بين معارضة الحرب وتأييدها في إسرائيل: وقف الحرب خيار سيء والاستمرار  فيها خيار أسوأ

يتناول هذا التقرير الخطاب الإسرائيلي النخبوي حول الحرب على إيران خلال الفترة الممتدة من 20 مارس إلى 2 أبريل 2026، وهي الفترة التي شهدت انقضاء الشهر الأول من الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران التي انطلقت في 28 فبراير 2026.

اعتمد التحليل على 385 مقالة رأي وتحليل نُشرت في 32 مصدراً إسرائيلياً تمتد عبر مختلف الطيف السياسي الاسرائيلي، من مؤسسات بحثية كمعهد أبحاث الأمن القومي (INSS) ومعهد ميتفيم والمركز الأورشليمي للشؤون العامة، مروراً بوسائل الإعلام الرئيسية كالقناة 13 وكان ويديعوت أحرونوت وماكو ومعاريف، وصولاً إلى منصات يسار الوسط واليسار كهآرتس ودافار وسيحا ميكوميت.

يرسم هذا التحليل خريطة المواقف والآراء على محورين: المحور الأول يضم الأصوات الناقدة للحرب أو المعارضة لاستمرارها أو المعبّرة عن مخاوف جوهرية حتى من داخل معسكر المؤيدين؛ والمحور الثاني يضم الأصوات المؤيدة للحرب ومبرراتها الاستراتيجية والأيديولوجية.

ملاحظة: تم تحليل هذه البيانات الكبيرة باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بطريقة منهجية موثوقة ومدققة، والآراء الموثقة في التقرير هي الآراء التمثيلية.

الاستنتاجات الرئيسية:

أولاً: هناك انزياح ملحوظ للخطاب الإسرائيلي النخبوي من التأييد المبدئي للحرب نحو قلق متزايد بشأن غموض نقطة النهاية. كما أن الإجماع على الحرب يتآكل بشكل أسرع من قدرة الحكومة على تقديم إنجازات توازي تكاليفها، ذات الأمر الذي يعبر عنه الشارع في إسرائيل.

ثانياً: ما زالت هناك مشروعية يمنحها الرأي العام الإسرائيلي لأهداف الحرب، لكن يصاحب ذلك حذر من أن غياب استراتيجية خروج يحوّل المكاسب التكتيكية إلى فخ استراتيجي.

ثالثاً: ترامب هو نقطة الضعف الأساسية في التحليل السياسي للحرب كما تعكسه المواد. وتثار المخاوف لدى النخب الإسرائيلية بسبب تصريحاته المتناقضة واستعداده المُعلن لإنهاء الحرب دون تحقيق أهدافها، بمعنى أن إسرائيل تخوض حرباً يتحكم في توقيتها ومخرجاتها طرف خارجي لا يخضع بالضرورة لحساباتها.

رابعاً: ثمة فجوة تتسع مع مرور الوقت بين السردية الرسمية التي تُعلن النصر، والتحليلات التي توثّق استمرار القدرة الإيرانية على الإطلاق وتصاعد نيران حزب الله ودخول جماعة أنصار الله في اليمن على خط المواجهة.

خامساً: يشير مضمون الآراء بشكل عام إلى تصور بأن الحرب ستنتهي بترتيب أمريكي-إيراني لا بهزيمة عسكرية حاسمة، وأن إسرائيل ستجد نفسها أمام نتيجة يحددها ترامب لا هي.

سادساً: تقاطع أزمة التجنيد مع خطاب الحرب يكشف تصدعاً اجتماعياً لا تعالجه الحكومة، بل تستغله. فالتصويت على قانون الإعفاء من التجنيد أثناء تحذير رئيس الأركان من الانهيار، وتحويل الكنيست إلى ساحة لتعزيز قوة الائتلاف الحاكم في ظل المعارك، يُظهران أن الحكومة تدير حرباً وائتلافاً في آن واحد على حساب المصالح القومية.

سابعاً: الأرجح، بناءً على مجمل الخطاب، أن المرحلة المقبلة ستشهد تصعيداً أمريكياً أخيراً يعقبه ترتيب لوقف إطلاق نار لا يحقق الأهداف القصوى المُعلنة. سيُفضي ذلك إلى أزمة شرعية داخلية في اسرائيل حول تعريف النصر والهزيمة، وإلى جولة صراع سياسي على المسؤولية عن الفجوة بين الوعود والنتائج.

ثامناً: تأتي معظم الأصوات الناقدة لنتائج الحرب وتطوراتها والمعارضة لأداء الحكومة من تيارات اليسار والوسط والمؤسسات ذات الخلفية الأمنية والعسكرية المهنية مثل معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي. بينما تتركز الأصوات المؤيدة أو الداعية لاستمرار الحرب في تيارات اليمين الديني والقومي والشخصيات المقربة من الحكومة الإسرائيلية أو المتوافقة مع أهدافها. مع الأخذ بعين الاعتبار أن حتى في أوساط اليمين تبرز أصوات ناقدة للأداء الحكومة في الحرب، ولكن هذا النقد بالمجمل ينطلق من افتراض أن هناك ضرورة لاستمرار الحرب وتصعيدها، وفي المقابل هناك أصوات من خلفيات أمنية واستراتيجية تنظر بعين الريبة إلى مسألة وقف الحرب دون استراتيجية واضحة لما قد يعنيه ذلك من تعزيز لموقع إيران وتحفيزها على امتلاك سلاح نووي.

المحور الأول: الأصوات الناقدة والمخاوف من استمرار الحرب

غياب استراتيجية الخروج

يمثّل التحذير من غياب استراتيجية خروج واضحة الموقف التحليلي الأبرز ضمن المواد التي تمت معالجتها. يحاول أودي ديكيل من معهد أبحاث الأمن القومي تأطير المشكلة بوصفها جوهرية وليست تكتيكية؛ فإسرائيل، وفقا لتحليله، محاصرة بعقيدة “الأمن المطلق” التي تقود إلى حرب مستدامة، إذ يُعرَّف الأمن بوصفه إزالة كل تهديد في مراحل تشكّله الأولى، وعليه يُنظر إلى أي نتيجة أخرى بوصفها قصوراً، وإلى أي ترتيب بوصفه استسلاماً، وإلى أي إنجاز بوصفه جزئياً.

يحدد ديكيل فخّين استراتيجيين بناء على ذلك: وقف إطلاق نار بلا آليات تنظيم فعّالة للملفين النووي والصاروخي الإيرانيين، ما يترك إسرائيل أمام احتمال جولات هجومية متكررة على إيران؛ أو حرب استنزاف بلا نقطة خروج. ويستند في ذلك إلى استمرار إطلاق الصواريخ الإيرانية رغم الأضرار الهائلة، وقدرة حزب الله على البقاء، وغياب أهداف سياسية محددة تتجاوز التدمير العسكري.

يستشهد أور هورفيتش من المعهد الإسرائيلي لسياسات الشعب اليهودي  في تأكيد ذلك بمقولة الفيلسوف الصيني سون تزو: “التكتيك بلا استراتيجية هو الضجيج الذي يسبق الهزيمة”. يُقرّ هورفيتش بأن الإنجازات العملياتية استثنائية، لكنه يحاول إثبات أن “بنك الأهداف النوعية” يتضاءل فيما تواصل إيران الاستنزاف عبر إطلاق متواصل للصواريخ. يكمن جوهر قلقه في أن الحرب تمتد بلا أهداف عسكرية واضحة وبلا استراتيجية خروج، في إيران ولبنان في آن واحد.

يشخّص غيل مورسيانو، مدير معهد ميتفيم، إخفاقاً في تحويل الإنجازات العسكرية إلى مخرجات سياسية: إسرائيل يُنظر إليها إقليمياً بوصفها “بلطجياً ضعيفاً” يستطيع فعل ما يشاء عسكرياً لكنه لا يقدّم شيئاً دبلوماسياً. يستند هذا التشخيص إلى ندوة معهد ميتفيم التي وجد فيها عدد من الباحثين أن افتراض “التطبيع عبر القوة” يتقوّض بفعل الحرب الحالية.

يحاول عيران عتسيون، رئيس برنامج إيران في معهد ميتفيم، التحذير من التداعيات البعيدة المدى، مشيراً إلى أن الهجوم على إيران سيُعيد تشكيل المنطقة والساحة الدولية ومنظومة حظر الانتشار النووي لسنوات وربما عقود. ويلفت إلى أن إيران على الأرجح أخفت أصولاً نووية في مواقع غير مُعلنة استعداداً لهجوم كهذا، مما يعني أنه “لا يمكن القول إن البرنامج النووي قد أُبيد”.

تآكل الثقة الشعبية: دلائل الاستطلاعات

يُوثّق استطلاعان رئيسيان تآكلا في الدعم والثقة في الشارع إسرائيل بإمكانية تحقيق أهداف الحرب المعلنة. حيث يكشف استطلاع معهد أبحاث الأمن القومي الذي أُجري في 29-30 مارس عن تراجع التأييد لاستمرار الحرب حتى إسقاط النظام من 63% في الأيام الأولى إلى 54% بعد أسبوعين ثم إلى 45.5% بعد شهر. وتراجع تقدير المستطلَعين بأن النظام الايراني سيتضرر بشكل جوهري من 69% إلى 43.5%، وبأن المشروع النووي سيتضرر بشكل جوهري من 62.5% إلى 48%. في الوقت ذاته، أيّد 63% من المستطلَعين اليهود تحذير رئيس الأركان بأن تعدد المهام المُلقاة على الجيش في جبهات مختلفة مع تجنّب توسيع قاعدة التجنيد قد يقود الجيش “للانهيار على نفسه”.

يكشف استطلاع معهد سياسات الشعب اليهودي في 31 مارس أن 10% فقط يعتقدون أنه لن تكون حاجة لحرب إضافية مع إيران بعد هذه الحرب، فيما يعتقد 43% أن الوضع في إيران لن يتغير بما يكفي لمنع حرب أخرى. وتراجعت الثقة بأن الحرب ستغيّر الوضع الإقليمي نحو الأفضل على المدى البعيد من 65% إلى 53%. كما يشير الاستطلاع إلى تدهور بأثر رجعي في تقييم عملية “شعب كالأسد” في يونيو 2025، حيث ارتفعت نسبة من يقولون إن نتائجها كانت “أسوأ مما اعتقدوا” من 25% إلى 42%.

تبعات الحرب في أمريكا وأثرها على إسرائيل

يُجمع كتّاب من مختلف أطياف الطيف السياسي على القلق من سلوك الرئيس الأمريكي، وإن اختلفت أسباب قلقهم. يشير ألداد شافيت في يديعوت أحرونوت أن ترامب لا يريد الانجرار إلى “حرب أبدية أخرى”، لكنه لا يستطيع التوقف بلا صورة نصر تثبت أنه لم يكتفِ بضرب إيران فقط، بل بأنه غيّر قواعد اللعبة.

يقدم روتم أورغ في صحيفة دافار تحليلا يشير إلى تحول حرب إيران إلى “فيتنام ثانية” أو “عراق ثالثة” ووصمة أخلاقية على كل سياسي أمريكي أيّدها، “فإن الرائحة ستلتصق بإسرائيل أيضاً، والحساب سيُقدَّم بارداً”. ويتتبع أورغ كيف يعتقد الجمهور الأمريكي بشكل متزايد أن إسرائيل جرّت الولايات المتحدة إلى الحرب.

يُوثّق تيد ساسون وأفيشاي بن ساسون-غورديس من معهد أبحاث الأمن القومي النقاش الأمريكي الداخلي، حيث تشكّلت داخل إدارة ترامب نفسها سرديّتان متنافستان حول دور إسرائيل. الأولى تشيد بها بوصفها حليفاً موثوقاً و”مضاعف قوة” وفق تعبير وزير الدفاع هيغسيث، والثانية تصوّرها كحليف يتلاعب بأمريكا ويجرّها إلى حرب. ويشير ذات التقرير إلى ترسيخ الاتجاهات القائمة كتراجع التأييد لإسرائيل بين الديمقراطيين والشباب، وصعود أصوات معارضة لنمط التحالف القائم حتى داخل الائتلاف الجمهوري ذاته.

التوظيف السياسي الداخلي للحرب

يحاول عدد من الكتّاب إثبات أن نتنياهو يستغل الحرب لأغراض سياسية داخلية. تصف دانا بان لوزون في يديعوت الوضع بالحرب ذاتها منذ 7 أكتوبر، أكثر من 900 يوم: “جبهات تُفتح وتُغلق: غزة، لبنان، إيران، والآن الحوثيون مجدداً. جبهة أخرى تستيقظ رغم أنهم قالوا لنا إننا انتصرنا منذ زمن”.

يرسم أفي يسسخاروف في يديعوت أحرونوت مقارنة مع تشرشل: “تشرشل، بخلاف رئيس حكومتنا، لم يحاول إخفاء الحقيقة المؤلمة عن جمهوره”. نتنياهو أعلن النصر فعلياً في اليوم الأول للحرب على إيران، بينما أعلن تشرشل في بريطانيا في بداية الحرب العالمية الثانية بأن الذي ينتظرهم: “الدم والكدح والدموع والعرق”.

يشير نحوم بارنيع في يديعوت أحرونوت إلى خلاف متصاعد بين قيادة الجيش الإسرائيلي والقيادة السياسية حين يصف المؤسسة العسكرية بأنها بلغت حدّ السأم. لا يدور الحديث عن تذمّر بقدر ما يعبر عن أزمة تتعلق بإمكانية تحمّل الجيش وزن جبهات متعددة في وقت واحد: إيران ولبنان وغزة، ثم انضمام الحوثيين مجدداً إلى المعادلة بعد فترة هدوء قصيرة. الإطار العملي الذي يستند إليه هذا التوصيف هو تحذير رئيس الأركان المتكرر في الأسابيع الأخيرة من أن الجيش قد “ينهار على نفسه” إذا استمر تكليفه بمهام دون توسيع قاعدة التجنيد. وقد أيّد 63% من المستطلَعين اليهود في استطلاع معهد أبحاث الأمن القومي هذا التشخيص، مما يدل على أن قلق المؤسسة العسكرية تجاوز حدود غرف القيادة وانتقل إلى الرأي العام.

البُعد الاخر هو أزمة التجنيد التي تكشف عن تناقض صارخ في إدارة الحكومة للملف. في الوقت الذي يطلب فيه رئيس الأركان توسيع قاعدة التجنيد لإسناد جنود الاحتياط الذين يخوضون جولات متواصلة منذ أكثر من عامين، تتحرك الحكومة في الاتجاه المعاكس تماماً. تعلن لجنة الخارجية والأمن في الكنيست بقيادة النائب بوعز بسموت تجديد قانون الإعفاء من التجنيد لطلاب المدارس الدينية الحريدية، وهو الإعلان الذي جاء بطلب مباشر من رئيس الحكومة وفقاً لتصريح بسموت ذاته أمام الكنيست. يقابل هذا التحرك صفقة ائتلافية تحوّل بموجبها مليارات الشواقل إلى المؤسسات الحريدية لإسناد الأحزاب الحريدية في بقائها داخل الائتلاف، رغم أن أكثر من 80 ألفاً من طلاب المدارس الدينية يُعدّون اليوم متهربين قانونياً من الخدمة. يلخّص الجنرال غادي إيزنكوت هذا التناقض قائلا: “أي إطار لا يجلب كل مواطني إسرائيل إلى الخدمة هو عار”.

في المقابل، يقدّم تحليل في سيحا ميكوميت موقفا أكثر حدة حيث يرى أن سموتريتش، رئيس حزب يحصل على ثمانية مقاعد في الكنيست الحالية ويتأرجح في الاستطلاعات حول نسبة الحسم، يشترط بقاء حزبه في الحكومة بمواصلة القتال في غزة وبشنّ عملية عسكرية في الضفة الغربية. المعادلة التي يرسمها التحليل واضحة: حزب صغير يحوّل دماء الجنود والمدنيين، إسرائيليين وفلسطينيين، إلى عملة تفاوض ائتلافية. يصف الكاتب هذه الظاهرة بأنها سابقة لا مثيل لها، إذ إن الأحزاب الإسرائيلية عارضت في الماضي انسحابات واتفاقات سياسية، لكن لم يسبق أن اشترط حزب استمرار القتال وتوسيعه كثمن لعدم إسقاط الحكومة. يلتقي هذا التشخيص مع ما يصفه بارنيع من فجوة بين المؤسسة العسكرية والطبقة السياسية: الجيش يطلب موارد بشرية لا يحصل عليها، والائتلاف يطلب دماء إضافية مقابل بقائه. المسافة بين الطلبين تختصر الأزمة الداخلية التي تخوض إسرائيل حربها الراهنة في ظلها.

المحور الثاني: الأصوات المؤيدة للحرب ومبرراتها

الضرورة الوجودية واللاهوتية

يقدّم دان دييكر من المركز الأورشليمي للشؤون العامة الحجة اللاهوتية-الاستراتيجية في مقال مطوّل: استمرار إيران في القتال رغم الأضرار الهائلة ليس شذوذاً عسكرياً، بل “تخطيط لاهوتي”. يحاول إثبات أن النظام يعمل وفق عقيدة جهاد شيعي مستمر مبنية على نموذج كربلاء، مما يجعلها “مهمة حضارية”. ويقارن بألمانيا النازية واليابان الإمبراطورية اللتين استسلمتا في ظروف مماثلة، مؤكداً أن إيران لن تستسلم لأن دافعها ديني وليس براغماتياً. يستخلص أن الدروس المستفادة من هيروشيما وأزمة صواريخ كوبا واستراتيجية ريغان في الحرب الباردة تشير إلى مبدأ مشترك: القوة الحاسمة والعزيمة الموثوقة وفرض تكاليف لا تُحتمل تقود في النهاية إلى الانتصار.

يشير بوعز هعتسني في يديعوت أحرنوت إلى أن الخطر الإيراني يتجاوز التهديد النووي، إذ يمتلك النظام “أيديولوجيا خلاصية ذات طموح هيمنة عالمي”. وتهدف إلى السيطرة على المنطقة ومصادر طاقتها. ويحاول إثبات أن إيران نووية “لا تشبه مطلقاً كوريا الشمالية أو باكستان النوويتين اللتين اكتفتا بإنتاج تأمين على الحياة لنفسيهما”.

يفحص يتسحاق مانسدورف من المركز الأورشليمي للشؤون العامة في مقاله حول الحرب النفسية السبب الذي يدفع إيران إلى الاعتماد على آلياتها. ويحاول إثبات أن لجوء طهران إليها لا يمثل خياراً استراتيجياً بقدر ما هو دلالة على تآكل قدراتها العسكرية، إذ كلّما ضاقت الخيارات التقليدية لدى طرف ما، اشتدّ اعتماده على إدارة الإدراك. يستحضر مانسدورف نموذج معركة برلين الأخيرة في الحرب العالمية الثانية حين لجأت الدعاية النازية إلى ادعاءات النصر و”السلاح الخارق” Wunderwaffen في أعقاب تدهور موقفها الميداني، ويعتبر أن النمط ذاته يتكرر اليوم في الخطاب الإيراني الرسمي. انطلاقا من ذلك، فإن نجاح إسرائيل والولايات المتحدة في الميدان هو ما يفسّر تصاعد الحملة الإعلامية الإيرانية، وأن التراجع الميداني للنظام يستلزم مواصلة الضغط لا التراخي عنه.

النافذة الاستراتيجية والإنجاز العسكري

يحاول أمير أفيفي في يديعوت أحرونوت تأطير المواجهة بوصفها ليست جولة محدودة أخرى، بل صراعاً شاملاً ذا تداعيات إقليمية ودولية، تقف في مركزه عزيمة مشتركة بين واشنطن واسرائيل لتحقيق حسم استراتيجي لملف إيران ولشبكة الوكلاء التي بنتها عبر سنوات. ويستند إلى أن الجزء الأكبر من القدرات العسكرية المباشرة لإيران تضرر أو دُمّر بالفعل.

يقدّم تساحي هنغبي في يديعوت أحرنوت تقييماً مفصلاً لحصيلة الشهر الأول، على صعيد الإنجازات يُورد هنغبي خمس نقاط: أولاً، الضرر متعدد الأبعاد في البنى التحتية الأمنية التقليدية لإيران بما يشمل منظومات الدفاع الجوي وقواعد الحرس الثوري ومخازن الذخيرة؛ ثانياً، تصفية المرشد الأعلى علي خامنئي إلى جانب عشرات من قادة الحرس الثوري وضباط الاستخبارات في الموجة الافتتاحية للعملية؛ ثالثاً، إلحاق ضرر جوهري بقدرات إنتاج الصواريخ والطائرات المسيّرة ومنصات إطلاقها؛ رابعاً، إضعاف شبكة الوكلاء بسبب تقطّع الاتصال والتنسيق المركزي مع طهران؛ خامساً، فرض حرية عمل جوية شبه مطلقة فوق سماء إيران.

غير أن هنغبي يُورد في المقابل خمسة إخفاقات متمثلة في: قدرة إيران المستمرة على إطلاق الصواريخ والمسيّرات رغم عمق الاستهداف، نجاح طهران في إغلاق مضيق هرمز جزئياً وفرض كلفة اقتصادية عالمية، بقاء عناصر من المنظومة النووية فاعلة في مواقع غير مُعلنة، صمود حزب الله ومواصلة إطلاقه نيراناً غير مسبوقة من جنوب لبنون، وغياب أي إشارة عملية إلى انهيار داخلي للنظام في طهران. هذا التوازن بين الإنجاز والإخفاق يجعل تقييم هنغبي أقرب إلى ميزانية واقعية منه إلى دفاع حماسي عن المسار الراهن، وهذا ما يدفع إلى الاعتقاد بأنه لا يرى أن  هناك إمكانية لوقف الحرب دون التعامل مع الإخفاقات التي ظهرت خلالها.

تؤكد مقابلة بثّتها أيلانا دايان في برنامج “عوفدا” على القناة 12 على أهمية استمرار الحرب. يظهر في المقابلة عميل تابع لجهاز الموساد كان متمركزاً داخل إيران ليلة افتتاح عملية “شعب كالأسد” قبل عام، ويصف عمليةً اعترض فيها منصة إطلاق صواريخ باليستية كانت جاهزة للإطلاق نحو إسرائيل وتمكّن من تدميرها من الداخل. تُقدَّم الشهادة لدى التيارات المؤيدة للحرب بوصفها دليلاً على عمق الاختراق الاستخباراتي الإسرائيلي داخل إيران، وعلى أن الإنجاز العملياتي ليس مجرد قصف جوي بل بنية مخابراتية متراكمة عبر سنوات تتيح ضرب الأهداف من الداخل. مما يعني أن كم وبنية المعلومات الاستخباراتية فريدة ويصعب استنساخها لاحقاً، وأن التخلي عنها سيُهدر أصولاً مخابراتية لا يمكن إعادة بنائها بسرعة.

يطرح أسف أوريون من معهد أبحاث الأمن القومي إطاراً استراتيجياً يسمّيه “درع إبراهيم”، يحاول من خلاله إثبات أن إيران تستهدف نقطتين في “البطن الرخوة” للحملة الأمريكية-الإسرائيلية: سوق النفط العالمي ودول المنطقة الهشّة. الردّ الذي يقترحه أوريون يتكوّن من ثلاثة طرق متزامنة: تعزيز أمن الشركاء الإقليميين عبر منظومات حماية مشتركة، وتثبيت أسواق الطاقة عبر التنسيق مع دول الخليج المنتجة، وقمع قدرات النظام في طهران بشكل متواصل. وعليه، فإن إيقاف الحرب قبل تعطيل هذه الاستراتيجية الإيرانية يعني تركها للاستنزاف اللاحق للمصالح الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة.

يحاول أفيرام بلايش من المركز الأورشليمي إثبات أن إيران لم تكتفِ بتهديد حرية الملاحة، بل تحاول تحويل المضيق إلى آلية فلترة وجباية وعقوبات؛ ووفقاً لما ينقله بلايش، فإن أكثر من عشرين سفينة عبرت خلال الأيام الأخيرة عبر مسار معتمد قرب جزيرة خرج مقابل دفع رسوم تصل إلى نحو مليوني دولار للسفينة الواحدة. ويستخلص بلايش أن دولة خاضعة للعقوبات تحاول التصرف كدولة تفرض هي العقوبات على العالم الحر، وأن السماح لهذا النموذج بالاستقرار يعني الإقرار بانقلاب جوهري في النظام التجاري الدولي. الاستنتاج المشترك بين أوريون وبلايش هو أن استمرار الحملة العسكرية ليس خياراً، بل ضرورة لمنع تكريس آلية الابتزاز الإيرانية وإبقاء أسواق الطاقة العالمية رهينة لقرار يتخذ في طهران.

نزع السلاح النووي كشرط غير قابل للتفاوض

يؤكد تامير هايمان وراز تسيمت من معهد أبحاث الأمن القومي على أن نموذج الاتفاق النووي انتهى. ويحاولان إثبات أن النظام الإيراني الناجي من الحرب سيتبنى على الأرجح عقيدة أمن قومي تعتمد على السلاح النووي بوصفه وسيلة الردع الوجودي الوحيدة. وبالتالي يتعين على إسرائيل الإصرار على التفكيك الكامل لبنى تخصيب اليورانيوم والقدرات التكنولوجية المرتبطة بها، كشرط ضروري لإنهاء الحرب سواء عبر المسار الدبلوماسي أو العسكري.

يتعين هنا توضيح موقع معهد أبحاث الأمن القومي في هذه النقاشات تجنّباً لأي خلط منهجي. الموقف الذي يطرحه هايمان وتسيمت لا ينطلق من ولاء أيديولوجي للحرب، بل من اعتبارات عملية تتصل بالمرحلة التي بلغتها المواجهة. مفاد منطقهم أن الحرب اندلعت بالفعل، وأن إيقافها قبل تفكيك البنية التحتية للتخصيب سيُفضي إلى نتائج أخطر مما كان قائماً قبل اندلاعها، إذ سيخرج النظام الإيراني من المعركة وقد رسّخ قناعته بأن السلاح النووي وحده يضمن بقاءه.

هذا الموقف ينسجم مع الإطار التحليلي العام للمعهد، الذي يضع غياب الاستراتيجية في صدارة قلقه، ولا يتعارض مع تحفظات أودي ديكيل وغيره من باحثي المعهد التي وردت في القسم الأول من هذا التقرير. ما يدعو إليه هايمان وتسيمت هو إدارة مخاطر قبل فوات الأوان، لا تأييد للحرب من حيث المبدأ؛ فهما يرسمان تشخيصاً يقول إن إنهاء الحرب دون تفكيك القدرة النووية سينتج تهديداً أعمق من ذلك الذي قامت الحرب للتعامل معه أصلاً، وأن الكلفة التي دُفعت بالفعل تستوجب إكمال المهمة لا ترك الإنجاز ناقصاً.

تُسهم مقابلة في معاريف مع خبيرة نووية في تعزيز هذا الموقف: لدى واشنطن واسرائيل الآن “فرصة تاريخية لإزالة أخطار الانتشار المستقبلية لإيران”، لكن فقط إذا تصرفتا بحزم. وتُفصّل كيف أوجدت ضربات يونيو 2025 اختناقات حادة وأن الحملة الحالية يمكن أن تُنجز المهمة.

منطق تغيير النظام

يرسم أفيرام بلايش من المركز الأورشليمي خطة من أربع مراحل لتغيير النظام: أولاً، قطع الرأس عبر تصفية القيادة مع استهداف متواصل للبدلاء؛ ثانياً، تدمير القدرات بالتوازي؛ ثالثاً، تغيير السلوك بحيث لا تكون هناك حاجة لموافقة سياسية على كل عملية تصفية؛ رابعاً، خلق ظروف للانشقاق الجماعي وتقديم ضمانات لمسؤولين من الداخل.

يناقش يتسحاق مانسدورف من المركز ذاته سيكولوجيا تغيير النظام، ويشير إلى أن منطق تغيير النظام يصحّ فقط إذا انتقل البديل من نموذج ديني صلب إلى أساس علماني-براغماتي. لكنه يحذر من فخ “المزيد من نفس الشيء”: إذا بقيت البنية التحتية الأيديولوجية الشيعية سليمة، فإن القيادة الجديدة ستُنتج السلوك ذاته.

يصف بن-درور يميني في يديعوت أحرونوت ترامب في البداية بأنه “تشرشل” الذي احتاجه الغرب، خائضاً “الحرب الأكثر عدالة منذ الحرب على النازية”. لكن مقالاته اللاحقة تعبّر عن خيبة أمل مما يصفه بـ”الانكفاء المخزي”.

يستخلص يوني بن مناحيم من المركز الأورشليمي للشؤون العامة من خلال قراءته للدائرة الحاكمة في طهران بعد تصفية القيادة بأن أي نقاش جدي حول وقف الحرب لن ينطلق إلا حين تشعر الحلقة الداخلية بأن الدولة استنزفت قوتها العسكرية وأن استمرار القتال سيُعمّق الأزمة. تُستخدم هذه القراءة لدى مؤيدي الاستمرار بوصفها برهاناً على أن الضغط العسكري لم يكتمل بعد، وأن أي توقف مبكر للحرب سيساهم في منع النظام من الشعور بالاستنزاف الذي يُفترض أنه شرط أي تسوية حقيقية.

إن أي توقف مبكر وفقا لبن مناحيم سيُعيد إنتاج النظام نفسه بوجوه جديدة، ويحاول التأكيد على أن حلقة النظام الحاكمة لم تصل بعد إلى نقطة الكسر التي تستدعي قبولها بوقف الحرب.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى