سيطرة الحوثيين على باب المندب في عيون اسرائيلية

 يرصد هذا التقرير خطاب الرأي الإسرائيلي حول انهيار الموقع السعودي عند باب المندب، مستندا إلى تسع وثلاثين مادة تحليلية نُشرت في سبع عشرة منصة اسرائيلية باللغتين العبرية والإنجليزية. ويعرض التقرير  قراءة الكتّاب للحدث، والأساس الذي بنواعليه رؤيتهم، وأين تتفارق قراءاتهم. وقد كُتبت هذه المواد جميعها في مدة تفصل بين سقوط المخا في العاشر من أيلول حتى الخامس عشر منه.

ينقسم التقرير الى سبعة محاور يفتتحها سقوط المخا وانهيار الجبهة المناهضة للحوثيين، ثم إخفاق التحالفات السعودية وغياب الضامن الأمريكي، فمنظومة المضائق وأثرها على سوق الطاقة، وموقع إسرائيل بين الفرصة والتحفظ، والدور الإيراني بين التوجيه وتقاطع المصالح، وهشاشة البنية السعودية، وإعادة الاصطفاف الإقليمي خارج الخليج.

يجمع الكاتبون على الكثير من الوقائع لكنهم يفترقون على دلالاتها، مثل الالتزامات الأمريكية تجاه حلفاءها، وفعالية حلف مكة، واستغلال اسرائيل للحدث. ويلاحظ أن الكتابات بشكل عام تعتمد في سرد الاحداث على  الإعلام الأجنبي وليس على مصادر إسرائيلية أصيلة، فروايات سقوط المدينة والاتصالات الهاتفية السعودية الأميركية وضربة الأنبوب تعود إلى سي إن إن وأكسيوس ورويترز وأسوشيتد برس، كما تشمل الاراء اراء كتابا عربا نشرت مواقع مختلفة اراءهم.

من أجل انتاج هذا التقرير، تم الاستعانة اليات برمجية وأدوات ذكاء اصطناعي موثوقة، وقد خضعت 39 مادة لنمذجة الموضوعات TOPIC MODELING. وتوزعت الموضوعات وفقا لنتائج التحليل على العناوين الرئيسية في التقرير. تستعرض المحاور التالية أبرز الاراء والتفاصيل المتعلقة.

سقوط المخا وانهيار الجبهة المناهضة للحوثيين

جاء هجوم الحوثيين كعملية مخطط لها جمعت بين نيران المسيّرات والصواريخ بالتزامن مع تقدّم المشاة، ولم يكن هجوما عفويا، نتسيف وكان ويديعوت أحرونوت وجيروزاليم بوست، ينقل خالد الأنسي (جيروزاليم بوست، ذا ميديا لاين)  عن قائد ميداني حوثي يُعرف باسم أبو راجح وصفه العملية بأنها خطة استراتيجية قامت على المفاجأة والتنسيق بين المسيّرات والتقدم البري. غير أن الأنسي يسجّل أن سرعة السقوط في أقل من ثمان وأربعين ساعة أثارت بين اليمنيين تساؤلات حول الانشقاق داخل القوات الحكومية.

تنتقل قراءة ثانية إلى أن قوة الدفاع الحكومية كانت صورية في حكم الواقع، ولم يكن صمودها ممكنا أصلا. تنقل غولدي كاتس (جيروزاليم بوست) عن شبكة سي إن إن، نقلا عن مصدر غربي مطلع على العمليات المناهضة للحوثيين، أن كشوف القوة امتلأت بأسماء وهمية لجنود غير موجودين يتقاضون رواتب، وأن القوة الفعلية لم تتجاوز نحو خُمس ما بدت عليه على الورق. بالاضافة إلى الانقسامات بين القادة اليمنيين أنفسهم، نقلا عن المحلل محمد الباشا.

تحمّل قراءة أخرى المسؤولية للرياض وواشنطن. تنقل كاتس وتقرير الوكالات في يديعوت أحرونوت عن مصدر إقليمي لشبكة سي إن إن وصفه السقوط بأنه إخفاق سعودي أمريكي كبير، حيث لم تُنفَّذ ولا ضربة جوية واحدة طوال ذلك اليوم رغم ورود تحديثات بالدقيقة، وعن مسؤول يمني رفيع أنه حذّر القيادة المركزية الأمريكية مرارا وتلقى وعدا بإسناد جوي سعودي لم يصل. ويرجّح مسؤول يمني آخر، نقلا عن وكالة أسوشيتد برس، أن الرياض ربما لم تتلقَّ ضوءا أخضر أمريكيا للتنفيذ داخل اليمن.

تذهب قراءة رابعة إلى أن المدينة تعرضت لعزلة كانت من صنع الرياض نفسها والتي أدت بالتالي الى سقوط المدينة. يرى عبد المجيد زُبح (منتدى الشرق الأوسط) أن إبعاد السعودية القسري لعيدروس الزبيدي بسبب صلاته بالإمارات ترك طارق صالح والمخا في عزلة أشد، وأن السعوديين دفعوا ثمن أفعالهم. ويعمّم يوئيل غوزانسكي الحكم ذاته في حديثه إلى ليئور بن آري (يديعوت أحرونوت)، إذ يرى أنهم جلبوا ما جرى على أنفسهم بسلسلة خطوات عدّد منها طرد الإماراتيين من اليمن والضربات ضد القوات الموالية لهم والتهديد بتحرير الحديدة وصنعاء، ويصل الخيط أيضا إلى ضرباتهم في العراق نهاية تموز والتي جاءت الضربة على أنبوب شرق-غرب ردا عليها.

يتفق الكتّاب على أن المكسب ليس المدينة بل الأرض المطلة على الماء. يرى تمير موراج (القناة 14) أن تعطيل الملاحة كان يعتمد على ذخائر مكلفة محدودة العدد تُطلق من العمق وتتطلب رادارات وأنظمة استخبارات إلكترونية مكشوفة للنيران الأمريكية مما يبقي معدل الإطلاق منخفضا، بينما ينقل الوجود على الساحل والجزر المسألة إلى مستوى اخر إذ تُحدَّد السفن بالعين المجردة وتكفي الهجمات صواريخ كورنيت. ويتقلص مدى السيطرة على المضيق إلى ثمانية عشر كيلومترا مقابل خمسة وخمسين في هرمز إليشع بن كيمون وإيتمار أيخنر (يديعوت أحرونوت) . ويرى دورون بسكين (كالكاليست) أن السيطرة لا تمنح قدرة تلقائية على حجب كل سفينة، لكنها تقرّب منظومات الصواريخ والرصد والزوارق من أحد أكثر مسارات التجارة حساسية.

إخفاق التحالفات وغياب الضامن

تتقاطع عدة اراء حول أخفاق حلف مكة في اختباره الجدي الأول، حيث لم تنتج أداة الدفاع المشترك سوى بيانات إدانة، وهو حكم تتقاسمه ست منصات على الأقل. شهدت السعودية وفقا لآدم ميخلشفيلي (القناة 14) العديد من الاعتداءات فعمت الإنذارات في جدة والطائف ومنطقة مكة ووقعت إصابات بين المدنيين وفق المتحدث باسم قوات التحالف تركي المالكي، مقابل إدانات تركية وباكستانية دون خطوة عسكرية معلنة. ويضيف بن آري البعد الرمزي حين يذكّر بأن الاتفاق سُمّي باسم المدينة التي دوّت فيها الإنذارات.

في المقابل يرى روعي كايس (كان) أن الحلف لم يُخفق لأنه لم يُستدعَ. ينقل عن دبلوماسي إقليمي أن الحلف لا يُلزم برد تلقائي وأن الأمر يستلزم تنسيقا بين أعضائه، وأن الحوثيين لا يُنظر إليهم في هذه المرحلة تهديدا وجوديا للسعودية، بل إن ثمة رضا عن فاعلية الحلف تحديدا في مواجهة إيران التي امتنعت منذ إعلانه عن ضربات مباشرة ضد المملكة. ويعيد هذا الموقف تعريف غاية الحلف.

كتب غوزانسكي (معهد أبحاث الأمن القومي) في التاسع من أيلول أن كثرة التحالفات السعودية يعكس ضائقة لا قوة، وأن الرياض تجمّع شراكات جزئية تفاديا للاعتماد على طرف بعينه، وأن حلف مكة لم يُظهر بعد كيف سيعمل في زمن الحرب لأن أعضاءه لا يتقاسمون إدراكا مشتركا للتهديد. وقد كتب ذلك قبل أسبوع من الإنذارات التي دوّت في مكة.

يمثّل الرفض الأمريكي للتدخل عند بروش مومي (تايمز أوف إسرائيل) دلالة على العقيدة الاميركية مع حلفائها في المنطقة، حيث تم تلقي اتصالان عاجلان من ولي العهد في يوم واحد قوبلا برفض قاطع وبإعلان نية عدم توريط الولايات المتحدة في حملة مباشرة في اليمن، وهو ما يقرأه تحولا حادا في العقيدة الأمريكية تنتظر فيه واشنطن من الفاعلين الإقليميين تحمّل المسؤولية عن فنائهم الخلفي. وينقل نتسيف عن شبكة إيه بي سي أن الرياض تستعد عقب الرفض لاحتمال عملية عسكرية مستقلة واسعة تشمل ضربات جوية وتحركات بحرية وبرية.

يقابل ذلك تقدير بأن ترامب لن يستطيع البقاء جانبا، ويبنيه مئير بن شبات (معهد مسغاف) على نية الخصم لا على خيار واشنطن. يستهل بسؤال كيف تنوي طهران استغلال انتخابات التجديد النصفي الأمريكية لرفع الضغط عنها، ويجيب بأزمة طاقة وقفزة في أسعار الوقود ورد فعل قاسٍ من الناخب، ويرى أن سيطرة حوثية على باب المندب مضافة إلى السيطرة الإيرانية في هرمز تمنح طهران الرافعة التي كانت تتمناها. ويتوقع أن يفضّل ترامب دعما استخباريا متزايدا وإبقاء الممرات مفتوحة قبل أي تدخل مباشر، ويحذّر من أن دخول الأمريكيين في حوار مع الإيرانيين حول هذه المسألة خطأ فادح لأن طهران تنتظر فرصة توظيف نجاح الحوثيين.

تقرأ مجموعة من الكاتبين الرفض ترتيبا مريحا للطرفين على حساب الرياض. ينقل دين شموئيل ألمس (غلوبس) عن غوزانسكي وصفه الوضع بأنه حالة رابح-رابح، إذ بعث الحوثيون برسائل تهدئة إلى الأمريكيين والأمريكيون يريدون إبقاء الأمر محليا، وقالوا إن الحصار على السعودية وحدها وليس حتى على إسرائيل. ويصل كايس إلى الاستنتاج ذاته من السلوك لا من التصريحات، فيرى أن الحوثيين يركّزون نيرانهم على السعودية وأتباعها ويتجنبون إصابة السفن الأمريكية كي لا يمنحوا ترامب سببا للانضمام إلى الحدث، بما يخالف ما يرغب به بن سلمان. ويسجّل بن كيمون وأيخنر النسخة الإسرائيلية من الملاحظة نفسها، إذ يقدّر مسؤولون أن الحوثيين استثنوا السفن الإسرائيلية والأمريكية خشية أن تهاجم الدولتان أهدافا حوثية.

تتحرك الرياض نحو جبهة إقليمية بديلة تقدّم لها الدول إسنادا سياسيا وتعزز من أمنها. يعرض ميخلشفيلي زيارة ولي العهد إلى القاهرة محاولة لتشكيل تحالف عسكري جديد، فالحدث أزمة لا تخص السعودية وحدها، وقد يحوّل الحوثيون ممرات الملاحة إلى أداة ابتزاز ويطالبوا بفدية من الدول الراغبة في نقل بضائعها عبر البحر الأحمر. وينقل عن مصادر دبلوماسية خليجية أن المصريين يؤيدون الموقف مبدئيا، لكنه يفصل بوضوح بين التأييد السياسي والاستعداد للانضمام إلى تحرك عسكري.

تُدفع دول الخليج نحو التسوية مع طهران بسبب غياب أفق أمريكي. يشدّد ميخلشفي في حديثه إلى بن آري على أن الأمر ليس تغيرا في موقف هذه الدول من إيران ولا تعبيرا عن ثقة بها بل محاولة انتزاع متنفس ولو بالتفاوض مع المسؤول عن ضائقتها؛ إذا استطاعت إيران تعطيل الملاحة ثم التفاوض على شروط استئنافها فإنها تُكافأ على التهديد الذي خلقته، ودول الخليج تعرف ذلك وتأتي إلى الطاولة رغمه. ويرى أن السؤال في عواصم الخليج لم يعد هل واشنطن قوية بما يكفي بل هل تعرف ما تريد تحقيقه وكيف يُفترض أن تنتهي المعركة. ويقرأ تقرير رويترز في جيروزاليم بوست المعادلة خيارا مفروضا لامتصاص كلف متصاعدة. ويبقى بسكين على احتمال معاكس، إذ يرى أن اقتناع واشنطن والرياض ودول الخليج بأن هرمز والحوثيين والضربات من العراق تشكل منظومة ضغط واحدة قد ينشئ أساسا سياسيا أوسع لعمل مشترك ضد أصول المحور الإيراني.

منظومة المضائق وأثرها على سوق الطاقة

ينقسم النقاش الاقتصادي حول هل المضيقان منظومة واحدة أم حادثتان متزامنتان، وهل الهشاشة خاصة بهذه الحرب أم في بنية الممرات ذاتها، وهل يسعى الحوثيون إلى إغلاق الممر أم إلى تسعيره، وهل العلاج استبدال هرمز؟

تشكّل نقطتا الاختناق (السيطرة على هرمز وباب المندب) عند بسكين منظومة ضغط واحدة، إذ تحوّل مسار الهروب السعودي من الأولى إلى موضع الانكشاف عند الثانية. ويبني بسكين هذا الحكم على معطيات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية: ارتفع ما يعبر باب المندب من 5.4 إلى 8.1 مليون برميل يوميا بينما انهارت الحركة في هرمز من 21.6 مليون إلى 4.9 مليون في المدة نفسها، وأرجعت الإدارة الارتفاع إلى تحويل السعودية صادراتها عبر أنبوب شرق-غرب إلى ينبع. ويوسّع بروش مومي (تايمز أوف إسرائيل) الحكم إلى ما وراء هذه الحرب، فيرى الهشاشة بنيوية في الاقتصاد العالمي لأن أدوات غير متناظرة، من المسيّرات منخفضة الكلفة والصواريخ المضادة للسفن والهجمات السيبرانية، تستغل سلاسل توريد قائمة على التوقيت الدقيق، ويوجّه نقده إلى بنية أمنية دولية تعاملت مع هذه الممرات بوصفها ادارية إقليميا.

أصابت الضربة على الأنبوب الأصل الذي بُني للتأمين ضد إغلاق هرمز، فبات الانكشاف السعودي قائما عند ثلاث نقاط في آن: هرمز مقيّد، والمسار البري البديل مضروب، وعند طرفه الغربي باب المندب، كما تشير اليه كالكاليست ويديعوت أحرونوت والقناة 14 وغلوبس وجيروزاليم بوست.

في المقابل هناك تقدير بأن الضربة فادحة لا كارثية، وينقل ذلك موقع تايمز أوف إسرائيل عن سلفاتوري ميركوليانو من جامعة كامبل، الذي يرى أنها لو كانت السبيل الوحيد لإخراج النفط السعودي لكانت كارثية بالمعنى الكامل، لكن عودة الحركة الجزئية في هرمز تجعلها دون ذلك والنفط يواصل الخروج. ويستند هذا التقريرعلى مقارنة معدل عبور السفن اذ رصدت تسعون عملية عبور في هرمز في الأسبوع الأول من أيلول مقابل نحو مئة وثلاثين سفينة يوميا قبل الحرب. ويقرأ بنك غولدمان ساكس، فيما تنقله كالكاليست عن دان ستروفين، السعر الحالي علاوة مخاطرة قابلة للانحسار، إذ يقدّر بلوغ البرميل مئة وعشرين دولارا عند التصعيد وهبوطه إلى ثمانين عند عودة التصدير إلى معتاده، ويوصي بتحوّط المخاطر عبر الغاز الطبيعي والمشتقات المكررة لا الخام لأن اضطراب العرض هناك أكبر.

لا يحتاج الحوثيون إلى إغلاق المضيق أصلا، فالتهديد الانتقائي ينتج الأثر الاقتصادي دون أن يصنع أعداء. ويستخلص بسكين النموذج من إعلان المتحدث العسكري يحيى سريع أن جميع السفن تعبر عدا السعودية ضمن معادلة الحصار مقابل الحصار، ويحاجّ بأن شركات الشحن والتأمين لا تستطيع التعامل مع وعد حوثي بوصفه بوليصة تأمين، ويسمّي الآلية رسما جمركيا جيوسياسيا على الاقتصاد السعودي. ويضيف أن الإغلاق الكامل يضر بأوروبا والصين والهند ودول لا مصلحة للحوثيين في معاداتها.

انتقل أثر الاضطراب من سوق النفط إلى التضخم العام، وقد يقيّد ذلك البنوك المركزية. ويسند بسكين ذلك وفقا لمعطيات وكالة الطاقة الدولية. حيث هبطت صادرات الخليج إلى نحو نصف مستواها السابق للحرب، وانخفض صافي تصدير السولار إلى ما يزيد قليلا على الربع. ومن هنا يحاجّ بأن السولار يدخل في الشاحنات والزراعة والصناعة والشحن، فإذا قفز سعره مع ارتفاع كلفة النقل تدحرجت الكلفة إلى سلاسل التوريد. ويرى في الموضع نفسه أن ارتفاع سعر البرميل لا يعوّض الرياض لأنها تنتج أقل بكثير من قدرتها المستدامة، ويخلص إلى أن الطاقة الإنتاجية الفائضة لا تنفع إذا صارت مسارات التصدير هي القيد.

يرى غوزانسكي من ناحية أخرى أنه لا وجود لبديل عن هرمز ولا يمكن أن يوجد، وأن الهدف هندسة تكرار من الأنابيب والموانئ والممرات بحيث لا يشلّ الضرر في مسار واحد المنظومة كلها: ينبع يستبدل نقطة اختناق بأخرى، وسوميد والسويس لا  يوفران حلا لأن معظم المشترين في آسيا، والفجيرة يقع في مدى الصواريخ الإيرانية، والغاز المسال يكاد يخلو من أي بديل. ويدعو في السياق نفسه إلى إعادة النظر في مسار ممر الهند والشرق الأوسط وأوروبا، لأن بقاء مدخله الشرقي داخل الخليج يجعله وارثا للتبعية التي يُفترض أن يقلّصها.

يستطيع الاقتصاد الإسرائيلي استيعاب الاضطراب بثمن هو تقلص المرونة اللوجستية. ويستند بسكين إلى دراسة لبنك إسرائيل وجدت أن إطالة مسار الشحن من آسيا في الموجة الأولى من الهجمات الحوثية لم تُنتج تراجعا ذا دلالة في الاستيراد ولا في أسعاره، لكنه يرى الجولة الحالية مختلفة لأن الضرر في الشحن يأتي مع أزمة في النفط ومشتقاته. ويحدّد أمير بار شالوم (زمان يسرائيل) موضع الضرر حين يذكر أن إسرائيل وجدت بدائل لميناء إيلات وتعلّمت التعايش مع إغلاق مسار البحر الأحمر، وأن الضرر الأكبر ليس في البضائع الواردة بل في تعطّل الميناء نفسه.

موقع إسرائيل بين الفرصة والتحفظ

على إسرائيل وفقا لعيلام أن تضع تحالفا استراتيجيا كاملا وفوريا على الطاولة وأن تطلب في المقابل سلاما علنيا موقّعا وفوريا وليس وعودا. ويشير إلى ما تستطيع اسرائيل تقديمه وهو بنك الاهداف الذي بنته المخابرات الاسرائيلية عن الحوثيين، لكنه يقرّ في الوقت ذاته بأن الحوثيين أثبتوا قدرة عالية على البقاء.

يرى بير كوين (تايمز أوف إسرائيل)  أن وصلة من الأراضي السعودية الشمالية عبر خليج العقبة إلى إيلات ثم أنبوب إيلات-عسقلان تمنح الرياض تكرارا سياديا دائما وليس ترتيبا طارئا في زمن الحرب. ووجود هذا المسار يشمل بديلا حقيقيا للسعودية لأنه يمنع قطعها عن الأسواق.

يرى كتاب انه قد تزيد الضائقة الأمنية التي تواجهها السعودية حاجة الرياض إلى إسرائيل، لكنها لا تزيد بالضرورة إلحاح التطبيع معها. ويشتق غوزانسكي المفارقة من سلوك الرياض نفسه، إذ يرى أنها تجمّع شراكات جزئية تفاديا للاعتماد على طرف بعينه، فمطلب الحصرية يصطدم بالمنطق الذي يحرّكها. ويحدّد ما تملك إسرائيل تقديمه بالألفاظ التي يستعملها عيلام نفسه، لكنه يخلص إلى النقيض: السياسة الصائبة ليست استخدام الضائقة رافعة نحو التطبيع بل إثبات القيمة شريكا أمنيا دون مطالبة بحصرية أو باعتراف علني فوري.

تبقى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية في موقع المراقبة، وهو ما ينقله بار شالوم عن مصدر أمني رفيع يصف ما يجري بأنه في هذه الأثناء حرب مسوّرة بين السعوديين والحكومة اليمنية من جهة والحوثيين من جهة أخرى. ويحدّد سقف أي مساعدة، حيث لن يرسل الجيش الإسرائيلي قوات لكنه سيتحرك حين تتطابق المصلحتان وتقعان في خطر، وليس مستبعدا أن تنتقل معلومات استخبارية بهدوء إلى الرياض. وفي مقابل هذا  ينقل بن كيمون وأيخنر عن مسؤولين إسرائيليين شرطا، وهو انعطافة مقدارها مئة وعشرون درجة في السياسة السعودية تشمل الربط مع إسرائيل والابتعاد عن المحور التركي الباكستاني والعودة إلى اتفاقات ابراهام، مع التأكيد على أنه لا يوجد مؤشر على طلب سعودي للمساعدة الاسرائيلية ولو بصورة غير مباشرة.

ينقل تقرير جيروزاليم بوست عن براندون فريدمان من مركز موشيه ديان موقفا ينقل العائق إلى داخل إسرائيل. يقرّ فريدمان بمنطق التعاون بالنظر إلى العدو المشترك، لكنه يرى أن  تحسّن العلاقات غير مرجّح لأن ملفات السياسة الخارجية تُقرأ عبر عدسة الانتخابات الإسرائيلية، وأن أي دعم لن يُقدَّم إلا في سياق يرفع من رصيد الائتلاف الحاكم. أما بن شبات يقرّ بأنه لا يمكن تأسيس تطبيع من إكراه، لكنه يرى أن إنزال القضية الفلسطينية عن جدول أعمال الرياض ليس مطلبا مبالغا فيه.

الدور الإيراني بين التوجيه وتقاطع المصالح

 يشير بسكين إلى أن الأدلة العلنية المتاحة لا تكفي لإسناد  قرار السيطرة على باب المندب ولا ضربة الأنبوب من الأراضي العراقية إلى طهران،  ذلك بأن الحوثيين يعملون بدوافع يمنية مستقلة.  تخدم الحصيلة إيران استراتيجيا وتوقيتا، لأن واشنطن تفرض حصارا يقلّص قدرتها على التصدير بينما يستطيع الحوثيون رفع الثمن الذي تدفعه السعودية، خصم إيران وأحد المصادر المفترض أن تعوّض السوق. وأن الضغط  لا يحتاج إلى الأسطول الإيراني بل يمكن توليده في اليمن والعراق وعند بنى تحتية تبعد مئات الكيلومترات عن الخليج.

في المقابل يؤكد يسرائيل غرادفول (كيكار هشابات) وفقا لمصادر استخبارية أن إيران وجّهت الهجمات الأخيرة ووعدت بمساعدة عسكرية ومالية إضافية، في مقابل ادّعاء مسؤولين في طهران ردا على التحذير الباكستاني أنهم لا يسيطرون على الحوثيين. وينقل (ألمس) أيضا عن غوزانسكي إشارته إلى اليد الإيرانية خلف الخطوة مع تحميل السعوديين تقديم الذريعة بضربهم الرحلة القادمة من طهران.

تفسّر قراءة أخرى الحدث كتعبير عن ضعف إيراني وليس عن قوتها. يرى مراسل القناة 14 عمري حاييم أن اقتراب الحوثي من المضيق يأتي على خلفية ضعف إيران في هرمز واختناقها اقتصاديا وإدراكها حاجتها إلى أدوات ضغط مغايرة، ويرى موراج أن السيطرة على باب المندب قد تعيد إلى طهران جزءا مما فقدته. ويرى أن طهران أمضت سنوات في بناء الحوثيين شريكا إقليميا قادرا دون نشر قوة بحرية إيرانية، وأن موقعا حوثيا أقوى قرب المضيق يعزز قدرتها على إغلاق ممر حيوي آخر دون نشر قواتها.

يرى كايس أن الحوثيين يتصرفون بحساب ذاتي، ويردّ التصعيد إلى محرّك سعودي لا إلى أمر إيراني.

هشاشة البنية السعودية

يرى يائير أمار (سروغيم) أن الجيش السعودي ليس مبنيا لكسب الحروب بل ليبدو رادعا وليحمي العرش. ويبني ذلك على الفجوة بين الشراء والأداء، فأكثر من ثمانين مليار دولار سنويا تضع المملكة بين أكبر عشر دول مشترية للعتاد، بينما ينقل عن مسؤول شراء أمريكي وصفه تلقّي العتاد بأنهم يقيمون مراسم عند وصوله ثم يلفّونه وينقلونه إلى تخزين طويل الأمد. ويرى أن القدرة الحقيقية تتركز في الحرس الملكي وأن معظم مناصب طياري القتال يشغلها أبناء الأسرة الحاكمة. فيما يردّ فريدمان الضعف ذاته كنتاج تبعية متراكمة لواشنطن.

يضيق الهامش المالي بالتوازي مع الهامش العسكري. ويشير عيلام إلى أن كل ريال يُوجَّه إلى حرب استنزاف هو ريال لا يبني مدينة ولا ميناء، مستشهدا بتوقع صندوق النقد الدولي عجزا يقارب 6.2% من الناتج المحلي في مقابل مشاريع رؤية 2030، بينما يسجّل غوزانسكي هبوط الصادرات في آب إلى ثلاثة ملايين برميل يوميا مقابل 7.3 مليون في شباط. ويرى عيلام أن المال نفسه لم يعد يشتري ما تحتاج إليه الرياض، لأن الحوثيين لا يبحثون عن موازنة بل يمتلكون أصلا جيوستراتيجيا.

تمتد الخسارة إلى المكانة داخل اليمن وإلى السردية التي قام عليها الحكم. ينقل ألمس عن الدكتور يوسي مان أن خطابا سلبيا ضد السعوديين ساد جنوب اليمن طوال نصف عام بسبب حجب الأموال عن القوات هناك، وأنه سيصعب استعادة الثقة اليمنية بهم، ويذكّر بأن العملية العسكرية الكبرى التي يتحدث عنها الجميع جرت عام 2015 وأخفقت. ويرى عيلام أن شرعية بن سلمان تستند إلى وعد بالاستقرار والتحديث، فإذا تم الاخلال بذلك فستتأثر السردية التي بنى عليها حكمه.

إعادة الاصطفاف الإقليمي خارج الخليج

تملك مصر حصة اقتصادية مقدّرة في البحر الأحمر ولن ترسل قوات مع ذلك.  يقدّر الرئيس عبد الفتاح السيسي أن أحداث البحر الأحمر كلّفت مصر نحو سبعة مليارات دولار من عائدات قناة السويس عام 2024، وهو ما يمسّ أحد أهم مصادر العملة الأجنبية في وقت يواجه فيه الاقتصاد ضغوطا متواصلة. وفي الجانب الآخر يرى أن الدخول العسكري العلني قد يجرّ الجيش المصري إلى مواجهة مركّبة بعيدا عن الديار أمام ميليشيا مجرّبة، وأن مصر تتذكر جيدا ثمن الحرب البرية في اليمن.

يسمّي البروفيسور عوزي رابي (واللا) ما يجري على المستوى الاقليمي بتعدد اصطفافات: علاقات موازية مع عدة مراكز قوة تقليصا للتبعية، خلافا للعالم القديم الذي كانت الدولة تختار فيه معسكرا. ويفصل الجغرافيا عن الناتج المحلي، فيرى أن قيمة الموقع المصري ترتفع تحديدا حين تصير المضائق ساحات تنافس، وينفي أن يعني التقارب مع عواصم مثل بكين مغادرة مصر لواشنطن. ويصوغ غوزانسكي المنطق ذاته من جهة الخليج حين يرى أنه حين لا توفّر أي قوة الأمن الكامل المطلوب يصير منطقيا الاحتفاظ بعدة بوالص تأمين في آن واحد.

ينقل دوف إيلون (إسرائيل توداي) عن رئيس أرض الصومال عبد الرحمن محمد عبد الله قوله إن بلاده ترى أن وجودا عسكريا إسرائيليا وأمريكيا على أراضيها سيساعد في ردع التهديدات، وأنه يسعى إلى اعتراف أمريكي بعد الاعتراف الإسرائيلي في كانون الأول الماضي. يرى عيلام أن بربرة تقع مقابل المجال اليمني وقرب مسارات الوصول إلى باب المندب، وأن قصر المسافة إلى الساحل الخاضع للحوثيين قد يقصّر أزمنة الرد. ويدعو مايكل روبين (منتدى الشرق الأوسط) هرجيسا إلى الإعداد القانوني للاعتراف بصرف النظر عن قرار واشنطن، عبر مصادقة برلمانها على اتفاقيات لم تنضم إليها مقديشو كاتفاقية باليرمو لمكافحة الجريمة المنظمة، بوصف ذلك تمييزا لها يمنحها رصيدا دوليا بلا كلفة على سيادتها.

الاستنتاجات

 عملت الضمانات التي اتكلت عليها الرياض عمل بوالص التأمين، فقيمتها تتمثل في ما تَعِد به أطرافا ثالثة، واختبارها في ما تدفعه عند وقوع الضرر. وقد اختبر الحدث ثلاثتها، حلف مكة والضمانات الأمريكية ومجلس القيادة الرئاسي، فتبيّن أن ما راكمته الرياض كان تسعيرا لوعود أكثر منه قدرة على الأرض.

تتقاطع الحلول المطروحة (اسرائيليا) عند أدوات غير قتالية: هندسة التكرار(بناء بدائل) في مسارات التصدير، والشراكة الاستخبارية الصامتة، والممر البحري مع اسرائيل، والجهود القانونية للاعتراف الدولي بارض الصومال. مما يشير ضمنيا الى الاعتقاد بتعقيد وصعوبة استعادة المضيق بالقوة.

قد ينتج عن هذا الحدث ثلاثة أمور: ترتيب ملاحي متفاوض عليه يمنح طهران ما سعت إليه، إعادة هندسة بطيئة لمسارات التصدير تمتد لسنوات، وقناة استخبارية إسرائيلية سعودية صامتة بلا اعتراف علني.

قلبت السيطرة على الساحل اليمني اقتصاد الردع، إذ صار الطرف الأضعف يفرض الكلفة الباهظة بذخيرة رخيصة،  بينما يعجز إنفاق يتجاوز ثمانين مليار دولار سنويا عن منعها.

أي تعاون إسرائيلي سعودي سيجري بهدوء. ويرجّح ذلك أن المسار العملي أمام إسرائيل هو إسناد استخباري صامت.

استثنى الحوثيون السفن الأمريكية والإسرائيلية من حصارهم وقصروه على السعودية. ويقرأ الكتّاب هذا الاستثناء سببا لامتناع واشنطن عن التدخل، لابقاء إسرائيل خارج المعركة، ودليلا على أن القرار الحوثي يتبلور وفقا لحساباتهم الخاصة.

سعت الرياض إلى تعويض ضعفها بتعدد الحلفاء، فجاءت نتيجة ما راكمته من بناء تحالفات تأكيدا لذلك الضعف. وهو ما ينسجم مع قراءة غوزانسكيلأن  تكاثر التحالفات السعودية مؤشر ضائقة.

تتحمل السعودية مسؤولية الوضع الذي وجدت نفسها به نتيجة قرارات سابقة مثل إبعاد الزبيدي والضربات في العراق. وبالتالي تعتبر الرياض شريكا في صنع موقعها الحالي.

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى