الاستيطان والجدارتقارير

فراسين: قرية فلسطينية في انتظار التهجير

تقرير ميداني

ماهر عابد 

فراسين قرية عربية فلسطينية، تقع على بعد 24 كم جنوب غرب محافظة جنين في شمال الضفة الغربية المحتلة، يزيد عمر هذه القرية عن 200 عام، أي أنها أقدم من دولة الاحتلال ب 130 عاما على الأقل، وتستقر فوق عدة تلال مليئة بالمغاور والأنقاض الأثرية القديمة، وهي من القرى التي تم احتلالها عام 1967 بعد حرب حزيران.

 تشرف القرية على الطريق الرئيسي الواصل بين مدينتي جنين وطولكرم، واسمها مستمد من القرية العربية القديمة كفار باريسي والتي كانت موجودة في عهد سيطرة الرومان على هذه البلاد، وتبلغ مساحة أراضيها 6672 دونماً، يمتلك المواطنون الفلسطينيون أوراقا ثبوتية تؤكد ملكيتهم ل  4326 دونماً، فيما تصنف  باقي أراضي القرية بأنها أراضٍ عامة ومراعي مشاع، ويحيط بالقرية أراضي قرى زبدة ويعبد في محافظة جنين، وأراضي قرى قفين والنزلة الشرقية والنزلة الوسطى ونزلة أبو نار في محافظة طولكرم، وترتفع عن سطح البحر حوالي (230) متراً، وقد قدر عدد سكانها عام 1922 ب(14) شخصا، فيما يبلغ عددهم اليوم قرابة 200 نسمة، يعتمدون في معيشتهم على الزراعة وتربية الأغنام، وتعتبر القرية موقعا أثريا يحتوي على أساسات وأعمدة وأرض مبلطة وكهوف ومغاور، وكانت جزءا من الخط التجاري المار بالمنطقة مرورا إلى الجنوب الفلسطيني ثم إلى مصر، وينحدر سكانها من قرية قفين في محافظة طولكرم، ومن قرية زبدة وبلدة عرابة في محافظة جنين ومن الخليل، ومبانيها جميعا من الصفيح أو الخيام والكهوف.

قبل عدة شهور، وبالتحديد بتاريخ 30\3\2020 قررت السلطة الفلسطينية استحداث مجلس قروي لإدارة شؤون القرية، حيث كانت تتبع بلدية بلدة قفين في محافظة طولكرم إداريا.

وبموجب اتفاقيات أوسلو، فقد صُنِّفَت أراضي فراسين كافة ضمن المنطقة ج، ما وضعها رسمياً تحت السيطرة الكاملة لجيش الاحتلال الإسرائيلي وإدارته المدنية العنصرية، التي تمنع بصورة قاطعة أي شكلٍ من أشكال البناء في القرية، ولذلك يضطر السكان إلى العيش في خيم وبيوت من الصفيح، أو في الكهوف والمغاور.

مصدر الصورة: وكالة سند للأنباء، 2020، إخطارات إسرائيلية بهدم قرية فراسين غرب جنين[1]

في بداية العام 2019 أقام أحد مستوطني مستوطنة حرميش المقامة على أراضي فراسين بؤرة استيطانية  على إحدى تلال القرية، وبعد عدة شهور باشرت جرافات الاحتلال بشق الطرق ووضع الكرافانات وتوصيل المياه والكهرباء لهذه البؤرة الاستيطانية الجديدة، كما جلبت مستوطنين آخرين لهذه البؤرة.

بعد إنشاء البؤرة الجديدة بدأت معاناة أهالي قرية فراسين تتضاعف، حيث باتت طائرة استطلاع صغيرة تحوم فوق رؤوسهم كلما بادر احدهم لبناء منزل من الصفيح، أو عمل على استصلاح أرضه الزراعية، وبعد تحليق طائرة الاستطلاع بوقت قصير، تصل الإدارة المدنية التابعة لجيش الاحتلال، مدعومة بقوات عسكرية وجرافات، لتقوم بأعمال الهدم، أو تحذير المواطنين، أو منع القيام بأي إنشاء جديد، أو استصلاح الأراضي.

في 29\7\2020 سلم الاحتلال الإسرائيلي 36 إخطارًا لسكان القرية، تقضي هذه الإخطارات بهدم كل منشآت ومنازل القرية البدائية الطابع، وبات أهالي القرية في انتظار نكبة جديدة ستحل بهم، بعد أن أعلن الاحتلال أنه سيزيل القرية عن الوجود خلال الأيام والشهور القادمة.

صورة لأحد الاخطارات التي سلمها الاحتلال للمواطنين

أهالي قرية فراسين، الذين يعيشون اليوم حالة من القلق والخوف من مداهمة جرافات الاحتلال لمنازلهم ومنشآتهم الزراعية وهدمها، أكدوا أنهم لن يتخلوا عن مسقط رؤوسهم، ولا عن أراضيهم ومساكنهم مهما كان الثمن، وأنهم سيواجهون جرافات الاحتلال بأجسادهم، وسيفضلون الموت على الرحيل والتهجير، وسيصمدون على أراضيهم.

وقد أوضح لنا عدد من المواطنين أن الاحتلال كثف من عمليات الاقتحام لمنازلهم؛ بهدف خلق حالة من الرعب والتوتر في صفوفهم، ويضيف المواطنون أن هذه الإجراءات والتضييقات الجديدة تضاف إلى سلسلة من الإجراءات القمعية السابقة كمنع البناء، ومنع تزويد القرية بمصادر المياه والكهرباء، ومنع إقامة البنى التحتية الأساسية من شوارع ومؤسسات صحية وتعليمية، إضافة إلى منع استصلاح الأراضي الزراعية عبر مصادرة المعدات والآليات، وملاحقة العاملين، واستهدافهم بالضرب والاعتقال.

لماذا يستهدف الاحتلال فراسين بالتهجير في هذا الوقت:

في العام 1982 أقام الاحتلال مستوطنة حرميش على أراضي قرية فراسين، ويبلغ عدد سكان المستوطنة اليوم 277 مستوطنا، وتحتوي 109 مبانٍ استيطانية، وتصل مساحة نفوذها الأمني إلى 5000 دونم، كما تم الاستحواذ على مساحات واسعة من أراضي النزلة الشرقية وقفين في شمال محافظة طولكرم، ومن قرية يعبد في غرب محافظة جنين، واعتبارها مناطق أمنية؛ وذلك لصالح توسيع هذه المستوطنة.

صورة جوية لقرية فراسين ومحيطها:

وتسيطر المستوطنة على الطريق الواصل بين جنين وطولكرم، وتهيمن من موقعها على كل المنطقة المحيطة بها، وتربط طريق استيطانية يبلغ طولها 10 كم تقريبا بين مستوطنتي ميفودوتان وحرميش، إلا أن مستوطنة حرميش ومستوطنة ميفودوتان التي تقع شرق حرميش، تبدوان معزولتين عن التجمع الاستيطاني المقام غرب محافظة جنين، ولذلك يسعى الاحتلال إلى تهجير سكان قرية فراسين، وتدمير هذه القرية تماما ليربط بين هاتين المستوطنتين وما بين التكتل الاستيطاني المتصل بمستوطنات فلسطين المحتلة عام 1948،  أي أن هذه الخطوة تأتي في سياق عملية الضم لمنع إخلاء أي مستوطنة معزولة، كما أنها ستؤدي إلى فصل محافظة طولكرم تماما عن محافظة جنين، وهي السياسة التي يعتمدها الاحتلال لخلق كانتونات فلسطينية معزولة في الضفة مقابل تعزيز التواصل الجغرافي والبشري للكتل الاستيطانية.

فراسين ليست القرية الفلسطينية الوحيدة في الضفة الغربية المهددة بالتهجير:

بشكل عام تعيش القرى الفلسطينية التي تقع ضمن ما يسمى بالمنطقة “ج”، وفق اتفاقية أوسلو، حالة من الخوف والتوتر الدائم، وذلك نظرا للسياسة العنصرية التي يتعامل بها جيش الاحتلال مع هذه القرى، فسياسة التخطيط التي تطبقها سلطات الاحتلال، تجعل من المستحيل فعليا حصول المواطن الفلسطيني على تراخيص بناء منازل او منشآت في المنطقة ج، مع العلم أن إقامة أبسط المباني السكنية والخيام والأسيجة تتطلب الحصول على تصاريح، وقد منع الاحتلال إقامة أي مبانٍ إطلاقا على 70%  من مساحة المنطقة ج؛ لأنه يصنفها كـ”أراضي دولة” و”أراضي مسح” و”مناطق إطلاق نار” و”محميّات طبيعية” و”حدائق وطنية”؛ ويضمّها إلى مساحات نفوذ المستوطنات والمجالس الإقليمية، ولا يسمح بالبناء على 29% من مساحة المنطقة إلا ضمن قيود تعجيزية لا يمكن تلبيتها، وفقط في 1% من مساحة المنطقة يمكن للفلسطينيين التقدم للحصول على تراخيص بناء، وهذه المناطق غالبا مبنية في الأصل.

مؤسسات الاحتلال تمنع توسيع مساحة المخططات الهيكيلة القديمة للقرى الفلسطينية، وهي مخططات مضى عليها عشرات السنوات، ولم تعد صالحة لاستيعاب مبانٍ جديدة، وهدف الاحتلال يتلخص في جعل الأزواج الشابة تغادر هذه المنطقة التي يمنع البناء فيها، إلى مناطق أ او ب التي تديرها السلطة الفلسطينية، وبالتالي إفراغها من أهلها، وجعلها فريسة سهلة للمشروع الاستيطاني، وتقوم جرافات الاحتلال ومجنزراته بعمليات هدم مستمرة بحق أي مبنى فلسطيني “تجرأ” أصحابه على البناء بدون ترخيص من الإدارة المدنية التابعة لجيش الاحتلال، وتمثل عمليات هدم البيوت والمنشآت، التي يقوم بها جيش الاحتلال، تطبيقا مباشرا لسياسة التطهير العرقي وللترانسفير التدريجي في مناطق ج.

ولا تقتصر إجراءات الاحتلال على عدم إعطاء التراخيص للبناء الفلسطيني في مناطق ج، ولا على هدم المنازل المبنية بحجة عدم الترخيص، بل إن التشريد والتهجير وأوامر الهدم تلاحق عشرات التجمعات الفلسطينية ذات الطابع البدوي الزراعي، والتي تنتشر في أرجاء المنطقة ج، فهؤلاء منعوا تماما من إقامة أي بناء خاص أو عام، ويعيشون في خيم أو “بركسات” تتعرض للهدم مرات عديدة، كما منعت سلطات الاحتلال وصول الخدمات الأساسية من كهرباء وماء لهم، إضافة إلى أن جيش الاحتلال يهدم بصورة دورية أي مرافق يُنشئها المواطنون بأنفسهم – كالألواح الشمسيّة لإنتاج الكهرباء وآبار المياه، والطرق غير المعبدة التي يتم شقها، كما تصادر الصهاريج، أو تقصّ الأنابيب التي تمدّ المواطنين بالمياه، وتركّز قوات الاحتلال مساعي التهجير لهذه التجمعات في عدة مناطق حيوية في الضفة الغربية بشكل أساسي، المنطقة الأولى في جنوب الخليل، وهي منطقة مسافر يطا، والثانية منطقة الخان الأحمر في القدس بالقرب من مستوطنة “معالي أدوميم”، وهي المنطقة التي يسكنها عرب الجهالين، والثالثة في منطقة الأغوار الشمالية، وأخيرا أضيفت قرية فراسين إلى لائحة القرى الفلسطينية المهددة بالتهجير العنيف عبر الهدم.

مستوطنة حرميش

مصدر الصورة: مركز رؤية للتنمية السياسية، 2019، الاستيطان والجدار الفاصل في محافظة جنين[2]

من المهم الإشارة هنا إلى أن القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة تعتبر إقامة المستوطنات الإسرائيلية في أراضي الضفة الغربية والقدس عملا غير قانوني ولا يتمتع بالشرعية، ويمثل مخالفة صارخة لأحكام اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949.

[1] https://snd.ps/post/32659/%D8%A5 %D8%B1%D8%A8-%D8 %8A%D9%86

[2]  https://vision-pd.org/archives/325902

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق