ماذا بقي من الأهداف الأمريكيّة الإسرائيليّة في الحرب على إيران؟

شنّت الولايات المتحدة الأمريكيّة ودولة الاحتلال حربًا على إيران في 28 فبراير/شباط، تحت عناوين عريضةٍ وأهدافٍ متعددةٍ شكّلت طويلًا جوهر الصراع الأمريكي الإسرائيلي مع إيران. غير أنّ مجريات الأحداث وسياقاتها الميدانيّة كشفت عن تباينٍ جليٍّ في الأهداف بين أمريكا وإسرائيل؛ سواء في التصوّر النهائي لمسار الحرب، أو في  القضايا التفصيليّة المطروحة كأهداف عملياتيّة.

تتوزّع أهداف الحرب على إيران بين غاياتٍ عملياتيّة، تشمل تفكيك البرنامج النوويّ، وتحييد منظومات الصواريخ الباليستية والجوّالة والمسيّرات، وتقويض شبكة التحالفات الإقليمية. وإلى جانب ذلك، يبرز  هدف إسقاط النظام كهدفٍ إستراتيجي جامع تحرّكت تحت مظلّته أمريكا وإسرائيل، وإن تباينت الآليات التنفيذيّة بينهما. غير أنَّ استطالة أمد الحرب بما يتجاوز تقديرات ترامب وفريقه، وضعت إمكانيّة تحقيق تلك الأهداف محل شكٍّ كبير؛ لا سيّما مع احتمال انزياح أولويات الحرب نحو قضايا مستجدّة، كأمن الملاحة في مضيق هرمز والسيطرة على تقلّبات أسعار النفط.

تهدف هذه المادة إلى استعراض الأهداف الإسرائيليّة الأمريكيّة في الحرب على إيران، وقياس مدى التوافق والتقاطع، والتعارض أحيانًا، فيما بينها، فضلًا عن قراءة مدى تحقق تلك الأهداف في ظل التطورات التي شهدتها الحرب منذ اندلاعها.

أهداف الحرب بين إسرائيل وأمريكا

دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب على إيران بتوافق عام حول أهدافها العسكريّة. فمع بدء العدوان المشترك، الذي جاء بعد أسابيعٍ من التحشيد العسكري الأمريكي في المنطقة، أكّد كلّ من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أنّ العمليات العسكرية تهدف إلى إزالة “التهديد الإيراني” وتحييد قدراته العسكرية. وقد حدّدت خطاباتهما أربعة محاور رئيسة للأهداف العسكرية المشتركة:

1- إنهاء البرنامج النووي الإيراني

انطلق الطرفان من غايةٍ مشتركةٍ وهي إنهاء البرنامج النووي الإيراني، وهو هدف بدا متناقضًا مع التصريحات الأمريكية التي أعقبت حرب الاثني عشر يومًا في يونيو 2025، حين استهدفت واشنطن منشآت نطنز وفوردو وأصفهان النووية  بقاذفات الشبح الأمريكية B-2 والقنابل الخارقة للتحصينات، معلنةً قضاءها على التهديد النووي. إلا أنّ التقييمات الاستخباراتية اللاحقة أظهرت تباينًا واضحًا بين التصريحات والواقع، إذ تبيّن أنّ الضربات لم تُدمّر البرنامج النووي بالكامل، وأنّ المنشآت المحصّنة في أعماق الأرض لا تزال تحتفظ بقدرة على استئناف أنشطة التخصيب مستقبلًا إذا تمكنت طهران من إعادة تأهيل قدراتها التقنية. فضلًا عن نجاح طهران في تأمين جزءٍ من مخزون اليورانيوم المخصّب، ونقله قبل الهجوم. وعليه، عاد البرنامج النووي الإيراني ليشكّل هدفًا للحرب على إيران، وهو ما تجلّى في شروط واشنطن خلال مفاوضات فبراير 2026، حيث طالبت طهران بالتخلي التام عن حقّها في التخصيب،  والقبول بصيغة (صفر تخصيب)، مع تفكيك مواقعها النوويّة وتسليم مخزونها من اليورانيوم المخصّب بنسبة 60%.

وعلى الرغم من التوافق الجوهريّ على منع إيران من حيازة سلاحٍ نوويّ، فقد ظهر تباينٌ في إدارة الوسائل بين واشنطن وتل أبيب؛ إذ أظهر ترامب  ميلًا لإعطاء المسار الدبلوماسيّ فرصةً قبل اللجوء إلى القوّة العسكريّة، في حين تبنّت إسرائيل منذ البداية موقفًا يرفض أيّ تسوية تفاوضية من حيث المبدأ معتبرةً أنّ الخيار العسكري هو الأداة الأكثر جدوى وواقعية. ومع ذلك، فإنّ حدود هذا التباين لم تعبّر عن توجّه حقيقيّ نحو  الدبلوماسيّة، وإنّما قُرئت جولات المفاوضات في سياق عمليّات خداع إستراتيجيّ لإيران واستنزافٍ للوقت؛ إذ إنّ الشروط التي أملاها ترامب على إيران لم تكن أرضيّة لاتفاق متكافئ، بل أقرب إلى وثيقة استسلام مذلّ تهدف إلى تجريد طهران من أوراق قوّتها.

2- تدمير البرنامج الصاروخيّ الإيرانيّ

يتمثّل الهدف الثاني للطرفين في تدمير الترسانة الصاروخية لإيران وتحييد تهديدها. فعلى الرغم من أنّ البرنامج الصاروخي الإيراني لم يكن هدفًا رئيسًا قبل حرب يونيو 2025 أو في شروط المفاوضات التي سبقتها، إلّا أنّ إسرائيل دفعت بالضغط على واشنطن بعد قصفها للمنشآت النووية باتجاه توسيع نطاق أي اتفاق مستقبلي مع إيران ليشمل تقويض البرنامج الباليستي. وذلك بعد أن أثبتت المواجهات السابقة أنه يمثّل القدرة الهجومية والدفاعية الأهم التي تمتلكها إيران في مواجهة إسرائيل.

وفي هذا السياق، ادّعت إسرائيل أنّ طهران تعمل على توسيع ترسانتها بوتيرة متسارعة، بقدرة إنتاجيّة تُقدَّر بمئات الصواريخ شهريًا، بينما زعم ترامب أنّ إيران تطوّر صواريخ عابرة للقارات قادرة على استهداف الولايات المتحدة، وهي مزاعم تعارضت مع تقديرات أجهزة الاستخبارات الأمريكية، التي أكّدت أنّ حيازة طهران لصاروخ عابر للقارات قابل للاستخدام العسكري لن يكون ممكنًا قبل عام 2035 على أقرب تقدير، إذا اتخذت طهران قرارًا سياسيًا بالتوّجه نحو هذا المسار.

وفي المحصلة، أُدرِج البرنامج الصاروخي لاحقًا ضمن مطالب واشنطن في مفاوضات فبراير 2026. ثم برز هدفًا صريحًا في الخطاب الذي أعلن فيه ترامب الحرب الحاليّة، مقترنًا بضرب القدرات البحريّة الإيرانيّة، إذ اعتبرهما الهدفين المركزيين للعمل العسكري المشترك.

3- إضعاف شبكة النفوذ الإقليميّة

يمثّل إضعاف شبكات النفوذ الإقليميّة لإيران الهدف الثالث الذي حدّده ترامب للحرب، والذي شكّل نقطة توافق مبكّرة بين الطرفين، كما بدا واضحًا في التساوق الأمريكي مع المطالب الإسرائيليّة فيما يتعلق بجبهات المقاومة، كالخطة الأمريكيّة لنزع سلاح حزب الله، والحملة الأمريكية ضدّ الحوثيين في اليمن، والضغوط الأمريكيّة على الحكومة العراقيّة لاتّخاذ إجراءات ضد الفصائل الموالية لإيران. وعلى الرغم من أنّ هذا البعُد لم يكن شرطًا تفاوضيًّا رئيسًا خلال عام 2025، فإنّ شروط مفاوضات فبراير 2026 توسّعت لتشمل شرط “وقف دعم إيران لوكلائها الإقليميين”. ما يعكس التوافق الأمريكي-الإسرائيلي على توسيع تعريف “التهديد الإيراني” وجعله ملفًّا من ملفّات التوجه الدبلوماسي والعسكري ضد إيران، ورفع سقف أهداف الحرب لتغطية أبعاد تتجاوز البرامج العسكرية المباشرة.

4- إسقاط النظام الإيراني

يكشف مسار الحرب الحالية أنّها تتجاوز الترويج لها بوصفها عمليّة عسكريّة تستهدف الملفات السابقة بشكلٍ أساسي. فخلال حرب يونيو 2025 تعرّض البرنامج النووي الإيراني لضربات أفقدت التخصيب طابعه كتهديد فوري. وفي الوقت نفسه، كانت شبكة الحلفاء الإقليميين لإيران قد دخلت بالفعل مرحلة من الاستنزاف العسكري خلال العامين السابقين، بعد الضربات المتواصلة في لبنان وغزة، وفقدان إيران الساحة السورية، بالإضافة إلى الضغوط العسكرية الأمريكية على الفصائل المرتبطة بإيران في العراق واليمن. كما لم تتوقف الحرب عند حدود تحييد القدرات العسكرية بعد تأكيد ترامب أنّ إيران دُمِّرت عسكريًا وأنّه “لم يتبقَّ شيء لاستهدافه”، وإنّما تتجه نحو الضغط على النظام الإيراني نفسه وإعادة تشكيل بنية الحكم فيه.

ينعكس ذلك بوضوح في خطابات ترامب ونتنياهو، وفي طبيعة العمليات الميدانية المواكبة لها. ففي كلمته التي أعلن فيها بدء الحرب، خاطب ترامب الشعب الإيراني مباشرةً، قائلًا: “عندما ننتهي تولّوا أنتم الحكم. سيكون لكم”، واصفًا اللحظة بأنها “الفرصة الوحيدة لأجيال”، في مؤشر واضح على توظيف الضغط العسكري لإحداث تحوّل سياسي داخلي. وبالموازاة، أكدّ نتنياهو أنّ العمليات العسكرية المشتركة ستتيح للإيرانيين “أخذ مصيرهم بأيديهم” والتخلص من حكم الاستبداد تمهيدًا لإقامة “إيران حرة”. ومع أنّ هذه التصريحات تعكس تقاطعًا في الهدف السياسي بين الطرفين، إلا أنّ تتبع السياق الكلّي يكشف عن تباين بين الطرفين في النهج والوسائل.تتبنّى إسرائيل رؤية مفادها أنّ النظام الإيراني غير قابل للإصلاح أو لتقويم السلوك، إذ تكمن المشكلة في بنيته الأيديولوجية وليس في قيادته فحسب. بناءً على ذلك تسعى تل أبيب إلى إسقاط النظام بالكامل ضمن تصور إستراتيجي أوسع لإعادة تشكيل موازين القوة الإقليمية، وتحقيق ما تسمّيه “شرقَ أوسط جديدًا”، وهو ما تجسّد في تصريحات نتنياهو الأخيرة:”نقوم بتغيير الشرق الأوسط ونتحوّل إلى قوة إقليمية”.

وقد تبلور هذا التوجّه الإسرائيليّ منذ سبتمبر 2024، حين خاطب نتنياهو الشعب الإيراني في رسالة مباشرة تحرّضه على تقويض النظام وتدعو للعصيان، ويبدو أنّ هذا الخطاب الهادف إلى الزعزعة الداخلية هو ما حفزّ طهران أكثر لتنفيذ ضربة ضدّ الاحتلال في أكتوبر 2024. كما تجسّد الغرض ذاته في طبيعة الأهداف الإسرائيلية خلال حرب يونيو2025، إذ تركّزت الهجمات على المؤسسات الحكومية، والمراكز الأمنية، وسجون المعارضة، إلى جانب تكثيف ضرب مقارّ الحرس الثوري واغتيال أبرز قادته، في محاولةٍ لتفكيك مؤسسات الدولة وإضعاف بنية النظام.

في المقابل، تميل واشنطن أكثر إلى تحقيق أهدافها عبر تعديل النظام داخليًا. فقد أشار ترامب إلى أنّ تغيير النظام قد يكون نتيجة مرغوبة إذا فشلت المفاوضات، مصرّحًا بأنّه “حان الوقت للبحث عن قيادة جديدة لإيران”.  ما يعكس ميلًا أمريكيًا نحو استبدال القيادة وإضعاف الدائرة الأكثر تشدّدًا داخل النظام، مع السماح بظهور شخصيات أقل صدامية وأكثر تجاوبًا مع شروط الاستسلام الأمريكية، سواء أكانت من داخل النظام نفسه، أو عبر تحفيز تيّارات سياسيّة داخلية غير متشدّدة. وتستند هذه المقاربة إلى تقدير أمريكي يفترض أنّ النظام الإيراني دخل مرحلة من الهشاشة النسبيّة بعد حرب يونيو عام 2025، واحتجاجات إيران مطلع عام 2026، فضلًا عن تراجع نفوذه الإقليمي بعد مواجهات إسرائيل مع حلفائه خلال العامين الأخيرين.

وعليه، تكمُن المفارقة الأساسية بين الطرفين في سقف النتائج التي يمكن أن يرضى بها كل طرف. فإسرائيل تسعى لإنهاء “نظام الثورة الإسلامية” باعتباره جوهر المشكلة. بينما دخلت واشنطن الحرب بميول نحو تحقيق نتائج سريعة عبر “تغيير سلوك النظام” من خلال تحقيق تعديلات في تركيبته القيادية ودفعه إلى تحولات داخلية تدريجية، تجعله أكثر قابلية للتكيّف مع المصالح الأمريكية مع الحفاظ على بنية دولة مستقرّة نسبيًا.

فشل سيناريو الحسم السريع

مع بدء الحرب، تبيّن سريعًا أنّ المواجهة على الأرض تجاوزت توقعات واشنطن، التي راهنت على سيناريو حسم سريع بانهيار النظام أو انتقال السلطة داخليًا نحو قيادة تقبل بشروطها وتعود سريعًا إلى طاولة المفاوضات، بعد أن نجحت في اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي. فقد بدا من خطاب ترامب الأول الذي أعلن فيه الحرب، أنّ الإدارة الأميركية كانت تتوقع مواجهة محدودة ومنخفضة الكلفة، تقوم على ضربات مركزة واستعراض للقوة لأيام قليلة، بما يؤدي إلى تعديل داخلي في القيادة الإيرانية تحت ضغط عسكري شامل يحفّز الشارع على التحرّك ضدّ النظام.

استند هذا التصور إلى تجربة فنزويلا في استبدال رأس النظام بقيادة أكثر تعاونًا مع المصالح الأمريكية، بما يشمل الطاقة والاقتصاد والعلاقات الدولية. بيد أنّ التطورات الميدانية سرعان ما أظهرت محدوديّة هذا الرهان؛ إذ إنّ سرعة الاستجابة الإيرانية للضربات الأولى، مقارنة بمواجهة يونيو 2025، واستهداف القواعد الأمريكية في المنطقة، وصولًا إلى إعلان إغلاق مضيق هرمز وتهديد إمدادات الطاقة العالمية، أثبتت أنّ اغتيال خامنئي لم يُحدث فراغًا سياسيًا أو انهيارًا في منظومة صنع القرار كما توقعت واشنطن. فقد نجح النظام في احتواء الصدمة الأولية ومنع انهيار مركز السلطة، فأفشل فرضية الحسم السريع.

وقد انعكس هذا الإخفاق في تناقضات الخطاب الأميركي حول أهداف الحرب. فقد أكد وزير الدفاع الأميركي أنّها: “ليست حربًا لتغيير النظام، لكن النظام تغير بالفعل”، في محاولة لحصر الأهداف في البرامج النووية والصاروخية، واعتبار تغيير النظام نتيجة ثانوية لذلك كما أشار البيت الأبيض. وفي تصريحات أخرى، قال ترامب: “بإمكاني أن أستمر طويلًا أو أنهي الأمر في يومين أو ثلاثة”، مضيفًا أنّه قد يكتفي بتوجيه رسالة ردع مفادها أنّ أي إعادة بناء للبرنامجين النووي أو الصاروخي ستُقابل بضربات جديدة. لكنّ تصريحاته اللاحقة عكست توسّعه في نطاق الحرب، إذ قال إنّ مستقبل القيادة الإيرانية لن يُحدَّد بمعزل عن الدور الأميركي في اختيار من سيقود إيران بعد خامنئي.

بالتوازي، اتجه القرار عمليًّا نحو الضغط على بنية الدولة نفسها، عبر استهداف مؤسسات حكومية ومنشآت مدنية وبنى تحتية خدمية، بالتزامن مع استعراض ترامب لإمكانية استهداف البنية النفطية في جزيرة (خرج) التي تعد مركزًا رئيسًا لصادرات النفط الإيرانية، إضافةً إلى التهديد باستهداف شبكة الكهرباء في إيران.

يأتي ذلك في ظل عدم وجود مخرج أمام واشنطن -حتى اللحظة- لإنهاء الحرب بشرط ترامب “الاستسلام الكامل وغير المشروط”. فقد أكدّ علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، أنّ: “إيران مستعدة لحرب طويلة.. مهما كان الثمن”. ومع نجاح طهران في تثبيت قيادة انتقالية ثم اختيار مجتبى خامنئي مرشدًا خلفًا لوالده، بدأت واشنطن توسع أدوات الضغط خارج المجال العسكري المباشر، بعد أن تأكدت أنّ النظام لا يمكن تغييره بالاعتماد على القوة الجويّة دون إشراك متغيرات سياسية واجتماعية في الداخل الإيراني. عند ذلك راح ترامب يبحث عن دعم من الفصائل الكردية الإيرانية للتحرك في مواجهة النظام، كأداة لإضعاف السيطرة المركزية للنظام على الأرض. وقد ترافق ذلك مع دراسة خيار نشر قوات برية، في إشارة إلى استعداد واشنطن لتوسيع نطاق الحرب في حال فشل الضربات الجوية والضغوط الداخلية في تحقيق أهدافها.

لا يزال مسار الحرب ومدتها ومخرج إنهائها محاطًا بالغموض والتناقض، وهو أمر يرتبط أساسًا بتخبط واشنطن في تقدير المدى الزمني للحرب، وقدرتها على فرض استسلام سريع على إيران. ففي حين يُصرّح ترامب بأن الحرب “ستنتهي قريبًا” وأنّها “انتهت إلى حدّ كبير”، تؤكّد طهران على أنّها من سيحدّد نهاية الحرب، مشروطة بوقف العدوان وحصولها على ضمانات أمنيّة وسياسيّة، وتعويضات عن الأضرار. ورغم ادّعاءات ترامب بأن “معظم القدرات العسكرية الإيرانية اختفت” وأنّه “لم يتبقَّ شيء يُستهدف في إيران”، يُقدم الواقع الميداني صورة مختلفة مع استمرار إيران في الردّ على الضربات، مستهدفة مواقع إسرائيلية وقواعد أميركية، ما يدلّ على أنّ قدرتها على الصمود لم تتراجع بشكل حاسم حتى الآن.

خروج الحرب عن السيطرة

بعد مضي مدة تجاوزت الأيام الأربعة التي حددتها الإدارة الأمريكية كسقف زمني للعملية، أخذت تتزايد التحليلات، وحتى التصريحات، عن مصادر أمريكيّة بأنّ إدارة ترامب أخطأت في تقدير رد إيران وتأثيره على أسواق النفط. مع أنّ إيران لم تتوقف عن التصريح بطبيعة ردها. لذلك أصبح البعد الاقتصادي على المستوى الدولي، عامل الضغط الإستراتيجي في مسار الحرب، بسبب المخاطر الهيكلية للصراع على الإمدادات العالمية للنفط والغاز. فقد أدى  إغلاق إيران لمضيق هرمز – الممر الذي يعبر  من خلاله نحو 20 ٪ من النفط والغاز الطبيعي المسال عالميًا – إلى  اضطرابات كبيرة في أسواق الطاقة، تسببت في ارتفاع سريع في أسعار النفط وتكاليف الشحن والتأمين البحري، مع تقديرات بارتفاع التضخم العالمي وتباطؤ النمو الاقتصادي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة وتراجع الإمدادات.

من جانبها، تواجه الولايات المتحدة ضغوطًا داخلية متزايدة، إثر انعكاس التوترات العسكرية على ارتفاع أسعار الوقود الاستهلاكي، ما يضع ضغوطًا مباشرة على الأسر والقطاعات الصناعية وحركة النقل. الأمر الذي قد يزيد الضغوط السياسية على الإدارة الأميركية خاصة مع اقتراب الانتخابات النصفية للكونغرس، في ظلّ انقسامات داخل دوائر صنع القرار حول أهداف الحرب وتكلفتها، وتصاعد الانتقادات لغياب خطة واضحة لمدتها أو تقدير شامل للكلفة الاقتصادية، وسط استدعاء تجارب الحروب الأميركية الطويلة السابقة في العراق وأفغانستان؛ للتحذير من الانزلاق إلى صراع مفتوح.

تبحث الولايات المتحدة عن حلول عاجلة للسيطرة على أسعار الطاقة، في ظل عجزها عن إعادة فتح مضيق هرمز وإعادة الاستقرار إلى منطقة الخليج. ففي 12 مارس، أعلنت الوكالة الدولية للطاقة (IEA) إطلاق أكبر احتياطي نفطي طارئ في تاريخها، والبالغ نحو 400 مليون برميل؛ للحدّ من ارتفاع الأسعار وتخفيف نقص الإمدادات. في المقابل، أطلقت واشنطن وحدها 172 مليون برميل من احتياطيها النفطي الإستراتيجي؛ لامتصاص الصدمة السعرية في الأسواق العالمية. في المقابل، لا يتوقف ترامب عن إطلاق التصريحات المتناقضة، فبينما يعلن تارةً أنّ الأسطول الأمريكي سيرافق ناقلات النفط، يدعو تارة أخرى حلفاءه ودولًا أخرى كالصين للمشاركة في تأمين الملاحة في مضيق هرمز، أو يدعو دول الخليج للانخراط المباشر في الحرب. ثمّ يلوّح أحيانًا بالانسحاب الكامل من المنطقة، بدعوى أنّ الولايات المتحدة  باتت من أكبر منتجي النفط عالميًّا ولم تعد بحاجة إمدادات الشرق الأوسط، وما إلى ذلك من مواقف متضاربة تعكس غياب رؤية محدّدة.

تبرهن هذه التصريحات المتناقضة بوضوح على أنّ الحرب على إيران قد تجاوزت حدود السيطرة الأمريكية والإسرائيليّة. إذ لا يقتصر هذا التخبّط  على ترامب وإدارته فقط، بل يمتدّ إلى الجانب الإسرائيليّ أيضًا. ففي الوقت الذي تعلن فيه تل أبيب دوريًّا أنّ العمليّات العسكريّة ستستغرق أسابيع إضافية، يصرّح مسؤولوها تصريحات متناقضة تؤكّد أنّ الحرب قد حققت أهدافها بأسرع مما خُطط له؛ ممّا يعكس فجوةً عميقة بين الخطاب الدعائي والواقع الميداني المعقّد.

خاتمة

رغم النجاحات العسكرية التي حققتها الهجمات على إيران، لم تُحسم الأهداف الجوهرية التي حددتها واشنطن وإسرائيل علنًا للحرب؛ فالبرنامجان النووي والصاروخي لم يُنهيا بالكامل، ولا يزال مصير مخزون اليورانيوم المخصب غير محسوم. فالمعطيات الميدانيّة تشير إلى غياب أي  مؤشرات على استعداد طهران للامتثال لشروط الاستسلام؛ نظرًا لكون هذه الحرب باتت تمسّ جوهر البقاء السياسي للنظام وشرعيته الوجودية.

وقد تجسّد هذا الصمود في البيان  الأوّل للمرشد الجديد، مجتبى خامنئي، في 12 مارس؛ والذي أكد فيه مواصلة الردّ العسكري، والإبقاء على إغلاق مضيق هرمز، مع التلويح بتفعيل جبهات إقليمية أخرى. لقد أثبت الانتقال السلس والسريع للسلطة، والتفاف المؤسسات السيادية والعسكرية حول القيادة الجديدة، قدرة النظام على إعادة التنظيم تحت وطأة النيران، مما أجهض الرهانات على حدوث انهيارٍ هيكلي أو فراغٍ في السلطة.

بناءً على ما تقدّم، بات استمرار الحرب مرهونًا بقدرة واشنطن على تحمّل تكلفتها السياسية والاقتصادية، خاصة مع أزمة ارتفاع أسعار الطاقة العالمية، مما يجعلها قريبة في أي لحظة من إعلان نهاية الحرب بعد إعادة تعريف النصر، بما يوازن بين الواقع العسكري والسياسي والاقتصادي. بحيث يُمكن تصوير الإنجازات العسكرية المحققة حتى الآن أنها كافية لردع التهديد. ومن ثمّ تقديم إعادةفتح مضيق هرمز ثمرةً لوقف العدوان على إيران، باعتباره إنجازًا إستراتيجيًّا وانتصارًا حاسمًا، ما يمنحها مخرجًا يحفظ ماء الوجه أمام الرأي العام الداخلي والحلفاء الدوليين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى