تقاريرملفات وقضايا

المواجهة التركية – الروسية : دروس وعبر لإسرائيل

لإسرائيل مصالح متعارضة في المواجهة التركية-الروسية، تدلل على الهدف الأهم في هذا الوقت لكل من الولايات المتحدة وأوروبا:  وهو بلورة إستراتيجية تؤدي لإضعاف وإبعاد القوتين السلبيتين، العاملتين في سوريا: نظام الأسد والدولة الإسلامية، والمطلوب عمل مشترك لإيجاد حل للأزمة السورية، بإشراك الجهود العسكرية والدبلوماسية والسياسية.
 
في هذه المسألة، على إسرائيل أن تفهم أنه لا يمكن توحيد سوريا من جديد، وأن هناك حاجة لاستقرارها من خلال رسم الحدود من جديد، ربما في إطار اتحادي في كل حل من الممكن حدوثه. العبرة من المواجهة التركية-الروسية تجاه كل المشتركين في سوريا؛ هي أنه في النسيج المعقد المتكون في الشرق الأوسط لا يجب أن تكون العداوات بين الطرفين لتلميع طرف ثالث. الواقع يقول، الرغبة في إضعاف الدولة الإسلامية لا يجب أن تؤهل نظام الأسد بدعم إيراني، من جانب آخر رفض التدخل الروسي الإيراني في سوريا لا يجب أن يؤهل الدولة الإسلامية أو جبهة النصرة كبديل للأسد. التحدي هو إيجاد إستراتيجية شاملة وصحيحة مدعومة بشكل كبير من الموارد والقوات على الأرض لمحاربة الأسد وأيضًا لمحاربة القوات السلفية- الجهادية في سوريا ، وتشكيل وقائع في المنطقة قابلة للقيام والاستمرار.
 
إسرائيل ليست جزء من الاهتزازات في الشرق الأوسط، وتقريبًا غير مشتركة فيها بشكل فاعل. سواء باختيار ذلك أو بسبب الواقع على الأرض، الدولة الإسرائيلية فضلت حتى الآن الجلوس على الجدار ورؤية ما يجري، من دون العلاقة مع السؤال الجوهري في مسألة فهم أن هذه السياسة وكثرة الأحداث تلزم إسرائيل على الأقل أن تفهم وبشكل معمق الفرص والمخاطر التي تحدق بها، كنتيجة لما يحدث في المحيط.
 
وهنا في المنطقة المتوترة والمعقدة التي تهيء نفسها بهيئة جديدة في أوقات متقاربة، مع تغير كبير  في الموازنات بين مختلف اللاعبين؛ فصل جديد حدث في الأسبوع الماضي مع التصادم العسكري الأول بين تركيا وروسيا. إسقاط الطائرة الروسية من قبل الأتراك أبرز وحدد تناقضات حقيقية على المستوى الثنائي وعلى المستوى الدولي.
 
تناقضات حقيقية
 
أولاً، وقبل كل شيء، يدور الحديث عن مواجهة بين دولتين، العلاقات بينهما قائمة على عداء تاريخي ولا تتعلق فقط بما يحدث حاليًا، الروس والأتراك كانت لهم في الماضي تصادمات حربية بشكل كامل، على خلفية الصراع من أجل السيطرة والتأثير في المنطقة، خاصة في البلقان والبحر الأسود، إضافة إلى أن أنقرة ترى في موسكو تهديدًا دائمًا لمصالحها الإستراتيجية. سياسية كلا القائدين في الدولتين رجب طيب أردغان وفلاديمير بوتين تعبر عن قيادة تنافسية وطموحة، والتي تظهر رغبة الرجلين في تحويل بلادهما إلى قوى عظمى كما كانت في الماضي، وليست صدفة تسميتهم بالسلطان والقيصر، كدلالة على التشبيه الذي يرغبان في الحصول عليه.
 
ثانيًا، في العلاقات بين تركيا وروسيا تداخلت الموازنات الإستراتيجية والمصالح السياسية، والتي ترتبط بالوقائع المتشكلة في الشرق الأوسط وفي أوروبا. الدولتان لا تنظران للأمور وللحل  في سوريا بنفس النظرة. تركيا ترى أن الهدف الأهم هو التخلص من الأسد، في حين ترى روسيا أن بقاء الأسد ضروري من أجل استقرار الدولة المنهارة ومن أجل الحفاظ على مصالحها الإستراتيجية في الشرق الأوسط.
 
الدولتان ترفضان بشكل رسمي الدولة الإسلامية وتريدان إضعافها، لكنهما عمليًا تستخدمانها من أجل أخذ شرعية التدخل في سوريا تجاه الأهم بالنسبة لهما، تركيا ضد الأكراد في سوريا وروسيا ضد المعارضة السورية التي ليست الدولة الإسلامية (جزء كبير منها مدعوم من تركيا ).
 
الأزمة في أوكرانيا وتكاتف الغرب ضد بوتين، وعضوية تركيا في الناتو، والمصالح المتعارضة لروسيا وتركيا في سوريا ورفض تركيا الشديد للتدخل العسكري الروسي في سوريا؛ ودون أدنى شك أسباب وضعت الدولتين في إطار تصادم. المواجهة بين تركيا وروسيا تزيد عدم الاستقرار في المنطقة، لأنها تقلل من فرص إنهاء الأزمة السورية من جانب ومواجهة الدولة الإسلامية من جانب آخر.
 
لذلك، هناك العديد من السيناريوهات المحتملة المستقبلية في المواجهة الروسية- التركية ، تبدأ من العودة إلى العلاقات الطبيعية بين الدولتين، خلال مواجهة دبلوماسية اقتصادية (بما يشبه الأزمة التركية- الإسرائيلية) بينهن، أو تصعيد عسكري أو إسقاط طائرة تركية، أو حرب عسكرية موسعة أكثر. من الصعب الحكم ما هو السيناريو الأرجح، لكن هناك تفهم في تركيا، إن إسقاط الطائرة الروسية كانت خطوة بعيدة المدى وأردغان أبدى جاهزية لاعتذار معين (متحفظ) ومن الممكن من الآن فصاعدًا أن يكون الجانبان أكثر حذرًا. مع ذلك، تقريبًا الآن وبالبعد عن أي من السيناريوهات ، إسرائيل تستطيع أن تستخلص العديد من العبر .
 
العبرة التكتيكية
 
إسقاط الطائرة يدلُّ أولاً وقبل كل شيء، على أن الحديث يدور عن مساحة خطأ كبيرة، بنفس المدى، الأتراك كانوا يستطيعون ضبط النفس وعدم إسقاط الطائرة الروسية، وحسب الصور التي نشرت يتضح أن الطائرة الروسية دخلت للأراضي التركية، لكنه كان دخولاً بسيطًا (من 10- 15 ثانية طيران)، وكان واضحًا أنها لا تحمل أي نوايا سيئة تجاه تركيا، الطائرة لم يتم إسقاطها بالخطأ، لكن لم يتضح من يمسك بالصلاحيات النهائية لإطلاق النار. في إسرائيل هذه الصلاحيات موجودة لدى مستوى أمني سياسي رفيع المستوى.
 
تسلسل الأحداث من لحظة قرار إسقاط الطائرة يعطي مؤشرًا بضرورة تأمين سيطرة كبرى في اتخاذ القرارات في المواجهات التي قد تقع فيها إسرائيل في المستقبل. نعم؛ في إسرائيل أجهزة رقابة التصعيد ناجعة، ولا يؤدي كل حدث إلى حرب شاملة، لكن عليها أن تبدأ في تفكير إستراتيجي في كيفية منع التصعيد وإنهاء المعارك حتى بعد الأعمال التي تبادر بها إسرائيل وترى أنها ضرورية.

على مستوى التنسيق مع روسيا، بعد تدخلها العسكري في سوريا، يجب الحفاظ على التفاهمات القائمة منذ تشرين أول 2010 بين إسرائيل وروسيا وفحص إن كان هناك حاجة من أجل تحسينها حاليًا، كعبرة من الحادثة على الحدود التركية.

أكثر من ذلك، نشر منظومة S400 المتطورة يغير من قواعد اللعبة الجوية أيضًا تجاه إسرائيل، ويجب العمل على بلورة نظام صارم من أجل منع أي تصادم إسرائيلي روسي. أيضًا تجاه تركيا، التي حاليًا لا يوجد لإسرائيل معها نقاط احتكاك ذات مغزى، يجب استخلاص العبر الصحيحة. تركيا أثبتت أن يدها خفيفة على السلاح وأنها تقف وراء تهديداتها: قبل عامين حذرت تركيا أنها ستسقط كل طائرة تمس السيادة التركية. بالنظر إلى الأمام وعلى خلفية صدامات أخرى (مثل الأسطول إلى غزة سنة 2010)، من المهم لإسرائيل أن تتذكر هذه الحادثة باحتمالية مواجهة شاملة مع أسطول أو طائرة تركية في المستقبل، تقترب من حدود إسرائيل.

العبرة الإستراتيجية
 
هنا على إسرائيل الاختيار: هل تتخذ موقفًا في المواجهة التركية- الروسية؟ وإذا كانت الإجابة نعم، فإلى جانب من يجب على إسرائيل أن تقف؟ إسرائيل، عدا عن الهجمات المنسوبة لها على الوسائل الحربية المنقولة إلى حزب الله من سوريا، لا تعتبر لاعبًا مركزيًا في المواجهة الداخلية السورية وبين الأطراف الخارجية المتدخلة فيها، وبالتأكيد هي ليست طرفًا في المواجهة التركية- الروسية. لكن فحص المصالح الإسرائيلية من هذه المواجهة يظهر وضعًا معقدًا. فمن ناحية مستوى العلاقات الثنائية، لإسرائيل مصلحة واضحة في دعم موسكو. الدولتان تقيمان علاقات جيدة، مستقرة ومؤسسة. مقابل ذلك فان العلاقات التركية الإسرائيلية بقيادة أردغان سيئة  منذ العام 2009، ويتضح أنه من الصعب تحسين العلاقات الثنائية طالما بقي أردغان فعالاً في اتخاذ القرارات في تركيا. اختيار الوقوف بجانب روسيا من الممكن أن يجلب معه أيضًا فوائد اقتصادية: روسيا فرضت عقوبات اقتصادية على تركيا، وإسرائيل من جانبها تستطيع أن تكون بديلاً جزئيًا لتركيا في مجالات الزراعة والسياحة وأمور أخرى.
 
من جانب آخر، اختيار الوقوف بجانب تركيا ، التي تعمل ضد المحور الراديكالي في سوريا، يجسد بشكل أفضل المنطق الإستراتيجي والمصالح الإسرائيلية الحالية. الأعمال الروسية في سوريا، بغطاء الحرب ضد الدولة الإسلامية، تعطي عمليًا قوة عالمية لأعداء إسرائيل الأخطر وهم إيران- حزب الله ونظام الأسد. في هذه القضية يوجد لإسرائيل وتركيا مصالح مشتركة، والتي تشمل التخلص من الأسد، وإضعاف إيران في سوريا وإلحاق الضرر جراء ذلك بحزب الله. إذا تركيا أبرزت جاهزيتها للعمل المشترك مع إسرائيل في وجه هذه التحديات وأن تقلل عداءها تجاه إسرائيل، ستظهر على السطح مسائل أخرى ستجني الفائدة للطرفين: فتح السوق التركي للغاز الإسرائيلي (هناك حاجة لزيادته في ظل تقليص تزويد الغاز من روسيا لتركيا)، وتحسين اشتراك إسرائيل في أعمال الناتو (والذي واجه صعوبات بسبب رفض تركيا )، وإعادة تركيا لتكون لاعبًا مركزيًا في العملية السياسية بين إسرائيل والفلسطينيين والعالم العربي.
 
وربما، المصالح المتعارضة لإسرائيل من المواجهة التركية- الروسية تدل على الهدف الأهم حاليًا، أيضًا بالنسبة للولايات المتحدة وأوروبا، وهو بلورة إستراتيجيا تؤدي إلى التخلص من القوتين السيئتين العاملتين في سوريا؛ نظام الأسد من جانب والدولة الإسلامية من جانب آخر.
 
تعليق المختص في الشأن الإسرائيلي صلاح العواودة على ما ذكره المقال

منذ بدء الأزمة التركية الروسية وإسرائيل تحاول الاصطياد في المياه السورية العكرة، فتبحث عن حلفاء محتملين، تحاول ضرب أعدائها بأعدائها، بينما زادت حادثة إسقاط تركيا للمقاتلة الروسية من رقعة وشدة التعكير، وأيضا من فرص إسرائيل الخروج بسمكة أكبر حجما مما توقعت. الحديث هنا يدور عن دولتين مهمتين في معادلة الشرق الأوسط، كل واحدة تدعم محوراً من أعداء إسرائيل المتصارعين في سوريا، ومن هنا جاء مقال القائد السابق للاستخبارات يدلين للحديث عن الفرص المتاحة أمام إسرائيل، فإسرائيل تعتبر أن عليها استغلال رغبة تركيا بالتخلص من الأسد، لإجبار تركيا على تخفيف حدة عداءها لإسرائيل، وعندها فقط من الممكن الحديث عن مصالح مشتركة بين البلدين، كما أن إسرائيل ترى إمكانية تسوية الصراع في سوريا بدمج مجهود عسكري ودبلوماسي، وهذا يقتضي تقسيم سوريا.

 
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى