غزة المنسيّة في ظلال الصراع الإقليميّ: تحوّل الصمت الدولي إلى غطاء لتعميق الإبادة

في ظل الانشغال العالمي بالحرب الإقليميّة، وتراجع حضور قطاع غزة في المشهد الدولي، تواصل آلة الحرب الإسرائيلية استهداف المدنيين وتعميق جريمة الإبادة الجماعية عبر إطباق الحصار وإغلاق المعابر الحدودية. حيث يُحرم السكان من أدنى مقومات الحياة كالغذاء والدواء والمياه؛ مما يضطر الغزيّ إلى قطع مسافات طويلة لجلب مياه الشرب. بينما يفقد العشرات من المصابين والمرضى حياتهم في انتظار السماح لهم بالسفر لاستكمال العلاج، في ظل انهيار المنظومة الصحية ومنع إدخال أي من المستلزمات الطبية.
وهو ما أكدته أولغا تشيريفكو المتحدثة باسم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، بإشارتها إلى أن التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط أدت إلى تراجع تركيز المجتمع الدولي على قطاع غزة، الذي يعاني ظروفاً معيشية صعبة للغاية، خاصة أن نحو 42% فقط من المرافق الصحية تواصل خدماتها وبصورة جزئية، في وقت لا يزال فيه غالبية السكان في عداد النازحين جرّاء تدمير منازلهم، مما يضطر الآلاف منهم للمبيت في العراء.
يحدث ذلك وأكثر في ظل تعتيم إعلامي كامل، بعدما تحولت الكاميرات من تغطية جرائم الإبادة اليومية في قطاع غزة، إلى سماء العواصم الإقليمية المحيطة، لتتحول غزة التي كانت الحدث الرئيس في نشرات الأخبار العربية والدولية إلى هامشٍ بالكاد يتم ذكره، وهو ما شكل أرضية صلبة يستطيع من خلالها جيش الاحتلال الإسرائيلي فرض واقع جديد فيها.
وبناءً على ما تقدم، ستناقش هذه المادة سياسات الاحتلال الإسرائيلي ضد قطاع غزة خلال الانشغال العالمي في الحرب على إيران، والانتهاكات التي ارتكبت خلال تلك الفترة عسكرياً وإنسانياً، ومآلاتها السياسية على القطاع.
تكثيف الهجمات العسكريّة
تُشير الوقائع الميدانية إلى أنّ جيش الاحتلال الإسرائيلي استثمر الانشغال الدولي بالحرب الصهيوأمريكية على إيران في 28 فبراير/ شباط 2026م، في التغطية على استمرار حرب الإبادة في قطاع غزة. فمن خلال القصف الجوي والمدفعي المكثف، ونسف المربعات السكنية، واستهداف النازحين على شواطئ البحر، سجلت الفترات اللاحقة لإعلان وقف إطلاق النار خروقات دامية؛ حيث ارتقى 823 شهيدًا وأصيب 2308 مواطنين في الفترة الممتدة من إعلان وقف إطلاق النار وحتى 29/4/2026[1]، من بينهم 134 شهيداً، و615 إصابة خلال فترة الحرب الإقليمية فقط.
وتكشف التطورات الميدانية خلال شهري مارس وأبريل 2026، عن تصعيد إسرائيليّ ممنهج يستهدف عناصر ومراكز الشرطة الفلسطينية في قطاع غزة. ففي يوم الجمعة 24/4/2026، ارتقى 13 شهيداً في ثلاث هجمات منفصلة، من أبرزها قصف طائرات الاحتلال مركبة شرطية بمدينة خانيونس عقب إنهائها مهمة مدنية لفضّ نزاع عائلي، مما أسفر عن ارتقاء ثمانية شهداء، من بينهم ضابطان ومعاونا شرطة وأربعة مدنيين. وبالتوازي مع ذلك، استهدف طيران الاحتلال نقطة أمنية في منطقة “الشيخ رضوان” شمال غربي مدينة غزة، ما أدى لارتقاء عنصرين من الشرطة. وفي شمال القطاع، استشهدت سيدة وطفلاها جرّاء القصف الإسرائيلي الذي طال منازل فلسطينيين بجوار مستشفى كمال عدوان في بلدة بيت لاهيا.
