ملخص انتهاكات الاستيطان وجيش الاحتلال خلال شهر كانون الثاني/يناير 2026

تكشف المعطيات الواردة عن مشهد شامل من التصعيد المتوازي في غزة والضفة الغربية، حيث يتقاطع الاستخدام المفرط للقوة العسكرية مع سياسات إعادة هندسة الجغرافيا والديموغرافيا الفلسطينية. ففي غزة، يستمر نمط الاستهداف واسع النطاق للمدنيين، وتدمير البنية السكنية، وفرض وقائع قسرية تحت غطاء “الخط الأصفر”، في ظل انهيار إنساني يتفاقم مع النزوح والبرد ومنع إدخال مستلزمات الإيواء. وفي الضفة الغربية، يتجلى المسار ذاته عبر تصاعد القتل والاعتداءات الاستيطانية، والتوسع العمراني غير المسبوق، وشق الطرق العازلة، إلى جانب تكثيف أوامر الهدم وفرض الوقائع القانونية والإدارية التي تعمّق السيطرة على الأرض. تعكس هذه السياسات نمطا ممنهجا يهدف إلى تثبيت واقع ضم فعلي، وتقويض التواصل الجغرافي الفلسطيني، وإضعاف مقومات قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، في ظل استمرار الكلفة البشرية والإنسانية الباهظة.

يستعرض الملخص التالي أبرز اعتداءات جيش الاحتلال ومستوطنيه بحق المواطنين الفلسطينيين وأراضيهم خلال شهر كانون الثاني/ يناير عام 2026، ويعتمد هذا التقرير في معلوماته على مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا”، وهيئة مقاومة الجدار والاستيطان، ومنظمة السلام الآن “Peace Now”، والمرصد الفلسطيني لأنشطة الاستيطان الإسرائيلية “Poica”.

حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة

لا تزال الوقائع الميدانية تؤكد استمرار العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، من خلال الغارات الجوية وعمليات القصف وإطلاق النار في مختلف أرجائه، في نمط متواصل أوقع ضحايا بين المدنيين. ويتزامن ذلك مع استمرار انتشار قوات الاحتلال في ما يقارب 50% من مساحة القطاع الواقعة خارج ما يُعرف بـ”الخط الأصفر”، بما يعكس توسيعا عمليا لنطاق السيطرة العسكرية وفرض واقع قسري على السكان.

وفي هذا السياق، تتواتر التقارير بشأن تفجير البنايات السكنية وأعمال التجريف الممنهجة، بما يشمل المناطق المحاذية لـ”الخط الأصفر” والمناطق الواقعة إلى شرقه، في إطار سياسة تستهدف تفريغ المكان من سكانه وتغيير معالمه. وتتكرر الانتهاكات، ولا سيما القيود المشددة على حرية التنقل، والضغوط النفسية والاجتماعية الناتجة عن النزوح القسري، في ظل الغموض المتعمد وعدم الاستقرار في ترسيم “الخط الأصفر”، ما يحوّله إلى أداة تهديد دائم وغير قابلة للتنبؤ. كما أفاد مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بأن العمليات العسكرية الإسرائيلية المتكررة في المناطق الواقعة غرب خط إعادة الانتشار (الخط الأصفر)، أدّت إلى نزوح المدنيين وهدم واسع للبنايات السكنية.

أما على مستوى الخسائر البشرية، فقد ارتفعت حصيلة الضحايا الفلسطينيين منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 إلى 71,667 شهيدا و171,343 مصابا، بحسب وزارة الصحة في غزة. كما أشارت الوزارة إلى استشهاد 492 فلسطينيا وإصابة 1,356 آخرين، إضافة إلى انتشال 715 جثمانا من تحت الأنقاض منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار، في دلالة على عمق الدمار واستمرار آثاره القاتلة.

ومنذ دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في 11 تشرين الأول/أكتوبر 2025، تكشف المعطيات عن نمط ثابت من الانتهاكات، يشمل استمرار استهداف المدنيين عبر الغارات الجوية والقصف وإطلاق النار في جميع محافظات قطاع غزة الخمس، بما في ذلك حوادث وقعت بعيدا عن “الخط الأصفر” وفي محيطه، ما ينقض عمليا أي ادعاء بوجود مناطق آمنة أو التزام بوقف القصف.

وفي 21 كانون الثاني/يناير، قُتل ما لا يقل عن 11 فلسطينيا في سلسلة من الهجمات الإسرائيلية، من بينها غارة استهدفت سيارة قرب منطقة نتساريم، وأفادت التقارير بأنها أسفرت عن استشهاد ثلاثة صحفيين. وبذلك، يرتفع عدد الصحفيين الذين استُهدفوا وقُتلوا في قطاع غزة إلى 258 صحفيا، في سياق واضح من استهداف الحقيقة ومن ينقلها.

وعلى الصعيد الإنساني، يواجه سكان قطاع غزة للعام الثالث على التوالي فصل الشتاء في ظل نزوح واسع النطاق، وظروف إيواء لا تفي بالحد الأدنى من المعايير الإنسانية، ومواقع مكتظة يلتمس فيها النازحون الحد الأدنى من الحماية. ووفقا لوزارة الصحة في غزة، توفي 11 طفلا نتيجة البرد حتى تاريخ 27 كانون الثاني/يناير، في نتيجة مباشرة لانهيار منظومة المأوى وحرمان الأطفال من شروط الحياة الأساسية.

ورغم إدخال أكثر من 100,000 خيمة إلى قطاع غزة منذ تشرين الأول/أكتوبر، فإن الظروف المناخية القاسية تُسارع من تدهور حالة هذه الخيام، ما يضاعف الحاجة إلى استبدالها ويكرّس الاعتماد على عمليات توزيع متكررة وغير مستقرة. ويأتي ذلك في ظل منع إدخال الكرفانات، ما يحرم النازحين من حلول إيواء أكثر صلابة واستدامة، ويُبقيهم عرضة للبرد والموت البطيء.

الإحصائيات الرئيسية لانتهاكات الاحتلال في الضفة الغربية والقدس

خلال عام 2025، تواصلت الانتهاكات الإسرائيلية في الضفة الغربية بوتيرة غير مسبوقة، في سياق يجمع بين العنف العسكري المباشر، وتصاعد اعتداءات المستوطنين، وتسريع مشاريع الاستيطان والبنية التحتية المرتبطة به. وقد أسفر هذا النمط المركّب عن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا الفلسطينيين، وتوسيع نطاق التهجير القسري، وتعميق تفكك الجغرافيا الفلسطينية.

في هذا الإطار، قُتل ما مجموعه 240 فلسطينيا خلال عام 2025، من بينهم 55 طفلا، أي ما نسبته 23% من إجمالي الشهداء. وتشير المعطيات إلى أن 225 منهم قُتلوا على يد القوات الإسرائيلية، فيما قُتل تسعة فلسطينيين على يد مستوطنين إسرائيليين، في ظل التداخل المتكرر بين عنف المستوطنين وحماية القوات الإسرائيلية لهم.

وبالتوازي مع ذلك، وثّق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أكثر من 1,800 هجمة نفذها مستوطنون إسرائيليون خلال عام 2025، وأسفرت عن سقوط ضحايا أو إلحاق أضرار بالممتلكات في نحو 280 تجمعا سكانيا فلسطينيا في مختلف أنحاء الضفة الغربية، ولا سيما في محافظات رام الله ونابلس والخليل. ويمثل هذا الرقم متوسطا يوميا يبلغ 5 هجمات، وهو الأعلى منذ بدء توثيق هذه الحوادث عام 2006.

وقد أدت هذه الهجمات إلى إصابة 1,190 فلسطينيا، من بينهم 838 شخصا، أي ما نسبته 70% ، أُصيبوا على يد المستوطنين الإسرائيليين، فيما أُصيب 339 شخصا، بنسبة 28%، على يد القوات الإسرائيلية. ومن بين الإصابات التي تسبب بها المستوطنون، وقع نحو 60% منها في محافظتي رام الله بعدد 267 إصابة، والخليل بعدد 223 إصابة، وهو ما يعكس تمركز العنف الاستيطاني في مناطق محددة ذات أهمية استراتيجية.

وعلى صعيد التوسع الاستيطاني، طرحت سلطات الاحتلال مخططات بناء استيطانية لأكثر من 26 ألف وحدة سكنية جديدة، على مساحة تتجاوز 30 ألف دونم من الأراضي الفلسطينية المحتلة. وبلغ عدد المخططات المطروحة منذ بداية عام 2025 وحتى نهاية تشرين الأول 194 مخططا استيطانيا، تركزت في 56 مستوطنة إسرائيلية في الضفة الغربية، واستهدفت في معظمها المستوطنات المقامة في محافظة القدس المحتلة. وتُعد هذه الخطوة من أضخم موجات التوسع الاستيطاني مقارنة بالسنوات الأخيرة.

وتركزت المخططات بشكل خاص على توسيع المستوطنات المحيطة بمدينة القدس الشرقية، حيث برزت مستوطنتا “معاليه أدوميم” شرق المدينة، و”جفعات زئيف” شمال غربها كمحاور رئيسية للتوسع. وقد صدر 22 مخططا استيطانيا للبناء في مستوطنة “جفعات زئيف”، إلى جانب 16 مخططا في مستوطنة “معاليه أدوميم”، من بينها مخططان في منطقةE1. وفي محافظة بيت لحم، استُهدفت مستوطنات “بيتار عيليت” بـ17 مخططا، و”إفرات” بـ14 مخططا، و”معاليه عاموس” بـ5 مخططات. أما في محافظة نابلس، فقد تركزت المخططات في مستوطنتي “عيلي” و”ألون موريه”، بعدد سبعة وثلاثة مخططات على التوالي. وفي محافظة رام الله، شملت المخططات مستوطنات “موديعين” “عليتي” و”بيت أرييه–عوفاريم” و”ريمونيم”، فيما استحوذت مستوطنة “أريئيل” على النصيب الأكبر من المخططات في محافظة سلفيت، إلى جانب مستوطنات “عيتص أفرايم” و”بيدوئيل” و”برقان الصناعية”.

وفي السياق ذاته، أفادت منظمة السلام الآن بأنه جرى طرح عطاءات لبناء 9,629 وحدة سكنية خلال عام 2025، وهو رقم قياسي يفوق مجموع الوحدات التي طُرحت خلال السنوات الست السابقة مجتمعة، بما في ذلك أكثر من 6,700 وحدة في مستوطنة “معاليه أدوميم”. وتؤدي هذه الخطط إلى تعميق عزل القدس الشرقية عن باقي أنحاء الضفة الغربية، وتقويض التواصل الجغرافي بين شمال الضفة وجنوبها، فضلا عن رفع مخاطر التهجير القسري لما يقرب من 18 تجمعا بدويا، يقطنها أكثر من 4,000 شخص.

وفي إطار ترسيخ هذا الواقع، أعلنت الحكومة الإسرائيلية عزمها تنفيذ مشروع ما يُعرف بـ”طريق السيادة” في الضفة الغربية المحتلة، وهو طريق يمتد بين العيزرية والزعيم شرقي القدس، ويتوقع أن يؤدي فعليا إلى إغلاق منطقة “معاليه أدوميم”، وممر “E1” بالكامل أمام الفلسطينيين، بما يعادل نحو 3% من مساحة الضفة الغربية. ويُنظر إلى هذا المشروع باعتباره خطوة مركزية لتعزيز السيطرة الإسرائيلية في قلب الضفة الغربية، مع آثار مباشرة على إمكان قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.

وبحسب الإخطار الرسمي، أُبلغت بلدية العيزرية وعدة تجمعات بدوية متضررة، من بينها جبل البابا ووادي الجمل والسرايا، بمهلة اعتراض مدتها 45 يوما، تنفيذا لتعهد سابق قدمته سلطات الاحتلال أمام المحكمة العليا عقب التماسات قُدمت اعتراضا على المشروع. ويهدف الطريق إلى فصل حركة المرور الفلسطينية عن الإسرائيلية، عبر تحويل الفلسطينيين إلى مسارات التفافية خاضعة للسيطرة الإسرائيلية، بما يسمح بإخلاء الطرق القائمة من الوجود الفلسطيني وإغلاق المنطقة المحيطة بها بالكامل، وتحويل المشروع من بنية نقل إلى أداة عملية لضم كتلة “معاليه أدوميم” وممر “E1″ وربطهما بالقدس.

وفي موازاة ذلك، صعّدت القوات الإسرائيلية من عمليات الهدم، إذ شرعت في نهاية عام 2025 بهدم 25 بناية في مخيم نور شمس للاجئين بمحافظة طولكرم، استنادا إلى أوامر عسكرية سابقة. ورفضت السلطات الإسرائيلية طلبا قانونيا لتجميد عمليات الهدم، رغم استهدافها منازل مستقلة وبنايات سكنية متعددة الوحدات، ما ألحق الضرر بنحو 70 أسرة كانت مهجرة أصلا من المخيم. وتركزت عمليات الهدم في أحياء جبل الصالحين، والمنشية، والمسلخ ومحيطها.

وتشير معطيات إضافية إلى أن ما مجموعه 280 مبنى دُمّر في مخيم نور شمس خلال عام 2025، أي ما يقارب 35% من إجمالي مباني المخيم، وفق تحليل أولي لصور الأقمار الاصطناعية أجراه برنامج التطبيقات الساتلية العملياتية (اليونوسات)، دون التمكن من التحقق الميداني من النتائج. ولا تزال عمليات الهدم متواصلة في مخيم نور شمس، وكذلك في مخيمي جنين وطولكرم، في ظل استمرار منع الوصول إلى هذه المناطق لإجراء تقييمات إضافية.

وفي القدس الشرقية، اقتحمت القوات الإسرائيلية وهدمت مباني داخل مجمّع تابع لـ”الأونروا” في حي الشيخ جراح، مقام على أرض استأجرتها الوكالة من حكومة الأردن منذ عام 1952، في خطوة تمثل تصعيدا خطيرا يستهدف الوجود الإنساني والمؤسسي للاجئين الفلسطينيين في المدينة.

وفي سياق القيود المفروضة على الحركة، قُتل 16 فلسطينيا وأُصيب أكثر من 249 آخرين أثناء محاولتهم اجتياز الجدار، منذ تعليق وإلغاء معظم التصاريح التي كانت تتيح للعمال الفلسطينيين وغيرهم الوصول إلى الداخل المحتل، وهو ما يعكس تحول الجدار ونظام التصاريح إلى أدوات قاتلة تُستخدم لإدارة الحركة بالعنف.

الشهداء والجرحى:

خلال الفترة التي يغطيها التقرير، استشهد ستة مواطنين فلسطينيين، بينهم طفل، في سياق عمليات اقتحام وإطلاق نار نفذتها القوات الإسرائيلية في عدد من مناطق الضفة الغربية. وسجلت محافظتا نابلس والخليل النسبة الأعلى من الشهداء، بواقع شهيدين في كل محافظة. ومن بين الشهداء مواطنان أعدمهما الجيش الإسرائيلي ميدانيا خلال عمليات اقتحام، في نمط يتكرر خلال الحملات العسكرية داخل المدن والمخيمات. كما أُصيب خلال الشهر ذاته 107 فلسطينيين، من بينهم 14 طفلا و7 طلبة جامعيين، نتيجة إطلاق النار والاعتداءات المرتبطة بالاقتحامات.

ويأتي ذلك في سياق تصاعدي أوسع خلال عام 2025، إذ قُتل في الضفة الغربية ما مجموعه 240 فلسطينيا، من بينهم 55 طفلا، وفقا لبيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية. وتشير المعطيات إلى أن 225 من الشهداء أعدموا على يد القوات الإسرائيلية، وتسعة على يد مستوطنين إسرائيليين. كما وثّق المكتب إصابة 1,190 فلسطينيا خلال العام ذاته، في سياق هجمات المستوطنين والعمليات التي نفذتها القوات الإسرائيلية في مختلف أنحاء الضفة الغربية.

وتعكس هذه الأرقام استمرار نمط استخدام القوة المميتة والإفراط في إطلاق النار، إلى جانب اتساع الاعتداءات التي تطال المدنيين، بما في ذلك الأطفال والطلبة، في سياق يتسم بتكرار الاقتحامات وتصاعد العنف الاستيطاني المنظم.

الاعتقالات:

خلال شهر كانون الثاني/يناير، صعّدت قوات الاحتلال الإسرائيلي من حملات الاعتقال في الضفة الغربية، حيث جرى توثيق اعتقال 822 مواطنا، من بينهم 42 طفلا و7 مواطنات، إضافة إلى عدد من الصحفيين.

وتركّزت الاعتقالات في محافظة الخليل بواقع 182 حالة اعتقال، تلتها محافظة رام الله بـ139 حالة، فيما توزعت بقية الاعتقالات بين محافظات القدس وبيت لحم وأريحا وسلفيت وقلقيلية وطولكرم ونابلس وطوباس وجنين، بما يعكس امتداد حملات الاعتقال إلى مختلف مناطق الضفة الغربية.

هدم المنازل والمنشآت:

صعّدت سلطات الاحتلال من سياسة الهدم في الضفة الغربية المحتلة والقدس، إذ نفذت آلياتها 59 عملية هدم، أسفرت عن تدمير 126 منزلا ومنشأة فلسطينية، في سياق يستهدف تقويض الوجود العمراني الفلسطيني وتضييق الحيز المكاني للسكان.

وتركزت غالبية عمليات الهدم في محافظتي نابلس والخليل، حيث سُجل تدمير 26 منشأة في نابلس و21 منشأة في الخليل، تلتها محافظة بيت لحم بواقع 8 منشآت، فيما توزعت بقية العمليات على مناطق أخرى في الضفة الغربية والقدس المحتلة.

كما جرى رصد إخطار 40 منشأة فلسطينية بالهدم أو وقف البناء بذريعة عدم الترخيص، وهي الذريعة التي تُستخدم بصورة ممنهجة في المناطق المصنفة “ج” والقدس المحتلة، للحد من التوسع العمراني الفلسطيني. وتمركزت غالبية هذه الإخطارات في محافظة الخليل بواقع 10 إخطارات.

مصادرة الأراضي وتجريفها:

واصلت سلطات الاحتلال الإسرائيلي سياسة الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية عبر أوامر عسكرية مختلفة، إذ وضعت يدها على نحو 1,043 دونما بذريعة “الأغراض العسكرية”، في إجراء يُستخدم عمليا لتكريس السيطرة وتوسيع البنية الاستيطانية.

وشمل ذلك الاستيلاء على نحو 47 دونما من أراضي بلدة برقا قضاء نابلس، وأراضي سيلة الظهر والفندقومية في محافظة جنين، بهدف توسيع أمر عسكري سابق يقضي بشق طريق استيطاني يربط بين مستوطنتي “حومش” و”صانور”، اللتين أعاد الاحتلال البناء فيهما مؤخرا. كما تم الاستيلاء على نحو 3 دونمات من أراضي قرية نعلين في محافظة رام الله، تمهيدا لشق طريق استيطاني إضافي.

وفي سياق متصل، أعلنت سلطات الاحتلال نحو 694 دونما من أراضي بلدات كفر ثلث ودير استيا وبديا في محافظتي سلفيت وقلقيلية “أراضي دولة”، لصالح مخطط استيطاني جديد يهدف إلى إقامة تجمع سكني شرقي قلقيلية، في خطوة تُسهم في توسيع الطوق الاستيطاني حول المدينة وتعميق عزلها.

وعلاوة على ذلك، أصدرت سلطات الاحتلال 8 أوامر عسكرية تحت مسمى “اتخاذ وسائل أمنية”، استهدفت أراض زراعية مشجرة بالإزالة بذريعة الاحتياجات الأمنية والعسكرية. وطالت هذه الأوامر نحو 298.7 دونما من أراضي المواطنين في محافظتي الخليل ورام الله، في نمط يُفضي إلى تجريف الأراضي وتقويض مصادر الرزق الزراعية، ويشكّل امتدادا لسياسات تقليص الوجود الفلسطيني على الأرض.

النشاط الاستيطاني:

درست الجهات التخطيطية الإسرائيلية خلال شهر تشرين الثاني/ نوفمبر، 21 مخططا هيكليا لصالح مستعمرات الضفة الغربية و القدس، بواقع 12 مخططا للمستوطنات في الضفة، و9 مخططات في القدس. وقد صادقت هذه الجهات على 7 مخططا في الضفة، وأودعت 5 مخططات أخرى للمصادقة اللاحقة، بهدف بناء 1,463 وحدة سكنية جديدة على مساحة تقارب 2,632 دونما من أراضي المواطنين. وفي المقابل، صادقت بلدية الاحتلال في القدس على 3 مخططات، وأودعت 6 أخرى.

شهدت القدس والضفة الغربية خلال الفترة الأخيرة، تصعيدا متوازيا على مستويَي الإخلاء القسري والتوسع الاستيطاني، في سياق يعكس ترسيخ وقائع ميدانية متسارعة ذات أبعاد ديمغرافية وجغرافية عميقة.

ففي حي بطن الهوى بسلوان، أصدر قاضي المحكمة العليا للاحتلال قرارا يُلزم 62 فلسطينيا من 13 عائلة بإخلاء منازلهم التي سكنوها لعقود، بعد رفض طلبات الاستئناف المقدمة ضد دعاوى رفعها مستوطنون مرتبطون بجمعية “عطيرت كوهانيم”، بزعم تمثيل وقف يهودي تاريخي. ويأتي القرار ضمن مسار قضائي استُنفدت فيه السبل القانونية، ما يفتح الباب أمام تنفيذ الإخلاء خلال الفترة المقبلة، في إطار خطة أوسع تستهدف نحو 700 فلسطيني في الحي لإفساح المجال أمام بؤر استيطانية، وقد شهد الحي بالفعل انتقال مستوطنين إلى منازل أُخليت مؤخرا.

وبالتوازي، دفعت وزارة البناء والإسكان بعطاء لتنفيذ 3,401 وحدة سكنية في منطقة ” “E1، بعد مصادقة المجلس الأعلى للتخطيط، في خطوة تُعد من أخطر المشاريع الاستيطانية نظرا لتداعياتها على التواصل الجغرافي الفلسطيني بين رام الله والقدس الشرقية وبيت لحم. ويأتي ذلك ضمن موجة قياسية من العطاءات خلال عام 2025 بلغت 9,629 وحدة، من بينها أكثر من 6,700 وحدة في مستوطنة “معاليه أدوميم”.

كما أُعيد طرح مخططي “عطروت” و”نحلات شمعون” للنقاش في لجنة التخطيط بالقدس، وهما مشروعان يقضيان بإقامة 9,000 وحدة شمال القدس، وهدم حي أم هارون في الشيخ جراح لبناء 316 وحدة سكنية.

وفي سياق متصل، أعلنت حكومة الاحتلال نيتها بالشروع في تنفيذ “طريق السيادة” بين العيزرية والزعيم خلال 45 يوما، وهو مشروع يهدف إلى إنشاء شبكة طرق منفصلة، وتحويل الحركة الفلسطينية إلى مسارات التفافية، بما يمكّن من إغلاق منطقة “معاليه أدوميم” و “E1” أمام الفلسطينيين وضمها فعليا، وهي مساحة تعادل نحو 3% من الضفة الغربية.

ويستمر المجلس الأعلى للتخطيط في عقد جلسات أسبوعية للمصادقة على وحدات استيطانية جديدة، حيث صادق منذ بداية 2026 على 749 وحدة. ويعود هذا التسارع جزئيا إلى تعديل ألغى شرط موافقة وزير الدفاع المسبقة على مراحل التخطيط، ما أتاح تطبيعا إجرائيا للبناء الاستيطاني وتقليل وتيرة الجدل العام حوله.

وخلال هذا الشهر، أعلنت الإدارة المدنية التابعة للاحتلال تصنيف 694 دونما، من أراضي بلدات دير استيا وبديا وكفر ثلث المحاذية لمحمية وادي قانا كـ”أراضي دولة”، في خطوة تندرج ضمن مسار متكامل بين المبادرات الحكومية والتحركات الاستيطانية. وتأتي الخطوة في سياق تصعيد ميداني بدأ بإقامة بؤرة “نحال قانا” عام 2020، التي فرضت واقعا ضاغطا على المزارعين الفلسطينيين، عبر الرعي داخل أراضيهم ومنعهم من الوصول إلى مئات الدونمات المجاورة. وتشير المعطيات إلى أنه منذ كانون الأول/ديسمبر 2022 أُعلن عن 26,653 دونما كـ”أراضي دولة”، وهو ما يعادل نحو نصف مجمل المساحات التي أُعلنت بهذه الصفة منذ توقيع اتفاق “أوسلو”، في مؤشر على تسارع غير مسبوق في توظيف هذه الأداة لتوسيع المستوطنات وتهيئة الأرض لإقامة تجمعات استيطانية جديدة.

تشير الخطوتان – مشروع إنشاء مديرية آثار موازية في الضفة الغربية، وتخصيص 550 مليون شيكل إضافية لما يُسمى “تعزيز المركّبات الأمنية”– إلى انتقال متدرّج من إدارة الاحتلال بأدوات عسكرية وإدارية مؤقتة، إلى ترسيخ بنية حكم مدنية وتشريعية إسرائيلية مباشرة في الأرض المحتلة، بما يعمّق واقع الضم الفعلي.

فمشروع مديرية الآثار لا يقتصر على توسيع صلاحيات مهنية، بل ينقل اختصاصات من “الإدارة المدنية” إلى هيئة تعمل بتشريع إسرائيلي مباشر وتخضع لوزير في الحكومة، مع امتداد صلاحياتها إلى المنطقتين “أ” و”ب”. وبذلك، تتحول الآثار من مجال ثقافي إلى أداة سيادية تُستخدم لفرض قيود تخطيطية إضافية على البناء الفلسطيني، وإعادة تعريف الفضاء العام في الضفة الغربية بوصفه خاضعا لمنظومة قانونية إسرائيلية.

وفي المقابل، يكشف القرار المالي عن تعميق البنية التحتية المادية للسيطرة. فزيادة مخصصات ما يمسى بـ”المركّبات الأمنية” -بما يشمل تحصين المواصلات، وشق الطرق، وتعزيز التجمعات- لا تمثل استجابة أمنية، بل تمويلا ممنهجا لتوسيع شبكة الطرق الالتفافية والبؤر الاستيطانية وربطها ببعضها، بما يعزز الانتشار الجغرافي للمستوطنات ويُسهّل فرض وقائع دائمة على الأرض. إن توثيق شق أكثر من 222 كيلومترا من الطرق خلال عامين، نصفها على أراض خاصة، يوضح كيف تتحول الذرائع الأمنية إلى آلية هندسة جغرافية.

تعكس هذه السياسات نمطا مركبا، من تشريع يُعيد تعريف الصلاحيات والسيادة، وتمويل يُعيد تشكيل الجغرافيا والبنية التحتية. والنتيجة هي تعميق الاندماج الإداري والأمني للمستوطنات داخل المنظومة الإسرائيلية، مقابل تقليص الحيز السيادي الفلسطيني. بهذا المعنى، تمثل الإجراءات حلقة في مسار متسارع يهدف إلى تطبيع الضم وتقليل كلفته السياسية، في وقت تتضاءل فيه إمكانات التسوية القائمة على الفصل الجغرافي وإقامة دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى