المواطنة الإسرائيلية”.
وليس ذلك مردّه أن واقع “المواطنة” بات يهيمن على المجال “السياسي” ويحدد سقفه لدى فلسطينيي الداخل منذ نكبة عام 48 فحسب، بل لأن المواطنة بدأت كشرط بقاء تاريخي لفلسطينيي الداخل في بلادهم، وما زالت، ما جعل كل ما يمت للفعلين السياسي والاحتجاجي يجري في ظلها أو تحت سقفها.
[1] راجع، بشارة، عزمي، فصل جديد في تاريخ الجماهير العربية في الداخل، مجلة الدراسات الفلسطينية، مجلد 11، عدد 44، خريف 2000.
[2] المرجع السابق، ص5.
[3] راجع، سلطاني، نمر ونبيل صالح، موقف الأقلية العربية في إسرائيل من لجنة أور، سلسلة استطلاعات رأي الفلسطينيين في إسرائيل “استطلاع رقم 2″، مدى الكرمل، حيفا.
[4] المدن المختلطة، مصطلح يعود إلى ثلاثينيات القرن العشرين في ظل ما يعرف بمرحلة “الانتداب” البريطاني على البلاد، إذ أطلقت سلطات “الانتداب” البريطاني على مدن مثل يافا وحيفا تسمية “المدينة المختلطة” في إشارة لإقامة اليهود المهاجرين إلى جانب الفلسطينيين العرب فيها. وذلك في محاولة لنزع الصفة العربية عنها. لاحقًا، تبنى القاموس السياسي الإسرائيلي المصطلح وصار يُطلق على المدن التي بقي فيها مواطنون عرب بعد نكبة عام 1948، مثل: عكا وحيفا ويافا والرملة واللد. وقد شاع هذا المصطلح وتسلل إلى القاموس السياسي العربي في الداخل دون إدراك لجذوره الاستعمارية.
[5] راجع، عامان على هبة الكرامة (أيار 2021): سياسات القمع والفصل العنصري، عدالة: المركز القانوني لحقوق الأقلية العربية في إسرائيل، حيفا، 2023.
[6] زعبي، حنين، لحظة غزة: مقاربة في فهم الداخل الفلسطيني، مجلة الدراسات الفلسطينية، عدد 144، خريف 2025، ص250.
[7] المرجع السابق، ص251.
[8] المرجع السابق، ص252.