وفي هذا السياق، أكّد المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان أن استمرار قوات الاحتلال في تنفيذ عمليات القتل الواسعة واستهداف المدنيين، وعناصر الأمن والشرطة أثناء أدائهم لمهام حفظ النظام داخل مناطق النزوح، يسهم في تفكيك منظومة الحماية المدنية، وتعميق حالة الفوضى وانعدام الأمن بين السكان. وشدد المركز على أن تزامن هذه الاستهدافات مع سياسة التجويع والحصار، يشكل نمطاً متكاملاً من الأفعال التي ترقى إلى جريمة الإبادة الجماعية وفق أحكام القانون الدولي.
إلى جانب ذلك، توفر قوات الاحتلال الإسرائيلي غطاءً جوياً بالطائرات والمسيّرات لعصابات العملاء المتعاونين معها؛ لتسهيل اعتداءاتهم على المواطنين واعتقال أبنائهم. وقد بلغت هذه السياسة ذروتها الإجرامية في مجزرة مخيم المغازي التي أدت إلى ارتقاء 12 شهيداً وإصابة آخرين.
وتقول كلير سان فيليبو، مديرة الطوارئ في منظمة أطباء بلا حدود إنه على الرغم من انخفاض حدة العنف، إلا أن الهجمات الإسرائيلية مستمرة، والوضع لا يزال كارثياً، كما أن وقف إطلاق النار فشل في إنهاء الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين في غزة، حيث تواصل السلطات الإسرائيلية فرض شروط تهدف إلى تدمير ظروف الحياة.
تعميق الأزمات الإنسانية
في ظل تراجع الاهتمام والضغط الدولي بالوضع الإنساني الراهن في قطاع غزة وانشغاله بالتصعيد الإقليمي، تزداد حياة الفلسطينيين اليومية صعوبة وتعقيداً، فإلى جانب نقص الماء والغذاء، وانهيار النظام الصحي والخدمات الأساسية، وغياب المأوى الآمن، تتفشى الأمراض بين النازحين، وتتفاقم الأوضاع النفسية، في ظل شعور متزايد بالعزلة وانعدام الأفق.
ووفقاً للمؤشرات الميدانية، فإن الاحتلال الإسرائيلي عاد إلى سلاح التجويع عبر تقليص عدد الشاحنات التي تدخل إلى قطاع غزة، فبينما يحتاج إلى 600 شاحنة يومياً فإن المتوسط الوارد لا يتجاوز37% من الحد الأدنى المطلوب[2]، إذ يحتاج القطاع إلى نحو 450 طناً من الخبز يومياً، بينما لا يتوفر سوى نحو 200 طن، أي أقل من 50% من الاحتياج الفعلي. وتظهر المعطيات أن أقل من 50% من احتياجات السوق الغذائية متوفرة، في حين لا يستطيع سوى نحو 30% من السكان شراء اللحوم والدواجن، وسط اعتماد نحو 99% من السكان على المساعدات الإنسانية مصدرًا رئيساً للغذاء، وهو ما يفاقم معاناة السكان في تأمين غذائهم الأساسي ويضعهم أمام خطر مجاعة متصاعدة، وفقاً للمستشار الإعلامي للمكتب الإعلامي الحكومي تيسير محيسن[3].
وفي ظل سيطرة الاحتلال الإسرائيلي على المعابر الحدودية لقطاع غزة، أقدم جيش الاحتلال على إغلاق المعابر مطلع الحرب الصهيوأمريكية على إيران، وصعّد من قيوده عليها عند إعادة فتحه بعد أيام طويلة[4]، بحيث سمح بإدخال كميات محدودة من الأغذية التي يعد جزءٌ منها من الكماليات الغذائية، بينما يمنع إدخال أي من مقومات الحياة الأساسية كالأدوية العلاجية والمستلزمات الطبية، ومواد التنظيف، والملابس، والوقود، وزيوت السيارات، والمولدات وقطع الغيار الخاصة بها. وفي هذا السياق، أكّد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن احتياجات السكان في قطاع غزة لا تزال تفوق بكثير ما يمكن لمنظمات الإغاثة تقديمه، في ظل قيود صارمة وعوائق أخرى. وأضاف الممثل الأعلى لمجلس السلام في قطاع غزة نيكولاي ملادينوف أن القيود الإسرائيلية على المعابر، خاصة ما يتعلق بتصنيف المواد ذات الاستخدام المزدوج، تُستخدم لتقييد دخول سلع أساسية يحتاجها القطاع الصحي والسكان. أما سان فيليبو مديرة الطوارئ في منظمة أطباء بلا حدود، فتؤكد أنّ “احتياجات الناس هائلة، ومع ذلك استمرت السلطات الإسرائيلية في تقييد دخول المساعدات الإنسانية بشكل منهجي”، ما يهدد بانهيار المستشفيات والمراكز الصحية، وتفاقم الكارثة البيئية التي سارعت في انتشار القوارض وتفشي الأمراض بين السكان، لاسيما الأطفال وكبار السن، ووفاة بعضهم بصمت خلف ستار التصعيد الإقليمي.
تُمارس سلطات الاحتلال سياسة الخنق الممنهج بحق سكان قطاع غزة عبر حرمانهم من الحق في التنقل والسفر، ولا سيما المرضى والجرحى؛ في محاولة لتحويل القطاع إلى زنزانة كبرى مغلقة تماماً أمام الأفراد، والبعثات الصحفية، والوفود الدولية. فقد أقدم جيش الاحتلال الإسرائيلي على إغلاق معبر رفح بشكل كامل لعدة أسابيع فور بدء الحرب على إيران في 28 فبراير/شباط 2026، بذريعة الأوضاع الأمنية، مما أدى إلى تعليق عمليات الإجلاء الطبي من قطاع غزة وعودة الفلسطينيين العالقين في الخارج. واستناداً إلى معطيات مدير مركز المعلومات الصحية زاهر الوحيدي، لا يزال أكثر من 20000 مريض ينتظرون السفر من أجل استكمال علاجهم في الخارج، بينهم 4 آلاف مريض بالأورام، و4500 طفل، و6 آلاف جريح، و195 حالة حرجة مصنفة “إنقاذ حياة”[5]. وتعتبر هذه الفئات معبر رفح ملاذها الأخير والوحيد في ظل الانهيار الشامل للمنظومة الصحية داخل القطاع.
وعلى الصعيد التعليمي والاجتماعي، يتسبّب إغلاق معبر رفح في تقويض مستقبل مئات الطلبة الحاصلين على منح دراسية، إذ يحرم قرابة الألف طالب، من خريجي الثانوية العامة وطلبة الدراسات العليا (ماجستير ودكتوراه)، من حقهم في السفر لاستكمال تعليمهم في الخارج. وإلى جانب الضياع الأكاديمي، يفاقم إغلاق المعبر من مأساة “التشتت الأسري”، حيث تسببت هذه القيود في حرمان آلاف العائلات من حقها في لم الشمل، بعد أن بات أفراد الأسرة الواحدة موزعين قسرياً بين قطاع غزة المحاصر والخارج، دون أفق قريب للالتقاء.
من الحرب إلى التصفية الهيكلية والسياسيّة
ومع استمرار التصعيد الإقليمي الدولي، انحسرت أولوية قضية غزة في الأجندات العالمية والوسائل الإعلامية، ما منح الاحتلال غطاءً مثالياً للانتقال من العمليات العسكرية إلى التصفية الهيكلية. وتتمثل هذه الإستراتيجية في تحويل القطاع إلى بيئة غير قابلة للحياة عبر التدمير الممنهج للمقومات الفيزيائية كالبنية التحتية والبيئة، والمقومات الديمغرافية من خلال التهجير القسري لما يزيد عن مليوني فلسطيني وحشرهم في 9% من مساحة القطاع، فضلاً عن استهداف الفئات العمرية الشابة وتدمير الهرم السكاني. كما شملت هذه التصفية المقومات الاقتصادية عبر تدمير المصانع والمنشآت الإنتاجية والزراعية، ومنع إدخال أي موارد كفيلة بإعادة الحياة لتلك المقومات؛ لضمان شلّ قدرة المجتمع الغزي على البقاء واستعادة مقوّمات العيش مستقبلاً.
ولا يتوقف جيش الاحتلال الإسرائيلي في سياساته عند ذلك الحد، بل عمد إلى إعادة هندسة الواقع الجغرافي لقطاع غزة، فإلى جانب استمراره في نسف المباني والمنازل التي تقع شرق الخط الأصفر، وبناء الممرات العسكرية وتغيير معالم القطاع لتكون دائمة، كشفت تحقيقات استخبارات المصادر المفتوحة التي أجرتها منصة “إيكاد” استناداً إلى صور أقمار صناعية حديثة، أن جيش الاحتلال يقوم بعمليات تحصين واسعة النطاق في قطاع غزة، عبر حفر خنادق تمتد لعشرات الكيلومترات في مناطق شمال وشرق القطاع، وتحديداً على طول ما يعرف بـ “الخط الأصفر”، ما يشير إلى تحويل الوجود المؤقت إلى واقع ميداني دائم.
وفي ظل تلك السياسات التي فاقمت من الأزمات الإنسانية والبيئية للمواطنين في قطاع غزة، ساد الجمود المسار التفاوضي لإتمام المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، الذي أعلن عنه برعاية أمريكية ووساطة مصرية وقطرية وتركية، فمع دخول الولايات المتحدة بشكل مباشر في الحرب مع إيران تحول ملف غزة من ملف يحتاج حلاً عاجلاً إلى ملف منسيّ لا أفق لإنهاء الحرب فيه، خاصة وأن مركز الاهتمام الأمريكي انتقل إلى المواجهة مع إيران ليترك ملف اتفاق التهدئة في غزة بحالة من الجمود شبه الكامل.
وبحسب خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب وتصريحات المسؤولين الأميركيين، فإنه من المفترض أن تشمل بنود المرحلة الثانية:
- إنشاء مجلس السلام وذراعه التنفيذية قوة الاستقرار الدولية، وانسحاب جيش الاحتلال إلى الخط الأحمر لتصبح مساحة المناطق التي يسيطر عليها تعادل نحو 20% من مساحة قطاع غزة.
- خطة التعامل مع سلاح المقاومة، وتدمير ما تبقى من أنفاق في قطاع غزة.
- تشكيل حكومة تكنوقراط فلسطينية، وبدء خطة إعادة إعمار القطاع.
وعلى الرغم من موافقة الاحتلال الإسرائيلي على تلك البنود، إلا أنه لا يزال يراوغ ويرفض تطبيق استحقاقات المرحلة الأولى المتمثلة في البروتوكول الإنساني، ويصر على بند واحد وهو تفكيك المقاومة ونزع السلاح دون اعتبار لأي استحقاقات أخرى، ما يجعل غزة المنسية رهينة لمطالب الاحتلال الإسرائيلي الذي يستغل الانشغال العالمي في فرض مطالبه وسياساته؛ لتصبح غزة اليوم ضحيةً لا تكتفي بمكابدة الحصار الغذائي والمائي، بل تعاني من التجاهل السياسي والدولي. وبذلك يُذبح الشعب الفلسطيني مرتين: مرة بالقذيفة، ومرة بالخذلان.
ختاماً
في ظلّ التحولات الإقليمية، تُساق غزة نحو عُزلة دولية وتهميش متعمد، حيث يتحول الصمت العالمي إلى غطاء لاستمرار الإبادة وترسيخ واقع سياسي جديد يقوم على تعطيل متعمد لأي مسار سياسي. ومع إخفاق الاحتلال في حسم جبهات أخرى، تتزايد احتمالات التصعيد في غزة لتعويض هذا الفشل، وهو ما أكدته تسريبات القناة 14 (الإسرائيلية) حول استعداد جيش الاحتلال للعودة لقتال مكثف في قطاع غزة مطلع الشهر المقبل. ويتزامن هذا التوجّه الميداني مع تجديد وزير المالية اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش دعوته إلى إعادة الاحتلال الكامل لقطاع غزة وإقامة مستوطنات فيه.
يضع هذا الواقع قطاع غزة أمام خطر وجودي، بتركه عمداً كمساحة مفتوحة للتصعيد وإعادة تشكيل الواقع بالقوة، بحيث يستفيد الاحتلال من غياب الضغط الدولي وتراجع حضور القضية، ما يجعل استمرار الإبادة بأشكال متجددة أمراً مرجحاً.
[1] مقابلة أجرتها الباحثة مع المستشار الإعلامي للمكتب الإعلامي الحكومي تيسير محيسن بتاريخ (22/4/2026).
[2] المكتب الإعلامي الحكومي، بيان صحفي، أبريل/ 2026، رقم 1058.
[3] مقابلة أجرتها الباحثة مع تيسير محيسن، مصدر سابق.
[4] المصدر نفسه.
[5] مقابلة أجرتها الباحثة مع مدير مركز المعلومات الصحية في وزارة الصحة م.زاهر الوحيدي بتاريخ (23/4/2025).



