الاستيطان والجدار

“شبيبة التلال” في محافظة رام الله والبيرة، عام من الهجمات المتصاعدة

لقراءة وتحميل الملف اضغط هنا

الكاتب: وليد زايد

تصاعدت هجمة استيطانية خلال الأشهر الماضية على طول الخط الشرقي لمحافظة رام الله والبيرة، وامتدت حتى شمالها. تمثلت هذه الهجمة في إنشاء عدد من البؤر الاستيطانية على أراضي الفلسطينيين، واستهدفت الهجمات الاستيطانية البدو الفلسطينيين القاطنين في تلك المنطقة. ويشن الهجمات مجموعة استيطانية تسمى ” شبيبة التلال” أو “فتيان التلال”.

وسيبين هذا التقرير هوية “شبيبة التلال” وكيف تشكلوا وما هي أهدافهم، كما سيوضح أبرز الاعتداءات التي نفذوها ضد الفلسطينيين في محافظة رام الله والبيرة، إلى جانب رصد حالة الانتشار التي يعملون عليها على تلال وجبال المحافظة من خلال البؤر الاستيطانية التي سعوا لإقامتها خلال العام 2020. ويتناول التقرير في الجهة المقابلة ردة الفعل الفلسطينية على ممارسات عصابات شبيبة التلال، ويقيم عناصر النجاح والفشل في محاولات تمدد المستوطنين ودفاع الفلسطينيين في مواجهة هجمات “شبيبة التلال”.

 عصابات “شبيبة التلال”

تنحدر مجموعة شبيبة التلال من عصابات ما يعرف بـ”جباية الثمن” أو تدفيع الثمن، التي بدأت أعمالها عام 2008 بغرض الانتقام من العرب. وتعتبر شبيبة التلال الجيل الثاني من المستوطنين في الضفة الغربية وهم  امتداد لحركة “غوش أمونيم” الاستيطانية التي نشطت بسبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، والتي عملت على قاعدة أن من حق اليهودي الاستيطان في كل جزء من أرض “إسرائيل”، وإنقاذ الأرض من الغرباء (شلحت، 2014).

لم يتغير شعار شبيبة التلال كثيراً عن حركة “غوش أمونيم” فقد اتبعوا شعار “إما الطرد وإما القتل”، أما اسمهم شبيبة التلال فقد جاء من كونهم يعملون على الاعتزال في التلال الفارغة التي يسيطرون عليها بـ “يهودا والسامرة” أي الضفة الغربية. وتعتبر انطلاقتهم من المدرسة الدينية في مستوطنة يتسهار (مقامة جنوب نابلس) (مدار، 2020).

أما عن نظرتهم لحكومة الاحتلال فإنهم يوجهون انتقادات شديدة لها ويرفضون سلطتها، معتبرين أن تعليمات الحاخامات هي التي توجههم (شلحت، 2014). ورغم ذلك، وخلال عمليات سيطرتهم على الأراضي الفلسطينية وبناء بؤر استيطانية جديدة، فإنهم يحظون بحماية جيش الاحتلال. كما يرفض رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو أن يعتبرهم جماعة إرهابية؛ رغم توصيات جهات قضائية وأمنية بالأمر (جادالله، 2020).

نشاط مجموعات “شبيبة التلال” الاستيطانية لم يقتصر على بناء البؤر الاستيطانية، فقد نظمت هذه المجموعات بشكل متصاعد حملاتٍ لإلقاء الحجارة على سيارات الفلسطينيين في عدة مناطق، وهي شمال مدينة البيرة وتحديداً عند حاجز الـDCO، والطريق المؤدي إلى قرى شمال وشرق رام الله، والمفترق المؤدي إلى قرية برقة شرق رام الله، كما تواجدوا على الشوارع قرب المغير وشرق كفر مالك شرق رام الله، وعند ما يعرف بمفترق عيون الحرامية شمال رام الله، وقد بلغت ذروة هذه الحملة في النصف الثاني من شهر كانون أول الماضي.

ولعل أبرز جرائم مجموعات “شبيبة التلال” والتي تسببت بموجات غضب كبيرة من قبل الشعب الفلسطيني، جريمة إحراق وقتل الشهيد محمد أبو خضير عام 2014، وإحراق عائلة الدوابشة عام 2015، إلى جانب قتل المواطنة عائشة الرابي من سلفيت بعد إلقاء الحجارة على سيارتها (عواودة، 2021). وقد نشطت مجموعات “فتيان التلال” نهاية العام 2020 بعمليات قذف الحجارة على سيارات الفلسطينيين بين المحافظات وعلى الطرق الالتفافية.

شبيبة التلال تقيم بؤراً جديدة والفلسطينيون يواجهون

عمل المستوطنون عن طريق المجموعات المتكونة من “شبيبة التلال” أو “فتيان التلال” على إقامة العديد من البؤر الاستيطانية في محافظة رام الله والبيرة خلال العام 2020. ويستعرض الجدول التالي قائمة بأسماء هذه البؤر الاستيطانية بناءً على القرية الفلسطينية التي تتواجد فيها، يليها شرح لكل واحدة منها.

جدول 1: القرى التي أقيمت عليها البؤر الاستيطانية في محافظة رام الله والبيرة  في عام 2020:

القرية التي أقيمت عليها البؤرة/ البؤرة الاستيطانية عدد البؤر الاستيطانية
قرية كفر مالك شرق رام الله بؤرة واحدة
قرية جيبيا شمال غرب رام الله بؤرة واحدة
قرية سنجل شمال شرق رام الله بؤرتان
قرية دير جرير بؤرة واحدة
عدد البؤر الكلي 5 بؤر استيطانية
  1. بؤرة بين قريتي كفر مالك والمغير: أقام مستوطن مسلح بؤرة استيطانية على الأراضي الواقعة بين قريتي كفر مالك والمغير شرق رام الله بتاريخ الـ16 من اكتوبر\ تشرين أول من العام 2020 ، وما يميز هذه البؤرة والبؤر التي أقيمت في محافظة رام الله والبيرة مؤخرا أنها أخذت الطابع المعيشي البدوي عبر نصب الخيام وتربية المواشي. لكن أهالي كفر مالك أزالوها بالقوة في ذات الليلة، قبل أن يعود بعد أيام المستوطنون ويقيموا البؤرة بحماية قوات الاحتلال. وقد أقيمت هذه البؤرة مقابل تجمع القبون الفلسطيني البدوي، ليصبح المستوطن الذي أقام هذه البؤرة مستوطناً لها ولبؤرة أخرى أقامها قبل عدة سنوات على أراضي قرية المغير. وينفذ المستوطن والمجموعات التي يشكلها اعتداءات على التجمع البدوي القريب وأهالي قرى كفر مالك والمغير.
  • ردة الفعل الفلسطينية

ردة الفعل الفلسطينية الشعبية على إقامة البؤرة بين قريتي كفر مالك والمغير كانت فورية، إذ إن الأهالي عملوا على إزالتها، وضرب المستوطنين الذين حاولوا إقامتها فور عملية نصبهم للخيام، إلا أن المستوطنين عادوا بعد أيام وأقاموها بحماية قوات الاحتلال، ومنذ شهر أكتوبر من العام 2020 يخرج أهالي قريتي كفر مالك والمغير في مسيرات أسبوعية يوم الجمعة للمطالبة بإزالة البؤرة، وقد اندلعت مواجهات متعددة مع قوات الاحتلال أثناء هذه الاحتجاجات المستمرة، وأسفرت عن استشهاد الطفل علي أبو عليا بداية شهر كانون أول، كما حدثت العديد من حالات الاحتكاك بين أهالي القريتين والمستوطنين، منها حرق الأهالي لنصب أقامه المستوطنون قرب قرية المغير، كما استخدم المستوطنون أسلحتهم الشخصية ضد الفلسطينيين وأطلقوا النار عليهم بشكل مباشر. وما تزال البؤرة قائمة حتى وقت كتابة هذا التقرير.

وحول الموقف الفلسطيني الرسمي من البؤر الاستيطانية، حذر رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الوزير وليد عساف من سعي حكومة الاحتلال لشرعنة البؤر الاستيطانية التي تهدف لقطع التواصل بين المناطق الفلسطينية (الرجوب، 2020). كما تدعو هيئة مقاومة الجدار والاستيطان بشكل أسبوعي إلى جانب المجالس القروية للمواجهة الشعبية سعياً لإزالة البؤرة الاستيطانية في كفر مالك وغيرها من القرى.

صورة 1: البؤرة الاستيطانية التي أقامها المستوطنون على أراضي قريتي كفر مالك- المغير شرق رام الله (خاص لمركز رؤية).

  1. قرية جيبيا: أقام مجموعة من مستوطني شبيبة التلال قبل نحو عام وتحديدا في كانون أول من العام 2019 (Poica, 2020)، بؤرة جديدة تضم بيتا متنقلا على أحد جبال قرية جيبيا، وتحديدا في المنطقة الواقعة بين جيبيا وأم صفا، والتي تقع شمال غرب مدينة رام الله، ذات المجموعة من المستوطنين كانت قد أقامت قبل ثلاث سنوات بؤرة استيطانية قريبة على مكان البؤرة الاستيطانية الجديدة، ويعمل المستوطنون على تربية المواشي، كما أنهم يمنعون المزارعين الفلسطينيين جني حصاد الزيتون في أراضيهم القريبة على البؤرتين. كما تنفذ مجموعات المستوطنين الذين يسكنون هذه البؤرتين اعتداءات على أهالي جيبيا بشكل مستمر مستخدمين أسلحتهم والكلاب الشرسة للهجوم على العائلات في أحراش بلدة جيبيا أو بيوت البلدة.
  • ردة الفعل الفلسطينية

ردة الفعل الفلسطينية في هذا الموقع لم تتجاوز المطالبات التي صدرت عن المجلس المحلي، وأهالي القرية بالضغط على المستوطنين لإزالة البؤرة، ويمنع المستوطنون المزارعين الفلسطينيين من الوصول لأراضيهم في الجبل الذي أقيمت عليه البؤرة. لكن موقع البؤرة البعيد الواقع على الجبل المقابل للقرية وصعوبة الوصول للبؤرة قد يكون منع تنظيم احتجاجات تصل إلى مكان إقامة البؤرة، فهي ليست بمكان سهلي قريب كما في البؤرة التي أقيمت بين قريتي كفر مالك والمغير على سبيل المثال، إلى جانب وجود حاجز عسكري قريب؛ ما يعني حماية أمنية دائمة للمستوطنين. وينطبق الموقف الرسمي الفلسطيني الرافض للبؤر الاستيطانية غير الشرعية على هذه البؤرة أيضا.

صورة 2: البؤرة الاستيطانية التي أقيمت قبل ثلاث سنوات على أراضي قرية جيبيا(خاص لمركز رؤية).

  1. قرية سنجل: واصلت مجموعات المستوطنين عمليات السيطرة على الأراضي، وقد أقاموا عدداً من الخيام في منطقتين متجاورتين من أراضي المزارعين في قرية سنجل شمال شرق رام الله بتاريخ 28\8\2020، لتكوّن هذه الخيام بؤرتين جديدتين على أراضي القرية، وقد أزيلت إحدى هذه البؤر فور وضعها بضغط من المواطنين بعد مواجهات مع المستوطنين بشكل مباشر. وقد أعلن جيش الاحتلال أن الخيام المتبقية في البؤرة الأخرى ستزال، وقد أزيلت بضغط من أهالي سنجل مفشلين عملية الاستيلاء التي نفذتها مجموعات المستوطنين. وبعد المصادمات التي حدثت بين المستوطنين وأهالي سنجل أبلغ جيش الاحتلال أهالي القرية بإزالة الخيم المتبقية إلا أنه استمر بمنع أهالي سنجل من الوصول لأراضيهم في ذلك الوقت وهددهم باستخدام القوة ضد من يحاول الاقتراب للبؤر قبل أن يعيد إزالتها. وقد هدف المستوطنون من هاتين البؤرتين اللتين أقيمتا على رأس جبل، كما هي عادتهم، إلى فصل أراضي المزارعين عن بعضها ومنعهم من الوصول إلى الأراضي الواقعة خلف البؤرتين.
  • ردة الفعل الفلسطينية

فور نصب المستوطنين للبؤر على أراضي سنجل، وجه مجلس بلدي سنجل دعوات لأهالي البلدة للتوجه للأراضي التي أقيمت عليها البؤر الجديدة، واصطدموا مع مجموعات المستوطنين القادمة لإقامة البؤر، وقد استنفر المزارعين في اليوم التالي لإقامة البؤر، وتوجهوا لأراضيهم الواقعة بين قريتي سنجل وعبوين، وتعرضوا لقمع قوات الاحتلال. وقد أفلحت التحركات الشعبية لأهالي سنجل في إزالة البؤرتين خلال بضعة أيام.

صورة 3: الخيام التي نصبها المستوطنون على جبال سنجل لإقامة بؤرتين جديدتين(خاص لمركز رؤية).

  1. دير جرير: صباح الثالث والعشرين من كانون أول\ ديسمبر من العام 2020، جاءت مجموعة من المستوطنين الرعاة ونصبوا خيمة على أرض زراعية لأهالي قرية دير جرير شمال شرق رام الله بحماية جنود الاحتلال، وقد تشكلت المجموعات من عشرات المستوطنين مصطحبين معهم خيمة نصبوها إلى جانب جلبهم لخزان مياه وجرار لحرث الأرض؛ بغرض حرث الأرض للإقامة فيها.
  • ردة الفعل الفلسطينية

منذ لحظة بدء المستوطنين بإقامة البؤرة، رصد أهالي دير جرير المستوطنين ومعداتهم، وقد أعلن أهالي القرية في الجمعة الأخيرة من العام 2020 عن إقامة احتجاجات في الأراضي التي أقيمت عليها البؤرة، ما أدى لمواجهات عنيفة مع قوات الاحتلال والمستوطنين، وقد استخدم الاحتلال خلال هذه المواجهات الرصاص المطاطي والقنابل الغازية وشاحنة المياه العادمة، وقد نتج عن المواجهات العديد من الإصابات والاعتقالات لشبان من القرية وللمسن سعيد عرمة “أبو العبد” والذي انتشرت له صورة أثناء المواجهات مع جيش الاحتلال، وإلى لحظة كتابة هذا التقرير ما تزال البؤرة قائمة.

صورة 4: مستوطنون بعد نصب خيمة على أراضي دير جرير شرق رام الله لإقامة بؤرة استيطانية جديدة (خاص لمركز رؤية).

 بؤر استيطانية أخرى

إلى جانب البؤر الجديدة التي ذكرناها في محافظة رام الله والبيرة، هناك مجموعة من البؤر الاستيطانية المقامة  إلى  الشرق من مدينة رام الله وتحديدا على الطريق الواصل ما بين مدينتي رام الله وأريحا، هذه البؤر مقامة على مقربة من التجمعات البدوية المقامة هناك، خاصة قرب ما يعرف بطريق المعرجات، وتأخذ هذه البؤر كغيرها من البؤر الجديد طابعا بدويا في معيشة المستوطنين من خلال تربية المواشي وبناء الخيام، إلى جانب الاعتداء على التجمعات البدوية المحيطة مثل تجمع وادي السيق البدوي المقام على أراضي قرية دير دبوان شرق رام الله والذي يتعرض لاعتداءات متكررة سواء من المستوطنين أو قوات الاحتلال.

هذه البؤر الجديدة تضاف إلى عشرين بؤرة قديمة مقامة على أراضي محافظة رام الله والبيرة، وتتركز في شمال وشرق المحافظة (زايد، 2019). كما أن الفترة القادمة قد تشهد تزايداً في عدد البؤر التي ستقيمها عصابات المستوطنين بعد الموافقة الأولية من الكنيست على قرار “تسوية البؤر الاستيطانية”، والذي يلزم حكومة الاحتلال بتزويد البؤر الاستيطانية بخدمات البنية التحتية مثل المياه والكهرباء والطرق وغيرها من الخدمات. ويعتبر القرار أن هذه التسوية جاءت كخطوة مرحلية حتى شرعنة البؤر الاستيطانية في الضفة الغربية (وتد، 2020).

عوامل نجاح الفلسطينيين في إزالة بعض البؤر الاستيطانية

نجح الفلسطينيون في إزالة بؤرتين من أصل ست بؤر أقيمت على أراضي محافظة رام الله والبيرة، وتحديداً البؤرتين اللتين أقيمتا على أراضي قرية سنجل، فيما تستمر الاحتجاجات الأسبوعية قرب البؤر الاستيطانية في المغير وكفر مالك ودير جرير.

  • المكان الجغرافي للبؤر: يعد قرب البؤر الاستيطانية من الفلسطينيين سواء مناطق سكنهم أو الأراضي الزراعية عاملاُ مساعداً في إزالة البؤر في سنجل، كما أن قربها من الأراضي الزراعية أدام عملية الاحتجاج ضد البؤر رغم حماية قوات الاحتلال للمستوطنين في هذه البؤر، فالاحتجاجات الأسبوعية في كل من دير جرير والمغير وكفر مالك مستمرة بشكل أسبوعي، إلى جانب احتكاكات متواصلة مع المستوطنين في هذه البؤر حتى دون وجود فعالية لأهالي القرى، ما يؤدي إلى عدم استقرار المستوطنين بشكل كبير في البؤر.
  • سرعة استجابة الأهالي: شهدت القرى التي أقيمت فيها البؤر دعوات فورية لمواجهة المستوطنين لحظة بدء إنشاء هذه البؤر، تبعها تجمعات وفعاليات مستمرة، أسفرت عن زيادة الضغط على المستوطنين وقوات الاحتلال ما أدى لإزالة البؤرتين في قرية سنجل شمال رام الله، إلى جانب وقوع مواجهات عنيفة في كل من قرى دير جرير والمغير وكفر مالك، أدت لاستشهاد طفل وإصابة العشرات.
  • التغطية الإعلامية: حظيت الأحداث التي رافقت إقامة المستوطنين للبؤر الاستيطانية بتغطية إعلامية واسعة من قبل الصحفيين الفلسطينيين لصالح الوكالات والقنوات المحلية والدولية، وقد انتشرت العديد من الصور ومقاطع الفيديو التي شهدت تفاعلا واسعا، مثل فيديو الشيخ سعيد العرمة الذي شارك بالمواجهات في قرية دير جرير واعتقله الاحتلال لاحقا. إلى جانب مقاطع الفيديو التي أظهرت استخدام المستوطنين لأسلحتهم ضد الفلسطينيين في قرية المغير.
  • استمرارية الاحتجاجات: شهدت مناطق إقامة البؤر احتجاجات مستمرة في كل يوم جمعة، فقد وصلت حتى كتابة هذا التقرير عدد الأسابيع المتتالية، والتي تندلع فيها المواجهات للمطالبة بإزالة البؤرة نحو ثماني أسابيع في بعض المواقع مثل كفر مالك، إلى جانب ابتداع الأهالي لفعاليات أخرى لإعمار الأراضي القريبة من البؤر كزراعة أشتال الزيتون وحرث الأراضي. وهذه الاحتجاجات وإن لم تنجح حتى لحظة كتابة هذا التقرير من إزالة كل البؤر، إلا أنها تزيد من تكلفة الحفاظ عليها من خلال تطلّبها لحماية مستمرة من قبل جيش الاحتلال بسبب تكرار المواجهات.

العوامل المساعدة للمستوطنين في تثبيت بعض البؤر الجديدة

أما العوامل التي ساعدت المستوطنين على إقامة وتثبيت بعض البؤر الاستيطانية الجديدة فسنتناولها بالتفصيل:

  • حماية جيش الاحتلال المباشرة: تحظى جماعات المستوطنين بحماية قوات الاحتلال منذ اللحظة الأولى لبدء إقامة البؤرة الاستيطانية، وهو ما حدث فعلا في كل المواقع المذكورة سابقاً، ففي قرية دير جرير على سبيل المثال، تواجدت دوريات جيش الاحتلال مانعة الفلسطينيين وحتى الطواقم الصحفية من الاقتراب من موقع إقامة البؤرة الجديدة. كما أن جيش الاحتلال يستخدم الرصاص الحي والمطاطي وقنابل الغاز المسيل للدموع ومضخات المياه العادمة لمنع الفلسطينيين من الاقتراب من المنطقة، ما أفسح المجال للمستوطنين بجلب المعدات اللازمة لبناء البؤر.
  • تسلح المستوطنين: يتسلح المستوطنون بأسلحتهم الشخصية ولا يترددون باستخدامها ضد الفلسطينيين في المنطقة المحيطة بالبؤر التي يقيمونها وقد حدث هذا الأمر في أكثر من منطقة، مثل قرية المغير وقرية جيبيا التي استخدم فيها المستوطنون الرصاص الحي والكلاب الشرسة.
  • تصنيف المناطق المقامة في البؤر: البؤر الخمسة التي ذكرناها في هذا التقرير أقيمت في مناطق مصنفة ج، وهذه المناطق تخضع للسيطرة الأمنية لجيش الاحتلال الذي يمنع التصرف بها، فأصحاب الأراضي الفلسطينيين لا يستطيعون إعمارها من خلال البناء فيها، وما يتم بناؤه يتم هدمه على يد قوات الاحتلال، كما حدث في مدرسة أقيمت بتجمع رأس التين بقرية المغير قرب البؤرة المقامة، والتي سلم الاحتلال إخطاراً بهدمها.
  • ضعف الموقف الرسمي الفلسطيني: يقتصر الموقف الفلسطيني الرسمي على الإدانة لإقامة البؤر المطالبة، إلى جانب الدعوات للمشاركة بالفعاليات الشعبية الرافضة لإقامة البؤر. وهي لا تشكل رادعا للمستوطنين لوقف محاولات إقامة البؤر الاستيطانية.
  • دعم حكومة الاحتلال للبؤر الاستيطانية: صادقت حكومة الاحتلال بالقراءة التمهيدية على قانون “تطوير البؤر الاستيطانية” القاضي بتزويد البؤر الاستيطانية بخدمات البنية التحتية والكهرباء والمياه منتصف شهر ديسمبر\ كانون أول الماضي (الرجوب، 2020ب). وكان التوجه لدى حكومة الاحتلال واضحا بهذا الاتجاه الأمر الذي شجع عصابات شبيبة التلال على إقامة المزيد من البؤر الاستيطانية في مختلف مناطق الضفة الغربية على اعتبارها شرعية بالنسبة لحكومة الاحتلال.

هل ستتحول هذه البؤر لمستوطنات؟

إذا ما صادق الاحتلال بالقراءة الثالثة على قرار شرعنة البؤر الاستيطانية، فإن هذه البؤر ستمتلك البنية التحتية اللازمة للتمدد والتحول لمستوطنة مستقبلا. وبالنسبة للبؤر الاستيطانية الخمسة التي تناولناها بالتقرير، فإن أكثر البؤر قابلية للتحول لمستوطنة فهي بؤرة قرية جيبيا، خاصة أنها قريبة على بؤرة أخرى على ذات الجبل، كما أن قرب البؤرة من مستوطنة حلميش قد يساعد في عملية التمدد مستقبلا للسيطرة على أكبر مساحة من الأرض.

إلا أن مفاهيم عصابات “شبيبة التلال” التي ترفض أن تكون تحت سلطة الحكومة، وأفكارهم المتعلقة بالسيطرة على التلال والعيش عليها بعيدا عن عموم المستوطنين قد يعيق اندماج هذه البؤر مع المستوطنات الأخرى، أو توسعها بحيث يحافظون على طابع المعيشة البدوية التي يتخذونها في بؤرهم.

وبالتالي فإن البؤر الاستيطانية ستكون جاهزة مستقبلا من ناحية البنية للتحول لمستوطنات، إلا أن سلوك مجموعات “شبيبة التلال” وطبيعة ردة الفعل الفلسطينية هي من ستحدد إمكانية تحولها من بؤرة إلى مستوطنة.

المصادر:

  • جاد الله، مراد. (2020). عنف المستوطنين: وباء فوق وباء كورونا. مؤسسة الدراسات الفلسطينية. بيروت، لبنان. تم الاسترداد من: https://www.palestine-studies.org/ar/node/1649959
  • شلحت، أنطوان. (2014). جماعات “جباية الثمن”: سيف الاستيطان الإسرائيلي. مدى الكرمل. حيفا، فلسطين. تم الاسترداد من: https://mada-research.org/wp-content/uploads/2014/10/antone_shalhat-6.pdf
  • مدار. غوش أمونيم. رام الله، فلسطين. تم الاسترداد من: https://bit.ly/3nV3SlJ
  • وتد، محمد. (2020). المصادقة بالقراءة التمهيدية على قانون “تسوية” البؤر الاستيطانية. عرب 48. حيفا، فلسطين. تم الاسترداد من: https://bit.ly/3nYBkb3
  • زايد، وليد. (2019). واقع الاستيطان في محافظة رام الله والبيرة. مركز رؤية للتنمية السياسية. اسطنبول، تركيا. تم الاسترداد من: https://vision-pd.org/archives/323288
  • Poica. (2020). الاعتداء على مزارعين أثناء عملهم في أرضهم الزراعية في قرية جيبيا شمال رام الله. بيت لحم، فلسطين. تم الاسترداد من: https://bit.ly/2MqD8f2
  • عواودة، وديع. (2021). شبيبة التلال”: المستوطنون الجدد إرهابيون على ضفاف مستنقع الاحتلال. القدس العربي. لندن، المملكة المتحدة. تم الاسترداد من: https://bit.ly/2Lvw6VZ
  • الرجوب، عوض. (2020أ). مسؤول فلسطيني يحذر من تداعيات شرعنة 70 بؤرة استيطانية. وكالة الأناضول للأنباء. اسطنبول، تركيا. تم الاسترداد من: https://bit.ly/2MFSufE
  • الرجوب، عوض. (2020ب). فلسطين تطالب بالضغط لوقف قانون تطوير البؤر الاستيطانية. وكالة الأناضول للأنباء. اسطنبول، تركيا. تم الاسترداد من: https://bit.ly/3q6n2FR
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق