المرحلة الثانية ومجلس السلام ونزع السلاح: تقرير صنّاع الرأي الإسرائيليّين

يتناول هذا التحليل مجموعة من 86 مقالة نُشرت في وسائل الإعلام الإسرائيلية ومراكز الأبحاث خلال الفترة الممتدة من يناير إلى فبراير 2026. يبلغ إجمالي حجم المواد نحو 57,000 كلمة موزعة على 24 مصدرًا إلكترونيًا، تتنوّع بين مراكز أبحاث أمنية وإستراتيجية (المعهد الوطني لأبحاث الأمن، مركز بيغن-السادات، معهد متفيم، المركز الأورشليمي للشؤون العامة)، ومنابر إعلامية رئيسة (يديعوت أحرونوت، معاريف، هآرتس)، ومواقع يمينية وأيديولوجية (القناة السابعة، كيكار هشبات، ميدا)، فضلًا عن منابر يسارية نقدية (سيحا مكوميت/المحادثة المحلية، مجلة 972+).

ويتوزع الخطاب على 16 محورًا، يتصدرها الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة ترامب، ونزع سلاح حماس، ومجلس السلام، والديناميكيات السياسية الداخلية.

منح ترامب فرصة محدودة

يقدم تسحي هنغبي في يديعوت أحرونوت موقفًا يتبلور حول ثلاث ركائز: أولها، أن ترامب أثبت قدرته على تحقيق ما اعتبره الخبراء مستحيلًا بإعادة جميع الرهائن عبر علاقاته مع قيادتي قطر وتركيا؛ ثانيها، أن هذا النجاح يستوجب منح الرئيس الأمريكي مساحة عملياتية لمحاولة نزع سلاح حماس دبلوماسيًا؛ ثالثها، ضرورة تجنب الانتظار السلبي من خلال مراقبة التزام ترامب الشخصي بالتنفيذ بما في ذلك نزع السلاح، والحفاظ على الجاهزية العسكرية على طول الخط الأصفر، والاتفاق على سقف زمني للمسار الدبلوماسي الممكن ، من غير الإعلان عن مهلة زمنية، وأن يكون الاتفاق عليها سرًا مع ترامب.

خطة ترامب كتخلٍّ أمنيّ

في المقابل، يقدم إليشع بن كيمون في يديعوت أحرونوت وإسرائيل غرادفول في كيكار هشبات مقاربة أخرى مؤسسة على تجربة إسرائيل في الضفة الغربية: فإسرائيل تتواجد في الضفة الغربية منذ ما يقارب 60 عامًا بسيطرة أمنية كبيرة، ومع ذلك لا يزال كمٌّ من السلاح منتشرًا فيها، فكيف يمكن إذن نزع سلاح تنظيم يقوم وجوديًا على الكفاح المسلح؟ ويصف بن كيمون “الهدوء” الذي تبيعه الخطة بأنه في حقيقته إعادة تسليح، مستخدمًا استعارة “السُّكر” لوصف المؤيدين بأنّهم “ثملون بالتفاؤل”. ويستشهد غرادفول بتقييم وزير الخارجية الأمريكي السابق بلينكن بأن حماس جنّدت ما بين 10,000 و15,000 مقاتل جديد بما يعادل ما فقدته، وبتقديرات الاستخبارات الأمريكية بأن 30-35% فقط من القدرة العسكرية لحماس قد دُمِّرت. ويخلص غرادفول إلى أنّ حماس انتصرت فعليًّا، لا معنويًّا بل عمليًّا، مؤطِّرًا تحليله ضمن إطار ديني يستشهد بالنص التوراتي “حين تحاصر مدينة أيامًا كثيرة”.

انكشاف ضعف إسرائيل

يقدم ميرون رابوبورت في سيحا مكوميت تحليل مضمون لروايتي “السلام” و”النصر” في خطاب ترامب في الكنيست، حيث وجد 23 استخدامًا لكلمة “سلام” ونحو 10 لكلمة “نصر”، ثم حاول إثبات خواء كلتا الروايتين. فعندما قال ترامب “يا له من نصر، أليس كذلك؟” تبع ذلك فورًا بقوله “لو استمررتم ثلاث أو أربع سنوات أخرى تقاتلون وتقاتلون وتقاتلون لأصبح الوضع سيئًا”. ويفسر رابوبورت هذا بأن ترامب أدرك أن إسرائيل كانت تخسر، “العالم كبير وقوي، وفي النهاية العالم ينتصر”. ثم يشير إلى إخفاقات إسرائيل: لم يتم القضاء على حماس، والرهائن عادوا عبر التفاوض لا العمل العسكري (كما طالبت حماس من اليوم الأول)، والتهجير القسري أو “الطوعي” لم يتحقق رغم تحوّله إلى سياسة رسمية.

ويصف رابوبورت مشهد جلوس ويتكوف وكوشنر على جانبي نتنياهو في اجتماع الحكومة “كجباة ديون يتأكدون من سداد المدين لأقساطه”، خالصًا إلى أنّ إسرائيل أصبحت “مستعمرة أمريكية بكل معنى الكلمة”، وهو وصف يقول إنه يتجاوز ما شهدته إسرائيل حتى في أوامر ريغان بالانسحاب من بيروت 1982 أو إملاءات بوش الأب في مؤتمر مدريد 1991.

تدويل غزّة

يقدم كلًّا من عوفر غوترمان من المعهد الوطني لأبحاث الأمن وبنحاس عنباري عبر صحيفة دافار تحليلًا يتمحور حول مفهوم التدويل. يشرح غوترمان الهيكل الهرمي الجديد ويصوغ خلاصته باستخدام مصطلح عبري مُستحدث هو “بوناما”، أي وضع غزة تحت إدارة متعددة الجنسيات، مؤكدًا أنه بعد عقود من الديناميكية الثنائية منذ 1967، لم تعد إسرائيل “المركز وصانعة القرار” بل أصبحت جزءًا من آلية صنع قرار دولية. ويضيف عنباري أن من سيقرر مستقبل غزة فعليًا هو أردوغان، وأن فتح معبر رفح يمثل “نهاية حلم غوش قطيف”، وهي إشارة موجهة بالأساس إلى جمهور اليمين الاستيطاني.

ينطلق أهارون بورات في سيحا مكوميت من الفجوة بين الواقع؛ سكان يعيشون في خيام ممزقة وبنية تحتية مدمرة، وبين التصورات المُلمَّعة في عروض الذكاء الاصطناعي لأبراج زجاجية ومراكز تقنية. ويستحضر المنطق العقاري في هذا السياق: فترامب وكوشنر وويتكوف جميعهم بنوا ثرواتهم من خلال استحواذات عقارية عدوانية وتحويل عقارات إلى مجمعات فاخرة.

ومن هذا المنظور، تبدو غزة فرصة استثنائية: أراضٍ ساحلية إستراتيجية، وسكان مُضعَفون يمثلون عمالة رخيصة، وغياب شبه تامّ للعوائق التنظيمية. يستشهد بورات بخطاب كوشنر في دافوس حيث وصف غزة بأنها “فرصة استثمارية لا تصدق” ووعد بإعادة بناء رفح في ثلاث سنوات وتحدث عن “ريفييرا”، دون تقديم أي تفاصيل عن كيفية نزع سلاح حماس أو مصير مليوني نسمة. ويحذر بورات من أنّ آلية التمويل المقترحة مثل “توكنة الأصول العقارية” و”التمويل اللامركزي” و”الحوكمة القائمة على البلوكتشين”، هي مصطلحات رأسمال المخاطرة مطبقة على كارثة إنسانية، وأن نجاح هذا النموذج سيُصدَّر عالميًا كقالب لإعادة إعمار المناطق المدمرة على يد الشركات في مناطق أخرى في العالم.

مجلس السلام

تقدم تامي كانر وبنينا شرفيت باروخ من المعهد الوطني لأبحاث الأمن تحليلًا ينطلق من ثلاث إشكاليات. أولاها تجاوز الصلاحيات: فقرار مجلس الأمن 2803 منح المجلس ولاية محدودة لغزة وسياق الإسرائيلي-الفلسطيني، في الوقت الذي يوسع الميثاق صلاحيات المجلس إلى آلية عالمية لحل النزاعات دون ذكر غزة ودون قيد جغرافي، وهو توسع دون قرار إضافي من مجلس الأمن يُعدُّ تجاوزًا للولاية.

ثانيًا: المنافسة المؤسسية: يشدّد الميثاق على ضرورة الابتعاد عن “الأساليب والمؤسسات الفاشلة”، متموضعًا كبديل للأمم المتحدة لا كمكمّل لها. ثالثًا: نموذج “الدفع مقابل العضوية”: يربط الميثاق العضوية بالمساهمات المالية، حيث يضمن مليار دولار مقعدًا دائمًا، ما يخلق نموذج “نفوذ مقابل المال” بدل مبادئ العدالة. وقد رفضت الديمقراطيات الأوروبية الكبرى (فرنسا، ألمانيا، بريطانيا، إيطاليا، النرويج، السويد) المشاركة من حيث المبدأ، فيما رفضت روسيا والصين خشية المساس بحق النقض.

المجلس يعزّز حماس

تقدم كيم فيكتور في مجلة ميدا نقدًا ينطلق من التكوين الهيكلي لمجلس غزة التنفيذي: تركيا وقطر، الراعيتان التاريخيتان لحماس واللتان وفرتا ملاذًا لقياداته ودعمًا اقتصاديًا ودبلوماسيًا، تحتلان مواقع رئيسة. بينما يعتقد مستشارو ترامب أن إشراكهما يعزز القدرة التفاوضية مع الفصائل الفلسطينية بحكم نفوذهما على حماس. يحذّر مسؤولون أمنيون إسرائيليون من أنّ هذا خطأ إستراتيجي جسيم: فبدلًا من تفكيك حماس، يكتسب التنظيم دعمًا دبلوماسيًا مقنّعًا بإعادة الإعمار المدني. وتستخدم فيكتور القياس اللبناني صراحة: رغم الإعلانات والقرارات الدولية، لم يُنزع سلاح حزب الله قط، وغزة تخاطر بأن تصبح “لبنان أخرى”. كما تشير إلى النقص الحادّ في متطوعي قوة الأمن الدولية المقترحة، متسائلة عمن سيفرض نزع السلاح فعليًا.

يقدم معهد مسغاف للأمن القومي والإستراتيجية الصهيونية قراءة ترى أن مجلس السلام ليس حدثًا دبلوماسيًا بل مجلس إدارة عالمي ينسجم مع مبادئ السياسة الخارجية لترامب الذي يعطي الأولوية للتفكير التجاري على الدبلوماسية الكلاسيكية. ويستند إلى أنّ خطاب ترامب في دافوس إذ يتمحور حول بؤرتين: الطاقة والاقتصاد، اللتين يراهما ترامب أساس الأمن القومي الأمريكي.

تتقاطع الدول الأعضاء في المجلس مع مبادرات يروّجها ترامب، شراكات ممر IMEC الموسّعة، وامتدادات اتفاقيات أبراهام، وممرات النقل والطاقة في القوقاز. فالمجلس يمثل نسخة موسعة من IMEC تدمج التجارة والطاقة والأمن بطرق تتجاوز الدبلوماسية التقليدية.

نزع سلاح حماس

يشرح يوني بن مناحيم من المركز الأورشليمي للشؤون العامة إستراتيجية حماس ذات المسارين: على الصعيد المدني، تقبل حماس لجنة التكنوقراط لأنّها لا تشكل تهديدًا حقيقيًا، فأعضاؤها الاثنيْ عشر مقيمون في غزة مع عائلاتهم، ما يتيح لحماس الضغط عليهم في أي وقت، كما أنّ اللجنة ستدير الحياة اليومية عبر البيروقراطية القائمة المؤلفة من 40,000 موظف يتقاضون رواتبهم من حماس دون نية لإقالتهم.

ويقدّر المسؤولون الأمنيون وفقًا لما ينقله بن مناحيم أنّ حماس ستوافق في نهاية المطاف على تسليم بضع مئات من الصواريخ قصيرة المدى والبنادق والعبوات الناسفة، وكشف بعض الأنفاق غرب الخط الأصفر، بينما تحتفظ بأسلحة إضافية وأنفاق كثيرة غير معروفة للاستخبارات الإسرائيلية ومعدات تصنيع سرية. ويُقدَّر الجناح العسكري بنحو 30,000 مقاتل سيبقى كثيرون منهم بملابس مدنية. تتمثل الخلاصة التي يقدمها بن مناحيم بأن حماس تسعى إلى تطبيق نموذج حزب الله: السيطرة الفعلية على الأرض دون المسؤولية الحكومية الرسمية.

الواقع الميداني

يقدم يوآف زيتون من يديعوت أحرونوت تقريرًا ميدانيًا من جباليا يرصد فيه أنّ حماس أنشأت “لواء الشمال” الجديد المسيطر على جباليا وبيت لاهيا والعطاطرة شمال مدينة غزة، مع ظهور مسلحين على بعد 200 متر من الحواجز الخرسانية للخط الأصفر. وقد أكمل التنظيم كما يشير زيتون تعيين عشرات القادة الجدد على مستوى الكتائب والألوية والسرايا بمتوسط أعمار 30-40 عامًا. في المقابل، يستثمر الجيش الإسرائيلي مئات الملايين في بنية مراقبة تشمل أبراجًا بارتفاع 42 مترًا وأحزمة دفاعية ثلاثية، فيما ضُخَّ 18,000 متر مكعب من الخرسانة في فتحات الأنفاق.

ويلاحظ زيتون أنّ اتفاق وقف إطلاق النار أُنجز بين نتنياهو وترامب وقطر فقط دون الجيش، بل حتى دون الشاباك والموساد اللذين أُقصيا في المرحلة الأخيرة.

الخط الأصفر كحدود جديدة

يكشف زيتون في تقريره الميداني عن تحول هام، إذ أصبح الخط الأصفر بمثابة “الحدود الجديدة مع غزة”، ويشير إلى أنه ومن السواتر الترابية المرتفعة يمكن رؤية مداخن عسقلان وعلم نتيف هعسارة ومباني سديروت الجديدة وحتى نتيفوت، ما يجسد الأهمية الإستراتيجية للخط بالنسبة للتجمعات السكانية الإسرائيلية. ويستثمر الجيش وفقًا لما ينقله مئات الملايين: أبراج مراقبة بارتفاع 42 مترًا، وحواجز خرسانية مرقمة بنظام “عسل 4، عسل 9” (محاكاة لنظام تقارير الحدود)، وحفر عميقة تصل إلى 60-70 مترًا مزودة بأجهزة استشعار لرصد أي حفر أنفاق جديد. ويخلص إلى أنّ الحديث عن الانسحاب من هذا الخط ضمن المرحلة الثانية “لا يثير إعجاب أي ضابط هنا” و”لا يتوافق مع الواقع الميداني”.

أبرز الاستنتاجات

  • عبر تحليل الآراء كافة ، لا يوجد صوت واحد يعتقد أنّ حماس ستنزع سلاحها طوعًا. وتختلف الآراء حول كيفية التعامل مع هذه المسألة مثل منح الدبلوماسية نافذة محدودة، أو استئناف القتال، أو القبول بالواقع والتكيّف معه. ويسود الحديث عن نموذج حزب الله كمصير للسلاح في غزة بما لا ينسجم مع القوى الراغبة في نزع السلاح.
  • تحوّل غزة من ملف ثنائي إسرائيلي-فلسطيني إلى قضية متعددة الأطراف. مفهوم “بوناما” (الإدارة المتعددة الجنسيات)، و”نهاية حلم غوش قطيف”، و”المستعمرة الأمريكية”، كلها تشير من زوايا أيديولوجية مختلفة إلى تحول هام: إسرائيل أصبحت أكثر بعدًا عن حصرية امتلاك القرار حول غزة، بل طرفًا ضمن أطراف متعددة تؤثر على القرار. ولا تقدم أي مادة مسارًا للعودة إلى السيطرة الإسرائيلية الأحادية على  القرار المتعلق بغزة.
  • هناك فجوة حقيقية بين الخطاب الإسرائيلي المتبلور حول تعزيز أطروحة النصر وما تضمنه أو تستنتجه أو تجادل به المواد.
  • مقالة واحدة تتناول الوضع الإنساني، وهي من المنبر اليساري النقدي الأبعد عن التيار الرئيس. فلا يوجد أي حضور للبعد الإنساني في أي من النقاشات الأمنية والسياسية والإستراتيجية التي تهيمن على المدوّنة.
  • تشير المواد إلى تحول غير مسبوق في العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، اذ بدت التبعية الإسرائيلية للولايات المتحدة غير ظرفية أو عابرة.
  • الخط الأصفر كحدود جديدة: ضخامة الاستثمار العسكري (أبراج 42 مترًا، أحزمة دفاعية ثلاثية، حفر استشعار بعمق 60-70 مترًا، حواجز خرسانية مرقمة) يخلق وقائع على الأرض ويكشف عما يتناقض مع جدول الانسحاب الضمني في اتفاق وقف إطلاق النار.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى