ياسر عرفات

وُلد ياسر عبد الرؤوف داود عرفات المعروف بـ ” أبو عمار” في مدينة القدس المحتلة في الرابع من آب/ أغسطس عام 1929، وهو متزوج وله بنت. درس المرحلة الأساسية في مدرسة مصر في حي السكاكيني في القاهرة، والثانوية في مدرستي مصر الثانوية والملك فاروق الثانوية، ونال درجة البكالوريوس في الهندسة من كلية الهندسة في جامعة القاهرة عام 1955.
عمل مهندسًا في شركة مصر لأعمال الإسمنت المسلح، ثم أسس مع زملاء له شركة هندسية في الكويت بداية ستينيات القرن العشرين.
انخرط في النشاط الوطني في مرحلة مبكرة من حياته، حيث شارك في التظاهرات الطلابية ضد الاحتلال الإنجليزي لمصر، وكان من مؤسسي رابطة الطلبة الفلسطينيين، والتي تشكلت بعيد حرب 1948 من الطلبة الفلسطينيين في الجامعات المصرية، وكانت إحدى المحاولات الأولى لبناء أجسام تمثيلية للفلسطينيين. خاض أبو عمار انتخابات الرابطة في السنة الدراسية (1952-1953) بقائمة كان الثقل الأكبر فيها لجماعة الإخوان المسلمين، حيث ضمت عددًا من كوادرها ونشطائها منهم هاني بسيسو وفتحي البلعاوي وسليم الزعنون وصلاح خلف وعبد الفتاح حمود، وقد فازت القائمة وأصبح أبو عمار رئيسًا للرابطة وهاني بسيسو نائبًا له، وفي السنة التالية فاز مجددًا وأصبح قنديل شاكر شبير نائبًا له، وظل رئيسًا للرابطة حتى عام 1955. حققت الرَّابطة أثناء رئاسته إنجازات على صعيد توفير احتياجات الطلبة، والانفتاح على المستوى الرسمي في مصر والممثل بأعضاء الضباط الأحرار، في حين قاد وفد الرابطة إلى مؤتمرات طلابية دولية، وتمكَّن من فتح قنوات اتصال مع الحركة الطلابية في العالم خصوصًا في أوروبا الشرقية. أسس بعد تخرجه عام 1956 رابطة الخريجين الفلسطينيين وأصبح رئيسًا لها.
اقترب أبو عمار في شبابه من الحاج أمين الحسيني، وأقام معه علاقات قوية منذ أصبح رئيسًا للرابطة، وظل يلاطفه ويزوره حتى وفاته في بيروت عام 1974.
تلقى أبو عمار تدريبًا عسكريًا في معسكرات الإخوان ضمن طلبة الجامعات في فترة المقاومة المصرية للإنجليز في قناة السويس بداية خمسينيات القرن العشرين، وتخرَّج من كلية إعداد الضباط الاحتياطيين التابعة للجيش المصري برتبة ملازم عام 1953، وتطوع للدفاع عن مصر أثناء العدوان الثلاثي عام 1956.
شكَّل أبو عمار مع خليل الوزير وعادل عبد الكريم ويوسف عميرة وتوفيق شديد النواة الأولى لحركة فتح في الكويت عام 1959، وقد أصدرت الحركة بيانها الأول في العام ذاته، وأعدت برنامجها السياسي، وأصدرت أيضًا العدد الأول من مجلة فلسطيننا- نداء الحياة، وكانت هذه المجلة معبِّرة عن آراء ومواقف الحركة. ساهم في بداية الستينيات في فتح قنوات اتصال مع العالم لدعم القضية الفلسطينية والوقوف مع حركة فتح، فزار الجزائر وسوريا والصين، وواجه في الوقت نفسه عددًا من المشكلات داخل الحركة أدت إلى اتخاذ قرار بتجميده عام 1963.
كان على رأس المشاركين في انطلاقة الحركة عام 1965، ومن أبرز من قاد نشاطها الميداني في تلك المرحلة. تسلل إلى الضفة الغربية بعد احتلالها عام 1967 بقصد تثويرها، وبادر إلى إرسال السلاح والمقاتلين إلى الضفة الغربية عبر نهر الأردن، فلاحقته قوات الاحتلال، فغادر الضفة الغربية إلى الأردن متخفيًا، وانشغل هناك في إقامة قواعد لقوات العاصفة (الجناح العسكري لفتح) في الأغوار، وسطع نجمه أواخر ستينيات القرن العشرين، خصوصًا حين شاع بين الفلسطينيين أنه صاحب قرار خوض معركة الكرامة في آذار عام 1968، وقد عُرف منذ نيسان عام 1968 بأنَّه الناطق الرسمي لحركة فتح وقائد قوات “العاصفة” الجناح العسكري لحركة فتح، وأصبح رئيسًا للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير عام 1969، وأطلق عليه لقب قائد الثورة الفلسطينية منذ عام 1973، ولُقِّب أيضًا بالختيار.
شارك أبو عمار في الانفتاح على النظام الناصري بعد هزيمة حزيران عام 1967، وكان ضمن وفد الحركة الذي اجتمع مع جمال عبد الناصر عام 1968، وقد استفاد من علاقاته المتينة بجمال عبد الناصر في توطيد سلطته داخليًا وتوسيع تحالفاته خارجيًا، وصعدت مكانته دوليًا حين اختير لإلقاء كلمة فلسطين في الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1974.
واجه أبو عمار العديد من التحديات، فقد خاض صراعًا عسكريًا واستخباراتيًا مريرًا مع دولة الاحتلال في أكثر من محطة في حياته كما في أحداث اجتياح لبنان عامي 1978 و1982، والانتفاضة الثانية عام 2000، وتصدى لمحاولات احتوائه من قبل دول وازنة في المنطقة، وواجه معارضة من فرقاء الحركة الوطنية ومنافسيه داخل حركة فتح، وقد عانى من تداعيات الانشقاقات داخل حركته خصوصًا في النصف الثاني من السبعينيات وبداية الثمانينيات من القرن العشرين، ومن اغتيال العديد من زملائه ومعاونيه.
لعب أبو عمار دورًا تاريخيًا في مسار التسوية، فرعى في مرحلة مبكرة الاتصالات السرية بين منظمة التحرير وقوى يهودية وأخرى صهيونية يسارية، وسمح لرجاله بالتواصل مع مستويات حكومية صهيونية مختلفة، وطوَّع الخطاب الفلسطيني الرسمي ليناسب مسار السلام، وهو المسؤول الأول عن انخراط الفلسطينيين في مفاوضات مدريد عام 1991 وواشنطن، وتوقيع اتفاق أوسلو عام 1993 وما تلاه من مفاوضات.
انتخب رئيسًا لـ “دولة فلسطين” التي أعلن عن قيامها في الدورة التاسعة عشرة للمؤتمر الوطني الفلسطيني المنعقدة في قصر الصنوبر في الجزائر في الخامس عشر من تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1988. عاد إلى فلسطين عام 1994، بعد توقيع اتفاق أوسلو، وأصبح أول رئيس للسلطة الفلسطينية عند تأسيسها عام 1994، كما أنه فاز في انتخابات رئاسة السلطة الفلسطينية عام 1996 أمام منافسته السيدة سميحة خليل.
عُرف أبو عمار بميله للزهد والتقشف في حياته اليومية، وعمله لساعات طويلة يوميًا، وفي السياسة كان براغماتيًا، ويملك طموحًا شخصيًا، ويعتمد المناورة السياسية، وعقد التحالفات، ويبقي السلاح خيارًا واردًا، ومع ذلك فقد وجه له نقد لاذع لتفرده في صناعة القرار، وكرهه للمؤسساتية سواء داخل حركة فتح أو منظمة التحرير أو السلطة الفلسطينية، ولبعض قراراته التي انعكست سلبيًا على مكانة وقوة منظمة التحرير، ولخسائره المتلاحقة في معارك منظمة التحرير خصوصًا في الأردن ولبنان، ودوره في تطويع الحركة الوطنية الفلسطينية للدخول في التسوية وفق الرؤية الأمريكية.
عانى عرفات في مسيرة حياته الطويلة، إذ اعتقل في مصر عام 1954 على خلفية نشاطه السياسي، واعتقل مرتين في سوريا على خلفية اتهامه بالمشاركة في تخريب خط أنابيب للنفط عام 1965، وإثر مقتل زميله في فتح الضابط يوسف عرابي عام 1966، وتعرض للعديد من محاولات الاغتيال، وكاد يفقد حياته في حادثة تحطم طائرته في الصحراء الليبية في السابع من نيسان/ إبريل عام 1992، وحاصره الاحتلال في مقره في المقاطعة في مدينة البيرة عام 2002، حيث أصيب أثناء ذلك بمرض غامض، نقل على إثره إلى مستشفى بيرسي العسكري في فرنسا حيت توفي هناك في الحادي عشر من تشرين الثاني/ نوفمبر عام 2004، ويعتقد كثيرون أن الاحتلال قام باغتياله بالسم.
المصادر والمراجع:

  1. الحسن، بلال. “عرفات قبل مدريد: القوانين التي حكمت مسيرته السياسية”. “مجلة الدراسات الفلسطينية”، العدد 60/61، خريف 2004 – شتاء 2005.
  2. دوبرو، نانسي.” ياسر عرفات متى لم يكن هنا!”. رام الله: مؤسسة ياسر عرفات، 2016.
  3. عبد الرحمن، أحمد. “عشت في زمن ياسر عرفات”. رام الله: الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين – مؤسسة ياسر عرفات، 2013.
  4. عمرو، نبيل. “ياسر عرفات وجنون الجغرافيا”. القاهرة: دار الشروق، 2012.
  5. نوفل، ممدوح. “عرفات بعد مدريد: من خنادق التطرف إلى ميدان الواقعية”. “مجلة الدراسات الفلسطينية”، العدد 60/61، خريف 2004 – شتاء 2005.
اظهر المزيد

مركز رؤية للتنمية السياسية

يسعى المركز أن يكون مرجعية مختصة في قضايا التنمية السياسية وصناعة القرار، ومساهماً في تعزيز قيم الديمقراطية والوسطية. 11

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى