عرض كتاب “مقاومة المحو: رأس المال والإمبريالية والعِرق في فلسطين”

عرض كتاب “مقاومة المحو: رأس المال والإمبريالية والعِرق في فلسطين”
Resisting erasure: capital, imperialism, and race in Palestine
الكُتّاب: آدم هنية، روبرت نوكس، رفيف زيادة
Verso Booksالناشر:
سنة النشر: 2025
عدد الصفحات: 128 صفحة
توسعت الأدبيات التي تناولت الاستعمار الصهيوني من منظور الاقتصاد السياسي، مع التركيز على العلاقة بين المشروع الاستيطاني وإعادة تشكيل الاقتصاد الفلسطيني ضمن بنية استعمارية. وقد انطلقت هذه الدراسات[i] من اعتبار أن المشروع الصهيوني شكل مشروع اقتصادي متكامل ارتبط منذ بداياته بالاستحواذ على الأراضي الأكثر خصوبة ومصادر المياه، والسيطرة على الموارد والعمل والأسواق وبناء مؤسسات مالية واستثمارية قادرة على تأسيس اقتصاد يهودي منفصل داخل فلسطين، وجرى التعامل مع الاقتصاد باعتباره أداة مركزية لتحويل فكرة “الدولة اليهودية” إلى واقع. كما ركزت هذه الأدبيات على الدور الذي أدته المؤسسات الاستيطانية، مثل الصندوق القومي اليهودي، في إعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية لفلسطين، بما جعل الاقتصاد أحد أهم أدوات تكريس الاستيطان وإعادة تنظيم المجال الديمغرافي والاجتماعي.
وفي مرحلة ما بعد أوسلو، انتقلت الأدبيات الحديثة[ii] إلى ربط الاقتصاد الفلسطيني بالبنية الأوسع للرأسمالية العالمية والاستعمار الاستيطاني، مع التركيز على العلاقة بين النيوليبرالية، والتبعية الاقتصادية، والتجزئة الجغرافية والسياسية، وإعادة إنتاج السيطرة الإسرائيلية بأدوات اقتصادية ومؤسساتية جديدة. وناقشت هذه الدراسات التحولات التي أعقبت أوسلو، وربطت بين بناء مؤسسات السلطة الفلسطينية، والمساعدات الدولية، والأسواق المقيدة، وإعادة تشكيل الاقتصاد الفلسطيني ضمن نموذج قائم على التنمية المشروطة والتبعية الاقتصادية طويلة المدى.
وتشكل هذه الخلفية الإطار الفكري الذي جاء ضمنه كتاب مقاومة المحو: رأس المال والإمبريالية والعِرق في فلسطين، ويقع الكتاب عند نقطة التقاء بين أدبيات الاقتصاد السياسي الفلسطيني وأدبيات الإمبريالية والاقتصاد السياسي العالمي، إذ ينقل النقاش من التركيز على آثار الاستعمار الاستيطاني وأوسلو والنيوليبرالية والتبعية الاقتصادية داخل فلسطين إلى تحليل البنى الإقليمية والدولية التي أسهمت في إنتاج هذه الوقائع واستمرارها. وتتمثل إضافته الرئيسة في إدراج فلسطين ضمن إطار تحليلي يربط الاستعمار الاستيطاني بسياسات الطاقة، وتراكم رأس المال، والعلاقات الإمبريالية، ومسارات التطبيع الإقليمي، مع معالجة محدودية الربط بين هذه العناصر في الأدبيات السابقة. ومن خلال هذا المنظور، يفسر الكتاب موقع فلسطين ضمن التحولات الجيوسياسية المعاصرة، خاصة في ظل الحرب على غزة.
صدر الكتاب عن دار النشر البريطانية فيرسو (Verso Books) عام 2025 ضمن سلسلة كتيبات فيرسو عن فلسطين. شارك في تأليفه كل من آدم هنية، وروبرت نوكس، ورفيف زيادة، وهم باحثون متخصصون في الاقتصاد السياسي، والقانون الدولي، والدراسات الاستعمارية. يقع الكتاب في نحو 128 صفحة، وجاء صدوره في ظل تصاعد النقاشات الدولية المرتبطة بالحرب على غزة، والتطبيع الإقليمي، والتحولات الجيوسياسية والاقتصادية في الشرق الأوسط.
الفكرة العامة للكتاب
ينطلق الكتاب من دعوة إلى إعادة تأطير فلسطين ضمن سياقها الإقليمي والعالمي، من خلال ربط الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي بتطور الرأسمالية العالمية والتحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، ويطرح الكتاب فكرة “المحو” بوصفها عملية سياسية واقتصادية وثقافية. ويعرف المؤلفون “المحو” بأنه مجموعة من السياسات والممارسات التي تؤدي إلى إبعاد فلسطين عن امتدادها التاريخي والسياسي والاقتصادي، وإعادة تقديمها كقضية إنسانية أو أزمة إغاثية منفصلة عن الاستعمار الاستيطاني والعلاقات الإمبريالية. وتتمحور إحدى الجدليات الرئيسة في الكتاب حول أثر هذا الاختزال لحقيقة القضية في تهميش النقاش المتعلق بالبنى السياسية والاقتصادية التي أنتجت الواقع الفلسطيني المعاصر، وحصر الاهتمام في النتائج الإنسانية المترتبة عليه.
يناقش الفصل الأول العلاقة بين الرأسمالية الأحفورية والإمبريالية في المنطقة، ويعرض الدور الذي أدته الطاقة، ولا سيما النفط والغاز، في تشكيل التحالفات السياسية والاقتصادية التي دعمت الهيمنة الغربية والإسرائيلية. ويرى المؤلفون أن فهم فلسطين يقتضي وضعها ضمن بنية أوسع من العلاقات التي تربط رأس المال العالمي، والاقتصاد النفطي، والاستراتيجيات الإمبريالية. ويوضح الكتاب أن موقع فلسطين يرتبط بالبنية الإقليمية التي تشكلت حول النفط والطاقة والتحالفات الأمنية منذ منتصف القرن العشرين. ويُنظر إلى الدعم الغربي “لإسرائيل” باعتباره جزء من ترتيبات سياسية واقتصادية هدفت إلى حماية المصالح الاستراتيجية في الشرق الأوسط وتأمين الاستقرار اللازم لحركة الطاقة والتجارة والاستثمار. ومن هذا المنظور، تشكل فلسطين إحدى نقاط التقاء الاستعمار الاستيطاني مع المصالح الاقتصادية والجيوسياسية للقوى الدولية الفاعلة في المنطقة.
وينتقل الفصل الثاني إلى مناقشة السياسة الفلسطينية بعد أوسلو، حيث يقدم قراءة نقدية لاتفاقيات أوسلو وبروتوكول باريس الاقتصادي، ويربط بين نشوء السلطة الفلسطينية، وتوسع المساعدات الدولية، وإعادة تشكيل الاقتصاد الفلسطيني ضمن نموذج قائم على التبعية الاقتصادية واستمرار السيطرة الإسرائيلية على التجارة والحركة والموارد. ويثير الفصل نقاش حول الدور الذي أدته المساعدات الدولية والمؤسسات التنموية في إعادة تنظيم الاقتصاد الفلسطيني، ويشير إلى أن هذه السياسات ساهمت في تكريس أنماط من الاعتماد الاقتصادي واستدامة القيود المفروضة على التنمية والإنتاج، في ظل استمرار السيطرة الإسرائيلية على الموارد والمعابر والتدفقات التجارية.
أما الفصل الثالث، فيتناول عملية “عنصرة فلسطين” من خلال تحليل الكيفية التي جرى بها تصوير الفلسطينيين ضمن الخطابات الأمنية الغربية والإسرائيلية، مع تجاوز القضية الفلسطينية وتهميشها، وربط ذلك بالفكر الاستعماري الاستيطاني. بالإضافة لتطور تقنيات المراقبة والسيطرة، وتحول “إسرائيل” إلى مركز عالمي في تصدير الخبرات الأمنية والتكنولوجيات الرقابية. ويشير المؤلفون إلى أن الخطابات الأمنية التي توسعت بصورة خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر أسهمت في ترسيخ صورة الفلسطيني باعتباره موضوع أمني، وهو ما انعكس على سياسات المراقبة والضبط والحصار. كما يناقش الفصل العلاقة بين الخبرة الأمنية الإسرائيلية وصناعة التكنولوجيا الرقابية، موضحاً كيف تحولت تقنيات المراقبة والسيطرة المجربة في فلسطين إلى منتجات وخدمات يتم تسويقها عالمياً كمنتجات مجربة ميدانيا.
ويختتم الكتاب بفصل يناقش التطبيع كجزء من مشروع لإعادة دمج “إسرائيل” سياسياً واقتصادياً في المنطقة، وإعادة تقديم القضية الفلسطينية بوصفها أزمة إنسانية أو ملفاً إغاثياً، بطريقة تهمش القضية الفلسطينية وحقيقة الاستعمار الاستيطاني، وتضعف حضورها في النقاشات المتعلقة بالعدالة والتحرر. وترتبط هذه الأطروحة مباشرة بالحرب على غزة، التي ينظر إليها المؤلفون باعتبارها حدثاً يكشف تداخل الاستعمار الاستيطاني مع الدعم الدولي والبنى الاقتصادية والسياسية التي تحيط به. ويرى الكتاب أن التركيز على التداعيات الإنسانية للحرب وحدها لا يفسر الظروف التي أنتجتها، ولذلك يدعو إلى تحليل الحرب ضمن نظرة شاملة تربط بين السيطرة الاستعمارية، والاقتصاد السياسي، والعلاقات الدولية، وأشكال العنف الممارسة ضد الفلسطينيين.
ومن خلال هذه الفصول مجتمعة، يطور المؤلفون أطروحة مفادها أن فلسطين تشكل نقطة التقاء بين الاستعمار الاستيطاني، والرأسمالية العالمية، والعنصرية، وسياسات الطاقة، وأن فهم الواقع الفلسطيني يقتضي تحليل هذه العناصر ضمن إطار واحد. وبناءً عليه، يقدم الكتاب فلسطين باعتبارها مدخل لتحليل التحولات التي يشهدها الشرق الأوسط، ويضع القضية الفلسطينية ضمن شبكة مترابطة من العمليات الاقتصادية والسياسية التي تتجاوز حدودها الجغرافية المباشرة.
قراءة نقدية للكتاب
يقدم الكتاب إسهاماً مهماً في أدبيات الاقتصاد السياسي ضمن إطار تحليلي يضع فلسطين في سياق التحولات الإقليمية والدولية الأوسع. كما ينجح في تجاوز المقاربات الإنسانية والقانونية التقليدية، عبر التركيز على البنى الاقتصادية والسياسية التي أعادت إنتاج الاستعمار الاستيطاني، ويوضح موقع فلسطين داخل الاقتصاد الإقليمي من خلال تحليل دورها في أسواق العمل، والعلاقات الاقتصادية مع الاحتلال، ومسارات دمج الكيان في المنطقة. وتزداد أهمية الكتاب من حداثة موضوعه وارتباطه بالحرب على غزة والتحولات الجارية في الشرق الأوسط، إضافة إلى لغته الواضحة وقدرته على تقديم مدخل مركز ومتماسك للقارئ المهتم بالاقتصاد السياسي للقضية الفلسطينية.
في المقابل، تترك الطبيعة المختصرة للكتاب مساحة محدودة للتوسع في عدد من القضايا التي يطرحها، خاصة ما يتعلق بالآليات الاقتصادية لدمج “إسرائيل” في الاقتصاد الإقليمي، والعلاقات الاقتصادية الناشئة في ظل التطبيع، والتأثيرات الاقتصادية المباشرة لهذه التحولات. كما يظل تناول الاقتصاد الفلسطيني الداخلي محدود نسبياً، مع حضور أقل لقضايا العمل، والزراعة، والمالية العامة، والتحولات الاجتماعية المرتبطة بها. وتظهر الحاجة إلى معالجة أكثر تفصيلاً للمقارنات التاريخية مع تجارب استعمار استيطاني أخرى، وإلى نقاش أوسع لدور اليهودية والخطاب الديني في دعم المشروع الاستيطاني والهيمنة الاقتصادية. كما أن الفصل المتعلق بالعنصرية كان يمكن أن يقدم معالجة أكثر تخصيصاً للعنصرية الموجهة ضد الفلسطينيين، بدلاً من التركيز على أطر أوسع مثل الإسلاموفوبيا والحرب على “الإرهاب”. ويضاف إلى ذلك أن بعض الاستنتاجات والأفكار الواردة في الكتاب تمثل امتداد وتطوير لأعمال سابقة للمؤلفين أكثر من كونه طرح نظري جديد بالكامل.
خاتمة
يمثل كتاب “مقاومة المحو: رأس المال والإمبريالية والعِرق في فلسطين” إضافة حديثة ومهمة إلى أدبيات الاقتصاد السياسي الفلسطيني، خاصة في ظل الحرب على غزة والهجمة الشرسة على الضفة الغربية، والتحولات الإقليمية الراهنة. وتكمن أهميته في توسيع نطاق تحليل فلسطين باعتبارها جزء من منظومة عالمية من علاقات القوة والهيمنة، مع إسهامه في إثراء النقاشات المعاصرة حول الاستعمار الاستيطاني والتحرر. وبذلك يشكل الكتاب مرجع مهم للباحثين المهتمين بفهم الأبعاد الاقتصادية والسياسية للقضية الفلسطينية ضمن السياق التاريخي والعالمي. وفي الوقت نفسه، تبرز الحاجة إلى موازنة هذا الإطار النظري الواسع بتحليل اقتصادي فلسطيني أكثر تفصيلاً وارتباطاً بالبنية الاجتماعية والاقتصادية الداخلية.
[i] انظر/ي:
Shalev, M. (1992). Labour and the Political Economy in Israel. Oxford, UK: Oxford University Press.
Shafir, G. (1996). Land, Labor and the Origins of the Israeli-Palestinian Conflict, 1882–1914 (Updated ed.). Berkeley, CA: University of California Press.
Pappé, I. (2006). The Ethnic Cleansing of Palestine. Oxford, UK: Oneworld Publications.
Seikaly, S. (2016). Men of Capital: Scarcity and Economy in Mandate Palestine. Stanford, CA: Stanford University Press.
Khalidi, R. (2020). The Hundred Years’ War on Palestine: A History of Settler Colonialism and Resistance, 1917–2017. New York, NY: Metropolitan Books.
[ii] انظر/ي:
Roy, S. (1999). De-development Revisited: Palestinian Economy and Society Since Oslo. Journal of Palestine Studies, 28(3), 64–82.
Le More, A. (2008). International Assistance to the Palestinians after Oslo: Political Guilt, Wasted Money. London: Routledge.
Hanieh, A. (2013). Lineages of Revolt: Issues of Contemporary Capitalism in the Middle East. Chicago: Haymarket Books.
Tabar, L., Jabary Salamanca, O., & Haddad, T. (2015). Critical Readings of Development Under Colonialism: Towards a Political Economy for Liberation in the Occupied Palestinian Territories. Ramallah: Rosa Luxemburg Foundation / Center for Development Studies.
Tartir, A. (2015). Securitised Development and Palestinian Authoritarianism under Fayyadism. Conflict, Security & Development, 15(5), 479–502.
Haddad, T. (2016). Palestine Ltd.: Neoliberalism and Nationalism in the Occupied Territory. London: I.B. Tauris.
Dana, T. (2020). The Palestinian Capitalists: The Politics of Economic Power and Development. Cham: Palgrave Macmillan.
Tartir, A., Dana, T., & Seidel, T. (Eds.). (2021). Political Economy of Palestine: Critical, Interdisciplinary and Decolonial Perspectives. Cham: Palgrave Macmillan.
عزام، رغد، والأسدي، محمد (محرران). (2024). دراسات في تحولات المجتمع الفلسطيني ما بعد أوسلو (3): الاقتصاد السياسي. إسطنبول: مركز رؤية للتنمية السياسية.



