العودة من الموت… تجربة تروي كيف تصبح الصحافة في سجون الاحتلال جريمة وإرهاب

منذ بدء الحرب في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، سجّلت مؤسسات حقوقية وإعلامية تصعيدًا غير مسبوق في استهداف الصحفيين الفلسطينيين. ووفق معطيات موثّقة، استشهد أكثر من 257 صحفيًا خلال حرب الإبادة، في واحدة من أعلى نسب استهداف الإعلاميين في التاريخ الحديث.
وإلى جانب القتل الميداني، تتشير تقارير حقوقية إلى ما يقارب 220 صحفيًا اعتُقلوا خلال الحرب، غالبيتهم دون لوائح اتهام واضحة، وتعرّض عدد كبير منهم للتعذيب وسوء المعاملة، والحرمان من الضمانات القانونية الأساسية. وتُظهر الشهادات أن الصحفيين داخل منظومة الاعتقال خضعوا لنمط خاص من التحقيق، ركز على عملهم الإعلامي ومضامينه، في مؤشر على تحوّل الصحافة نفسها إلى سبب مباشر للاحتجاز.
كما أُصيب أكثر من 420 صحفيًا بجراح متفاوتة نتيجة القصف والاستهداف المباشر، في سياق يعكس اتساع دائرة الاعتداء لتشمل القتل، والإصابة، والاعتقال، بوصفها أدوات متكاملة لإسكات العمل الإعلامي الفلسطيني.
في هذا السياق، تكتسب شهادات الصحفيين المفرج عنهم أهمية خاصة، ليس بوصفها روايات فردية، بل باعتبارها مصادر توثيق تكشف آليات استهداف الإعلام داخل السجون. ومن بين هذه الشهادات، تبرز شهادة الصحفي الفلسطيني عماد الأفرنجي لصالح مركز رؤية للتنمية السياسية، الذي اعتُقل خلال الحرب وأُفرج عنه لاحقا، ليقدّم قراءة مباشرة لتجربته في الاعتقال، وطبيعة الانتهاكات التي تعرض لها، وكيف جرى التعامل مع العمل الصحفي بوصفه ملفًا أمنيًا داخل غرف التحقيق.
نص المقابلة مع الصحفي عناد الإفرنجي
من خلال تجربتي في الاعتقال، تبيّن لي أن ما تعرّضت له لا يمكن فهمه بوصفه انتهاكات فردية أو تجاوزات معزولة، بل باعتباره جزءًا من سياسة ممنهجة تتعامل مع الصحافة الفلسطينية كتهديد أمني، وتسعى إلى نزع الحماية القانونية عنها داخل منظومة السجون الإسرائيلية.
أولًا: سياق الاعتقال وخرق مبدأ التمييز
تم اعتقالي خلال اقتحام مجمع الشفاء الطبي، وهو منشأة طبية مدنية محمية بموجب القانون الدولي الإنساني. هذا السياق يعكس خرقًا واضحًا لمبدأ التمييز المنصوص عليه في اتفاقيات جنيف، والذي يُلزم قوة الاحتلال بالفصل بين المدنيين والمقاتلين، وحماية الطواقم الطبية والإعلامية. الاعتقال لم يستند إلى فعل مجرَّم محدد، بل إلى الهوية المهنية والوجود في مكان يفترض أنه محمي قانونًا.
ثانيًا: ظروف الاحتجاز والمعاملة القاسية
ما شهدته داخل مراكز الاحتجاز من تعذيب، وتجويع، وحرمان من النوم، وتفتيش عارٍ، وإذلال جسدي ونفسي، يندرج بوضوح ضمن نطاق المعاملة القاسية واللاإنسانية والمهينة المحظورة بموجب:
- المادة الثالثة المشتركة من اتفاقيات جنيف،
- اتفاقية مناهضة التعذيب،
- المادة (7) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
هذه الممارسات لم تكن مرتبطة بضرورات أمنية أو تحقيقية، بل استُخدمت كأدوات ضغط وإخضاع، وهو ما يفقدها أي غطاء قانوني أو استثنائي.
ثالثًا: التحقيق وتجريم حرية التعبير
التحقيقات التي خضعت لها لم تتركّز على أفعال مادية، بل على عملي الصحفي: ما أكتب، وما أنشر، والمقابلات التي أجريتها، وعملي الأكاديمي في تدريس الصحافة. هذا النمط من التحقيق يُظهر تحولا خطيرا في تعريف التهديد، حيث تُعامل الكلمة، والصورة، والرواية، كأدلة إدانة.
هذا السلوك يشكل انتهاكا مباشرا للمادة (19) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تكفل حرية الرأي والتعبير، بما في ذلك الحق في نقل المعلومات دون مضايقة. كما يعكس محاولة منهجية لتجريم الرواية الفلسطينية وليس مساءلة أفعال محددة.
رابعا: الحرمان من الضمانات القانونية
منع اللقاء مع المحامين لفترات طويلة، وعقد محاكمات شكلية عن بُعد، وغياب القدرة الفعلية على الدفاع، تمثل انتهاكًا صريحًا للمواد (9) و(14) من العهد الدولي، والتي تنص على الحق في الحرية، والأمان الشخصي، والمحاكمة العادلة. في هذه الحالة، لم يكن القضاء أداة إنصاف، بل جزءًا من منظومة الضغط والعقاب.
خامسا: استهداف البنية الإعلامية لا الأفراد
الأخطر في هذه التجربة أن الاستهداف لم يكن موجها لي كشخص، بل للصحافة كمرآة للحقيقة. التحقيق في التعليم الصحفي، واعتبار تدريب الصحفيين نشاطًا أمنيا، يشير إلى سعي لتفكيك البنية الإعلامية الفلسطينية، وتجفيف قدرتها على إنتاج المعرفة والتوثيق، وهو ما يتجاوز حدود الانتهاك الفردي إلى سياسة عامة.
ما خلصت إليه من هذه التجربة هو أن السجون الإسرائيلية تُستخدم كأداة لإعادة تعريف الصحافة بوصفها جريمة، وليس مهنة محمية قانونًا. التعذيب، والاحتجاز التعسفي، وتجريم التعبير، ليست أدوات منفصلة، بل عناصر في استراتيجية واحدة تهدف إلى:
- ردع التوثيق المستقل،
- إخضاع الرواية الفلسطينية للمنطق الأمني،
- وإسكات الشهود عبر الإبادة.



