المشهد الفلسطيني

الحكومة العسكرية الإسرائيلية: كيف تحكم الفلسطينيين وتشكل حياتهم؟

لتحميل الملف اضغط هنا

الكاتب: عرفات الحاج 

يثير المخطط الإسرائيلي لضم أراض فلسطينية في الضفة الغربية، وما قابله من إعلان من السلطة الفلسطينية تعليق وتجميد الاتفاقيات الموقعة مع “إسرائيل”، مسألة الحكم العسكري الإسرائيلي للضفة الغربية، والدور الذي ما زال يلعبه منذ العام ١٩٦٧م.

فرغم نقل الصلاحيات في مناطق من الضفة الغربية للسلطة، وفق ما نصت عليه اتفاقية أوسلو عام 1993  وملحقاتها، إلا أن الحكم العسكري الإسرائيلي واصل لعب الحاكم الفعلي للأراضي الفلسطينية المحتلة، إذ احتفظت هذه الاتفاقيات للحكومة الإسرائيلية بحيز واسع من الصلاحيات ومجالات الاختصاص فيما يتعلق بالسكان تحت احتلالها، على نحو يفرغ وجود السلطة من أيّ مضامين سيادية، و تجاوزت قرارات وممارسات الحكم العسكري الإسرائيلي، حدود المناطق “ج” و”ب”، وطالت المناطق “أ” بعديد من القرارات التي تطال حياة السكان بمختلف جوانبها.

في إطار توجهات الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة يمكن تلمس وجهة عامة لاستعادة أدوار “حكومتها العسكرية” للضفة الغربية المحتلة وتوسيع تلك الأدوار، ضمن مساعيها لفرض سيادتها الكاملة على الضفة الغربية المحتلة، وتجاوز مسألة إمكانية إقامة دولة فلسطينية، في اتجاه برز بموازاته طرح إسرائيلي جديد يهدف لتطبيق القانون الإسرائيلي “المدني” على المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة[1]، فيما تُبحث صيغ أخرى “قانونية” لتطبيق قرار الضم الإسرائيلي على الضفة الغربية المحتلة.

تعمل هذه الورقة على توضيح حقائق أساسية تتعلق بالحكم العسكري الإسرائيلي في الضفة الغربية المحتلة، ودوره الأساسي في التحكم في حياة الفلسطينيين، وخلق البيئة القانونية الحاكمة لحياتهم، وتأثيره على دور السلطة الفلسطينية وحدود وأنماط عملها وقراراتها، وعلاقة هذه الحالة مع مخططات الضم الإسرائيلية للأراضي الفلسطينية.

القوانين العسكرية/ الحكم العسكري ودورها في إتمام النكبة الفلسطينية وتأسيس الكيان:

اختارت “إسرائيل” منذ تأسيسها الحكم العسكري خطًّا ثابتًا تضمنه الهيكل القانوني فيها، فيما كان الهامش هو القوانين “المدنية” وقد لجأت “إسرائيل” وبعد أيام من إعلان تأسيسها على أنقاض نكبة الشعب الفلسطيني، إلى إعلان حالة الطوارئ، مستندة في ذلك إلى ما يعرف بقانون الدفاع “الطوارئ” الذي سنته سلطات الانتداب البريطاني في فلسطين في العام 1945م[2].

في ظل حالة الطوارئ أُعلن عن القرى المهجرة مناطق عسكرية مغلقة، ومُنعت عودة اللاجئين المهجرين سواء لهذه القرى أو داخل الأرض الفلسطينية المحتلة آنذاك بشكل عام، بغرض استكمال الاستيلاء على هذه الأراضي، وتثبيت التهجير بشكل نهائي، فيما عرف بمنع المتسللين الذي خصصت له بنود في القوانين العسكرية التي فرضها آنذاك، والتي سمحت بسجن من يحاول العودة لأرضه أو إطلاق النار عليه من قوات جيش الاحتلال.

واستكمالاً لذات السياق أقامت “إسرائيل” نظام الحكم العسكري، الذي أخضع له ما تبقى من الفلسطينيين في الأراضي المحتلة آنذاك، حيث يمكن النظر لتعيين “يهوشوع سولتس” حاكمًا عسكريًّا على الناصرة باعتباره بداية للحكم العسكري الإسرائيلي للسكان الفلسطينيين. وسرعان ما امتد الحكم العسكري ليشمل كامل التجمعات الفلسطينية في الداخل المحتل، من خلال حاكم عسكري يتبع بشكل مباشر لهيئة الأركان ووزارة “الدفاع” الإسرائيلية، وتأسس جهاز الحكم العسكري من ضباط وجنود نظاميين بجانب آخرين من الخاضعين للتجنيد الإلزامي في جيش الاحتلال.

تشير المصادر أنه من  أصل 162 مادة لأنظمة الطوارئ تم استخدام مكثف لخمس منها : المواد 110 و111 و124 لتقييد حريّة التنقل أو منعها، والمادتين 109 و125 للإعلان عن مناطق مغلقة أمام السكان الفلسطينيين[3]، في ظل الحكم العسكري الذي استمر رسميًّا حتى العام 1966 وفعليًّا حتى العام 1968. قسمت مناطق الحكم إلى ثلاث مناطق (الشمال، المركز، الجنوب)، وعُيّن حاكم عسكري لكل منطقة، أدارها وفقًا لقانون الطوارئ الذي أضيفت له قوانين إسرائيلية جديدة، وسمح له ذلك بإصدار أوامر عسكرية بتفجير المنازل ونفي سكان، ومصادرة أملاك الغائب، وإغلاق صحف وتقييد الحركة، ومنع التجول، وحرمان السكان من الخروج من قراهم إلا بموجب تصاريح خاصة[4]. إن هذه الحالة بجانب كونها آلية للتهجير والاستيلاء على الأراضي، كانت كذلك غطاء وإطارًا “قانونيًّا” لارتكاب جرائم الحرب والتنكيل بالسكان الفلسطينيين، وقاعدة لتأسيس نظام التمييز العنصري ضد الفلسطينيين الذين مُنحوا الجنسية الإسرائيلية من المنظومة الاحتلالية.

إطلالة على تعريف قرارات الحاكم العسكري بعد حزيران 1967

اعتبرت “إسرائيل” البيان رقم 2 الصادر عن حكومتها في السابع من حزيران 1967م، قاعدة لحكم الضفة الغربية وقطاع غزة ومرتفعات الجولان وصحراء سيناء المصرية وأجزاء من الأراضي الأردنية، التي سيطرت عليها بعد هزيمتها للجيوش العربية، ووضعت هذه المناطق تحت الحكم العسكري، الذي نُقلت فعليًّا بنيته القديمة التي مارست ذات الدور في الأراضي المحتلة عام 1948 إلى الأراضي الجديدة التي احتلتها “إسرائيل”، واعتبر بيان الحكومة الإسرائيلية أن قائد قواتها في الضفة الغربية، يحوز جميع الصلاحيات الحكومية، بما فيها التشريعية والتوظيفية والتنفيذية والإدارية[5].

و جاء القانون الصادر عن الحكومة الإسرائيلية في أكتوبر 1968 بأن الحاكم العسكري المعين من القائد العسكري للمنطقة يُعتبر السلطة الرسمية الشاملة في المنطقة،  فهو المشرع ومسؤول الإدارة المدنية، ويقوم بتعيين المسؤولين المحليين وكذلك القضاة، وتبعًا لذلك القانون أصبح مسؤولاً في صلاحياته العسكرية أمام القائد العسكري للمنطقة ويتبع في ذلك رئاسة الأركان، وفيما يتعلق بالإدارة المدنية يصبح مسؤولاً أمام منسق شؤون المناطق المعين من وزير الدفاع[6].

في شهر تشرين الثاني من العام 1981 أصدرت سلطات الاحتلال الأمر العسكري رقم 947، الذي تشكلت بموجبه الإدارة المدنية كذراع للحكم العسكري، تنقل له مجموعة من الصلاحيات المتعلقة بالشؤون “غير العسكرية” للسكان الفلسطينيين، ليصبح القائد العسكري الإسرائيلي للمنطقة مسؤولاً عن كل من الحكم العسكري والإدارة المدنية، وبموجب الفقرة الثالثة من الأمر العسكري المذكور، فإن “القوانين” الصادرة بعد 6 حزيران/يونيو 1967، يجب اعتمادها على أنها جزء من القانون الأساسي وليست مجرد تشريعات أمنية[7]، ما يعني فعليًّا تجاوز الاحتلال لكل ما يقره القانون الدولي بشأن المناطق المحتلة وطبيعة الإجراءات والأوامر العسكرية المتخذة فيها، وصار التعامل مع هذه المناطق كأنّها جزء من نطاق صلاحية القانون الإسرائيلي العادي. وهو ما شكل واحدة من أخطر أشكال التهيئة لخطوات الضم ومفهوم فرض السيادة الإسرائيلية على هذه الأراضي الفلسطينية.

وعلى العكس من الوضع في الأراضي المحتلة في العام 1948، لم يُمنح السكان الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة “المواطنة الإسرائيلية”، وفي الوقت نفسه لم تعترف “إسرائيل” بأراضيهم أرضًا واقعة تحت الاحتلال، وواصلت اعتبارها أراضي متنازعًا عليها، ورغم تذرع “إسرائيل” بالمادة 43 من لوائح اتفاقيات لاهاي التي تسمح للقوات العسكرية للاحتلال بإنفاذ قوانين جديدة للحفاظ على النظام العام، إلا أنها لم تراع إطلاقًا الحفاظ على الحقوق التي تضمنتها اتفاقيات جنيف عمومًا واتفاقية جنيف الرابعة، خصوصًا المتعلقة بوضع المدنيين الواقعين تحت الاحتلال[8].

أدوار الحكم العسكري الإسرائيلي بعد اتفاقية أوسلو

نص اتفاق إعلان المبادئ بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية عام 1993 على حلّ الإدارة المدنية، وانسحاب الحكومة العسكرية الإسرائيلية، بمجرد إنجاز تنصيب مجلس تشريعي فلسطيني منتخب، وذلك بموجب الفقرة الخامسة من البند السابع في الاتفاق. وإن كانت قد تركت ثغرة من خلال الفقرة الثانية في ذات البند، فقد أحالت للاتفاق التفصيلي الخاص بالوضع الانتقالي تحديد الصلاحيات التي ستنتقل للمجلس التشريعي والسلطة الفلسطينية من الحكومة العسكرية والإدارة المدنية الإسرائيلية. وأكدت الفقرة الأولى والثانية من البند الرابع على وحدة أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة، وولاية المجلس التشريعي على هذه الأراضي باستثناء ما يتعلق بقضايا الوضع النهائي[9].

ومع ذلك فقد احتفظت “إسرائيل” بحكومتها العسكرية وبالإدارة المدنية وصلاحياتها. تحت إشراف ما يسمى “منسق أعمال الحكومة في المناطق”، وأعطيت لهذا الجسم مهمات سيادية ومسؤوليات عن الأرض والسكان، واعتبر بموجب ذات التعريف قناة التنسيق مع السلطة الفلسطينية، ما عنى فعليًّا أن هذا التنسيق لم يكن بين السلطة الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية، أو موضعًا للتفاوض بين الطرفين، بل مع أدوات الحكومة العسكرية الإسرائيلية التي لم تفترض “إسرائيل” انتهاء أعمالها.

وبعد إنشاء السلطة الفلسطينية استمر العمل بموجب القوانين الإسرائيلية السابقة، ما لم تتعارض مع القوانين الجديدة التي يسنها المجلس التشريعي المنتخب[10] ، وهو ما مثل أرضية لاستدخال مجموع الأوامر العسكرية الإسرائيلية السابقة، ووضعها جزءًا من الأطر القانونية الناظمة لعمل السلطة الفلسطينية وممارستها لسلطاتها على السكان الفلسطينيين. اتفاقية أوسلو بملاحقها المختلفة، ربطت السلطة الفلسطينية وحياة الفلسطينيين بتوجهات الحكومة العسكرية الإسرائيلية والإدارة المدنية التابعة لها وقراراتها، فقد حددت هيئة الشؤون المدنية إطارًا تنسيقيًّا بين أجهزة السلطة الفلسطينية وبنى الحكم المحلي والحكومة العسكرية الإسرائيلية[11].

التقليص الجزئي و الشكلي لدور الحكومة العسكرية الإسرائيلية وإدارتها المدنية، اتخذ منحى عكسيًّا بمجرد اندلاع انتفاضة الأقصى، فقد توجهت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، لاستعادة أدوار الإدارة المدنية والحكومة العسكرية على حساب الصلاحيات الجزئية الممنوحة للسلطة الوطنية الفلسطينية.

تشكل الأوامر العسكرية 1649 و1650 الصادرة عن الحاكم العسكري الإسرائيلي في أبريل 2009، أمثلة على اتجاه الحكومة الإسرائيلية لاستخدام الأوامر العسكرية، لا أداة للهيمنة وفرض الأجندة الإسرائيلية في مناطق السلطة فحسب، بل إطارًا يذهب للمساس بعلاقة السكان الفلسطينيين بأرضهم ووجودهم فيها، فقد وسع القراران تعريف “المتسللين” على نحو قد يعتبر معه كل فلسطيني في الضفة الغربية متسللاً، ومنحت هذه القرارات صلاحية لفروع الحكومة العسكرية الإسرائيلية في إبعادهم ونفيهم[12]، وإذا طالت هذه الأوامر السكان، فقد طالت أوامر عسكرية عدة صدرت في ظل وجود السلطة الفلسطينية الأرض والمياه[13]، فشكلت الأوامر العسكرية الأداة الرئيسة لمصادرة الأراضي الفلسطينية لمصلحة جيش الاحتلال ومستوطنيه.

هذه الهيمنة المستمرة للحكومة العسكرية الإسرائيلية على حساب الصلاحيات الجزئية للسلطة الفلسطينية، دفعت رئيس دائرة شؤون المفاوضات في منظمة التحرير صائب عريقات للتصريح قائلا “سأقول أمورًا قد تغضب الرئيس محمود عباس.. أنا أعتقد أن الرئيس الحقيقي للشعب الفلسطيني هو وزير الجيش أفيغدور ليبرمان، أما رئيس الوزراء الفلسطيني فهو المنسق بولي مردخاي”[14]، وهو أيضًا ما ذهبت إليه مواقع وتقارير إسرائيلية معرجة على الصلاحيات الواسعة للإدارة المدنية[15] والحكومة العسكرية الإسرائيلية، والتي تطال مختلف جوانب حياة الفلسطينيين وتتحكم بها.

المصدر: موقع منسق أعمال الاحتلال

الحكومة العسكرية وسياساتها لإنفاذ الضم النهائي للضفة الغربية

في أغسطس من العام 2017 ناقش الجيش الإسرائيلي والجهات المسؤولة عن الحكم العسكري المفروض على الفلسطينيين، توسعة الإدارة المدنية التي تمثل ذراعًا رئيسًا للحكم العسكري الإسرائيلي في الضفة الغربية، وذلك بموجب خطة أعدها الجنرالان “أحيفات بن حور” رئيس الإدارة المدنية في الضفة الغربية، و “يوآف مردخاي منسق أعمال الحكومة الإسرائيلية في المناطق آنذاك، وهدفت الخطة لرفع عدد موظفي الإدارة المدنية إلى 450 موظفًا بما يماثل عدد موظفي الإدارة قبل نشوء السلطة الفلسطينية[16].

الحكومة الفلسطينية اعتبرت في اجتماع مجلس وزرائها 15 أغسطس 2017، أن توجه حكومة الاحتلال لتوسعة نشاط وصلاحيات الإدارة المدنية هو تقويض لعمل السلطة الوطنية وترسيخ للاحتلال، وقفز عن كل الاتفاقيات الموقعة بين الطرفين، معتبرة أن توجه الاحتلال للتواصل المباشر مع المواطنين الفلسطينيين ورجال الأعمال هو إلغاء إسرائيلي واضح لاتفاقيات أوسلو، وتخلٍّ وتراجع من طرف واحد عن الاتفاقيات الموقعة[17].

التوجه الإسرائيلي لتوسعة الإدارة المدنية لم يكن بمعزل عن جملة السياسات المنتهجة من الاحتلال، والتي حملت توجهًا متزايدًا لقضم صلاحيات السلطة الفلسطينية المحدودة لحساب الإدارة المدنية وأجهزة الحكم العسكري الإسرائيلي، والتي شملت تدشينًا لموقع وتطبيقات إلكترونية باللغة العربية تهدف لربط المواطنين الفلسطينيين بشكل مباشر بالإدارة المدنية وممارسة سلطاتها عليهم. فقد أطلقت الإدارة المدنية في آذار/ مارس 2018 مشروعًا جديدًا أسمته “من الباب إلى الباب” (door to door). يهدف لنقل البضائع بشكل مباشر بين المصانع الفلسطينية ومنافذ الشحن الإسرائيلية، في اتجاه يرمي لاستقطاب رجال الأعمال الفلسطينيين للتعاون المباشر مع الإدارة المدنية. هذه الإجراءات كانت موضع اعتراضات متكررة من السلطة الفلسطينية ووزارة الشؤون المدنية التابعة لها، والمسؤولة عن التنسيق بين سلطات الاحتلال والجهات الفلسطينية.  وحذرت الشؤون المدنية في 3 كانون الثاني/ يناير 2019 من  “مغبة” التعامل المباشر مع ما تسمى الإدارة المدنية ومواقع التواصل الاجتماعي التي تديرها، خشية على الجمهور الفلسطيني ومؤسساته من الآثار المترتبة. وحفاظًا على حقوقهم واحتياجاتهم، كما اعتبرت في مواقف صادرة عنها، أن إسرائيل، “تريد إضعاف هيئة الشؤون المدنية، وليس هذا فحسب، بل تريد إضعاف السلطة الفلسطينية ككل، وتدريجيًا هي تتحلل من الاتفاقيات قبل وبعد اتفاق أوسلو”[18].

شكلت توجهات إدارة رئيس الولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترامب تجاه القضية الفلسطينية زخمًا إضافيًّا لسياسات الحكومة الإسرائيلية المعنية بضم الضفة الغربية المحتلة، ومنذ إعلان الإدارة الأمريكية عن تفاصيل خطتها “للسلام”. عبرت الحكومة الإسرائيلية عن نيتها إعلان ضم أجزاء من الضفة الغربية المحتلة وهذا سيدفع بمسارات قانونية إسرائيلية جديدة على المناطق التي سيتم ضمها والسكان الفلسطينيين القاطنين فيها، بعد أن بدأت الإدارة المدنية استعداداتها لإحصاء عددهم في المناطق المرشحة للضم[19]، ما يعني تعميقًا للسيطرة الاحتلالية ومنح أدوار جديدة للحكم العسكري في الضفة الغربية المحتلة، بما يعزز التكهنات حول تحولها لحكومة كاملة الصلاحيات في التصرف بمصير الفلسطينيين وتفاصيل حياتهم.

قبيل نهاية شهر ابريل ٢٠٢٠، أرسل المدعي العسكري الاسرائيلي السابق، المحامي “موريس هيرش”، رسالة للبنوك الفلسطينية، يحذرها بأن الرواتب الشهرية التي تدفعها السلطة الفلسطينية للأسرى الفلسطينيين هي مدفوعات محظورة، بموجب قرار عسكري اسرائيلي جديد سيدخل حيز التنفيذ في ٩ أيار ٢٠٢٠، وسيسمح القرار بالاستيلاء على هذه الأموال، وأن البنوك الفلسطينية، وإبقائها على حسابات الأسرى مفتوحة لديها، إنما تعرض نفسها، إدارةً وموظفين، للمساءلة والمحاكمة في محاكم الاحتلال العسكرية، استنادًا إلى القرار[20].

القرار المذكور، ما هو إلا أمر عسكري إسرائيلي، صدر عن قائد جيش الاحتلال الإسرائيلي بالضفة الغربية، “نداف فدان”، بتاريخ 20/2/2020، يتضمن تعليمات أمنية، ويتناول ما يعتبره “جرائم إرهابية” وقانون عقوبات خاص به[21].

ورغم أن لا سلطة رسمية للمحامي “موريس هيرش”، فإن تلويحه بسلطة القرار العسكري المذكور، أدى لخضوع عدد من البنوك الفلسطينية وشروعها في إغلاق حسابات الأسرى، ومن ثم إعلان جمعية البنوك الفلسطينية نيتها بتنفيذ التعليمات الاسرائيلية الواردة اليها حول رواتب الأسرى، وذلك عبر كتاب من الجمعية إلى سلطة النقد الفلسطينية، في تأثير واضح لسلطة الحكومة العسكرية الإسرائيلية في الضفة المحتلة على البنى والركائز الاقتصادية والمالية في منظومة السلطة الفلسطينية والقطاع الخاص المرتبط بها، فموقف السلطة الفلسطينية وحكومتها في هذه القضية لم يكن ذو سلطة على القطاع المالي حين حضرت السلطة الحقيقية المتمثلة في قرارات الحاكم العسكري، متوجهة مباشرة للبنوك دون حتى المرور بالسلطة الفلسطينية، وحتى تجميد البنوك لتنفيذ القرار الاحتلالي، عبّر عنه رئيس الوزراء الفلسطيني محمد اشتية باعتباره “اتفاق مع البنوك وليس قرار موجها لها من سلطة النقد أو وزارة المالية الفلسطينية[22].

خلاصة:

منذ استكمال “إسرائيل” احتلالها للأرض الفلسطينية ١٩٦٧م، عملت على نزع صفة الأرض المحتلة عنها، مُشكلة حكومة عسكرية تحكمت بحياة الفلسطينيين وأوضاعهم في ظل الاحتلال، وشكلت أداة لقضم الحقوق الفلسطينية وانتزاع الأراضي والتنكيل بالسكان، ورغم نشأة السلطة الفلسطينية فقد استمرت أوامر الحاكم العسكري الإسرائيلي كمتصرف أول بحياة الفلسطينيين وأوضاعهم، وسلطة عليا في الضفة الغربية المحتلة، بل ولعبت دورًا في تشكيل صلاحيات السلطة الفعلية.

يشكل الحكم العسكري الإسرائيلي اليوم الذراع الإسرائيلي لإنفاذ خطط ضم الأراضي الفلسطينية، وتقويض أي إمكانية لتحقيق استقلال الفلسطينيين وسيادتهم على مصيرهم وأرضهم. ورغم شكاوى السلطة الفلسطينية المتكررة من تغول الحكم العسكري الإسرائيلي على صلاحيتها، فإنها لم تباشر سياسات واضحة للفكاك من هذا الحكم أو قطع العلاقة معه، وحرمانه من تحديد الأدوار المسموحة لها وتقييد سياساتها وربطها به.

[1]تقرير: تطبيق القانون الإسرائيلي في المستوطنات على طاولة مفاوضات تشكيل الحكومة الإسرائيلية، موقع دنيا الوطن، 25 أيار/مايو 2019، alwatanvoice.com

[2]  نظام الدفاع (الطوارئ) لسنة 1945، موقع قانون بلا حدود، nolegalfrontiers.org

[3]الفلسطينيون تحت الحكم العسكري في إسرائيل، موقع رحلات فلسطينية،  paljourneys.org

[4]  الفلسطينيون تحت الحكم العسكري في إسرائيل، موقع الرحلات الفلسطينية،paljourneys.org

[5] باحث للدراسات (2010)  احتلال، استعمار، فصل عنصري: إعادة تقويم لممارسات إسرائيل في الأراضي الفلسطينية في ظل القانون الدولي، بيروت: باحث للدراسات

[6]  اشتية، م (2011)، موسوعة المصطلحات والمفاهيم الفلسطينية، عمان ، دار الجليل للنشر ، books.google.es

[7] أجهزة الحكومة والتشكيلات الإدارية، موقع قانون،  qanon.ps

[8]اتفاقية جنيف الرابعة، 1949، موقع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، icrc.or

[9] اتفاقية أوسلو (إعلان المبادئ – حول ترتيبات الحكومة الذاتية الفلسطينية)،موقع منظمة التحرير دائرة شؤون المفاوضات،13 أيلول/ سبتمبر1993 nad.ps

[10]قرار رقم 1 لسنة 1994، موقع المقتفي مرفقmuqtafi.birzeit.edu،PDF

[11]  (من نحن) ، موقع  الهيئة العامة للشؤون المدنية الفلسطينية، gaca.gov.ps

[12] موقع مؤسسة الحق، تحليل قانوني للأوامر العسكرية الإسرائيلية 1649 و1650: الترحيل والنقل القسري كجرائم  دولية،26 نيسان/إبريل2010  alhaq.org

[13] الأوامر العسكرية التي أصدرتها سلطات الاحتلال منذ عام 1967، بشأن المياه، موقع وفا، info.wafa.ps

[14] https://www.wattan.net/ar/news/240994.html

[15]     تل أبيب تسعى لتفعيل “الإدارة المدنية”… وتقليص صلاحيات السلطة الفلسطينية، اندبندنت عربية ، 25 نيسان/ابريل2019  independentarabia.com

[16] خطة إسرائيلية لتوسيع الإدارة المدنية بالضفة، موقع قناة الجزيرة،12 آب/اغسطس2018، aljazeera.net

[17]مجلس الوزراء الفلسطيني: إسرائيل مستمرة في تقويض عمل السلطة وندرس كافة الخيارات، موقع صحيفة الوطن، 15تموز/ يوليو 2017،  watan.ps

[18] إسرائيل تربط الفلسطينيين بالإدارة المدنية مباشرة.. هل انتهى دور هيئة الشؤون المدنية؟، موقع دنيا الوطن، 18 حزيران/يونيو 2019،

alwatanvoice.com

[19]  الإدارة المدنية تستعد لإحصاء الفلسطينيين في مناطق الضم، موقع صحيفة الحدث،11 حزيران/يونيو2020 alhadath.ps

[20] تشريع إسرائيلي خطير في مايو القادم يهدد بوقف عمل البنوك الفلسطينية، موقع سما نيوز،21 نيسان/ابريل 2020،  samanews.ps

[21] قرارات البنوك بحق الأسرى الفلسطينيين: جذورها ومساراتها، موقع مركز رؤية للتنمية السياسية،31 أيار/ مايو 2020، vision-pd.org

[22]لجنة لدراسة الأزمة.. السلطة تدعو البنوك الفلسطينية لتجميد إجراءاتها بشأن حسابات الأسرى، موقع الجزيرة، 9 أيار/مايو 2020، aljazeera.net

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق