رأي الخبراء

اجتماع الإطار القيادي.. عوامل التأثير وقدرة التطبيق

لأول مرة منذ حدوث حالة الانقسام السياسي الفلسطيني في يونيو/حزيران2007، ينعقد الإطار القيادي للفصائل الوطنية والإسلامية الفلسطينية، وقيادة السلطة الفلسطينية بشكل متزامن ما بين رام الله وبيروت.

هذا اللقاء، الذي جرى في 3 أيلول/ سبتمبر2020، وكخطوة لمواجهة حالة التطبيع المتصاعدة عربيا وإسرائيليا وأمام تحديات صفقة القرن الأمريكية، وما تبعه من تشكيل جبهة وطنية سُميت بـ “القيادة الوطنية الموحدة للمقاومة الشعبية“. أثار مجموعة من الأسئلة، في مقدمتها: إلى أي مدى يمكن أن يشكل نقطة تحول في مفهوم الشراكة السياسية ومستقبل العمل الوطني وإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية؟ وهل من ظروف محلية (فلسطينية) وإقليمية عربية يمكن أن تشكل دافعا للبناء على مخرجاته؟ وما هو إمكانية تأثير “إسرائيل” في منع تحقيق أي مما طرح في اللقاء؟

تقوم هذه الورقة، التي يقدمها مركز رؤية للتنمية السياسية في اسطنبول، على مشاركة آراء 14 شخصية أكاديمية وخبراء سياسيين[1]، في محاولة لفهم شكل التوجهات للقيادة السياسية الفلسطينية في أعقاب لقاء الإطار القيادي، وإمكانية البناء على مخرجاته وطبيعة العوامل المؤثرة على هذه المخرجات.

إمكانية التحول

خطوة انعقاد اللقاء، هل تشكل تحولا في مفهوم الشراكة السياسية؟ سؤال تبدو مواقف المراقبين منه غير موحدة، وهذا ربما نابع من مخاوف سابقة، وهو ما عزز وجهتي نظر تمثلتا في:

الأولى: إمكانية حدوث نقطة تحول فعلي في مفهوم الشراكة السياسية والوطنية، والبناء عليها، وهذا نابع من أن القضية الفلسطينية تمر الآن بمرحلة خطرة للغاية لم يسبق لها مثيل. أضف إلى ذلك أن خيارات التسوية السياسية التي كانت تمثل حلا وحيدا لدى قيادة فصائل منظمة التحرير، وبمقدمتهم حركة فتح، أثبتت عدم جدواها، بل على العكس أصبح الرهان عليها خاسرا.

ما يعزز هذا الرأي:

  • الخطوة جاءت بجهود فلسطينية وضرورة وطنية مُلحة، بعيدا عن وساطات، خلافا لأي لقاءات فلسطينية سابقة.
  • المضامين التي طرحها قادة الفصائل تصب في تحقيق الوحدة الوطنية.
  • وجود رغبة ونية حقيقية لدى حركتي فتح وحماس لتحقيق اختراق سياسي داخلي.
  • مرونة أبدتها أطراف المعادلة السياسية الفلسطينية الرئيسة، في تجاوز أي معيقات أو عقبات تقف في طريق التفاهمات المشتركة بينهما، وتمرير البيان الختامي حتى بوجود ما يختلف عن برامجها السياسية الخاصة.
  • اللقاء عقد استجابة لخطة صفقة القرن الأمريكية، ومخطط الضم الإسرائيلي في ظل حالة تطبيع عربي، وهو ما يعني خطر مركب على القضية الفلسطينية.
  • الاجتماع بمشاركة الأطراف الفلسطينية كافة، حتى غير المنضوية تحت مظلة منظمة التحرير يعكس الجدية.

الثاني: التأكيد على أهمية اللقاء، لكن في المقابل لا تزال مخرجاته تحتاج الكثير حتى يمكن البناء عليها، وهذا الرأي مبني على المعايير التالية:

  • الشراكة ممارسة على الأرض، وليس كلمات تلقى، وهذه المضامين تأتي تكراراً لما صدر عن الفصائل قبل 15 عاماً في القاهرة.
  • عندما يكون هناك إعادة بناء للنظام السياسي الفلسطيني بمحددات وضوابط تستجيب للتحديات الوجودية التي تواجه القضية.
  • الكلمات التي ألقيت تخلو من أي خطوات تنفيذية لتحقيق المخرجات على الأرض.
  • الاختلاف في أطروحات تبني شكل المقاومة، وإن كان هناك تقاطعات في بعض الأشكال.
  • التمسك بالمفاوضات كخيار من قبل الرئيس محمود عباس، رغم وجود كل هذه التحديات.
  • الحديث يدور عن لجان لمتابعة المخرجات، وحتى ينجح عملها بحاجة إلى موقف سياسي موحد، وأدوات لتحقيق ذلك كالانتخابات، وتجديد شرعية المؤسسات.
  • الحاجة لتوفر إرادة سياسية عند القيادة الفلسطينية، وليس مناورة سياسية، ولتخطي هذا التخوف، يتطلب مزيداً من المتابعة والبناء عليه، بما يضمن تشكيل أجسام تمثيلية مشتركة للشعب الفلسطيني.
  • ضعف أو هزالة البنية القيادية للفصائل الفلسطينية (باستثناء حركتي حماس وفتح) وبالتالي عدم القدرة على الضغط على تنفيذ أي مخرجات على الأرض.
  • ارتباط انعقاده بمؤثرات خارجية فقط، بالتالي فإنّ المستهدف من مخرجاته جهات خارجية وليست موجهة لجبهتنا الداخلية.
  • لم يقدم اللقاء مراجعة سياسية شاملة لنهج القضية الفلسطينية ومسارها، واكتفى بتجاهل الخلافات الجوهرية واختلاف البرامج السياسية.

تأثيرات العامل المحلي

من الصعب البناء على مخرجات اللقاء، إن لم يكن هناك قراءة لتأثيرات الظرف الداخلي الفلسطيني الذي يمكن أن ينظر له من زاويتين:

وهناك وجهة نظر تعتبر أن العوامل الداخلية محفزة لخطوات أكثر تقدما في الوحدة الفلسطينية، وهي نابعة من أن يشكل هذا اللقاء فرصة أكثر جدية في تقليص حالة الانقسام السياسي، ومعالجة ما تسببت به منذ 13 عاماً، ويتمثل ذلك من خلال الآتي:

  • في ظل تكشف الكثير من التغيرات الإقليمية والعربية والدولية، قد تتولد قناعة لدى الأطراف الفلسطينية بضرورة الوحدة وإنهاء الانقسام.
  • الحاجة الفلسطينية الحقيقية من الممكن أن تضغط على القوى الوطنية والإسلامية، بشكل أكبر لتحقيق وحدة التمثيل والقرار الوطني الفلسطيني.
  • عدم قدرة الأطراف على إقصاء بعضهم بعضا، قد يكون فرصة لإعلان مرحلة سياسية جديدة تقوم على التفاهم والتعاون.
  • التجربة السياسية للسلطة الفلسطينية قد تكون ولدت لديها الآن رغبة جامحة بتشكيل قرار موحد، لمواجهة الخطر الوجودي الذي يهدد القضية الفلسطينية برمتها، وتهميش القرار السياسي الفلسطيني.
  • وصول حماس في مكانتها السياسية ودورها في التأثير بالقرار السياسي الفلسطيني، يجعل من الصعب تنصلها من التزاماتها الوطنية لمواجهة المؤامرة الإسرائيلية الأمريكية، وهذا قد يكون دافعا لتحقيق الوحدة مقابل التنازلات في قضايا أخرى.
  • الأزمة الاقتصادية وجائحة كورونا، وضيق تفاصيل المعيشة اليومية التي يواجهها المواطن الفلسطيني يشكل دافعاً للقيادة الفلسطينية لأن تتعامل بجدية متناهية مع مخرجات لقاء الأمناء العامين.

في المقابل، يبدي مراقبون آخرون تخوفهم من أن هناك عوامل محلية لن تكون معززة لهذه الخطوة، ويذهبون في هذه القراءة من منطلقات:

  • تجارب اللقاءات المتعددة للفصائل سابقاً أحدثت فجوة ثقة ما بين مخرجات هذه اللقاءات وما يطبق منها فعلاً.
  • الحاجة إلى نضوج آليات التعايش والتكيف مع خصوصيات الواقع الفلسطيني الذي جاء بعد الانقسام.
  • النخب الفلسطينية لم تغير من أسلوبها وأدائها حتى اللحظة، وهو ما انعكس على ثقة الجماهير بتلك النخب وتحملها مسؤولية ما وصلت إليه الحالة الفلسطينية.
  • دوافع هذا اللقاء ضمن لقاءات موسمية، بالتالي قد يزول الأثر سريعاً فهي ما بين رفض استراتيجي ورفض تكتيكي مرحلي.

تأثيرات العامل الخارجي

العامل الثاني الذي قد يكون مؤثرا على مخرجات لقاء الإطار القيادي للفصائل الفلسطينية الظروف العربية والإقليمية والدولية، وينطلق المراقبون في مناقشة تأثيرات هذا العامل من المنطلقات التالية:

  • الظروف الإقليمية والعربية الرسمية ستضع المعيقات والعقبات، إلا أنّ المطلوب محاولة بناء حاضنة عربية شعبية، تحدد موقفها من العدو كونه يشكل تحدياً للأمة بأكملها وليس للفلسطينيين وحدهم.
  • انكفاء الدول العربية على أزماتها الداخلية، وضعف الأنظمة الحاكمة وغياب دول محورية عن المشهد العربي مثل: سوريا والعراق، لصالح دول وظيفية، دافع للفلسطينيين للاعتماد على قرارهم الداخلي وتشكيل جبهة وطنية تواجه التحديات.
  • ذهاب بعض الدول العربية باتجاه التطبيع، يجب أن يشكل قوة ضاغطة على الفصائل الفلسطينية، في اليقين أن العمق العربي تآكل ولا يعول عليه.
  • وحدة الهدف الفلسطيني باتجاه التصدي للمخططات الإسرائيلية والأمريكية، يمكن أن يقرب الأجندات السياسية، وبالتالي الحلفاء الإقليميين، في ظل حالة التناقض بين العديد من الدول.
  • الحالة العربية والإقليمية يجب أن تكون دافعا، ليس لتطبيق مخرجات لقاء الإطار القيادي، بل العمل على تطويرها وصولاً إلى برنامج وطني.
  • الواقع الإقليمي العربي الرسمي في طريقه – إن لم يكن – للاختراق، سيكون لتكريس التبعية أمريكيا إٍسرائيليا، وهذا ينعكس على تراجع لفعالية العمق العربي الرسمي في إسناد الموقف الفلسطيني، ما يعني أن العبء الأكبر يقع على الفلسطينيين في إدارة الصراع مع الاحتلال.
  • ثمة أحداث كبيرة، وتحولات عظيمة، تجري في الإقليم ويمكن توظيفها في بناء استراتيجية سياسية فلسطينية جديدة، مبنية على فتح آفاق التحالفات التي تتجاوز المألوف في التحالفات السابقة.

تأثيرات العامل الإسرائيلي

الاحتلال الإسرائيلي يُشكل الحاضر الغائب في السياسة الفلسطينية، ويسعى دائما لتهيئة الظروف التي تسهل تطبيق سياساته على الأرض الفلسطينية، وبالتالي لن يترك الخيار أمام الفلسطينيين في توحيد مقاومتهم لهذه السياسات.

ووفقا لذلك فإن إسرائيل، بحسب رؤية الخبراء، قد تذهب باتجاه بعض الخطوات للتأثير على مخرجات اللقاء والمتمثلة في:

  • العمل على عرقلة أي جهود للوحدة الفلسطينية، من خلال تشويه صورة الرئيس عباس واتهامه بالتعاون مع منظمة إرهابية.
  • تحجيم الدور السياسي الفلسطيني بالتعاون مع الولايات المتحدة من خلال الضغط على الأطراف الدولية والإقليمية لعدم التعامل مع القيادة الفلسطينية.
  • سيحاول الاحتلال– بغطاء ودعم وشراكة أمريكية – ممارسة الضغوط والسياسات كافة، لتخريب حالة التوافق الوطني من خلال ضغوط على الأطراف الفلسطينية.
  • لجوء إسرائيل لإفشال حالة التقارب، من خلال تغييب النخبة والقيادات، إما بالاعتقال أو الاستهداف.

ولتخفيف حدة تأثير العامل الإسرائيلي فإن المطلوب السرعة في إنجاز الوحدة وتحقيقها، لإفشال ممارسات الاحتلال، إضافة إلى ضرورة توفير غطاء إقليمي – عالمي داعم ومساند، سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي، وتحرك فلسطيني باتجاهات سياسية وقانونية.

كما أن استمرار الفلسطينيين في نفس الاستراتيجية، وهي بناء مؤسسات دولة قبل التحرير، وقبل نيل الحقوق الأساسية، يبقي إسرائيل مسيطرة، بحكم قدرتها على تعطيل أدوار السلطة الإدارية والأمنية والمالية متى شاءت ذلك.

شكل التوجهات

يتضح من رأي الخبراء المشاركين أن هناك تفاوتاً بالرؤى عند الحديث عن شكل التوجهات للقيادة السياسية الفلسطينية، والبناء على مخرجات هذا اللقاء، ويتضح ذلك من خلال:

* الموقف الفلسطيني موحدا لرفض التطبيع العربي الإسرائيلي وما قد يترتب عليه، وهذا حصل على إجماع بنسبة 100%، وهو موقف متأصل من الكل الفلسطيني لوجود الاحتلال وعدم منح الفلسطينيين أبسط حقوقهم.

* يتفق الجميع على أن اللقاء على مستوى الإطار القيادي جاء من خلال جهود فلسطينية ذاتية، ونابع من مصلحة وطنية ضرورية ملحة بعيدا عن وساطات لأطراف أخرى، وهذا بعكس أي لقاءات وطنية سابقة التي كانت تحت مظلة وساطات عربية.

* الشكوك حتى الآن، وبنسب متفاوته تصل إلى 60%، أن يكون هذا الاجتماع “مناورة” من قيادة السلطة الفلسطينية ضمن خطواتها بكسب الوقت لحين إجراءات الانتخابات الأمريكية القادمة نهاية العام الجاري، والتي قد تفرز خليفة لدونالد ترمب، فإذا ما فاز منافسه، يُمكن أن تتحرر القيادة الفلسطينية من الضغط الأمريكي الحالي، وهذا قد يضعف رغبتها بالاستمرار في النفس الوحدوي الموجود حاليا.

* يتفق الجميع وبنسبة 100% أن غياب الحديث عن أي انتخابات “تشريعية أو رئاسية أو مجلس وطني”، ضمن جدول زمني محدد يعكس مخاوف من عدم القدرة على إيجاد أرضية حقيقية لإصلاحات سياسية مستقبلية، وبالتالي يتوجب البناء على مخرجات اللقاء من خلال بحث تفاصيل، وفقا لجداول زمانية للتطبيق.

* هناك مخاوف عبر عنها المشاركون، وبنسبة تتفاوت ما بين 70-80 %، أن تسعى بعض الأطراف العربية والإقليمية لوضع المعيقات والعقبات أمام خطوة التقارب الفلسطيني الحالية، ما يتطلب رؤية فلسطينية جديدة للتعامل مع هذا النوع من الظروف في حال ظهورها.

* إجماع بنسبة 100% أن إسرائيل قد تكون العامل الأقوى في تثبيط هذه الخطوة الفلسطينية، أو منع استكمالها، أو إضعافها لأدنى مستوى تأثير على الأرض، وهذا نابع من عدم الرغبة الإسرائيلية من وجود حالة وحدة فلسطينية، وبالتالي قد تلجأ إسرائيل إلى استخدام بعض الإجراءات على الأرض من اعتقالات، أو ضغوط اقتصادية، أو عرقلة لإجراء انتخابات، إلا أن الأمر مرهون بمدى قدرة المواجهة الفلسطينية والتمسك بهذا الخيار.

* يجمع المراقبون على أن مخرجات لقاء الأمناء العامين، يشكل قاعدة للانطلاق في اتجاه تطوير منظمة التحرير، ولكنها ليست كل شيء، فهناك الحاجة إلى عملية مراجعة دقيقة للمسيرة النضالية الفلسطينية، كون القضية الآن أمام خطر وجودي تصفوي يتطلب عدم الوقوع بإخفاقات جديدة.

* المطلوب، كما يراه الخبراء بإجماع، أن يتم إدارة المعركة السياسية والقانونية مع الاحتلال الإسرائيلي من خلال منظمة التحرير التي اكتسبت شرعية دولية، لكن المطلوب قبل ظل تطوير المنظمة التحرير واحتضانها للكل الفلسطيني.

[1] – طرحت المحاور الرئيسية على جميع الشخصيات المشاركة وهم:

د. محمد عبد الفتاح شتيه، أستاذ القانون الدولي، جامعة الاستقلال، المدير السابق لمركز الاستقلال  للدراسات الاستراتيجية والمستقبلية.

د. سنية الحسيني، أستاذ العلاقات الدولية والعلوم السياسية/الجامعة العربية الأمريكية/ رام الله.

د. عماد مخيمر، باحث وأكاديمي/ غزة.

أ‌. جمال عبادي/ أستاذ العلوم السياسية/ مركز الأمن القومي/ رام الله.

د. عادل سمارة، كاتب ومحلل سياسي، رام الله.

أ. وسام عفيفه، كاتب وصحفي، المدير التنفيذي لشبكة الأقصى الإعلامية، غزة.

أ. منذر مشاقي، كاتب ومحلل سياسي، رام الله.

د. محمود الفطافطة، أستاذ العلوم السياسية والإعلام، مؤسس “باحثون بلا حدود”، رام الله.

أ. ثامر سباعنة، كاتب وناشط سياسي، جنين.

د. عماد أبو الرب، أستاذ العلوم السياسية، الجامعة العربية الأمريكية.

د. بلال الشوبكي، رئيس قسم العلوم السياسية، جامعة الخليل.

أ. أشرف بدر، كاتب ساسي وباحث دكتوراة في العلوم الاجتماعية، جامعة بيرزيت.

د. فريد أبو ضهير، أستاذ الإعلام، جامعة النجاح الوطنية.

د. مخيمر أبو سعدة/ قسم العلوم السياسية/ جامعة الأزهر/ غزة.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق