بعد الانتهاء من المناطق “ج”.. المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية ينتقل للمناطق “ب”

تتوسّط المناطق (ب) الخارطة الجيوسياسية للضفة الغربية، متموضعةً بين المناطق (أ) التي تضمّ الكثافة السكانيّة الأكبر، والمناطق (ج) الخاضعة للسيطرة الإسرائيليّة الكاملة، إداريًّا وأمنيًّا. وتستحوذ هذه المناطق على مساحة تُقدّر بـ 22-25% من إجمالي أراضي الضفة الغربية، حيث تشمل معظم القرى والبلدات الفلسطينية المحيطة بالمدن الرئيسة (التي تقع في المنطقة (أ))، ويصل عدد تجمعاتها، وفقًا للتقارير الأممية، 440 تجمعًا سكانيًا[1]. أمّا ديموغرافيًّا، فتشير التحليلات إلى أنّ الكثافة السُكانية في المناطق (ب) تقدّر ما بين 1.1-1.3 مليون فلسطيني، أي ما يعادل حوالي 41% من إجمالي الفلسطينيين القاطنين في المنطقتين (أ) و(ب) معًا، والذين يقدّر عددهم الإجمالي بنحو 2.8 إلى 3 ملايين نسمة.
بموجب بنود اتفاقية أوسلو، تخضع هذه المناطق للسيطرة المدنية الفلسطينية والإدارة الأمنية الإسرائيلية، ما يعني أنّ السلطة مسؤولة فيها عن إدارة الشؤون المدنية، والخدمات، والتعليم، والصحة للسكان الفلسطينيين، بينما تتحكم إسرائيل بالحركة والأمن. ورغم أنّ هذه السيطرة الأمنية الإسرائيلية، وجدت بالأساس كذريعة لحماية المستوطنات الواقعة في المناطق (ج)، إلا أنّ أطماع التوسع الاستيطاني، التي أوشكت على ابتلاع المناطق (ج) بالكامل، لم تتوقف عند حدودها؛ إذ بدأت منذ عام 2020، بالامتداد تخطيطيًا نحو المناطق (ب)، ليتوافق ذلك مع توسّع فعلي انطلق منتصف عام 2024، تحت مسميات ومبررات مختلفة.
بناءً على ذلك، تسلّط هذه المادة الضوء على تصاعد الخطوات الاستيطانية، الرسمية وغير الرسمية، التي تستهدف المناطق (ب)، مع رصد وتحليل الأدوات والوسائل الموظفة لهذا الغرض. وتبرز في هذا السياق بؤر “فتيان التلال” الرعوية، ومشاريع حماية الآثار والتراث “اليهودي” كأدوات إستراتيجيّة تستخدم لتوسيع المشروع الاستيطاني نحوها.
بدايات التوسع الاستيطاني تجاه المناطق “ب”
مع نهاية عام 2010، أطلقت الحكومة الإسرائيلية مشروع إنشاء طريق (E1) الذي أسماه نفتالي بينيت عام 2020 “طريق السيادة”. يمتدّ هذا المسار في قلب الضفة الغربية على مساحة 12 كيلومترًا مربعًا، بهدف الربط بين الكتلة الاستيطانية الكبرى في القدس “معاليه أدوميم” ومستوطنة “بسجات زئيف”، ما يؤسس لمنطقة اقتصادية إسرائيلية خالصة. ومن الناحية الجيوسياسية، يمثل هذا الطريق أداة لبتر التواصل الجغرافي الفلسطيني، حيث يمرّ عبر تجمعات بدوية وقرى فلسطينية حيوية، أبرزها: الخان الأحمر وأبو ديس والعيزرية وعناتا، الأمر الذي يمكّن إسرائيل من فرض سيطرتها على مساحات شاسعة من الضفة الغربية، ويقضي عمليًّا على أي أفق لإقامة دولة فلسطينيّة متصلة وقابلة للحياة[2].
ورغم أنّ مخططات الشق والتعمير الاستيطانيّة لا تخترق المناطق (ب) بشكل مباشر في بعض المواقع، إلا أنّها تطوّقها وتلامس حدودها في جهاتٍ أخرى، مقتربةً منها بدرجةٍ كبيرة (كما في العيزرية وأبو ديس وعناتا)، لا سيّما في المنطقة الواقعة جنوبي مستوطنة “معاليه أدوميم”، والمناطق المحاذية لقرى رام الله وشرق القدس. ويؤدّي هذا التمدّد إلى عزل التجمعات الفلسطينية المتاخمة، وشل قدرتها على التوسع العمراني أو النشاط الزراعي، ما يخضعها للسيطرة الإسرائيليية حتى في غياب قرار الضم الرسمي.
وفقًا لمنظمة السلام الآن الإسرائيلية، فقد قدم سكان عددٍ من التجمعات والبلديات التي تتقاطع أراضيها بين المنطقتين (ب) و (ج) التماسًا إلى المحكمة العليا عام 2021، احتجاجًا على المسار الجديد للطريق الذي سيؤدي إلى عزلهم عن محيطهم، وسيمر بمحاذاة منازلهم. غير أنّ المحكمة ردّت بذرائع إجرائيّة وصفت فيها الالتماس بأنّه سابق لأوانه. ومع بدء التنفيذ الفعلي لشقّ الطريق، منح النائب العام السكان مهلة لم تتجاوز 45 يومًا للاعتراض، قبل أن يصادر هذا الحقّ كليًّا بذريعة أنّه “طريق أمني”.
لم يكن طريق السيادة المحاولة الأولى لتمدّد الضم من المناطق (ج) إلى المناطق (ب)، لا سيّما في محيط القدس وبيت لحم، إذ سبقته ثلاث محطّات استيطانية جسّدت هذه السياسة، بدأت بمستوطنة معاليه رحبعام (شرقي بيت لحم). أُنشئت هذه المستوطنة كبؤرة عشوائية أواخر التسعينيات على أراضٍ مصنّفة ضمن المنطقة (ج)، ثم توسعت خلال العقد الماضي (منذ عام 2010 فصاعدًا)؛ لتبتلع مزارع وتجمعات رعوية تتبع بلدة تقوع ومنطقة جبل عش الغراب، والتي يتداخل بعضها مع حدود المناطق (ب). ولم يقتصر الأثر على المصادرة المباشرة، بل امتدّ إلى البنى التحتية والطرق الالتفافية المحيطة بها لتخنق الأراضي الزراعية المجاورة والمصنّفة (ب)؛ وذلك ضمن مسعى إستراتيجي لربط المستوطنة بالبؤر المحيطة بها في مناطق (ج).
وينطبق هذا النهج التوسعيّ على بؤرة حفات جلعاد (غربي نابلس) التي أُنشِئت عام 2002، ثم شُرعنت لاحقًا عام 2018، وتوسعت عبر الاستيطان الرعوي وشبكة طرقها الالتفافية على حساب مساحات زراعية تابعة لقريتي “جيت” و”صرة” المصنّفتين ضمن المناطق (ب). وقد بدأت ملامح هذا القضم الميداني في أكتوبر 2019، حين نصبت خيام زراعية وحظائر للمواشي أفضت إلى شق طريقٍ آخر نحو الطرق الالتفافية. وفي تطور خطير عام 2025، أعلنت السلطات الإسرائيلية مصادرة 455 دونمًا من أراضي قرى “جيت” و”تل” و”فرعتا”، لضمها رسميًّا للبؤرة.
أما النموذج الثالث والأحدث، فتجسّده بؤرة كومي أوري المتاخمة لمستوطنة يتسهار (جنوبي نابلس)؛ وعلى الرغم من وقوعها رسميًا ضمن المنطقة (ج)، إلا أنّها أنشئت عام 2017 لتكون قاعدة للتمدّد الاستيطاني والاندماج مستقبلًا مع المستوطنة الأمّ عبر التوسّع في أراضي (ب). وقد بدأت ترجمة هذا المخطّط ميدانيًّا في أيلول 2023، حين وُثِّقَت أعمال بناء وتوسعة شملت أكثر من ستة دونمات من أراضي بلدة عينابوس. ولم يتوقّف الزحف عند هذا الحدّ، بل شهد شهرا مايو ويونيو من عام 2025 توسّعًا أكبر للبؤرة؛ حيث استولت على مساحاتٍ إضافيّة من الجهة الشرقية لبلدة عصيرة القبلية، وتحديدًا في الموقع المعروف بـ “حبايل عامر” من أراضيها.
فتيان التلال والاستهداف الممنهج للمناطق “ب”
تؤكد الحالات السابقة تكريس نمط “الاستيطان الزاحف” الذي يقوم على إستراتيجيّة إنشاء بؤر متاخمة للمناطق (ب)، ثم توظيف الاستيطان الرعوي أو الزراعي أو التمدد في شبكات الطرق والبنى التحتية لمصادرة وضم أراضٍ فلسطينية مجاورة تحت مسمى “مناطق نفوذ مستوطنات”. وقد أفضى هذا النهج إلى فرض سيطرة فعلية على جميع المناطق (ج) المحيطة بها، بالتوازي مع محاولات حثيثة لإخضاع المناطق (ب) لذات الهيمنة؛ حيث تتدخّل الحكومة في مرحلة لاحقة لشرعنة هذه المساحات الجديدة، ودمجها ضمن خطط التطوير العام، وإحكام قبضتها عليها عبر منظومة من الإجراءات الإدارية والقانونية والتشريعية.
شهد عام 2024 تحوّلًا نوعيًّا في استهداف المناطق (ب)؛ حيث انتقلت مجموعات فتية التلال من الزحف البطيء من الأطراف إلى فرض الأمر الواقع عبر إقامة بؤر استيطانية في عمق هذه المناطق. ولأول مرة منذ توقيع اتفاقية أوسلو، وثّق فريق مراقبة المستوطنات التابع لحركة السلام الآن إنشاء سبع بؤر استيطانية في عمق المنطقة (ب)، خمسٌ منها أُنشئت في المنطقة المعروفة باسم ” محمية الاتفاق”[3] الواقعة شرقي وجنوبي بيت لحم. كما أُنشئت بؤرتان استيطانيتان إضافيتان شرقي رام الله، إحداهما جنوبي مستوطنة عوفرا، على أراضي قرية عين يبرود الفلسطينية، والأخرى على أراضي قرية ترمسعيا.
ومن خلال الاستيطان الرعوي، الذي يبدأ بإنشاء مكثف للبؤر الرعوية حول المستوطنات الكبرى ثم الضغط على الحكومة لاستيعابها وضمها، تمكنت المنظمات الاستيطانية من السيطرة على مساحة 786 ألف دونم من أراضي الضفة الغربية، أي ما يقارب 14% من المساحة الكلية. وتعدّ هذه المساحة أكبر من المساحة الإجمالية لجميع المستوطنات التقليدية مجتمعة. ويظهر التسلسل الزمني قفزات في معدّل القضم المكاني، فبعد أن كانت السيطرة تقتصر في عام 2012 على 29 ألف دونم، تضاعفت لتصل في عام 2018 إلى 116 ألف دونم، ثم قفزت إلى 312 ألف دونم عام 2020، وصولًا إلى الذروة بنهاية عام 2025 بمساحة بلغت 786 ألف دونم. وتتوزع هذه السيطرة بين بؤر تابعة للكتل الاستيطانية الكبرى، وأخرى مستقلة تتوغّل في العمق وتقترب من تخوم المناطق (ب).
بلغت مساحة الأراضي المستولى عليها عبر الاستيطان الرعوي في المنطقتين (أ) و (ب) ، نحو 4.4% من إجمالي المساحات التي تمت السيطرة عليها بنهاية عام 2024. ومع نهاية عام 2025، ارتفعت نسبة البؤر الاستيطانية في المنطقة (ب)، حيث شكّلت 13.5٪ من مجموع البؤر الاستيطانية التي أنشئت في العام الماضي، بمساحة قدرها 11.670 ألف دونم.
اللافت في هذا السياق، أنه حتى بُعيد الاستيطان تواصل هذه الجماعات تحايلها على قوانين الاحتلال -غير الشرعية أصلًا- لتوسيع رقعة سيطرتها. فوفقًا لتقرير جمعيتي كرم نابوت والسلام الآن، الخاص بالاستيطان الرعوي خلال 2024-[4]2025، فإن دائرة الاستيطان خصصت في أحد عقودها مساحة تفوق الألف دونم داخل المناطق (ب) لصالح أحد المستوطنين. ويُؤكد التقرير أن جميع المساحات المسجلة في العقود لا تتطابق مع المساحات المشمولة على الخرائط، ما اعتُبر “خطأً متعمدًا يهدف إلى تسهيل سيطرة المستوطنين على أراضٍ ليست لهم”.
وإلى جانب التوسّع الإنشائي في البؤر الاستيطانيّة المتاخمة للمناطق (ب)، يمارس فتيان التلال دورًا أخطر يهدف إلى دفع الفلسطينيين إلى الرحيل القسري عن قراهم، تكرارًا لسيناريو التهجير الذي طال التجمعات البدوية المنتشرة في المناطق (ج). وخلال العامين الأخيرين، 2024-2025، رُصِد تصاعد حادّ في وتيرة عنف المستوطنين الموجّه نحو المناطق (ب)، بالتزامن مع استنفاد أهداف التهجير في المناطق (ج)، حيث سجل عام 2024 أكثر من 1420 اعتداءً استيطانيًّا استهدف الفلسطينيين وممتلكاتهم في الضفة الغربية، ليرتفع هذا الرقم متجاوزًا 1600 هجومٍ بنهاية عام 2025، استهدفت قرابة 270 تجمعًا فلسطينيًا. وتُشير تقارير الأمم المتحدة إلى أنّ موجات العنف هذه تطال مئات القرى الفلسطينية المحيطة بالمحافظات، وهي في معظمها مناطق مصنفة (ب).
فوفقًا لـ[5] OCHA، فإنّ ثلث هذه الهجمات استهدفت المناطق (ب)، حيث تقدر الإحصائيّات وقوع ما بين 1200-1500 هجوم على هذه المناطق منذ نهاية عام 2023. وقد استهدفت هذه الاعتداءات قرى مثل بُورين وعصيرة القبلية وعينابوس جنوبي نابلس، وسنجل ودير دبوان والمزرعة الشرقية وترمسعيا وأبو فلاح وكفر مالك ودير جرير والمغير في محافظة رام الله.
وكما كان الحال سابقًا في المناطق (ج)، يترافق التوسع الاستيطاني، لا سيّما الذي تقوده مجموعات فتيان التلال، مع تصاعد عنف المستوطنين، ضمن مسعى صريح يهدف إلى التهجير. ويشير السياق الراهن إلى محاولات المستوطنين استنساخ نموذج التهجير والتوسع الاستيطاني الذي طُبّق على التجمعات البدوية ونقله إلى القرى الفلسطينية التي تنتشر في غالبيتها في المناطق (ب).
الآثار وحماية البيئة كأدوات للسيطرة على المناطق “ب”
لا يقتصر الاستيطان الرسمي على شرعنة البؤر وضمّها للمخطّطات الهيكلية، بل يمتدّ ليشمل قرارات حكومية مباشرة، توظّف حماية البيئة والآثار كأدوات للسيطرة. وتبرز في هذا السياق خطة ضم المواقع الأثرية في الضفة الغربية تحت مظلة الإدارة المدنية، وهي الخطة التي انطلقت عام 2022، وشملت 2400 موقع أثري فلسطيني. وفي تطوّر متسارع، أضافت السلطات الإسرائيلية في سبتمبر 2025 أكثر من60 موقعًا تاريخيًا وأثريًا جديدًا، مصنفةً إياها باعتبارها مواقع يهودية إسرائيلية. وجاء هذا التمدد مستندًا إلى قرار وزاري يمنح مسؤول الآثار صلاحيات إنفاذية واسعة لحماية المواقع الأثرية في المناطق (ب).
وفي خطوة تعزّز هذا التوجّه، قدّم وزير التراث الإسرائيلي “عميحاي شكلي”، من حزب عوتسماه يهوديت،[6]، مقترح مشروع قانون يقوم على تعديل قانون الآثار الإسرائيلي لعام 1978 وقانون سلطة الآثار لعام 1989، من خلال إنشاء هيئة مستقلة – موازية لهيئة التراث الإسرائيلية- تعمل لمدة ثلاث سنوات تقريبًا بتكلفة لا تقل عن 30 مليون شيكل سنويًا. يمنح المشروع هذه الهيئة صلاحيات واسعة لمصادرة الآثار، وتفويض سلطة إدارة المواقع الأثرية إلى السلطات المحلية، والتوسع لتشمل المنطقتين (أ) و(ب).
وستعمل الهيئة الجديدة التي حملت اسم “هيئة تراث يهودا والسامرة”، بصلاحيات مطلقة في الضفة الغربية، إذ تبسط سيطرتها على المواقع الأثرية والتراثية في مجمل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، بصرف النظر عن تصنيفات أوسلو الجغرافية أو الحساسية التاريخية للموقع. ويمتد نفوذ هذه الهيئة لشرعنة مصادرة الأراضي ذات الملكية الخاصة تحت ذريعة حماية الآثار. وعلى خلاف هيئة الآثار الإسرائيلية العامة التي تضم باحثين في التراث وخبراء أكاديميين، فإن هيئة تراث يهودا والسامرة تضم ممثلين عن مجالس المستوطنات الإقليمية، وقادة الحراك الاستيطاني في الضفة الغربية.
لم يتأخرالتنفيذ كثيرًا، إذ أعلنت السلطات الإسرائيلية في نوفمبر المنصرم، عن وضع يدها على الموقع الأثري في بلدة سبسطية (شمال غرب نابلس)، رغم وقوعه في المنطقة “ب” بالضفة الغربية. شملت عملية وضع اليد إعادة تصنيفه باعتباره “أرضًا إسرائيلية” استنادًا إلى مراجعة توراتية. تباعًا لذلك أعلنت سلطات الاحتلال عن إطلاق مشروع “منتزه شمرون الوطني” الذي ستبلغ مساحته 450 فدانًا (1,821 دونم تقريبًا).
ووفقًا لدراسة النمط الإسرائيلي في وضع اليد على المواقع التاريخية، وفي ظل وجود أكثر من 7 آلاف موقع في الضفة الغربية، من بينها 1800 موقع ضمن المناطق (ب)، و1300 ضمن المناطق (أ)، فإن تسييج المساحات المحيطة بها، وهدم منازل الفلسطينيين، وتعبيد الطرق نحو هذه المناطق وتقديمها باعتبارها مناطق سياحية، سينتهي بضمٍ لأجزاء واسعة من المناطق (ب).
في تطوّر هو الأشدّ خطورة، أصدر مجلس الوزراء الإسرائيلي في الثامن من فبراير الماضي مسودة نهائية لمشروع قانون يُتيح لإسرائيل سلطة فرض القانون الإسرائيلي على الأراضي الواقعة تحت سيطرة السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، بما يشمل المناطق (أ) و(ب)، الخاضعة إداريًا للسلطة الفلسطينية وفق اتفاقيات أوسلو. ينص المشروع على توسيع صلاحيات الهيئات الإسرائيلية فيما يتعلق بالآثار والمواقع التاريخية، وإلغاء العمل بالقوانين الأردنية السابقة التي تحدد ملكية الأراضي، ورفع السرية عن سجلات الأراضي، وتوسيع سلطة الرقابة والهدف في المناطق الفلسطينية.
يفتح هذا القانون نافذة فرصٍ إستراتيجيّة للمستوطنين الراغبين في التملك داخل المدن والمناطق الفلسطينية، ما يعزز من السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الخاصة والعامة على حدّ سواء، ويُشكل خطوة إضافية نحو دمج المناطق الفلسطينية تدريجيًا ضمن الإدارة الإسرائيلية المباشرة.وهو ما يؤكده الصحفي الإسرائيلي في صحيفة معاريف، شاي ألون، الذي يرى في القانون تصحيحًا لتشويه تاريخي، يحرم اليهود من الشراء والتملك في الضفة الغربية، ويضطرهم للعمل عبر وسطاء، أو شركات صورية، أو آليات معقدة وسرّية. فبموجب التشريع الجديد سيصبح بإمكان المستوطنين التواصل مباشرة مع المُلّاك الفلسطينيين في قلب المدن، والشراء منهم.
المنظمات الاستيطانية الراعية للتوسع الاستيطاني في المناطق “ب”
بالتوازي مع الاستيطان الرسمي، وفي أحيانٍ كثيرة استباقًا له، تتولى مجموعة من المنظمات والجماعات الاستيطانية التنفيذ العملي للمشروع، وفي مقدّمتها منظمة “أماناه”، الذراع العقاري والتخطيطي الذي ينسق إنشاء المستوطنات والبؤر الجديدة وتطوير بنيتها التحتية. وتبرز إلى جانبها منظمة “ريغافيم” المتخصصة في مراقبة البناء الفلسطيني بدعاوى عدم الترخيص؛ لتقويض التوسّع السكّاني في المناطق (أ) و(ب) و(ج). كما تنشط منظّمة “شومريم عل هانيتسح” (حراس الأبدية) التي تعمل كذراع لـ “ريغافيم” وتُعنى بحماية المواقع الأثرية و”التراث اليهودي” في الضفة الغربية. تعمل هذه المنظمات غالبًا بتنسيق غير رسمي مع السلطات الإسرائيلية، ما يعزز من قدرتها على تثبيت النفوذ الاستيطاني والسيطرة على الأراضي الزراعية والرعوية الفلسطينية في الضفة الغربية.
بينما تضطلع منظمة “حراس الأبدية” بمهمة الاستيلاء على المواقع الأثرية والتاريخية تحت غطاء حماية التراث اليهودي من الانتهاكات الفلسطينية المزعومة. وتنشط المنظّمة في ترويج خطاب تحريضيّ يتّهم الفلسطينيين بـ “نهب وتدمير الآثار اليهودية بهدف إنكار الجذور اليهودية في الأرض”؛ لتبرير تدخلاتها الميدانية وجولاتها الاستيطانية الممنهجة. وخلال الفترة ما بين 2021–2023 أطلقت المنظمة حملات ضغط واسعة طالبت خلالها الحكومة الإسرائيلية بانتزاع مئات المواقع الأثرية في الضفة الغربية من ولاية السلطة الفلسطينية وإخضاعها للإدارة الإسرائيلية المباشرة.
ولم يقتصر دور ممثليها في الحكومة على التشريع، بل تعدّاه إلى الضخّ الماليّ المباشر؛ بتخصيص عشرات ملايين الشواقل من الميزانية الإسرائيلية لأعمال حماية وترميم مواقع أثرية في الضفة الغربية، وفي مقدّمتها موقع سبسطية الأثري، الذي يقع شمال غرب نابلس ويضم آثارًا رومانية وبيزنطية، وموقع خربة سيلون الأثرية، الذي يقع قرب قرية قريوت جنوبي نابلس، وموقع كهوف شقبا الأثرية التي تقع قرب رام الله وتعد من أهم مواقع ما قبل التاريخ في فلسطين. وتمثل المواقع الأثرية في المناطق (ب) نحو 25–26٪ من إجمالي المواقع في الضفة الغربية، وهو ما يجعلها ثاني أكبر تجمع للمواقع بعد المناطق (ج). ولأن معظم هذه المواقع يقع على تخوم القرى والبلدات الفلسطينية وليس في مراكزها المكتظّة، فقد استغل الاحتلال ذلك لتسهيل عمليات تسييجها وربطها بالبنية التحتية الاستيطانية، ما يسهّل توسيع الوجود الاستيطانيّ فيها.
خاتمة
قُصارى القول، لقد تجاوزت المنظومة الاستيطانية الإسرائيلية بنهاية عام 2024 مرحلة الاكتفاء بتثبيت الوجود في المناطق (ج)، لتنتقل الجغرافيا السياسية في الضفة الغربية لمرحلة جديدة من الصدام.
فبينما توغّلت المؤسسة الرسمية في المناطق (ب) تحت ذريعة الضرورات الإدارية والتراثية، أطلقت الجماعات الاستيطانية العنان لظلمها الممنهج تحت مظلّة السيادة المطلقة، مجسّدة مقولتهم: “هذه الأرض كلّها لنا”. وبذلك، غدت المناطق (ب) ساحة الاختبار الكبرى لنموذج السيطرة غير المعلنة، حيث تتضافر السياسات والقوانين، مع جهدٍ تراكمي متصاعدٍ بعنفٍ وتنظيم، في مسعى حثيث لبسط السيادة على 82% من مساحة الضفة الغربية، ووأد أي أملٍ فلسطيني في إقامة كيانٍ رسمي أو سياسي. ووفقًا لرؤية “شاي ألون” وتيّار واسع من الإسرائيليين اليوم، فإن “فرض السيادة الكاملة على الضفة الغربية، بعد 78 عامًا على قيام الدولة، هي تصحيح ظلم آخر” ليس إلّا.
[1] United Nations Development Programme (UNDP). (2016). Union of Agricultural Work Committees, State of Palestine: Equator Initiative case study series.
[2] United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs (OCHA). (2025, August 21). Humanitarian situation update #316: West Bank.
[3] وفقًا لاتفاق واي ريفر عام 1998، الذي هدف لإعادة تفعيل اتفاقيات أوسلو، فقد تعهدت إسرائيل بنقل ما يعادل 126 ألف دونم من أراضي الضفة الغربية، أي ما مساحته 3% إلى السلطة الفلسطينية وتصنيفها كمناطق (ب)، وهما منطقتان من شرق بيت لحم إلى جنوب الخليل وبينهما حزام من مناطق (ج)، ورغم الاتفاق رفض بنيامين نتنياهو لاحقًا تطبيقه.
[4] Peace Now. (2025). The bad Samaritan (Arabic version). https://peacenow.org.il/wp-content/uploads/2025/03/The_Bad_Samaritan_AR.pdf
[5] United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs. (2025, November 27). Humanitarian Situation Update #343: West Bank.
[6] تم تغليف مشروع قانون نقل مسؤولية الآثار في الضفة الغربية من الإدارة المدنية إلى سلطة الآثار الإسرائيلية، باعتباره استجابة لمزاعم حول إهمال فلسطيني واسع النطاق للمواقع التاريخية المهمة، لكنه واجه معارضة علماء الآثار الإسرائيليين خوفًا من أثاره الدولية والقانونية. للمزيد انظر: Peace Now. (2026, February 3). The first annexation bill in the Knesset – Establishment of the West Bank Heritage Authority. https://peacenow.org.il/en/the-first-annexation-bill-in-the-knesset-establishment-of-the-west-bank-heritage-authority



