هجمات المستوطنين واستنزاف سبل العيش في الضفة الغربيّة

تسارعت وتيرة الاعتداءات الاستيطانية في الضفة الغربية تزامنًا مع انشغال المجتمع الدولي بالحرب في الشرق الأوسط؛ ممّا هيّأ الظروف لتوسيع نطاق السيطرة على الأرض ميدانيًّا عبر إجراء خطوات عملية تتصاعد بشكل مطّرد. ويتجلى ذلك في توسع غير رسمي تقوده مجموعات من المستوطنين، يبدأ بإنشاء بؤر استيطانية محدودة تتحول سريعًا إلى مراكز دائمة مدعومة بالحماية العسكرية والخدمات، الأمر الذي يمكنهم من فرض سيطرة فعلية على مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية وعزل التجمعات السكانية المحيطة بها.

يترافق هذا التوسع مع تصاعد في مصادرة الأراضي والتضييق على السكان عبر  الاعتداءات المباشرة، ومنع الوصول إلى الأراضي، وفرض بيئة طاردة تدفع نحو التهجير القسري. كما تتكامل أدوار الفاعلين ميدانيًّا؛ إذ تساهم هذه الممارسات في فرض وقائع جديدة يجري تثبيتها لاحقًا عبر الأطر الرسمية، بنهج متوازٍ يجمع بين أجهزة الاحتلال والمجموعات الاستيطانية لإعادة تشكيل الواقعين الجغرافي والديمغرافي.

يتّسع نطاق هذه الممارسات ليشمل تهيئة ظروف الاستدامة والتوسع عبر دعم هذه المجموعات بالوسائل اللوجستية، وتوفير الحماية والموارد اللازمة  لتعزيز قدرتها على فرض السيطرة، ممّا يؤدي إلى ممارسة ضغط مستمرّ على الوجود الفلسطيني عبر الاستيلاء التدريجي على الأراضي، وتقييد استخدام الموارد، في توجّه يعيد تشكيل الخارطة المكانية للضفة الغربية، ويقوض مقومات الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للسكان.

تسعى هذه الورقة إلى تحليل التداعيات الاقتصادية لهذه التحولات، من خلال تتبع أثرها على استخدام الأصول، والقدرة على توليد الدخل، وصولًا إلى استشراف انعكاساتها على بنية الاقتصاد المحلي واستمراريته.

أوّلًا: تدمير الممتلكات والأصول الإنتاجيّة

منذ اندلاع الحرب التي شنتها الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي في فبراير 2026، شهدت الضفة الغربية تزايدًا ملحوظًا في هجمات المستوطنين التي استهدفت الممتلكات والأصول الإنتاجية، إذ لم تعد هذه الهجمات مجرّد حوادث متفرقة، بل أصبحت سلوكًا ممنهجًا ومتكرّرًا يطال الموارد الأساسية للإنتاج المحلي. وتشير المعطيات إلى تسجيل أكثر من 150 هجومًا منذ اندلاع الحرب في فبراير 2026، طالت نحو 90 تجمعًا سكانيًّا، ما يعكس استمرارية المخاطر التي تواجهها الأسر، واتساع نطاقها في مختلف مناطق الضفة الغربية.

وتتمثل هذه الخسائر في تدمير مباشر للمنازل والمركبات والمنشآت، إضافة إلى إلحاق أضرار بالبنية التحتية الحيوية، بما في ذلك شبكات المياه والكهرباء، كما حصل في قرية ترمسعيا في رام الله حين أقدم المستوطنون على قطع خط المياه الرئيس المغذّي للقرية، وإلحاق أضرار بأجزاء من شبكة الكهرباء. وفي حادثة أخرى ببلدة بيتا في محافظة نابلس، دُمّر مولّد كهربائي كان يزود عدة منازل وحظائر للماشية بالكهرباء، الأمر الذي يترتّب عليه فقدان تدفقات الدخل المرتبطة بتلك الأصول، وارتفاع كلفة استبدالها أو إصلاحها في بيئة تتسم بشح الموارد.

وفرضت اعتداءات المستوطنين قيودًا مشددة على استخدام الأصول الإنتاجية في عدد من مناطق الضفة الغربية، لا سيّما في القرى والمناطق القريبة من البؤر الاستيطانية، الأمر الذي أدى إلى إحجام عدد من الأسر عن استثمار أراضيها أو تشغيل مشاريعها المنزلية. فالأراضي الزراعية التي لا يمكن الوصول إليها بشكل منتظم، أو المشاريع الصغيرة التي تعمل بشكل متقطع، تفقد تدريجيًا قدرتها على توليد الدخل، ما يؤدي إلى تآكل قيمتهما الاقتصادية. ويترتب على ذلك انتقال الأصول من كونها أدوات إنتاج إلى موارد منخفضة العائد، في ظل ارتفاع المخاطر وتراجع القدرة على التخطيط والاستثمار.

فقد تم توثيق حالات متكررة من منع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم الزراعية أو تقييد فترات العمل فيها، إلى جانب إتلاف جزئي للمحاصيل أو تركها دون السماح لأصحابها بحصادها. رافق ذلك قيام المستوطنين بنصب خيام وحظائر وإحضار قطعان من الأغنام، ووضع بيوت متنقلة (كرفانات) وإحاطة المناطق بأسلاك شائكة، في خطوات تمهيدية لإقامة بؤر استعمارية جديدة، كما حصل في الظاهرية وطوباس.

طالت هجمات المستوطنين مصادر الإنتاج الزراعي والرعوي، بما في ذلك الأشجار المثمرة، والمحاصيل، والمواشي، وأدوات العمل، وهي عناصر تمثل الأساس المادي لتوليد الدخل في المناطق الريفية. ويظهر ذلك في حالات موثقة، منها اقتلاع وتخريب أشجار زيتون في بورين وعصيرة القبلية جنوبي نابلس، وإحراق محاصيل حقلية أو إتلافها في مناطق سلفيت وياسوف وكفر الديك. كما طالت الاعتداءات الثروة الحيوانية، حيث سُجلت حالات سرقة وإصابة مواشٍ في تجمعات رعوية في الأغوار الشمالية، مثل خربة حمصة وعين الحلوة، إلى جانب استهداف الحظائر وتخريب مصادر الأعلاف والمياه فيها. وامتدت هذه الانتهاكات إلى مناطق جنوب الخليل، وتحديدًا في مسافر يطا، حيث دُمّرت مرافق زراعية، واستهدفت معدات العمل، عدا عن عرقلة الوصول إلى المراعي، مما قيّد النشاط الرعوي بشكل مباشر. وفي مناطق أخرى مثل ترمسعيا والمغير في محافظة رام الله، سُجلت اعتداءات شملت تخريب أراضٍ مزروعة وقطع أشجار، والاستيلاء على أدوات إنتاج زراعي، الأمر الذي يؤدي إلى فقدان مباشر لعناصر  العملية الإنتاجية وتعطيلها، وبالتالي تراجع الأمن الغذائي في الضفة الغربية.

ثانيًا: تقويض رأس المال البشري وتراجع القدرة على الكسب

أدّى تصاعد اعتداءات المستوطنين إلى ضغط متزايد على رأس المال البشري[1] في الضفة الغربية، جرّاء ارتفاع معدلات القتل والإصابات والتهجير القسري، وهو ما انعكس على الحالة الاقتصادية للأسر وعلى قدرة الاقتصاد المحلي على توليد الدخل. إذ يظهر أثر ذلك بفعل خروج جزء من القوة العاملة من النشاط الاقتصادي بشكل مؤقت أو دائم، ما يضعف القدرة الإنتاجية ويعيق استمرارية الأنشطة القائمة.

ويتبين الأثر الاقتصادي لهذه الوقائع بشكل مباشر على مستوى الأسر، إذ تؤدي الإصابات إلى انخفاض ساعات العمل أو التوقف التام عنها، في حين يتسبب فقدان المعيل في انقطاع مصدر الدخل الأساسي. وتتضاعف الأعباء الماليّة مع المتطلبات المتزايدة للعلاج والرعاية، مما يضطر الأسر إلى تحويل مواردها من النشاط الإنتاجي إلى الإنفاق الصحي، لا سيما في ظل اعتماد النظام الصحي بدرجة كبيرة على التمويل الأسري المباشر. إذ تُظهر بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني أنّ الأسر تمول نحو 44.9% من إجمالي الإنفاق الجاري على الصحة في فلسطين عام 2024، مقابل 41.7% للتمويل الحكومي. ويعكس هذا التوزيع ثقل العبء المالي على كاهل الأسر، ما يحد من قدرتها على تلبية احتياجاتها الأساسية الأخرى، ويزيد من تعرضها لضغوط اقتصادية، إذ إن ارتفاع هذه النسبة يعني تحويل الأزمات الصحية مباشرة إلى صدمات مالية تعصف باستقرار الأسرة، حتى في حال توفر تغطية من التأمين، الأمر الذي يفاقم من استنزاف مواردها.

وتُظهر الوقائع الميدانية أيضًا أنّ الهجمات تدفع إلى نزوح قسري مباشر للقوى العاملة، حيث تم تهجير مئات الأفراد منذ بداية العام إلى مناطق أخرى من الضفة الغربية، ما أفقدهم القدرة على الوصول إلى أعمالهم ومصادر دخلهم. وفي حالات أخرى، ترتبط الهجمات بوقائع قتل خلال محاولة المستوطنين الاستيلاء على الموارد، مثل استهداف مزارعين أو رعاة أثناء عملهم، أو خلال دفاعهم عن ممتلكاتهم، الأمر الذي يعكس انتقال المخاطر إلى صلب النشاط الاقتصادي نفسه.

تُفضي هذه الديناميكيات مجتمعة إلى تآكل رأس المال البشري على مستوى الأسر، حيث تؤدي الإصابات وفقدان المعيل إلى تعطيل المشاركة في سوق العمل، وانقطاع التطور المهني وتراكم الخبرات والمهارات. كما يفضي النزوح والانقطاع القسري عن مواقع العمل إلى انخفاض استغلال القدرات البشرية المتاحة، بما يحد من توظيفها ضمن النشاط الاقتصادي. وفي ظل بيئة تتسم بعدم اليقين، يتم توجيه جزء من الوقت والجهد نحو أنشطة مرتبطة بالحماية والتكيف، على حساب العمل المنتج. ومع استمرار هذه الظروف، تتراجع قابلية الأفراد للاندماج الفعال في سوق العمل، ويتحول رأس المال البشري إلى مورد منخفض الكفاءة من حيث قدرته على توليد الدخل. وبذلك، يمتد الأثر إلى المستوى الكلي من خلال إضعاف جودة القوى العاملة وتراجع قدرتها على دعم النمو الاقتصادي.

ثالثًا: تدهور البيئة الاقتصادية المحلية

تنتج هذه الانتهاكات بيئة اقتصادية محفوفة بالمخاطر تفتقر إلى القدرة على التنبؤ، ما يدفع الأسر والمنتجين إلى تقليص انخراطهم في الأنشطة الاقتصادية وإحجامهم عن اتخاذ قرارات الاستثمار. ويؤدي تكرار الاعتداءات وضعف القدرة على الوصول لمواقع العمل إلى تعطيل استمرارية النشاط، وتقليص الأفق الزمني للتخطيط الاقتصادي، بحيث يغدو الحفاظ على الاستقرار اليومي أولوية على حساب التوسع أو التطوير. ويظهر ذلك بوضوح في حالات ميدانية، منها تعرض منشأة زراعية في بلدة دير شرف غرب نابلس للإحراق المتكرر سبع مرات خلال عامين على يد المستوطنين، حيث بلغت خسائر أحد الاعتداءات الأخيرة ما يتجاوز مليوني شيكل، فضلًا عن تدمير مخزون من البذور النادرة قُدّر بنحو 800 ألف شيكل، واحتراق سجلات ديون تراكمت على مدى سنوات طويلة بقيمة تقارب 1.6 مليون شيكل، وهو ما يعكس كيف تتحول الأصول الإنتاجية والمالية إلى خسائر مباشرة، ويحرمها من الاستمرار والتخطيط الاقتصادي.

تشير تقارير دولية إلى أنّ عدم الاستقرار والقيود الميدانية في الضفة الغربية يرتبطان بتراجع الاستثمار الخاص وضعف ديناميكيات النمو. وفي هذا السياق، يبين مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية أن القيود المفروضة على الحركة والوصول إلى الأراضي والموارد، وتوسع النشاط الاستيطاني، قد أحدثت بيئة قسرية تحد من استخدام الموارد وتدفع نحو تهجير التجمعات الفلسطينية، بما يقيد النشاط الاقتصادي ويقلص الإمكانات الإنتاجية. كما يشير التقرير إلى أن هذه القيود مجتمعة أسهمت في خسائر تراكمية باهظة في الناتج المحلي، قُدرت بنحو 212 مليار دولار خلال الفترة 2000–2024.

كذلك، وثّق تقرير مجموعة الحماية العالمية (Global Protection Cluster) أنّ اعتداءات المستوطنين تولّد أثرًا اقتصاديًّا مباشرًا يتمثل في تقويض سبل العيش، من خلال تدمير الأصول الإنتاجية وتقييد الوصول إلى الأراضي الزراعية والمراعي، بما يؤدي إلى انخفاض الإنتاج والدخل وتعطل الأنشطة الاقتصادية اليومية. كما أكد التقرير أنّ هذه الاعتداءات تفرض على بعض التجمعات نزوحًا قسريًا، ما يترتب عليه فقدان الأصول والخروج الاضطراري من النشاط الاقتصادي.

خاتمة

تكشف هذه الحقائق أن الضغط الاقتصادي ليس مجرد نتيجة جانبية لاعتداءات المستوطنين المتكررة، وإنما هو أداة مقصودة وموجهة لإعادة تشكيل المجال الجغرافي في الضفة الغربية. فالتضييق على الوصول إلى الأرض والعمل والخدمات، المقرون باعتداءات متكررة على الأصول والأنشطة الإنتاجية، يدفع نحو تفريغ تدريجي للتجمعات الفلسطينية من مقومات بقائها الاقتصادي. لتتحول اعتداءات المستوطنين إلى آلية عملية لتسريع التوسع الاستيطاني، عبر السيطرة على الأرض، وتقليص قدرة السكان على الصمود والاستمرار. وبذلك، يتخذ الضم طابعًا تدريجيًا يقوم على الإزاحة الاقتصادية، حيث يُعاد توزيع الموارد والفرص على نحو يحوّل التغيرات المؤقتة إلى واقع دائم يصعب الرجوع عنه، ويعيد تشكيل الاقتصاد المحلي بما يتوافق مع متطلبات التوسع الاستيطاني.


[1] رأس المال البشري هو مجموع المهارات والمعرفة والخبرات والقدرات التي يمتلكها الأفراد، والتي تمكنهم من العمل والإنتاج والمساهمة في توليد الدخل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى