المشهد الفلسطينيغير مصنف

هل تسعى لقاءات عباس- غانتس إلى تطبيق خطة تقليص الصراع؟

لتحميل الملف اضغط هنا

كريم قرط

التقى الرئيس الفلسطيني محمود عباس في 28 كانون الأول/ديسمبر 2021 برفقة وزير الشؤون المدنية حسين الشيخ ومدير عام جهاز المخابرات ماجد فرج، وزير الأمن الإسرائيلي غانتس في منزله في “تل أبيب”.

بعد مرور قرابة 4 شهور على لقاء مشابه لغانتس في مقر المقاطعة في رام الله، ولقاءه الرئيس عباس في آب/أغسطس 2021، جاء توقيت هذه اللقاءات المتبادلة بعد قرابة 10 سنوات من القطيعة بين الرئيس الفلسطيني ومسؤولين كبار في دولة الاحتلال، ما قد يؤشر إلى فتح صفحة جديدة من العلاقات بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، الأمر الذي يطرح تساؤلات عن الهدف من هذه اللقاءات: هل تأتي في سياق تطبيق خطة “تقليص الصراع”، أم الحفاظ على الأمن بعد مخاوف من تصاعد الأحداث الميدانية في الضفة الغربية؟

توقف منذ 2014

توقفت المفاوضات بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل بشكل تام منذ عام 2014 إبان عهد رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتانياهو؛ نتيجة للتعنت الإسرائيلي واستمرار الأنشطة الاستيطانية وربط المفاوضات باعتراف فلسطيني بإسرائيل “دولة يهودية”، ما أدى إلى توجه السلطة الفلسطينية للمصالحة مع حركة حماس في حينها.

بدأت إسرائيل بفرض عقوبات اقتصادية وسياسية بحق السلطة الفلسطينية، تمثلت في تجميد عائدات الضرائب الفلسطينية التي تجنيها إسرائيل نيابة عن السلطة، ومنعها من إيداع الأموال في البنوك الإسرائيلية، وشن حملة دولية ضد الوحدة بين السلطة الفلسطينية وحماس.

ازدادت الأوضاع سوءًا في ظل إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب الذي كان منحازا لإسرائيل بشكل مطلق، حيث بدأ خطواته تجاه القضية الفلسطينية بالتراجع عن حل الدولتين وعن رعاية عملية السلام بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، وتبع ذلك الاعتراف بالقدس عاصمة موحدة لإسرائيل، وقام بنقل السفارة الأمريكية إليها. بالإضافة إلى إغلاق مقر منظمة التحرير الفلسطينية في الولايات المتحدة الأمريكية ووقف المساعدات المقدمة للسلطة الفلسطينية، ووقف تمويل الأونروا. وتبع ذلك إعلان وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو عن شرعية المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، ليتوج الموقف الأمريكي فيما بعد بما عرف بالإعلان عن “صفقة القرن”.

ردًا على هذه الخطوات أعلنت السلطة الفلسطينية في أيار 2020 التحلل من جميع الاتفاقيات مع حكومتي إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، ومن جميع الالتزامات المترتبة عليها بما في ذلك الاتفاقيات الأمنية. لكنّ السلطة الفلسطينية استبشرت خيرًا بقدوم الرئيس بايدن في ظل التصريحات الإيجابية التي صدرت عن الإدارة الأمريكية الجديدة، فسارعت لاتخاذ خطوات إيجابية مقابلة تجاه علاقتها مع إسرائيل، حيث سارعت إلى الإعلان عن إعادة العلاقات مع إسرائيل بعد توقف دام نحو 6 أشهر، وهو ما بررته برحيل إدارة الرئيس الأمريكي ترامب، وموافقة إسرائيل على الرجوع إلى الاتفاقات الموقعة، ما يعني العودة مجددًا إلى حلّ الدولتين وإنهاء ما يعرف بـ “صفقة القرن”.

أزمات السلطة المتداخلة

عانت السلطة الفلسطينية خلال الفترة الماضية من سلسلة أزمات متداخلة أدت إلى تراجع مكانتها وضعفها على المستوى المحلي والإقليمي والدولي، وعملت إسرائيل بشكل مباشر مع إدارة ترامب على تهميش وتجاوز السلطة، بهدف تعزيز حالة تطبيع العلاقات الإسرائيلية العربية.

وعلى الصعيد العربي تمسكت السلطة الفلسطنية بخيار السلام بناءً على مبادرة السلام العربية 2002، وعليه  امتنعت الدول العربية عن تطبيع العلاقات مع إسرائيل التزامّا بالمبادرة، وهو ما كان بمثابة ورقة قوة من وجهة نظر السلطة الفلسطينية في إطار المفاوضات مع إسرائيل، إلّا أن نهاية إدارة ترامب ونتنياهو شهدت موجة تطبيع جديدة بين عدد من الدول العربية، شملت الإمارات العربية المتحدة والبحرين والسودان والمغرب، ما أضعف السلطة على مستويين؛ إفقادها ورقة القوة، وتراجع مكانتها الإقليمية بسبب موقفها المعارض للاتفاقيات الموقعة مع الدول العربية المطبعة.

أمّا على الصعيد الداخلي؛ فتناقش ورقة صادرة عن معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي، بعنوان “الساحة الفلسطينية: تدهور خطير” جملة من الأزمات وعلامات الضعف التي تعيشها السلطة الفلسطينية، وخاصة بعد معركة سيف القدس في آيار الماضي، ومن ضمنها:

  • تصاعد الغضب الشعبي تجاه السلطة الفلسطينية، وعدم ثقة الجمهور في مؤسساتها.
  • تُهم الفساد التي تلاحق السلطة الفلسطينية وكبار موظفيها.
  • تزايد المشاكل العائلية التي يستخدم في السلاح، وعدم قدرة السلطة الفلسطينية على مواجهتها في ظل خشية الأجهزة الأمنية من التدخل فيها.
  • إلغاء الانتخابات الفلسطينية التشريعية التي كانت مقررة في تموز/مايو 2021.
  • تراجع شعبية وقبول مسار التسوية السلمية الذي ينتهجه الرئيس محمود عباس.
  • مقتل المعارض السياسي نزار بنات وما تبعه من موجة احتجاجات معارضة للسلطة.
  • تزايد النقد الشعبي ضد السلطة الفلسطينية؛ نتيجة ازدياد اعتداءات المستوطنين، وعدم الوقوف في وجهها.

أمّا على الصعيد الدولي؛ فقد أدت الإجراءات التي اتخذتها إدارة ترامب في إضعاف السلطة الفلسطينية وتهميشها، حيث قامت إدارة ترامب بوقف دعمها للأونروا، وقطع كل المساعدات التي تقدمها للسلطة الفلسطينية، وإغلاق مكتب منظمة التحرير في واشنطن، وطرد ممثلها، وإغلاق الحسابات المصرفية التابعة للمنظمة في الولايات المتحدة، وإغلاق القنصلية الأمريكية في القدس التي كانت وسيلة التواصل مع الفلسطينيين، بالإضافة إلى تراجع الاهتمام الأمريكي بمنطقة الشرق الأوسط بشكل عام، والقضية الفلسطينية بشكل خاص لحساب قضايا دولية أهم بالنسبة للسياسة الأمريكية.

هذه العوامل مجتمعة وغيرها، إضافة للأزمات الاقتصادية التي تعاني منها السلطة الفلسطينية، دفعت إسرائيل للالتفات إلى الخطر الأمني الذي قد يشكله انهيار السلطة في حال استمرت مكانتها في التراجع، في ظل الدعم الأمريكي اللامتناهي لإسرائيل.

 

المتغيرات الجديدة

في الأشهر الأخيرة برزت عدة متغيرات مهدت لتحريك المياه الراكدة في العلاقات بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، من بينها:

  • قدوم إدارة الرئيس جو بايدن: فرحيل ترمب خفف الضغط على السلطة الفلسطينية ومنحها منفذا لإعادة الحديث عن تفعيل المفاوضات مع إسرائيل، فعلى الرغم من أن إدارة بايدن لم تبدِ أية نية لمراجعة قرارات مصيرية اتخذها ترمب، بينها الاعتراف بمدينة القدس عاصمة لإسرائيل. فإنها أعلنت نيتها إعادة فتح القنصلية الأمريكية في الجزء الشرقي من القدس المحتلة، وفتح مكتب منظمة التحرير في واشنطن، واستئناف المساعدات لوكالة الأونروا.
  • كما طالب الرئيس الأميركي بايدن، في رسائله الموجهة للحكومة الإسرائيلية، بعدم التوسع في الاستيطان في الضفة الغربية، والامتناع عن أي خطوات أحادية الجانب في الأغوار، والعمل على تحسين الظروف المعيشية للفلسطينيين.
  • معركة سيف القدس وتصدر حماس والمقاومة الفلسطينية للمشهد الفلسطيني: فقد برز دور حماس الكبير في قيادة العمل الوطني والدفاع عن القدس، في المقابل، أظهرت المعركة تراجعًا في الموقف الرسمي لحركة فتح والسلطة، من مظاهره غيابها عن التفاهمات التي أدت إلى الهدنة بين حماس والاحتلال برعاية مصرية، خلافًا لما حدث عقب حرب عام 2014 التي كان لها دور في المفاوضات خلاله.  كما أن حماس استفادت من الأزمات التي تواجه السلطة، حيث أصبحت حماس تمثل لدى نسبة كبيرة من الفلسطيننيين ممثلا موثوقا لتمثيل مصالحهم كبديل عن منظمة التحرير؛ كونها تتزعم تيار المقاومة الذي له دور بارز في الدفاع عن القضايا الوطنية.

استشعرت كل من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل مآلات تعزيز دور حماس في المشهد الفلسطيني، وتراجع دور السلطة الفلسطينية، ما دفع الرئيس الأمريكي بايدن إلى الاتصال بالرئيس الفلسطيني هاتفياً، كما أكد في مؤتمر صحافي علني شرعيته كرئيس للسلطة الفلسطينية. وعقب توقف العدوان الإسرائيلي على غزة، زار وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن الرئيس عباس، وتعهد خلال زيارته له بتقديم مساعدات أمريكية للسلطة الفلسطينية.

 

  • رحيل حكومة بنيامين نتنياهو عن الحكم في إسرائيل إثر فشله في تشكيل حكومة بعد أربع جولات انتخابية، حيث شُكلت حكومة إسرائيلية، ضمت أحزاب يمين ويسار ووسط بزعامة رئيس الوزراء اليميني المتشدد نفتالي بينت. وعلى الرغم من توجهات الحكومة الجديدة التي لا تختلف بشكل كبير عن حكومة نتناياهو، فقد استبشرت السلطة الفلسطينية خيرا بتغير الحكومة الإسرائيلية، وبقدوم الرئيس بايدن في ظل التصريحات الإيجابية التي صدرت عن الإدارة الأمريكية الجديدة، فسارعت لاتخاذ خطوات إيجابية تجاه علاقتها مع إسرائيل، حيث سارعت إلى الإعلان عن إعادة العلاقات مع إسرائيل بعد توقف دام نحو 6 أشهر، وهو ما بررته برحيل إدارة الرئيس الأمريكي ترامب، وموافقة إسرائيل على الرجوع إلى الاتفاقات الموقعة، ما يعني العودة مجددًا إلى حل الدولتين وإنهاء ما يعرف بـ “صفقة القرن”.

عملت هذه المتغيرات على دفع الحكومة الإسرائيلية الجديدة إلى إعادة العلاقات مع السلطة الفلسطينية بدعم من الإدارة الأمريكية، حيث إن الأزمات التي تعاني منها السلطة الفلسطينية، التي أسهمت الحكومة الإسرائيلية والإدارة الأمريكية السابقتين في تعزيزها، ولّدت مخاوف لدى أمريكا وإسرائيل من إمكانية انهيار السلطة الفلسطينية أو فقدان السيطرة على الضفة الغربية، في ظل تنامي الاحتجاجات المناوئة لها وانتشار السلاح في مناطق مختلفة من الضفة، وخصوصا في جنين.

 

تقليص الصراع بديلا عن السلام الاقتصادي

في مقابلة مع صحيفة “نيويورك تايمز “أعلن رئيس الحكومة نفتالي بينت قبيل لقائه بالرئيس الأمريكي،  أن حكومته لن توقع اتفاق سلام مع الفلسطينيين، لكنه تعهد بعدم تنفيذ خطة ضم غور الأردن ومساحات شاسعة من الضفة الغربية المحتلة التي أقرها سلفه بنيامين نتنياهو، كما أكد على أن حكومته ستواصل السياسة التقليدية للبناء لأغراض الزيادة الطبيعية للمستوطنين في الضفة الغربية، وأن القدس ستبقى عاصمة لإسرائيل.

وفي أول خطاب لبينت بعد توليه رئاسة الحكومة أشار إلى أن سياسته تجاه القضية الفلسطينية قائمة على مبدأ “تقليص الصراع”، وهو مفهوم وضعه المؤرخ الإسرائيلي ميخا غودمان، أحد الذين يستشيرهم بينت ويلهمونه بأفكارهم، في كتابه “مصيدة 67” الصادر العام 2017.

مفهوم تقليص الصراع لدى غودمان يختلف عن مفهوم “السلام الاقتصادي” الذي كان يتبناه رئيس الوزراء السابق نيامين نتنياهو، فاستراتيجية  نتنياهو كانت تستند إلى زيادة السيطرة على الفلسطينيين ومراقبتهم، والتحكم في مفاصل حياتهم من جهة، وتقديم تسهيلات اقتصادية إنعاشية لهم من جهة أخرى. غير أن تقليص الصراع يقوم على استراتيجية  مفادها إنهاء السيطرة المباشرة على الفلسطينيين، وإنهاء أي احتكاك بينهم وبين الإسرائيليين، والإبقاء على الاحتلال والاستمرار في السيطرة الفعلية على الأرض وعلى مصير السكان الفلسطينيين، دون أن يشعر الفلسطينيون بذلك، ومنحهم شعوراً حقيقياً بأنهم أحرار “سيادة رمزية”. غير أنه من المهم الإشارة إلى أن مفهوم “تقليص الصراع” يلتقي مع أطروحة السلام الاقتصادي من حيث أن “تقليص الصراع” يحتوي على جوانب مهمة لتحسين حياة الفلسطينيين الاقتصادية واليومية. فبالإضافة إلى تصريحات  بينيت التي ربط فيها تحسين الظروف الاقتصادية بتقليص الصراع، تبنّى وزير الخارجية الإسرائيلي يائير لابيد، الذي من المقرر أن يصبح رئيسًا للوزراء بالتناوب مع بينيت، نفس الموقف أيضًا حينما صرح قبل اجتماعه مع وزير الخارجية الأمريكية أنتوني بلينكن أنه سيناقش معه “تعزيز قدرتنا على الدفاع عن أنفسنا، والعمل لتقليص الصراع بيننا وبين الفلسطينيين، وتحسين الحياة لكل من الإسرائيليين والفلسطينيين”. وعليه، يبدو أن هناك اتفاقا إسرائيليًا بين اليمين وبين الوسط على تقليص الاحتكاك مع الفلسطينيين، عن طريق تقليص مساحات الصراعات وتحسين الأوضاع الاقتصادية، وذلك على حساب حل الدولتين.

وتقوم فكرة غودمان على ثماني خطوات رئيسية:

  1. ربط كل مناطق “أ” و”ب” داخل الضفة الغربية بعضها مع بعض من خلال إنشاء بنية تحتية من الشوارع السريعة والأنفاق والجسور، والهدف أن يتنقل الفلسطيني من الخليل إلى جنين مرورا بأريحا دون أن يشعر أنه تحت احتلال.
  2. 2. منح مساحات إضافية للسلطة الفلسطينية في الأراضي المصنفة “ج”، تكون على أطراف القرى والمدن.
  3. 3. توسيع جسر اللنبي وتسهيل تنقل الفلسطينيين، وافتتاح محطة مغادرين في الضفة الغربية تكون مرتبطة مباشرة مع مطار بن غوريون.
  4. 4. زيادة عدد تصاريح العمال الفلسطينيين لتصل إلى حوالى 400 ألف تصريح.
  5. 5. تخصيص مساحات في المنطقة “ج” لغرض إنشاء مدن صناعية.
  6. 6. ربط التجار الفلسطينيين بخطوط مباشرة مع الموانئ البحرية والجوية الإسرائيلية.
  7. 7. إلغاء اتفاقية باريس الاقتصادية.
  8. انضمام إسرائيل إلى جهود القيادة الفلسطينية الرامية إلى الاعتراف بفلسطين كدولة في الأمم المتحدة، ولكن هذا الاعتراف يجب أن يكون بدولة فلسطين لا بحدود تلك الدولة.

ولكن حسب غودمان يجب الحفاظ على خمسة مبادئ لضمان السيطرة الإسرائيلية الفعلية على أرض الواقع، وهي:

  1. استمرار جهاز الأمن العام والاستخبارات الإسرائيلية في العمل في أنحاء الضفة الغربية.
  2. مواصلة جيش الاحتلال العمل في جميع مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني.
  3. استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في غور الأردن.
  4. بقاء المجال الجوي، وكذلك الفضاء الكهرومغناطيسي تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة.

يبدو أن بينت تأثر بهذا المفهوم كحل للقضية الفلسطينية، فمفهوم تقليص الصراع يتلاقى كليّا مع الأجندة الصهيونية الدينية، التي ينحدر منها بينت؛ فهو يبقي على حق المستوطنين في البناء داخل “أرض إسرائيل”، ويحافظ على الأمن الإسرائيلي. ومن المهم الإشارة إلى أن هذا المفهوم ينسجم مع تركيبة الحكومة الإسرائيلية الحالية؛ فهي تعطي للتيارات “اليسارية” التي تؤمن بتسوية مع الفلسطينيين الجانب الإنساني المتمثل بتحسين حياة الفلسطينيين، وتعطي للتيارات التي تؤمن بـ”أرض إسرائيل” والاستيطان وعدم إقامة دولة فلسطينية إمكانية تعميق الاستيطان والسيطرة في مناطق “ج”.

 

ما بعد لقاءات عباس – غانتس

نوقشت خلال اللقاءات المتبادلة بين عباس وغانتس الأوضاع الأمنية والاقتصادية في الضفة الغربية وغزة. وعلى إثرها، قرر غانتس الشروع في عدد من الإجراءات، أبرزها زيادة تصاريح العمال الفلسطينيين إلى 15 ألف تصريح جديد، بالإضافة إلى الموافقة على تصاريح لألف عامل آخر للعمل في مجال السياحة الإسرائيلية، ومنح السلطة الفلسطينية تصاريح بناء في المنطقة “ج”، ومنح السلطة الفلسطينية كذلك قرضا بقيمة نصف مليار شيكل، كما ستبدأ إسرائيل في تنظيم الوضع الإنساني لآلاف الفلسطينيين في الضفة الغربية الذين لا يحملون البطاقة الفلسطينية، بمن فيهم الأشخاص الذين قدِموا من قطاع غزة قبل سنوات، والزائرين الفلسطينيين الذين قدموا من الخارج وتزوجوا في سن أكبر، كما أنه ستتاح لشركات الاتصالات الفلسطينية خدمة . 4G

أثارت زيارة غانتس ردود فعل فلسطينية وإسرائيلية، فقد انقسمت الآراء الإسرائيلية حول الزيارة بين مؤيد ومعارض، ثم عاد غانتس ووضّح الهدف من زيارته، وأنه لا يأتي في سياق دفع العملية السياسية بين إسرئيل والسلطة الفلسطينية، وإنما لاستعادة الثقة بين إسرائيل والسلطة وتعزيز العلاقات بينهما. حيث يرى أنه كلما كانت السلطة الفلسطينية أقوى كانت حماس أضعف، وكلما زاد تماسك حكم السلطة، سيكون هناك مزيد من الأمن.

ولكن إسرائيل لم تستمر في إجراءات تعزيز مكانة السلطة الفلسطينية، ولم تشهد العلاقات بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل أي تطور مهم، وخاصة بعد تراجع زخم معركة سيف القدس وهدوء الأوضاع نوعا ما في الضفة الغربية. إلا أن توتر الأوضاع مجددا وتزايد عمليات المقاومة في الضفة الغربية، أضعف سيطرة السلطة على جنين وخصوصا مخيمها، وصاعد المواجهة في الآونة الأخيرة في شمال الضفة الغربية مع جيش الاحتلال ومستوطنيه؛ كما أدى إلى تحريك المياه الراكدة، ولكن هذه المرة بزيارة من الرئيس الفلسطيني محمود عباس لوزير الأمن الإسرائيلي غانتس في منزله في “تل أبيب”.

لم يتطرق اللقاء الثاني إلى القضايا السياسية، بل تمحور حول منع انهيار السلطة، وتقويتها أمنيا، حيث اتفق الطرفان على تكثيف التعاون، وعلى جملة من الخطوات التي تستهدف تخفيف الاحتكاك بين جيش الاحتلال ومستوطنيه من جهة، والفلسطينيين من جهة أخرى، كما عزز الطرفان جهودهما لمنع تشكيل خلايا عسكرية لحركتَي حماس والجهاد الإسلامي في الضفة.

وبعد اللقاء، أعلن غانتس عن إقرار جملة من الإجراءات لتسهيل حياة الفلسطينيين، من بينها: الموافقة على تحديث بيانات 6000 فلسطيني في الضفة الغربية، مقابل 3500 فلسطيني من قطاع غزة، ومنحهم لم الشمل وتغيير مكان السكن، بالإضافة إلى دعم خزينة السلطة بمدفوعات ضريبية بقيمة 100 مليون شيقل، و 600 تصريح دخول لإسرائيل تشمل كبار رجال الأعمال الفلسطينيين، وكذلك منح 500 تصريح مرخص لدخول إسرائيل بالسيارة، وإضافة العشرات من التصاريح لكبار الشخصيات والمسؤولين في السلطة الفلسطينية، وغيرها من الإجراءات.

ومع أن السلطة الفلسطينية حاولت الترويج لهذه الزيارة، التي لاقت انتقادا فصائليا وشعبيا لاذعّا، على أنها اختراق في المجال السياسي، إلا أن غانتس نفسه عاد ووضح الهدف من اللقاء حاصرًا إياه في القضايا الأمنية والمدنية والاقتصادية فقط. حيث قال: “إن الحاجة للاهتمام بأمن المواطنين الإسرائيليين ومحاربة حماس هي الأهداف الرئيسة للقائي مع عباس.

 

الخلاصة

بالرغم من الحديث المتزايد عن إمكانية العودة لمسار المفاوضات وإحياء العملية السلمية بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل بدعم أمريكي، فإن المعطيات تشير إلى أن الحكومة الإسرائيلية الحالية قد تجاوزت فكرة إقامة دولة فلسطينية. كما أنها ليست معنية في المرحلة الحالية إلا بضبط الأوضاع في الضفة الغربية، في ظل تصاعد مظاهر المقاومة المسلحة، خاصة في جنين، وهو ما ينذر بتمدد تلك المظاهر إلى مناطق مختلفة من الضفة الغربية إذا تراخت قبضة السلطة الفلسطينية على الضفة الغربية.

ومن ناحية أخرى، عند النظر إلى الإجراءات الإسرائيلية الإيجابية تجاه السلطة الفلسطينية، فإنه يمكن النظر إليها على أنها منطلقة من فكرة “تقليص الصراع”، وليس الهدف من ورائها التوصل إلى حل للقضية الفلسطينية، وإنما استدامة الاحتلال بصورة تمتص الغضب الشعبي وتعزز الأمن الإسرائيلي.

ومع أن الخطوات التي أعلن عنها غانتس قد تبدو هامشية بالنسبة للمبادئ التي يقوم عليها مفهوم تقليص الصراع، حسب غودمان، إلا أنّه من المهم معرفة أن الأساس التي تقوم عليه خطة غودمان في إحداث خطوات صغيرة جدا، وبشكل متتابع ومكثف للوصول إلى تغيير جوهري.

وعلى الرغم من تراجع السياسة الأمريكية الحالية عن بعض قرارات الرئيس السابق ترامب حول القضية الفلسطينية، فإنها أيضا تبدو متطابقة مع أفكار غودمان في الكيفية التي ترى من خلالها إدارة بايدن سبل التعامل مع انسداد أفق التوصل إلى حل سياسي للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، ففي الوقت الذي لا يعتقد فيه الرئيس الأميركي أنه من الممكن التوصل إلى تسوية دائمة بين إسرائيل والفلسطينيين في الوقت الراهن، إلا أنه ووزير خارجيته، أنتوني بلينكن، صرحا في أكثر من مرة، بأنهما معنيان بدفع خطوات عملية على الأرض من شأنها تحسين الحرية والأمن والازدهار الاقتصادي للفلسطينيين والإسرائيليين.

ولكن من ناحية أخرى، يشير عدد من الأوراق الصادرة عن مراكز البحث الإسرائيلية، إلى أن هناك حاجة حقيقة إلى خلق آفاق سياسية للفلسطينيين، وعدم الاكتفاء بتقديم التسهيلات الاقتصادية والحياتية، حيث أثبتت معركة سيف القدس أن المشكلة الأساسية عند الشعب الفلسطيني هي انعدام الأفق السياسي واستمرار الاحتلال، كما أنّ الضغط المفرط على السلطة الفلسطينية، بالإضافة إلى تهميش القضية الفلسطينية؛ سيؤدي إلى تدهور خطير في الأوضاع الأمنية، وهذا ما لا تريده إسرائيل، ولذلك من الضروري أن يكون هناك حوار دائم مع السلطة الفلسطينية في محاولة للعودة إلى المفاوضات وخلق آفاق سياسية للفلسطينيين، وبدون ذلك لن تستطيع السلطة الفلسطينية الحفاظ على شرعيتها أمام شعبها؛ ما ينذر بانهيارها مستقبلا.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى