المشهد الفلسطيني

القوائم الانتخابية.. سيناريوهات التشكل واحتمالات الاستمرار

لقراءة وتحميل المقال اضغط هنا

د. إياد أبو زنيط[1]

يُعتبر تشكيلُ القوائم الانتخابية أمراً في غاية الأَهمية في أيَّةِ انتخاباتٍ تخوضها الأحزابُ أو الحركات المتنافسة بشكلٍ عامٍ، وعلى الصعيد الفلسطيني يكتسبُ تشكيل القوائم الانتخابية لخوض الانتخابات التشريعية المتوقع عقدها في شهر مايو/أيار من العام الجاري أهميةً خاصة، ويفرض الاهتمام بها أسبابٌ وجيهة، خاصةً وأنَّها تأتي بعد انقطاعٍ زاد عن عقدٍ ونصفٍ من اختلالٍ سياسي أصاب الحالة السياسية الفلسطينية، ورمى بها بعيداً عن استحقاقات العملية الديمقراطية بدرجاتها الأساس المتمثل في الانتخاب والاختيار، ويُضاعف الأهمية، نشوء جيلٍ شابٍ يُقارب في نسبته 40% ممن يحق له الانتخاب فيها، توجهاته غير واضحة وملامح الاستقطاب والتجاذب في ثنايا تفكيره بائنة، عدا عن إدراك الأطراف المنخرطة في العملية الانتخابية إلى ضرورة القفز عن أخطاء الماضي في تركيب القوائم، مما يزيد من الضغط على المعايير المعتمدة للاختيار، وآليات وضعها وضبطها، والوصول لقوائم أكتر قوة وتماسكاً.

 هندسة القوائم الانتخابية الفلسطينية ورسم زواياها الحادة، ومعرفة حدود تلاقي منحنياتها، وتعرجات خطوطها، بات الأَمر المهم لكل الحركات والأحزاب الفلسطينية، ويُحاول هذا التقرير، توضيح شكل القوائم الانتخابية المحتملة للأطراف الفلسطينية، مع السعي إلى استشراف مستقبل تأثيرها على الحالة السياسية والوضع القائم خلال مرحلة الانتخابات وما بعدها.

حركة فتحخياراتٌ برهن الاتفاق

رُبما تعتبر حركة فتح منذ انطلاقتها عام 1965 من أكثر الحركات الفلسطينية التي شهدت انقسامات سياسية تبعاً لاختلاف برامج المنفكين عن الحركة على مدارِ وجودها الزماني، مع قدرتها الحفاظ على تيارٍ جامعٍ ورئيس، والحالة الراهنة التي تخوض فيها الانتخابات هذه المرة لا تعد خروجاً عن حالةٍ معتادٍ عليها داخلها، ولكنَّها تلقي بثقلها على الزخم الانتخابي للحركة في ظل سعي أطرافها للبحث عن تمثيل شعبي، يُزيل عنهم فكرة الانشقاق عن الحركة، أو على الأقل يُخفف حدتها، الأمر الذي يدفع -حالَ تعاظم الاختلافات وتعثر الاتفاقات بين الفرقاء- إلى تفرق أصوات الناخبين.

تُشيرُ المعطيات إلى تياراتٍ أساسية، تطمح لخوض الانتخابات التشريعية، متمثلةً في تيار الحركة الرئيس بزعامة الرئيس محمود عباس،  وتيارٍ آخر لا يُخفي معارضته للتيار الرئيس ويقوده محمد دحلان ويُعَّرف نفسه بصفته التيار الإصلاحي، ويعتبر الأشد خصومةً للتيار الرئيس، وتيارٍ ثالث متمثلٍ في شخص القائد الأسير مروان البرغوثي وأنصاره، وتياراتٍ رابعةٍ موجودة على الساحة الفلسطينية، يقودها عدم الرضا أو الإقصاء أو التهميش المقصود حسب قولها، إلى التفكير في خوض الانتخابات التشريعية القادمة بقوائم فتحاويةٍ منفصلة عن القائمة الموحدة للحركة، وقد برز منها حتى اللحظة عضو اللجنة المركزية لحركة فتح ناصر القدوة.

يُواجه كل طرف من الأطراف التي من الممكن أن تخوض الانتخابات كقوائم تابعة لفتح، سواءً على المستوى الرسمي، أو على مستوى تيار دحلان، مجموعة من الفرص والتحديات، تتراوح في تأثيراتها تبعاً لكل فريق، ولكنّ الحركة بالمجمل موضوعة أمام تحدٍ أكبر من الانتخابات نفسها، يتمثل في الحفاظ على وحدة فتح كحركة جامعةٍ لكل أطرها، وإن كان هنالك بعض الاختلافات على إدارتها، في ظل واقع فلسطيني، متوقع أن ترشح منه أصوات كثيرة دافعها في الانتخابات تصحيح المسار، وبقدر ما يُمكن أن تكون فتح غير موحدة، بمقدار ما يُمكن أن يُشَّكل هذا للناخب التفاتةً نحو حركات أخرى، ويزيد من تشتت الأصوات من حول حركة فتح بقوائمها المتنوعة.

تُعتبر حظوظ التيار الأساس في الحركة بقيادة الرئيس محمود عباس، الأوسع حظاً في الحصول على مقاعد للحركة، ولكنه الأكثرُ مواجهة للتحديات، والواقع الأكبر تحت الضغط، فمن زاوية الحظ الأوسع، تدعمه أطر الحركة وأقاليمها المختلفة، وما يُسعى له من تحشيدٍ شعبي مُناصر، ووجوده منفرداً في الساحة الفلسطينية لمدة زادت عن 15 عاماً خاصة في الضفة الغربية، اعتاد خلالها على إدارة الحياة فيها، ومعرفة تفاصيلِ تركيبها، بالإضافة لوجودِ أجهزة أمنٍ داعمة له، مرتبطة المصالح بوجوده، وتعتبره الناظم لحركتها، وتُدافع عن شرعيته، وهذا ما يجعل منه التيار الأوسع حظاً والأوفر فرصةً.  ولكنّه في نفس الوقت يواجه التحدي الأكبر في سعيه للفوز دون الحاجة إلى تحالفاتٍ مع كتلٍ سياسية أخرى، ما يمنحه في حال ذلك شرعيةً واسعة، ويُزيل عنه فكرة التنازل أو تعديل برامجه لصالح التحالف. وحتى اللحظة وفي ظل المعطيات التي سيتم إيرادها لا يبدو أنّه قادر على إحراز الأغلبية في التشريع  دون تيارات فتح الأخرى، وفي ظل توقع بأن يكون هناك عددٌ غير مسبوق من ناحية القوائم البارزة للترشح من القوى والأطر الأخرى.

على الجهة الأخرى يقف تيار دحلان بفرصٍ أقل وبنفس الوقت تحدياتٍ أسهلَ للتجاوز، إذا لم تتبلور كتل انتخابية يقودها منافسون لتيار دحلان من جهة ومعارضون للتيار الرئيس من جهة أخرى، فلا يبدو أنَّ تيار دحلان حتى اللحظة معنيٌ بتحقيق فوزٍ يقترب من أغلبية المقاعد في التشريعي أو قادرٌ على ذلك، ما يعني عمله النشط نحو تكوينه كتلةً حرجةً في الانتخابات تحجز لنفسها مقاعدَ في التشريعي القادم، وتناور على التحالف مع حركاتٍ أخرى، ويُساعد دحلان وتياره عوامل متنوعةً في خوض الانتخابات، يُكون الخارجي منها كالدعم الإماراتي، والعلاقة مع النظام المصري، وهي تشكل عواملَ ضاغطة على التيار الرئيس، فضلاً عن عوامل داخلية أصبحت مواتية في ظلِّ تلاقي المصالح للضغط على الجانب الرسمي، حيث تسمح حركة حماس لأعضاء التيار الدحلاني بممارسة نشاطهم الانتخابي انطلاقاً من قطاع غزة، مع وجود قاعدةٍ شعبية له في غزة، لم تنفصل عنه أو تنفك.

على الجانب الآخر يقف التيار الآخر من فتح، غير الراضي عن إدارة الحركة، ولكنه غير معترض على برنامجها، ويقوده كل من القيادي مروان البرغوثي، مع ظهور ناصر القدوة مؤخراً كوجهٍ بارزٍ فيه، وتبدو حظوظ التيار كبيرة في تحقيق نسبٍ عالية كقائمة فتحاويةٍ نظرياً، ولكنها تبدو أقل من ذلك عملياً فهو تيارٌ يصعب على السلطة الفلسطينية اتهامه بالانشقاق كتيار دحلان، أو وصمه بالارتهان لجهاتٍ خارجية، فهو من صلبها على الأرض، لم يتفسخ خارج أطرها، وفي نفس الوقت تدعمه قواعد شعبية ومتنفذون كثر أبعدتهم عن الحركة سياسة التيار الرئيس، وأفرزت لديهم حالةً من الإصرار على التغيير.  وتكوين تيار كهذا، لا يسهل اتهامه، يزيد من الضغط على التيارين السابقين، المتمثلين في تيار الرئيس محمود عباس ومحمد دحلان.

لكن؛ هناك متغيرٌ فارقٌ، يقلل من فرص تشكيل التيار لقائمته، يتمثل في شخص الواقفين على رأسه، فالبرغوثي قطعَ حسب قول حركة فتح، وعداً بعدم شق قوائم فتح الانتخابية في التشريعي، دون الإشارة إلى نيته المنافسة على مقعد الرئاسة، والبرغوثي يُعد الزخم المكون لهذا التيار في حال تكون قائمته، وعلى الجهة الأخرى يقف القدوة معترضاً على إدارة الحركة لا برنامجها، ما يعني أن محفزات الاسترضاء أو وعود التغيير، أو الخوف من ملاقاة مصير المنشقين أو الخارجين عن الحركة دون حاضنةٍ متوفرة كدحلان ستكون حاضرة وبقوة كمحددات كابحة مانعةٍ لخوض الانتخابات، مع التزام البرغوثي بوعوده وهذا ما أكده القدوة بقوله مؤخراً أنه مع البرغوثي في أيِّ خيارٍ يذهب إليه.

حركة حماسقوائم متعددة.. رؤى واحدة

تقف حركة حماس كمنافسٍ قوي، على الجانب الآخر لفتح، فيما لم ترد أية مؤشرات حتى اللحظة عن شكل قوائمها المتوقعة، في الوقت الذي تُمارس فيه توسيع مسارات حظوظها في الفوز، بمقدار ما يُتاح من أدواتٍ لإبعاد الأطراف المنافسة عن تكوين كتلةٍ موحدة، ويبدو أن الخيار حول دخول الحركة بشكل يمكنها من إحراز الأغلبية في التشريعي، أو الاكتفاء بخوض الانتخابات بغض النظر عن الأغلبية لم يُتخذ بعد.

 بالإضافة إلى ذلك مازالت توجهات الحركة في النحالفات مع جهات أخرى موضع نقاش، ويشدُ القرار من أطرافه جهتان، تنطلق الأولى من حجةٍ تُجادل في أنّ خوض الانتخابات بزخمٍ عالٍ قد يُعيد إنتاج الحالة في عام 2006م، ما يعني تصعيباً على الحركة التحكم بالحالة الفلسطينية، مع وجود فرصٍ أقل في احتضان عربي أو إقليمي أو دولي لتشريعي تقوده الحركة، ويدعم هذا الفريق حالة الأوضاع الإنسانية التي يعيشها قطاع غزة، والذي يعتبر هاجساً مقلقاً للحركة، في ظل التقارير التي تُشير إلى ارتفاع معدلات البطالة والفقر ونسب الهجرة، الأمر الذي يزيد من انفكاك القاعدة الشعبية عن الحركة وأطرها، وتراجع حضورها الشعبي إلاّ نواتها الصلبة، ما يجعل المشاركة في إدارة حياة السكان أقل ضرراً من تحمل المسؤولية المطلقة عن ذلك، ويخلق هامشاً للحركة لإلقاء مسببات الأزمة على أطراف أخرى، دون الانفراد بها. الذين يتبنون هذا الرأي في الحركة يدعمون فكرة القائمة المشتركة مع فتح.

تيارٌ آخر، يدعم فكرة خوض الانتخابات بمشاركة قوية، وحضورٍ مرتفع، و تحقيق الأغلبية في التشريعي القادم، ويحتج بضرورة قيادة الحركة للحياة السياسية الفلسطينية في ظلِ تهميش لها كما يرى في مناطق الضفة الغربية، مستنداً إلى أنَّ الفوز لا يعني بالضرورة تشكيل حكومةٍ من الحركة لوحدها، ولا يعني بالضرورة المنافسة على كرسي الرئاسة مستقبلاً، ولكنه على الأقل يجعل منها طرفاً حاكماً لا طرفاً مرتهناً لكتلٍ أو تحالفات أخرى. ولفت الانتباه في هذا السياق دعوة حركة حماس أنصارها إلى ضرورة التسجيل في الانتخابات، لتغيير الواقع، الواقع الذي تبدو آلية عدم تغييره واضحة بالنسبة لحماس.

يُفرز الشد بين التيارين السابقين، حاجةً ملحة إلى ضرورة الاتفاق على شكل القائمة بالنسبة لحركة حماس، ومن غير المتوقع أن تشهد الأخيرة انشقاقاً في قوائمها، بخلاف نظيرتها فتح، ولكن يبقى بإمكانها المفاضلة بين قوائم متنوعة، كقائمةٍ حزبية فاقعة اللون، وأخرى مستقلة تتلقى دعم الحركة، الأمر الذي يدفع حركة حماس فعلياً إلى فكرة المزاوجة بين قائمتين لا المفاضلة بينهما، تتكون الأولى من قيادات حزبية اعتادت على دفع الثمن، مع قائمة أخرى بمسمىً آخر، تقوده نخبة لامعة من أنصار الحركة ومؤيديها في الظل، وتبقى حاضرةً في حال تعرض أفراد الأولى للاعتقال، كما جرى في العام 2006م وما بعده.

اليسار الفلسطينيقوائم متعددةنتائج متواضعة

يؤكد اليسار الفلسطيني بألوانه كافة على مبدأ المشاركة الفعلية في الانتخابات القادمة، فيما تبدو غائبة آلية المشاركة كجسمٍ يساريِّ موحد، أو كحركات وأحزاب صغيرة، ولا تدعم أي متغيرات في الساحة الفلسطينية وجود يسارٍ فلسطيني متكامل الرؤى أو موحد الفكرة، والتجربة الفلسطينية أثبتت ذلك مُسبقاً، وتُرجح الحالة الراهنة، إمكانية مشاركة اليسار بقواه المنفصلة، ولربما هذه المرة الأولى التي يُمكن فيها أن تكون المشاركة المنفردة أفضل حالاً من تلك الموحدة كيسار، نظراً للمؤشرات السابقة التي تدعم فكرة ضرورة تحالف القوى الأكبر مع أخرى أصغر، لعدم وجود ما يدل على تحقيق أي من الكتل الكبيرة أو حصولها على أغلبية مقاعد التشريعي، ويبدو أن الحالة تلك التقطها اليسار الفلسطيني المعني ببقائه موجوداً على الساحة الفلسطينية كحضور سياسي وفعلي في آنٍ واحد، وهو الطامح للقيادة غير القادر عليها، مما يجعله يُنافس في إطار ضيقٍ أو أقل، ومحتاجاً لخوض الانتخابات بصرف النظر عما يُمكن إحرازه من مقاعد، وهذا ما يعني إفرازاً لكتل يسارية في ظلّ غياب توجهٍ واضح لتحالفاتٍ مع جهات أخرى غير يسارية، قد تفقد اليسار لونه المكون له في الساحة الفلسطينية وتُبعد أنصاره عنه، إذا ما قرر خوض الانتخابات في قوائم مشتركة مع أطرافٍ غير يسارية.

المستقلونقوائم كثيرة وتجانسٌ محدود

لم يسبق وأن غاب حضور قطاع المستقلين الفعلي عن الانتخابات الفلسطينية السابقة بقوائمه المتعددة، وإن كانت الانتخابات الحالية غير داعمةٍ لحظوظه الكبيرة بالفوز، في حالة تجاذبٍ واسعة بين حركتين ما زالتا محتفظتين بحضورٍ واسعٍ على الساحة الفلسطينية، مع غياب المستقلين لدورهم الذي كان يُعول عليه لرأب الصدع بين الحركتين، أو قدرتهم على إيجاد حاضنةٍ خارجيةٍ لرؤاهم، ما يجعل حضور قوائم المستقلين يتفرع عن أسبابٍ عدة، يقف في أولها، حالة المصلحة الانتقامية أو القبلية، قد تتشكل قوائم أصحابها انطلاقاً من دعواتٍ عشائرية أو مناطقية، مستندةً إلى فكرة الترويج للإقصاء المتعمد لها، وتنحصر حظوظها في الحصول على مقاعد قليلة جداً حال تكوينها، نظراً لتغلغل الحركتين الأقوى مناطقياً وعشائرياً في الفسيفساء الفلسطينية.

يُشكل الجسم الآخر من المستقلين قوائمه انطلاقاً من المصالح الاقتصادية، حالهَ حال الشركات الكبرى المساهمة في أيّة انتخابات تجري في العالم المتقدم، ولا يُشترط في تلك القوائم أن يقودها رجال المال أنفسهم، حيث يُمكن إيجاد وتصدير شخصياتٍ فلسطينية غير حزبية تنتظر الداعم المحتمل، وتراهن على العنصر الشاب، وهذا ما يبدو أن جهات فلسطينية فعلياً من قطاعات المال قد بدأت التفكير به في سعيها لتشكيل قوائم انتخابية، يكبح جماحها فكرة المفاضلة بين دعم قوائم الأحزاب الأخرى مالياً وسياسياً وشعبياً بعلاقاتها الاقتصادية المتعددة، وبين حقيقة تكوينها الفعلي لقوائمها، الأمر الذي قد يظهر بوضوح في الأسابيع القادمة، بعد إعلان فتح وحماس عن شكل قوائمهما.

قوائم مستقلةٍ أخرى، تنطلق من النخب السياسية التي ترى نفسها الأجدر للقيادة، دون وجود احتضانٍ حزبيٍّ فعلي لها، لرغبتها عدم الانضمام أو لقناعة الحركات الفلسطينية بفاعليتها، وهي قوائم ستتكون على الأغلب، ولكن حظوظها قليلة الحضور، نظراً لعدم التجانس الحاصل بين مكوناتها، والاتفاق الآني في التشكيل على الرؤى، دون إطار ضامنٍ لآلية الفوز أو نسبٍ عليا متوقعة، ما يجعل الناخب الفلسطيني يُظهر حماساً أقل تجاهها.

بشكل عام تبقى حظوظ المستقلين في الفوز، أو الحصول على مقاعد مرتفعة، أمراً صعباً للغاية، بفعل عوامل متعددة أهمها الناخب الفلسطيني الذي لم يُمارس الديمقراطية إلا في إطارها الحزبي، ولم تسمح الفرصة له بتداول سلمي للسلطة للمفاضلة بين الحزبي والمستقل، ناهيك عن الارتباط المصلحي أو الأيديولوجي بإحدى الحركات الكبرى، وإن كان يُمكن القول أن المستقلين الفلسطينيين ستكون قوائمهم حاضرة في الانتخابات، وعددها لن يكون واحداً.

إسرائيلالغائب الحاضر انتخابياً

قد تبدو هذه النقطة مريبة للشك ومدعاة للخوف، لكنّها ليست كذلك بمقدار ما هي ضرورية لإثارة الانتباه والحذر، فكل المتابعين لسياسة إسرائيل أو الدارسين لسلوكها تجاه الفلسطيني، يُدركون موقفها الدائم في عرقلة أي حدث سياسي فلسطيني، يُمكن أن يُحقق نتائج إيجابية.

ولكنَّ المجادلة الحقيقية تكمن في انتقال إسرائيل من لعب دور المعرقل في الانتخابات الحالية إلى الفاعل الحقيقي فيها، ضمن أساليب ووسائل جديدة تكمن في تلميع شخصيات فلسطينية أو الزج بأفرادٍ منها في قوائم حزبية أو غيرها. يزيد القلق حضوراً من هذا الدور، سعي إسرائيل الدائم في السنوات الأخيرة إلى الانخراط في إدارة شؤون الفلسطينيين، وبدا هذا واضحاً من خلال ما تم إفرازه من تشكيلات إدارية إسرائيلية، أوكلت إليها مسؤولية متابعة أمور السكان، وكانت بديلاً فعلياً في ذلك عندما توقف التنسيق الفعلي الرسمي مع الاحتلال، وحاكت في إدارتها ما جرى في أعوام السبعينيات عندما كانت روابط القرى الفلسطينية حاضرة، يُضاعف حضور الدور الإسرائيلي ما يربط بعض الفلسطينيين بها من علاقات تحت الغطاء العشائري في مناطق فلسطينيةٍ متعددة، مما قد يعني وجوهاً جاهزة بإطار داعم لخوض الانتخابات.

والشكل التالي يوضح بالتفصيل خريطة القوائم المتوقعة فعلياً في الانتخابات القادمة، واحتمالاتِ تكونها:

خلاصةفي التقييم والدلالات

تُشير المُعطيات أعلاه، إلى تشكل نظام سياسي فلسطيني، دونَ سيطرة حزبية منفردة، لإحدى الحركات الكبرى، مع أفضلية معتبرة لحضورها، وبذا يكون محاكياً للأنظمة المعتمدة على التعدد الحزبي في تشكيل الأغلبية الفاعلة في المجلس التشريعي، أو تشكيل الحكومات قادمَ الأيام، ما يعني صعوبةً في كيفية اختيار الحركات الكبرى لشكل قوائمها، وآليات الانتقاء والفرز، ويمنح حظوظاً لكتل أخرى، حجمها وهمها المشاركة بغض النظر عن الفوز.

القوائم المشاركة في الانتخابات الفلسطينية المقبلة ستكون الأكثر تعداداً تبعاً لمتغيرات الحالة المؤثرة، ومن المتوقع أن تصل إلى عشر قوائم أو يزيد بواقع (3 فتح، 2 حماس، 3 مستقلين، 3 يسار)، ومن غير المتوقع أن تكتفي الحركات الكبرى بقائمة واحدة، دون قوائم ظلٍ داعمة.

تبقى القائمة المشتركة خياراً مطروحاً بين الطرفين، لا دعايةً متداولة، يدعم فرص اللجوء لها سعي الكتلتين الأكبرين لتجاوز خلافاتٍ محتملةٍ بينهما على غرار ما جرى سابقاً، وإدراكهما لتنازل الطرفين عن فكرة حركة التحرر الوطني لصالح اضلاعهما بمسؤولياتٍ إدارية، ويبقى خيارها قائماً، ما لم تضمن إحداهما على الأقل خيارات الحسم أو التحالف، ويقلل من فرص وجودها معارضة القاعدة الشعبية في الحركتين، والاختلاف الأيديولوجي بين البرنامجين.

شكل القوائم وأفرادها ينعكس بشكل أكبر في الانتخابات الحالية على استقرار الواقع السياسي، ويرتبط نقاء القائمة، وابتعادها عن اللون الحزبي الفاقع أو النواة الصلبة للحركات، في تعزيز مقدار الاستقرار السياسي إيجاباً، بعكس تأثيره السلبي على الاختيار والتحوصل السلبي حال وجود قوائم حزبية المحتوى الكامل، كون ذلك يعني إفرازاً للحالة السياسية التي نشأت عقب الانتخابات السابقة، وإذا ما أُضيف إلى ذلك التحول الجزئي أو الكلي في حركتي فتح وحماس، من حركاتٍ تحررٍ وطني بالكامل إلى حركات تقود مشاريع سياسية وإدارية في الضفة وغزة، فهذا يرفع من نسب تشبث كُلٍّ منهما بالسلطة مكان نفوذه.

يشهد الواقع الفلسطيني تعطشاً حقيقياً للانتخابات القادمة بعد انقطاع طويل، يتضح ذلك من نسب التسجيل، والتحفيز والاستنهاض السريع من قبل الحركات لقواعدها وأفرادها، وهذا بدوره يعني تجاذباً كبيراً في الأشهر القادمة، يحكم تقليل الاحتكاك والتصادم الإدراك الحقيقي بحاجة الحالة الفلسطينية إلى إدارة فعلية لتحسين الظروف السياسية والاقتصادية، ووقت مستقطع لإعادة ترتيب الأوراق والأدوات اللازمة للعمل في محيطٍ عربي وإقليمي ودولي مُتسارع الخطى في التغير، ومتعاظم الاختلافات في نهج التعامل مع القضية الفلسطينية.

 

[1] أستاذ الدراسات المستقبلية، باحث في مؤسسة يبوس للاستشارات والدراسات الاستراتيجية، رام الله.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق