الهجمة الإسرائيلية على النقب: “فرض القانون” كأداة للسيطرة والتهجير

تشهد منطقة النقب في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، خلال السنوات الأخيرة، ولا سيّما في المرحلة الراهنة، تصعيدًا ملحوظًا يتمثل في حملات شرطية مكثفة، وعمليات “إنفاذ”[1] واسعة، وهدم منازل، واعتقالات تطال القرى العربية وسكانها، تحت عناوين “فرض القانون والنظام” و”استعادة الحوكمة”. ويأتي هذا التصعيد في سياق تاريخي وسياسي ممتد يعكس تعامل الدولة مع النقب بوصفه حيّزًا إستراتيجيًّا لإدارة السكان وتنظيم المكان، بما ينعكس مباشرة على الوجود العربي الفلسطيني وحقوقه.
ويُقدَّم ما يجري في الخطاب الرسمي على أنه استجابة لاعتبارات أمنية أو جنائية، غير أن هذا التفسير يتقاطع مع أهداف سياسية أوسع تُدار عبر أدوات أمنية وقانونية، يُعاد من خلالها تشكيل العلاقة بين الدولة وسكان النقب العرب. وفي هذا السياق، تُستخدم مفاهيم مثل “الحوكمة”[2] و”الأمن” و”فرض النظام” كأطر تفسيرية تُخفي وظائفها السياسية، ما يستدعي قراءة نقدية تضع التصعيد الراهن في سياقه التاريخي الممتد منذ النكبة، مرورًا بالحراكات الشعبية المتواصلة، وصولًا إلى الخطاب السياسي–الأمني الذي يربط بين الأمن والتنمية والاستيطان.
ويبرز في هذا الإطار مقتل محمد حسين الترابين، الذي أطلقت عليه الشرطة الإسرائيلية النار خلال نشاط أمني في النقب، في حادثة أُعلن أنها جاءت بدعوى الاشتباه الأمني، دون إظهار خطر فوري يبرّر استخدام القوة القاتلة، بوصفها حالة كاشفة لآليات الضبط القانوني–الأمني وتداعياتها المباشرة على حقوق أهالي النقب.
النقب في السياق التاريخي والسياسي – من النكبة إلى سياسات “الإنفاذ”
يحظى النقب بمكانة مركزية في السياسات الإسرائيلية منذ عام 1948، نظرًا لأهميته الجغرافية والإستراتيجية في المشروع الصهيوني القائم على السيطرة على الأرض، وإعادة تشكيل الحيّز السكاني. فقد أدت النكبة إلى تهجير معظم السكان الفلسطينيين في النقب، بينما خضع من تبقى منهم لمنظومة الحكم العسكري حتى عام 1966، في سياق اتسم بالمصادرة، وتقييد الحركة، وإضعاف البنى الاجتماعية التقليدية.
ومع انتهاء الحكم العسكري، لم يُترجم الحال إلى اعتراف فعلي بحقوق السكان العرب، بل جرى الانتقال إلى أدوات سيطرة قانونية وإدارية، كان من أبرز تجلياتها تصنيف عشرات القرى العربية بوصفها “غير معترف بها”[3]. وأسهم هذا التصنيف في إبقاء السكان خارج أطر التخطيط والخدمات الأساسية، ووفر أساسًا قانونيًّا دائمًا لسياسات الهدم واستهداف الوجود العربي تحت ذرائع “البناء غير المرخص” و”فرض النظام”.
في هذا السياق، برزت مخططات رسمية لإعادة تنظيم النقب بما يخدم أولويات الدولة، كان أبرزها مخطط برافر–بيغن، الذي مثل محاولة شاملة لإعادة توطين قسري، ومصادرة مساحات واسعة من الأراضي تحت غطاء التخطيط والتنمية. وقد كشف هذا المخطط التناقض بين الخطاب التنموي الرسمي وطبيعته القسرية، وأدى إلى اندلاع احتجاجات واسعة عُرفت بـ “هبّة برافر” عام 2013، شكلت محطة مفصلية في بلورة الوعي السياسي لدى سكان النقب، ورسّخت فهم قضايا الأرض والسكن بوصفها صراعًا سياسيًّا لا مسألة إدارية.
وعلى الرغم من تجميد المخطط رسميًّا، إلا أن المسار الذي أطلقه لم يتوقف، بل استُكمل بأدوات أكثر تفكيكًا وأقل شمولية، تمثلت في تصعيد سياسات الهدم، وتشديد “الإنفاذ”، وتوسيع استخدام القانون كوسيلة لإعادة الضبط والسيطرة. وتكرّس هذا الاتجاه بشكل واضح مع هبّة النقب عام 2022، حيث عاد النقب ليُدار بوصفه مسألة “سيادة وأمن”، في ظل ردود فعل شرطية مكثفة، وربط الاحتجاجات بخطاب “الفوضى” و”تهديد النظام”.
بالتوازي مع ذلك، شهد المجتمع العربي–البدوي في النقب، تحولات اجتماعية واقتصادية عميقة، نتجت عن سياسات تمدين وتحديث قسرية لم تُرفق ببنى داعمة، ما عمق الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية. كما تأثر هذا المجتمع بالتحولات السياسية والأمنية منذ عام 2000، وبالسياسات الاقتصادية الحكومية، مقابل تصاعد ملحوظ في أشكال المشاركة السياسية، ولا سيّما بين فئة الشباب، الذين لعبوا دورًا متزايدًا في الحراك الاحتجاجي، مستخدمين أدوات تنظيم حديثة، ومنصات رقمية أسهمت في توسيع صدى قضايا النقب، وإخراجها من إطارها المحلي.
التصعيد الراهن في النقب: سياسات الإنفاذ والسيطرة
يتجلى التصعيد الراهن في النقب من خلال حزمة متكاملة من السياسات الميدانية التي تشمل الحملات الشرطية المكثفة، وتسارع وتيرة هدم المنازل، وتوسيع نطاق الاعتقالات، إلى جانب استهداف جماعي يطال بلدات وعائلات بعينها. ولا يمكن قراءة هذه الإجراءات بوصفها تدخلات أمنية منفصلة، أو ردودًا ظرفية على أحداث محددة، بل باعتبارها نمطًا منظمًا من “الإنفاذ” يُستخدم لإعادة ضبط الحيّز المكاني والاجتماعي في النقب، وإعادة تعريف حدود المقبول والمرفوض في الوجود العربي الفلسطيني.
تُنفذ هذه السياسات غالبًا عبر توظيف أحداث موضعية أو حالات فردية؛ لتبرير إجراءات شاملة ذات طابع ردعي، تتجاوز منطق المسؤولية الفردية إلى منطق العقاب الجماعي. وبهذا، يتحوّل “الإنفاذ” إلى أداة لإدارة السكان عبر إنتاج حالة دائمة من عدم الاستقرار، حيث تُفرض أوامر الهدم، وتُكثف الملاحقات الشرطية، ويُوسع التضييق الإداري، بما يجعل الحياة اليومية للسكان العرب في النقب، مشروطة بالتهديد المستمر، لا بالحماية القانونية.
في هذا السياق، تُستخدم سياسات الضبط القانوني–الأمني (أخيفا/אכיפה) بوصفها أداة سياسية لإعادة إنتاج السيطرة، حيث تُقدم الإجراءات القسرية على أنها تطبيق للقانون، في حين تُغفل السياقات البنيوية التي أنتجت واقع السكن غير المنظم، وفي مقدمتها سياسات التخطيط الإقصائية، وغياب البدائل السكنية، وحرمان القرى غير المعترف بها من أبسط مقومات التنظيم والبنى التحتية. وبهذا المعنى، لا يعمل القانون كأداة لمعالجة الخلل، بل يغدو جزءًا من منظومة الإقصاء نفسها، تُستخدم أحكامه وآلياته لتجريم الوجود وتحويله إلى مخالفة دائمة.
تُشكل قرية السر، مسلوبة الاعتراف، مثالًا دالًا على هذا النمط من السياسات، حيث نُفذت عمليات هدم واسعة طالت عشرات المنازل، بمشاركة سلطات التخطيط وبحماية الشرطة، في مشهد يعكس تداخل الأذرع المدنية والأمنية في إدارة التهجير القسري. ولا يمكن فصل هذه العمليات عن البنية القانونية–التخطيطية، التي تُنتج “عدم الاعتراف” بوصفه حالة دائمة، لا خللًا عابرًا. فهذه البنية لا تكتفي بحرمان القرى البدوية في النقب من الاعتراف والتنظيم، بل تُحول هذا الحرمان ذاته إلى أداة لتجريم الوجود، حيث يُعاد تعريف السكن بوصفه مخالفة مستمرة، قابلة للاستدعاء في أي لحظة لتبرير الهدم، والإخلاء، والاقتلاع. وبهذا المعنى، لا يعمل القانون هنا على معالجة أسباب “عدم التنظيم”، بل يُسهم في إعادة إنتاجه، ويغدو جزءًا بنيويًا من منظومة السيطرة والإقصاء.
وفي السياق ذاته، تبرز جريمة قتل محمد الترابين برصاص الشرطة الإسرائيلية، بوصفها حالة كاشفة لمنطق “الإنفاذ”، حين يتحول من أداة ضبط إداري إلى عنف قاتل. فهذه الجريمة لا تُفهم فقط كحادثة فردية أو خطأ ميداني، بل كنتاج مباشر لسياسات أمنية ترى في السكان العرب موضوعًا للاشتباه الدائم، وتُبيح استخدام القوة المفرطة تحت غطاء “الأمن”. وتكشف هذه الحالة كيف يمكن لمنطق السيطرة، حين يُدار عبر أدوات أمنية غير خاضعة للمساءلة الفعلية، أن يتجاوز القانون نفسه ليصل إلى إزهاق الأرواح.
يُثبت ما سبق أنّ التصعيد الراهن في النقب لا يقتصر على إدارة أحداث أمنية، أو تطبيقات قانونية معزولة، بل يشير إلى سياسة ممنهجة لإعادة تنظيم المكان والإنسان، حيث يُستخدم “فرض القانون” كوسيلة لإعادة إنتاج علاقات قوة غير متكافئة، وتكريس واقع تهجيري يتخذ من الإنفاذ أداة مركزية له.
خطاب الأمن وشرعنة الاستيطان
يترافق التصعيد الميداني في النقب مع خطاب سياسي–أمني يُعيد تأطير ما يجري بوصفه مسألة “حوكمة” و”استعادة للنظام”، رابطًا بين مفاهيم “مكافحة الجريمة” و”فرض الأمن”، وبين مشاريع أوسع لإعادة ترتيب السيطرة على الأرض. وبهذا، يُنزَع النقاش من سياقه الحقوقي والمدني، ليُعاد إنتاج النقب كحيّز سيادي–أمني، تُدار قضاياه من منظور الضبط والردع، لا من منظور الحقوق والمواطنة المتساوية.
في هذا السياق، جاءت زيارة بنيامين نتنياهو الأخيرة إلى النقب، مقرونة بتأكيدات رسمية على “تعزيز الحوكمة” وتشديد القبضة الأمنية، ومع منح غطاء حكومي واضح لسياسات وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير. يعكس هذا التلازم انتقال خطاب “الإنفاذ” من مقاربة وزارية، إلى كونه خيارًا حكوميًّا عامًا، تُقدَّم فيه السياسات القسرية باعتبارها جزءًا من مشروع وطني لإعادة فرض السيطرة، لا إجراءات أمنية مؤقتة.
والمقصود بــ “الحوكمة” في الخطاب الصهيوني–الإسرائيلي لا يُحيل إلى مفاهيم الإدارة الرشيدة أو توسيع المشاركة المدنية، كما في الأدبيات الديمقراطية، بل إلى إعادة فرض السيطرة السيادية للدولة على الحيّز والمجتمع عبر أدوات أمنية وقانونية. ففي سياق النقب، تُستخدم “الحوكمة” بوصفها مرادفًا لاستعادة احتكار الدولة للقوة، وضبط الفضاء الجغرافي، وإخضاع السكان الأصليين لمنطق الانضباط والامتثال، لا بوصفهم مواطنين متساوي الحقوق، بل باعتبارهم جماعة يُنظر إليها كـ “تحدٍ” يجب إدارته.
وعليه، تعمل “الحوكمة” هنا كإطار خطابي يُشرعن نقل النقب من حيز يُفترض أن تحكمه قواعد المواطنة والقانون المدني، إلى مجال أمني تُدار فيه العلاقات عبر الشرطة، وأوامر الطوارئ، وسياسات الإنفاذ المكثف. وبهذا المعنى، لا تهدف “استعادة الحوكمة” إلى معالجة جذور الأزمات الاجتماعية أو التخطيطية، بل إلى إعادة ترتيب العلاقة بين الدولة والسكان على أساس السيطرة والردع، بما يوفر غطاءً سياسيًّا وقانونيًّا لتصعيد القمع، وتعميق مشاريع التهجير والاستيطان.
ويمثل خطاب بن غفير، إلى جانب ممارساته الميدانية، التعبير الأوضح عن هذا التوجه، من خلال تحميل المجتمع العربي في النقب، وعائلات بعينها مثل عائلة الترابين، مسؤولية ما يُوصف بـ “الفوضى” و”غياب السيادة”. ولا تعمل هذه التصريحات كتوصيفات أمنية بقدر ما تؤدي وظيفة تحريضية، تُعيد إنتاج صورة العربي كتهديد جماعي، وتُضفي شرعية على سياسات الهدم والاعتقال والتضييق باعتبارها ردًّا مشروعًا.
ولا ينفصل هذا المسار عن مشروع تهويدي–استيطاني تقوده الحكومة الحالية في النقب، تشارك في دفعه وزارتان مركزيتان: وزارة الجليل والنقب والصمود الوطني، ووزارة الاستيطان والمهمات الوطنية. ويُظهر دور هاتين الوزارتين أن الهجمة على النقب لا تُدار فقط بأدوات أمنية، بل ضمن رؤية تخطيطية–استيطانية تسعى إلى تعزيز “الحضور اليهودي” في المنطقة، والتعامل مع النقب بوصفه ساحة تنافس ديمغرافي. وفي هذا الإطار، يُعاد إنتاج ما يُسمّى إسرائيليًّا “الإشكالية الديمغرافية”، حيث يُصور العرب في النقب كأغلبية تُهدّد التوازن السكاني، في مقابل أقلية يهودية يُفترض تعزيزها عبر مشاريع إسكان واستيطان موجهة.
وتتجسد هذه الرؤية عمليًّا في سياسات “التطوير” و”التخطيط” التي تهدف إلى حصر القرى البدوية في تجمعات حضرية مخططة، على غرار بلدات التطوير، بما يؤدي إلى تفكيك الحيّز القروي التقليدي وسلب مئات آلاف الدونمات من الأراضي. وفي هذا السياق، لا تُقرأ بلدات التجميع كحلول إسكانية، بل كأدوات تهجير داخلي تُعيد توزيع السكان بما يخدم أولويات الدولة التخطيطية والاستيطانية، وتُحول السكن خارج هذه الأطر إلى مخالفة دائمة.
بالتوازي، يتغذى هذا المشروع من خطاب أمني تحريضي مرتبط بالحدود المصرية–الإسرائيلية، حيث تُقدَّم النقب كساحة “سيولة أمنية” تُستغل فيها الجغرافيا البدوية لتهريب السلاح. وقد جرى توسيع هذه السردية من اتهام بالتهريب المرتبط بالجريمة المنظمة، إلى اتهامات أخطر تتحدث عن تهريب السلاح إلى الضفة الغربية، بل ورسم سيناريوهات حول إمكانية وصوله إلى قطاع غزة. ويُستخدم هذا الخطاب لتكريس النقب كجبهة أمنية، وتبرير تصعيد غير مسبوق في الحضور الشرطي، والمداهمات، والاعتقالات، والتضييق الجماعي على السكان.
ويجد هذا المنحى تعبيره الأكثر حدّة في تصريحات تحريضية صدرت عن مسؤولين كبار، من بينها تصريحات نفتالي بينيت التي قدمت الوجود العربي في النقب خطرًا مستقبليًا ينبغي “إدارته”، ودعوة وزير التراث عميحاي إلياهو إلى عزل النقب وإقامة سياج حول “بدو النقب”. وتعكس هذه المواقف انتقال الخطاب من تشديد “الإنفاذ” داخل الحيّز القائم إلى تصورات تقوم على الفصل المكاني والجماعي، بما يحوّل السكان الأصليين إلى جماعة مُحاطة تُدار أمنيًّا، لا مجتمعٍ يتمتع بحقوق مدنية.
في هذا الإطار، يُقدم الأمن بوصفه مبررًا جامعًا لسياسات الهدم والإنفاذ المكثف، ويُعاد تعريف الوجود العربي ذاته كعامل عدم استقرار يتطلب الضبط. ويكشف الخطاب السائد عن تداخل بنيوي بين الاعتبارات الأمنية والمشاريع الاستيطانية، حيث يُصور تعزيز الاستيطان اليهودي في النقب كحل لمشكلات تُعرف بأنها أمنية أو ديمغرافية، بما يكرس استخدام الأمن كذريعة لإعادة إنتاج منطق استعماري حديث، تُشرعن فيه السيطرة وإعادة ترتيب المكان على حساب السكان الأصليين، ويمهد منطقيًّا للخاتمة التحليلية التي تربط بين “فرض القانون” ومشروع التهجير والاستيطان.
الخاتمة
يُظهر المسار التاريخي والسياسي للنقب أنّ التصعيد الراهن لا يمكن قراءته بوصفه إجراءات أمنية ظرفية، بل كمرحلة متقدمة في إعادة تنظيم المكان والسكان عبر أدوات قانونية وأمنية متجددة. فالانتقال من الحكم العسكري إلى أطر “مدنية”، لم يؤدّ إلى تفكيك بنية السيطرة، بل إلى إعادة إنتاجها بصيغ أكثر تعقيدًا، جعلت من القانون نفسه وسيلة لضبط الوجود العربي، وتجريم أنماط السكن، وشرعنة الهدم، وتعميق الهشاشة البنيوية.
ويكشف الخطاب السائد حول “الحوكمة” و”الأمن” عن وظيفة تتجاوز التوصيف، إذ يُعاد من خلاله نزع الطابع الحقوقي والسياسي عن الصراع في النقب، وإعادة صياغته بلغة تقنية تُخفي تداخلًا بنيويًّا بين الإنفاذ الأمني والمشروع الاستيطاني. وفي هذا الإطار، يُقدم الأمن شرطًا سابقًا للحقوق، ويُعاد تعريف السكان الأصليين بوصفهم موضوعًا للإدارة والضبط، لا جماعة يملكون حقوقًا في الأرض والمكان.
وتؤكد الممارسات الميدانية، من سياسات الهدم المتكررة إلى استخدام القوة القاتلة، أنّ “فرض القانون” بات أداة لإعادة ترتيب علاقات القوة على الأرض، لا وسيلة لتنظيم المجال العام. وعليه، يمكن فهم ما يجري في النقب بوصفه تفعيلًا معاصرًا لمنطق استعماري–استيطاني يُدار بأدوات قانونية وأمنية، بما يضع الحاجة إلى إعادة مركزية الحقوق والاعتراف بالسكان الأصليين، في صلب أي مقاربة تسعى إلى كسر دائرة الضبط وإعادة إنتاج الصراع.
[1] الإنفاذ (אכיפה): يُستخدم المصطلح في هذه الورقة للدلالة على منظومة من سياسات الضبط القانوني–الأمني التي تمارسها الدولة الإسرائيلية عبر الشرطة وأدوات التخطيط والإدارة. ولا يقتصر المقصود به على التطبيق التقني أو المحايد للقانون، بل يشمل توظيف القانون كأداة لإعادة تنظيم الحيّز والسيطرة على السكان، وتجريم أنماط السكن والوجود الناتجة عن سياسات تخطيط إقصائية، بما يحول الخلل البنيوي إلى مسؤولية قانونية تُلقى على السكان أنفسهم.
[2] الحوكمة (משילות): تشير في هذا السياق إلى استخدام الدولة لأدوات قانونية–إدارية وأمنية لإدارة الحيّز والسكان، لا بمعناها الديمقراطي المتعلق بالإدارة الرشيدة، بل كإطار يشرعن إعادة فرض السيطرة وتحويل قضايا مدنية إلى مسائل أمنية.
[3] القرى العربية “غير المعترف بها” هي قرى وتجمعات سكانية فلسطينية (بدوية) تقع غالبيتها في منطقة النقب، ويصل عددها إلى نحو 35 قرية يسكنها ما يقارب 150,000 نسمة. ترفض السلطات الإسرائيلية الاعتراف بملكيتها للأرض، وتدرجها ضمن “أراضي الدولة”، مما يحرم سكانها من الخدمات الأساسية (الماء، والكهرباء، والخدمات الصحية والتعليمية)، وتعتبر منازلهم “غير قانونية”، وتخضعها لأوامر الهدم المستمرة. وعلى الرغم من اعتراف السلطات بـ 11 قرية منها خلال العقدين الأخيرين، إلا أنها لا تزال تفتقر للبنية التحتية الأساسية، وتواجه مخططات التهجير، وتجميع السكان في مساحات جغرافية محدودة.



