الانتخابات الفلسطينيةالمشهد الفلسطيني

انتخابات تحت عين السلطة التنفيذية: عن المحاكم المختصة بالرقابة على الانتخابات الفلسطينية ونتائجها

هيئة التحرير

على ضوء القرارات بقانون الأخيرة التي أصدرها الرئيس الفلسطيني محمود عباس في يناير 2021 بشأن القضاء، والتي تزامنت أيضاً مع قرار بقانون بشأن تعديل قانون الانتخابات، والدعوة لانتخابات تشريعية ورئاسية فلسطينية تجرى خلال منتصف العام 2021، أصبح المشهد ضبابيا وغير واضح لدى الكثيرين حول من هي الجهات القضائية التي يمكن الطعن أمامها فيما يتعلق بالانتخابات القادمة ونتائجها، في حال شابها أي شائب، وما استقلالية/عدم استقلالية هذه المحاكم عن السلطة التنفيذية، أو تبعيتها لها، ما يثير المخاوف من تدخل الجهات التنفيذية في عملها في الانتخابات الفلسطينية القادمة، إذا سارت الأمور على عكس ما يأمله هذا الطرف أو ذاك.

يسعى هذا المقال لتبيين ذلك بشكل مركز ومباشر ومختصر، مع ربط كل ذلك بالنصوص في أماكنها في القرارات بقوانين المذكورة، ثم يقدم بعض التوصيات التي يرى واجب الأخذ بها من أجل ضمان انتخابات فلسطينية حرة ونزيهة وفقا للمعايير الدولية المتبعة في هذا المضمار.

رقابة القضاء الفلسطيني على الانتخابات: المحاكم التي تخضع لها عملية المراقبة والطعن في الانتخابات الفلسطينية القادمة:

في الواقع، هناك 4 محاكم/جهات قضائية فلسطينية لها علاقة بالرقابة على الانتخابات ونتائجها، وذلك وفق الترتيب الزمني التالي:

  1. محكمة قضايا الانتخابات: بموجب المادة 14 من قانون الانتخابات العامة لعام 2007، فإن الطعون في قرارات لجنة الانتخابات المركزية، كالطعون في قراراتها المتعلقة بقبول أو رفض طلبات الترشيح لمنصب الرئيس أو المجلس التشريعي، أو قرارتها بشأن إعادة أو عدم إعادة الانتخاب في مراكز الاقتراع، أو قبول أو رفض قبول طلبات التسجيل المقدمة من أي قائمة انتخابية، تكون من اختصاص “محكمة قضايا الانتخابات”، التي لم تشكل بعد، ويتم تشكيلها بمرسوم رئاسي بناء على تنسيب من مجلس القضاء الأعلى (المادة 20 من القانون المذكور)، والذي يبدو أنه بات مهيمنا عليه بشكل كبير من قبل رئيس السلطة، كما سيظهر أدناه.
  2. المحكمة الإدارية: بموجب المادة 7 من القرار بقانون رقم 41 لسنة 2020، يعيَّن رئيس المحكمة الإدارية العليا بقرار من الرئيس، منفردا ودون حاجة إلى تنسيب حتى. كما يعيَّن رئيس المحكمة الإدارية ونائبه وقضاة المحكمة، ونائب رئيس المحكمة الإدارية العليا وقضاتها بقرار من الرئيس بناء على تنسيب من الجمعية العامة للمحاكم الإدارية.

وتنص الفقرة 2 من المادة ذاتها، على أن أول تعيين لكافة رؤساء ونواب وقضاة المحكمة الإدارية والإدارية العليا يتم بقرار من الرئيس، منفردا ودون تنسيب أي جهة، شرط التشاور مع رئيس مجلس القضاء الأعلى ووزير العدل.

وهذه المحكمة، بموجب القرار بقانون المذكور (المادة 20)، هي التي تنظر في الطعون المتعلقة بنتائج الانتخابات. وبذلك يتم التأثير بشكل كبير على القضاء الإداري الذي تغدو فيه السلطة التنفيذية هي الخصم والحكم في نفس الوقت.

  1. القضاء العادي (محاكم الصلح والبداية): وهذه المحاكم تختص بالجرائم الانتخابية (كالتزوير). ومن المهم ملاحظة أن المشرف على عمل هذه المحاكم هو مجلس القضاء الأعلى، الذي أصبح بيد الرئيس. حيث أن القرار بقانون رقم 40 لسنة 2020 بشأن تعديل قانون السلطة القضائية رقم 1 لسنة 2002 جعل لرأس السلطة التنفيذية صلاحيات جوهرية عبر انفراده بتعيين رئيس مجلس القضاء الأعلى/رئيس المحكمة العليا ونائبه، إذ يختارهما، بموجب المادة 8 من القانون، من عدد غير محدود من القضاة ينسبهم له مجلس القضاء الأعلى، فيما كان نص القانون السابق يجعل من صلاحية مجلس القضاء الأعلى اختيار رئيسه، والتنسيب به للرئيس ليقوم بتعيينه. كما أعطى القرار بقانون المذكور للسلطة التنفيذية هيمنة على تعيين جزء أساسي من أعضاء مجلس القضاء الأعلى، وعددهم 11 عضوا حسبما حددته المادة 16 من القانون، من بينهم ما يزيد عن الثلث تختاره السلطة التنفيذية، وهم: رئيس المحكمة العليا ونائبه والنائب العام ووكيل وزارة العدل.
  2. المحكمة الدستورية، والتي تم تشكيلها بموجب قرار رقم 57 لسنة 2016، وذلك استناداً إلى قانون المحكمة الدستورية رقم (3) لسنة 2006، والذي قام الرئيس عباس فيما بعد بتعديله عبر قرار بقانون في أكتوبر 2017. وبتشكيل المحكمة الدستورية ثم تعديل قانون إنشائها عبر “قرار بقانون”، بدا واضحاً هيمنة رأس السلطة التنفيذية على عملها. ومن الجدير بالتنويه أن قضاة المحكمة، والذي تم اختيارهم من الرئيس عباس، لم يؤدوا اليمين القانونية بحضور رئيس المجلس التشريعي، خلافاً لما تنص عليه المادة 7 من قانون المحكمة الدستورية (2006).

وهذه المحكمة قامت في 12 كانون الأول/ديسمبر 2018 بحل المجلس التشريعي عبر قرار تفسيري، تبعه قرار رسمي عن الرئيس عباس بإعلان حل المجلس. وعلى الرغم من أن هذا القرار في حينه واجه معارضة كبيرة من أكاديميين ومنظمات مجتمع مدني، إلا أن الرئيس عباس مضى به. وهو ما يثير المخاوف من العودة لاستخدام هذه المحكمة لإجراءات من هذا النوع، في حال كانت تشكيلة المجلس التشريعي القادم مخالفة لرغبة الرئيس. فمثلا، يمكن أن يتم التوجه للمحكمة المذكورة في وقت لاحق، للطعن في القرارات بقانون التي تم بموجبها إجراء الانتخابات، بحجة عدم دستوريتها، لأن الرئيس لا يملك أصلا إصدار قرارات بقانون في غير حالة الضرورة المستعجلة، وفق المادة 43 من القانون الأساسي الفلسطيني. ويمكن عندها للمحكمة أن تحكم بعدم دستورية تلك القرارات بقانون المذكورة، وعندها يصبح المجلس التشريعي الجديد في حكم المنعدم، لأنه عندها سيكون قد تم انتخابه بناء على قرار بقانون غير دستوري وفق حكم المحكمة الدستورية.

ما المطلوب إزاء ذلك؟

إن واقع الحال يظهر وبلا أدنى شك أن الرئيس محمود عباس مطالب اليوم، ولإثبات حسن النية والاستقلالية تجاه الانتخابات القادمة، أن يقوم بإلغاء هذه القرارات بقانون المذكورة، وعودة الأمور إلى قانون 2002 فيما يخص السلطات القضائية، وقانون 2005 فيما يخص الانتخابات، وذلك إلى حين انتخاب مجلس تشريعي جديد.

وإن كان لا بد من استمرار القرارات بقانون المذكورة، لأنها أوجدت مراكز قانونية متعددة، فيكون المطلوب -على الأقل- أن يكون هناك شراكة وتشاور مع الجهات الحقوقية وممثلي الكتل البرلمانية في المجلس التشريعي ورئيسه في مسألة اختيار القضاة مع الرئيس، لضمان النزاهة، ووجود توافق فصائلي ومع منظمات المجتمع المدني حول ذلك.

وحين نتحدث عن شراكة في اختيار القضاة لضمان النزاهة، فنحن لا نتحدث عن شيء شاذ أو غير متصور أو نبتدع جديدا.

حيث كانت ورقة مركز العمليات الانتقالية الدستورية في كلية الحقوق في جامعة نيويورك، بشأن المعايير الدولية بشأن استقلال القضاء، ذكرت أن التعيينات القضائية لا يجوز أن تقع في يد جهة سياسية واحدة، لا سيما السلطة التنفيذية. وتضيف: “من المفضل أن تحصل التعيينات القضائية عبر عملية تضمن مشاركة الأطراف الأخرى في الحكومة والمجتمع: مثل القضاة وأصحاب المهن القانونية والأحزاب السياسية المعارضة والمجتمع المدني“.

ويؤكد على هذه المسألة مقرر الأمم المتحدة الخاص باستقلال القضاة والمحامين، دييغو غارسيا– سايان، في تقريره الذي قدمه لمجلس حقوق الإنسان، حيث يلفت إلى وجود ميل على المستوى العالمي إلى أن يكون المجلس القضائي ذو تكوين مختلط، بحيث تكون أغلبية أعضائه قضاة منتخبين من أقرانهم، ويشمل ذلك بحسب المقرر الخاص قضاة منتخبين من الهيئات القضائية، وغير قضاة، كالمحامين وأساتذة القانون وأعضاء نقابة المحامين.

وقد أتت توصيات كل من الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان “ديوان المظالم” والائتلاف الأهلي لاستقلال القضاء وحمايته، بشأن “إصلاح منظومة العدالة في فلسطين” متوافقة تماماً مع هذه الرؤية، حيث اقترحت توسيع عضوية مجلس القضاء الأعلى، ليشمل أعضاءً من القضاة ومن خارج القضاء والسلطة التنفيذية، يحدد القانون بشكل واضح معايير اختيارهم، بما يضمن الشفافية والنزاهة، مع إعادة النظر في طريقة تنسيب رئيس المحكمة العليا -رئيس مجلس القضاء الأعلى، باتجاه تبني الانتخاب من الهيئة العامة للمحكمة العليا.

وعليه، فإن الحديث عن إلغاء مراجعة السلطة التنفيذية لتعيينات القضاة، واعتماد منهج مختلط في مجلس القضاء الأعلى يقوم على وجود هيئات منتخبة من القضاة مضافاً إليها عدد من الأساتذة والممثلين لمؤسسات القانون الأخرى ومنظمات المجتمع المدني وضمن معايير واضحة وثابتة، هو ما يضمن وجود قضاء مستقل ونزيه، والأهم: قضاء متوافق مع الاتفاقيات الدولية التي انضمت لها فلسطين، خصوصا ونحن على أبواب انتخابات جاءت بعد أزمة ثقة وانقسام عميق بين الأطياف السياسية الفلسطينية المختلفة، ما يتطلّب فعليا وجود قضاء متوافق على نزاهته واستقلاله.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق