المسارات المتوقّعة بعد استئناف الاحتلال الإسرائيليّ حرب الإبادة على قطاع غزّة

مع ساعات فجر الثلاثاء 17 آذار/مارس 2025، شن الاحتلال الإسرائيلي سلسلة كبيرة من الغارات الجوية المفاجئة على خيام ومنازل النازحين الفلسطينيين في قطاع غزة، أدت إلى ارتقاء حتى وقت إعداد هذا التقرير ما يزيد عن 830 شهيد جلّهم من المدنيين، معلنة بذلك إنهاء اتفاق وقف إطلاق النار الموقع مع المقاومة الفلسطينية.

توجُّه الاحتلال الإسرائيلي حظي بدعم وتبرير وموافقة أمريكية واضحة وعلنية، وتم اتهام المقاومة الفلسطينية بعدم الاستجابة لما عرف بمقترح “ويتكوف”، الذي تبنى المطالب الإسرائيلية غير المنصوص عليها باتفاق وقف إطلاق النار شرطًا لاستمرارية التهدئة، وذلك في محاولة لإخضاع المقاومة وتخليصها من كل أوراقها، بل والاشتراط بتسليم سلاحها والإقرار بالهزيمة وقبول فكرة التهجير إلى خارج قطاع غزة.

ومع عودة التصعيد بشكله التدميري والإجرامي، استطلع مركز رؤية للتنمية السياسية، آراء مجموعة من الخبراء والأكاديميين والسياسيين، في محاولة لاستقراء تقديراتهم للمسارات التي قد تذهب إليها الحرب على غزة بعد الانتهاك الإسرائيلي لاتفاق وقف إطلاق النار.

وقد تم استعراض هذه الآراء من خلال المحاور والأسئلة التالية:

  • ما أهداف الاحتلال الإسرائيلي من العودة إلى الحرب على غزة؟
  • ما الأوراق التي تملكها المقاومة في سبيل وقف الحرب؟
  • هل من عوامل ضغط دولية وإقليمية ستجبر الاحتلال على عودة والالتزام باتفاق وقف إطلاق النار؟
  • ما مصير اتفاق وقف إطلاق النار؟
  • هل نقضُ الاحتلال لاتفاق وقف إطلاق النار يُظهر ضعف الوسطاء؟ وما المقصود بضمانة الوسطاء للاتفاق التي تم الإشارة إليها في نص الاتفاق؟
  • كيف ستتعامل إدارة ترامب مع التصعيد؟
  • هل نحن أمام مرحلة تصعيد قصيرة؟ أم عودة للحرب بشكلها الكامل بما فيها البرية؟

يمكن تلخيص آراء الخبراء بما يلي:

  • أهداف الاحتلال الإسرائيلي تنقسم ما بين أهداف سياسية مرتبطة بمصالح نتنياهو في الحفاظ على ائتلافه الحكومي، وما بين أهداف إستراتيجية للاحتلال تتعلق بإنهاء المقاومة وتهجير الفلسطينيين.
  • قد يكون هناك تباين بين الأهداف الإسرائيلية والأمريكية، فالمنظور الأمريكي ينطلق من ضرورة تخلي حماس عن مطالبها والقبول التام بالشروط الأمريكية الإسرائيلية. أما أهداف الاحتلال الإسرائيلي فهي تتعلق بمحاولة استثمار اللحظة التاريخية لتغيير معادلة الشرق الأوسط انطلاقًا من نموذج غزة.
  • هدف عودة “إسرائيل” للحرب رسالة لدول الإقليم العربية، لخلق رأي عام يتعلق باليوم التالي للحرب، وإيجاد مسار سياسي يستثني حماس، ويحقق للاحتلال الإسرائيلي الأفضلية والتفوق والقدرة على فرض سياساتها.
  • اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في يناير قد انتهى بالنسبة للاحتلال الإسرائيلي، وأي مسار تفاوضي مستقبلي سيكون مبنيًّا على اتفاق جديد يركز على البعد الإنساني، بعيدًا عن الاستحقاقات السياسية.
  • عودة الحرب صفعة للوسطاء، فهم لا يملكون أوراق ضغط قوية لإجبار “إسرائيل” على تنفيذ الاتفاق، والولايات المتحدة هي من توفر مظلّة لـ “إسرائيل”، وفي ذات الوقت يبدو أن جميع الأطراف بحاجة للوسطاء بما فيها المقاومة.
  • الورقة الأساسية التي يمتلكها الوسطاء هي قدرتهم على التفاهم مع حركة حماس ومع المقاومة الفلسطينية ومع الفلسطينيين بشكل عام، لتقديم رؤية موحدة لحل كلي حول مستقبل القطاع، وليس فقط موضوع الأسرى.
  • من غير المتوقع أن يكون هناك أدوار ضاغطة إقليميًا أو دوليًا لوقف الحرب في ظل تهميش دور المؤسسات الدولية، وكذلك الأمر الأزمات التي أدخلتها إدارة ترامب للأوروبيين بملف أوكرانيا.
  • إدارة ترامب هي من ترسم المشهد الآن حول مستقبل الحرب على غزة وما يرتبط بها من ملفات أخرى بما فيها التهديدات لإيران.
  • المؤشرات تقول إن التصعيد سيكون في إطار الإستهدافات المركزة والقصف الجوي مع بعض العمليات البرية، لكن تطورات الميدان لا يمكن الجزم بها، وإمكانية أن تعود الحرب الشاملة في ظل الأهداف الإسرائيلية للقضاء على المقاومة وتهجير الفلسطينيين تبقى قائمة.
  • طول أمد الحرب بعد استئنافها، قد يكون ممتدًا لأسابيع قليلة على غرار حرب 2008 و2009 التي بدأت بموجة عالية كبيرة جدًا، ثم بدأت بالانحسار لتأخذ طابعًا كلاسيكيًّا محدودًا بعد ذلك، هذا السيناريو قد يوفر للوسطاء فرصة للتوصل إلى اتفاق.

عادل شديد، باحث مختص بالشأن الإسرائيلي، الخليل

الأهداف الإسرائيلية من العودة إلى الحرب مرتبطة في جزء منها بالأزمة الداخلية في “إسرائيل”، وتماسك الائتلاف اليميني الحاكم، وتمرير قانون الموازنة وإعادة ضم حزب العظمة اليهودية بزعامة بن غفير للحكومة، بمعنى أن الأبعاد السياسية والحزبية حاضرة بقوة. في المقابل هناك أهداف أخرى تتفق عليها الأحزاب الإسرائيلية، سواء المتفقة مع نتنياهو أو المختلفة معه، فهي كلها ما زالت مقتنعة أن صدمة 7 أكتوبر حاضرة، وأن “إسرائيل” لم تحقق أهدافها ولم توجّه هزيمة نكراء للشعب الفلسطيني، بالتالي تصبح احتمالية استمرار الحرب أكبر بكثير من احتمالية العودة إلى الهدوء.

فيما يتعلق بالمقاومة فهي تملك ثلاث أوراق للمواجهة، أولها الإبقاء على حالة الالتحام الداخلي مع الجماهير الفلسطينية في قطاع غزة، هذا يؤهلها أن تبقى صامدة وثابتة، وتحافظ على التماسك المجتمعي عبر إفشال مشروع نتنياهو بإحداث فوضى وفراغ. الثانية ورقة الأسرى وإن كانت أقل أهمية بكثير لكنها تُحرك الشارع الإسرائيلي من أجل الضغط على الحكومة الإسرائيلية، وتُبقي المجتمع الإسرائيلي منقسمًا تجاه الحرب وليس متفقًا وداعمًا لنتنياهو، أما الورقة الثالثة، وهي في حال تطورت الحرب في هذه المرحلة إلى معركة برية، حينها يكون لدى المقاومة قدرة على استنزاف جيش الاحتلال وإيقاع خسائر بشرية في صفوفه وخسائر مادية في الآليات.

أما الوسطاء فهم بتقديري لا يملكون أوراق ضغط قوية على “إسرائيل”، فكما أن حماس بحاجة للوسطاء والمفاوضات، فالعرب والوسطاء أيضًا بحاجة لهذه المفاوضات، وكذلك الأمر “إسرائيل” بحاجتها، لكن المفارقة في هذه المعادلة هو حينما يكون هناك توافق إسرائيلي أمريكي فيما يتعلق بالحرب، فهذا يجعل نتنياهو غير مهتم بتبرير قراره بالعودة إلى الحرب أمام الوسطاء أو أي طرف آخر.

لم يعد قرار العودة إلى الحرب أو وقفها قرارًا إسرائيليًا بقدر ما هو قرار أمريكي، والواضح أن إدارة ترامب تريد تحقيق هدفين بالتنسيق التام مع نتنياهو؛ الأول وهو توجيه هزيمة لحركه حماس وللمقاومة، وتحقيق ما يمكن تحقيقه من مشروع ترامب بتهجير مئات آلاف الفلسطينيين من القطاع، وتجريد المقاومة من سلاحها، وهذا موضوع معقد وشائك، وستحتاج أمريكا في سبيل تحقيقه إلى الضغط على مصر وقطر للقبول بالرؤية الإسرائيلية لغزة ما بعد الحرب، وضمان عدم وجود حركة حماس بالحكم. الهدف الثاني يتمثل في رؤية ترامب بأن الفرصة الحالية سانحة للقضاء على كل القوى التي تقف في وجه الهيمنة والعربدة الأمريكية في المنطقة بعد التغيير الإستراتيجي الكبير الذي شهدته سوريا ولبنان.

د. مأمون أبو عامر، أكاديمي وباحث سياسي، غزة

العودة للحرب تنطلق من أهداف مرتبطة بمصالح نتنياهو السياسية أكثر من ارتباطها بالمصالح الإسرائيلية؛ فالتحدي الذي يواجه نتنياهو بعد ما كُشف عنه من أن رئيس جهاز الشباك – الذي يرغب نتنياهو بالتخلص منه – قدم تحقيقًا لرئيس الوزراء في ورقة تسمى خارطة الطريق إلى 7 اكتوبر خلُصت إلى اتهام نتنياهو وتحميله مسؤولية الإخفاق، وقد اعتبرت الوثيقة بمثابة لائحة اتهام لنتنياهو من قبل الشاباك، ومطالبة بلجنة تحقيق رسمية، الأمر الذي يرفضه نتنياهو، هذه الأزمة تضاف إلى مجموعة من العوامل السياسية التي تراكمت في الأيام الأخيرة، وبات نتنياهو بحاجة إلى الحفاظ على حكومته لتمرير مشروع الميزانية حتى نهاية آذار/مارس 2025، وهناك مبررات أخرى يتم تسويقها كمبررات أخلاقية للشارع الإسرائيلي على رأسها أن الحرب لم تكتمل، وهناك حاجة لتحقيق الأهداف كغطاء للحرب، علاوة على الحاجة الإسرائيلية الدائمة لأن يكون هناك حالة من التوتر وحالة من القتال كسبيل للحفاظ على تماسك المجتمع الداخلي. في المقابل هناك أهداف أخرى يمكن أن يشار إليها من قبيل تحسين الموقف التفاوضي والضغط على حركه حماس للاستجابة للشروط الإسرائيلية، وهذا جزء من سياسة نتنياهو الذي يريد أن يحقق إنجازات مهمة بدون أن يدفع أثمانًا لذلك.

الورقة الوحيدة التي تمتلكها المقاومة هي الحفاظ على حياة الأسرى الإسرائيليين، وأن هذه الحرب قد تعرضهم لخطر كبير، بالتالي ربما تشكل حافزًا لعائلاتهم للتأثير على قرار الحكومة الإسرائيلية. أما في المسار الميداني والعسكري فهناك مساران؛ الأول في حال استمرت الحرب بطريقه القصف الجوي فالمقاومة لا تملك قدرات للتصدي للقصف، لكن إذا دخلت “إسرائيل” حربًا برية مرة أخرى ربما يكون هناك إمكانيات للمقاومة لتحقيق إصابات مباشرة في جيش الاحتلال. وهذا قد يولد حالة ضاغطة من الجيش نفسه للتفكير في وقف الحرب.

فيما يتعلق بدور الوسطاء، وضمانتهم، خلال المرحلة الأولى من الاتفاق، فالاحتلال لم يلتزم بكل البنود، وقد خالف الاحتلال قرابة 14 بندًا من الاتفاق خصوصًا ما يرتبط بالبروتوكول الإنساني، والانسحاب من ممر صلاح الدين “فلدلفيا”، وإدخال الخيام والمنازل المتنقلة والأدوية ومستلزمات المستشفيات، والسماح بخروج الجرحى والمرضى للعلاج، ولم يستطع الوسطاء إجبار الاحتلال على وقف هذه الانتهاكات، فلا ضمانات على اتفاق وقف إطلاق النار، وما يمكن أن نسميه اتفاق وقف اطلاق النار قد يكون قد انتهى بعد استئناف القتال على الأرض، لكن سيبقى الاتفاق موجودًا ويمكن العودة إليه.

أمّا طول أمد الحرب بعد استئنافها، فربما يكون هذا الاستئناف للحرب ممتدًا لأسابيع قليلة على غرار حرب 2008 و2009 التي بدأت بموجة عالية كبيرة جدًّا، ثم بدأت بالانحسار لتأخذ طابعًا كلاسيكيًا محدودًا بعد ذلك، هذا السيناريو قد يوفر للوسطاء فرصة للتوصل إلى اتفاق. لذلك يمكن تسميتها موجة لتحقيق أهداف متعددة بشكل سريع.

إدارة ترامب تبنت قرار العودة للحرب بشكل كامل وواضح وعلني، هذا يعود لعامل أساس يتمثل في أنها تخوض معركة جديدة تجاه إيران، وظهر ذلك في الاستهداف الأمريكي أيضًا للحوثيين بشكل عنيف، بالتالي نحن أمام رسائل تهديد لإيران وتهديد مباشر أيضًا موجّه إلى حماس.

عصمت منصور، كاتب ومحلل سياسي

‏الأهداف الإسرائيلية مركّبة، هناك أهداف مرتبطة بالحرب واستكمالها، وهناك أهداف مرحلية متمثلة في الضغط على حماس وإعادتها لطاولة المفوضات في ظروف أصعب، وبطبيعة الحال هناك أهداف خاصة بنتنياهو منها تمرير الموازنة ووأد الموجة الاحتجاجية التي كانت ستنطلق ردًّا على إقالة رئيس الشباك، لذلك هناك تقاطع في توقيت العودة للحرب مع هذه الأهداف المركبة خصوصا في ظل إدارة ترامب الداعمة.

‏للأسف، لا يملك الوسطاء أوراقًا للضغط على إسرائيل باستثناء الولايات المتحدة التي تتماهى مع الإسرائيليين في طريقة إدارتهم للمواجهة، لذلك أعتقد أنّ الورقة الأساسية التي يمكن أن يمتلكها الوسطاء هي قدرتهم على التفاهم مع حركة حماس ومع المقاومة الفلسطينية ومع الفلسطينيين بشكل عام؛ لتقديم رؤية موحدة لحل كلي حول مستقبل القطاع، وليس فقط موضوع الأسرى.

باعتقادي، اتفاق وقف إطلاق النار انتهى تمامًا وفشل، وهذا لم يحصل مع إعادة الحرب، بل في اليوم 16 للمرحلة الأولى التي كان يتوجب فيها الذهاب إلى مفاوضات المرحلة الثانية ولم تفعل “إسرائيل” ذلك، هذا يعني بشكل واضح إضافة لكل الخروقات، أن “إسرائيل” كانت تمهد لهذه اللحظة لتعود للحرب لأن ذهاب نتنياهو للمرحلة الثانية من الاتفاق كان سيدخل حكومته إلى مسار لا يرغب به.

‏العودة للتصعيد قد تكون لوقت قصير، لكن هذا يتوقف على قدرة الوسطاء على التوافق مع حماس لعودتها إلى طاولة المفاوضات ولكن تحت سقف إسرائيل الذي يرتفع أكثر عن الماضي وفي ظل ظروف أصعب، لذلك يبقى هناك خوف من عدم القدرة على ضبط الميدان، ونكون أمام عملية متدحرجة تتصاعد، وهذا أيضًا يتوقف على الضوء الأخضر الأمريكي الذي منحه ترامب لنتنياهو، كما أنه يتوقف على الحالة الداخلية في إسرائيل والاحتجاجات الداخلية، بمعنى هناك أكثر من عامل يمكن أن يكون محددًا لطبيعة ومسار الأحداث.

يبدو أنّ إدارة ترامب كانت بحاجة إلى عودة الحرب، لأن هذا تطبيق لمفهوم “فتح أبواب جهنم”، وتحقيق لمصالح أمريكا، وإعادة اعتبار لها ولقوتها ولحلفائها، خصوصًا “إسرائيل”، كما أنّه يضعف حماس بالمقابل، ويوصل رسائل أيضًا إلى طهران ولأطراف عدة.

ياسر مناع، باحث مختص في الدراسات الإسرائيلية

هناك أهداف مرحلية وأخرى إستراتيجية لـ “إسرائيل” في العودة للحرب، أبرزها: فرض مزيد من الضغوط على المقاومة والفلسطينيين للقبول بتمديد المرحلة الأولى دون التقدم نحو المرحلة الثانية، مع إبرام صفقات تبادل جزئية تخدم مصالحها. ومحاولة فرض مفهوم “حرية العمل العسكري” في غزة، بحيث تحتفظ “إسرائيل” بحرية تنفيذ عمليات عسكرية متى شاءت، كما هو الحال في الضفة. مع ضرب بنية السلطة الحاكمة في غزة وإضعافها، وهو ما حصل فعلًا من استهداف شخصيات ومراكز مرتبطة بالمنظومة الحاكمة في اللحظات الأولى لاستئناف الحرب، على غرار ما حدث في حرب عام 2008. وتسعى “إسرائيل” إلى تعزيز موقعها التفاوضي، ومنع بلورة تسوية شاملة قد تُلزمها بتقديم استحقاقات سياسية وأمنية، خاصة مع غياب رؤية إسرائيلية واضحة لمرحلة “اليوم التالي” للقطاع.

الرصيد الرئيس للمقاومة هو تمسّكها بمطالبها التي ظلّت تطرحها طيلة الشهور الخمسة عشر الماضية، إذ تُدرك المقاومة أن “إسرائيل” لم تنجح في انتزاع هذه المطالب خلال حرب الإبادة الطويلة، ما يجعل من غير المرجّح أن تحققها في جولة عسكرية خاطفة أو تصعيد محدود. ومن ثم، فإن ورقة الضغط الأساسية بيد المقاومة هي الصمود والتمسك بالمطالب الجوهرية، مع إدراكها أن التنازل تحت وقع التصعيد لن يؤدي إلا إلى تمديد الأزمة لا إلى حلها.

إن نقض الاحتلال لبنود اتفاق وقف النار يعكس هشاشة وضعف دور الوسطاء، وعدم امتلاكهم أدوات ضغط حقيقية لإلزام “إسرائيل” بالاتفاق. أما مفهوم “الضمانة” الذي ورد في نص الاتفاق، فيعني بالأساس التزام الأطراف الراعية بمتابعة تنفيذ الاتفاق وضمان احترامه، غير أن هذا المفهوم يبقى فضفاضًا إذا لم يُقرَن بآليات واضحة للتعامل مع أي خرق، وهو ما لم يتوفر حتى اللحظة.

الاتفاق بات فعليًّا في مهبّ الريح بعد سلسلة الخروقات التي قامت بها “إسرائيل”، ومحاولتها فرض وقائع ميدانية جديدة. وما يُمكن توقعه أن الاتفاق دخل مرحلة من التعليق أو الجمود، بانتظار تبلور ظروف إقليمية أو تفاهمات جديدة تعيد تفعيله، وهو احتمال يظل مرهونًا بمستوى الضغط الدولي والإقليمي.

المعطيات الحالية تُرجّح أن التصعيد الجاري محكوم بسقف محدود، حيث تسعى “إسرائيل” إلى عمليات مركزة دون الانزلاق إلى حرب شاملة، وهو ما يتضح من اختيارها اسم العملية وحرصها على إبقاء التصعيد في إطار منفصل عن الحرب الواسعة. غير أن احتمالية توسع العمليات، بما يشمل اجتياحًا بريًّا، تبقى قائمة في حال خرجت الأوضاع عن السيطرة أو فشلت “إسرائيل” في تحقيق أهدافها المرحلية.

حتى الآن، لا توجد مؤشرات قوية على توافر ضغط دولي فعّال يلزم إسرائيل بالعودة للاتفاق، خاصة في ظل الانحياز الأمريكي الواضح. غير أن تطورات ميدانية غير محسوبة، مثل اتساع دائرة المواجهة أو ارتفاع حجم الخسائر، قد تدفع بعض الأطراف الإقليمية والدولية إلى تفعيل جهود الوساطة مجددًا، لكن نجاح هذه الجهود سيظل مرهونًا بإمكانية توفير ضمانات أكثر صلابة هذه المرة.

محمد القيق، كاتب وباحث سياسي

‏ لا يملك الاحتلال الإسرائيلي أي رؤية لليوم التالي في غزة، وهدف العودة إلى الحرب هو توجيه رسالة إقليمية للدول العربية بسبب حشد الرأي العام نحو اليوم التالي في غزة، وبالتالي عدم منح حماس إمكانية إدارة القطاع مستقبلًا، وطرح بديل عربي إقليمي يمكن أن يُقدّم على أنه المخرج من هذه الحرب. ‏الهدف الثاني هو حفاظ نتنياهو على تماسك الحكومة بعيدًا عن شبكة الأمان التي تعطيها له المعارضة، لأن الذهاب إلى المرحلة الثانية من الاتفاق كان يعني سقوط الحكومة مباشرة.

أما أوراق قوة المقاومة فهي تنبع من الصمود والصبر والمواجهة انطلاقًا من ثقة الشعب الفلسطيني بالمقاومة واحتضانها، وأن بديل الصمود والصبر هو استمرار الاحتلال بل التهجير والتصفية للقضية الفلسطينية، بالإضافة إلى ذلك تمتلك المقاومة ورقة قوة تتمثل في أن الجيش الإسرائيلي قد خرج من غزة مهزومًا ولم يحقق أهدافه على مدار 15 شهرًا، هذا أمر سينعكس على قرارات الجيش بالعودة إلى الحرب البرية في غزة. الورقة الثالثة التي تملكها المقاومة هي الجنود والضباط الأسرى لديها وستبقى هذه الورقة فعالة، والرابعة هي حالة التطور الإقليمي التي لا يمكن إغفالها الآن، فلم يعد الإقليم كما كان عليه ما قبل 7 أكتوبر، خصوصًا في ظل ما يمارسه الاحتلال من انتهاكات إقليمية ستدفع إلى المراهنة على المقاومة أكثر من الرهان على أي خيارات أخرى، وبالتالي قد تزيد تعقيدات المشهد على الاحتلال الإسرائيلي، وتهدد المصالح الأمريكية بالمنطقة.

‏عودة “إسرائيل” إلى الحرب هو نقض لاتفاق وقف إطلاق النار، بل يمكن أن يعتبر صفعة للوسطاء، خصوصًا أن البيت الأبيض أصدر تصريحًا يقول فيه إن هذه الضربات جاءت بالتنسيق الكامل معه وبعلم إدارة ترامب، إلا إذا تدخل الوسطاء (مصر وقطر) فورًا وبشكل غير تقليدي لإعادة وقف الحرب، ودعم المسار السياسي وصولًا إلى العودة للاتفاق، وكذلك توفر خطة سياسية للتعامل مع قطاع غزة. بدون ذلك سيبقى ‏وقف إطلاق النار هشًّا.

من العوامل المؤثرة على استمرار حرب الإبادة، التصعيد الأمريكي في المنطقة وخصوصًا جبهتي اليمن وإيران. فالحرب الحقيقية ستكون خلال المرحلة المقبلة ضمن جغرافيا خارج غزة، إما على الجبهة السورية، أو الإيرانية هذا المشهد العسكري الذي يتجه إليه الاحتلال الإسرائيلي.

‏لا أوراق ضغط على “إسرائيل” الآن لا من الدول العربية ولا من غيرها، الأوراق فقط تتمثل في المواجهة والمقاومة الفلسطينية، وممكن أن تتطور إلى بعض الجبهات، حتى خطة جامعة الدول العربية لم يتم قبولها إسرائيليًّا ولا أمريكيًّا، وكذلك الأمر ملفات القضاء في محكمة الجنايات الدولية ومحكمة العدل الدولية يبدو أنها فقدت زخمها، وأوروبا الآن منشغلة في الحرب الأوكرانية الروسية وحساباتها في ظل موقف إدارة ترامب.

توفيق طعمه، الباحث في الشؤون الفلسطينية الأمريكية، لوس أنجلوس

عودة الحرب بالمنظور الإسرائيلي هدفها تصفية المقاومة وفي مقدمتها حركة حماس، فعلى الرغم من فشلها على مدار 15 شهرًا الماضية في تحقيق هذا الهدف، إلا أنها ما زالت تحاول تحقيقه، الهدف الثاني المعلن هو استعادة الأسرى الإسرائيليين وبالرغم من عدم تحقيقه سابقًا عبر المقاربة العسكرية أيضًا، إلا أنها تحاول تقليل الثمن الذي ستدفعه مقابل هؤلاء الأسرى. وربما تسعى إلى تحويل الثمن إلى مساعدات إنسانية بعيدًا عن استحقاق نهاية الحرب أو الانسحاب أو الإعمار. هدف ثالث إسرائيلي لعودة الحرب يتمثل في جعل غزة هي النموذج الذي ستعيد فيه “إسرائيل” معادلة الردع، وتعبر عن قوتها وقدرتها في التعامل مع أي طرف يمكن أن يفكر بمواجهة “إسرائيل” مستقبلًا، هدف رابع لـ “إسرائيل” يتعلق بتغيير شكل المنطقة بحيث لا يكون هناك أي تهديد مستقبلي لها، وبناء شرق أوسطي يمنحها حضورًا قويًّا وبعدًا مركزيًّا بعد التخلص من الأطراف التي تشكل عائقًا أمام تحقيق هذا الطموح. وهدف خامس لا يمكن إغفاله أيضًا يركز على الحفاظ على تماسك التيار اليميني داخل دولة الاحتلال، باعتباره الحاضنة الضامنة لمستقبل ائتلاف نتنياهو الحكومي. وهدف خامس يتمثل في عملية تطوير أي مسار سياسي أو خطة لمستقبل غزة بما يحقق الشروط الإسرائيلية، فـ “إسرائيل” لا تريد أن تذهب لأي اتفاق يمكن أن يمنح الفلسطينيين إنجازًا، بل تريد أن تجعل من المسار التفاوضي سبيلًا لإضعاف المقاومة والرضوخ والاستسلام.

تمتلك المقاومة عدة أوراق منها ورقة الأسرى الإسرائيليين التي يمكن أن تبقى فعالة رغم كل ما يقوم به الاحتلال من مناورات، وطبعا هناك ورقة استنزاف الجيش الإسرائيلي طوال شهور الحرب، واستمرارية هذا المسار قد يكون مؤثرًا على القرار لدى الاحتلال، الورقة الأخرى ربما إعادة تفعيل القوة الصاروخية وترميمها مهما كانت بسيطة إلا أنها قد تشكل إباكًا للشارع الإسرائيلي الداخلي، أضف إلى ذلك تأثير العوامل الضاغطة الخارجية خصوصًا دخول الحوثيين على خط المواجهة من جديد، وكذلك الخيار السياسي المتمثل في  القدرة على المناورة عبر طاولة المفاوضات، فالمقاومة يمكن لها أن تسير في مسار تفاوضي يؤسس لمرحلة مقبلة، وتبقى الورقة الأهم بطبيعة الحال المتمثلة في حالة الصمود وعدم إظهار الضعف.

فيما يتعلق بالوسطاء، فبالتأكيد أن نتنياهو لا يحترمهم ولا يقدرهم، ولهذا السبب تم خرق الاتفاق، بالتالي مطلوب إعادة تقييم لشكل وطبيعة دور الوسطاء في كيفية إجبار الاحتلال على احترام دورهم في أي مرحلة مقبلة. فالاحتلال هو من خرق الاتفاق، في حين أن المقاومة ملتزمة بكل بنوده، وأمريكا لم تكن يوما وسيطًا بل هي طرف يتبنى الموقف الإسرائيلي، ويزود الاحتلال بالسلاح الذي يُباد به الفلسطينيون، وتهديدات ترامب بالجحيم والحديث عن التهجير، هذا تبنٍّ للصيغة الإسرائيلية، حتى ما قُدم على أنه مبادرة ويتكوف هي تبنٍّ لموقف إسرائيل. وبالتالي مصير اتفاق وقف إطلاق النار باعتقادي قد انتهى، وحالة التصعيد الآن ليس لها أوفق تتوقف عنده قبل نهاية الشهر الجاري وتمرير قانون الميزانية، و”إسرائيل” تحاول ابتزاز المقاومة والضغط عليها لإعادة بلورة اتفاق جديد بشروط إسرائيلية، وبالتالي قد نكون أمام خيارين إما اتفاق جديد، أو مرحلة تصعيد شاملة. ويبدو من الصعب التنبؤ بشكل وطبيعة المسارات المتوقعة سواء في البعد الزماني أو الامتدادات.

فيما يتعلق بعوامل الضغط الدولية لوقف الحرب، فالطرف الوحيد المقصود هنا هو الإدارة الأمريكية، فالمواقف العربية والإقليمية، كلها غير قادرة على إجبار الاحتلال على وقف الحرب، لأن الدول العربية والإقليمية المنشغلة بالبحث عن مسارات التطبيع، أو إجهاض المبادرة المصرية، وبالتالي العامل الوحيد القادر على التأثير هنا هو الإدارة الأمريكية.

أكرم عطا الله، كاتب ومحلل سياسي، غزة

أهداف الاحتلال الإسرائيلي هي ذاتها التي أعلنت عنها منذ بداية الحرب بعد 7 أكتوبر، والمتمثلة في إنهاء المقاومة وضمان حالة الاستقرار لعقود طويلة، والفرق اليوم أن الاحتلال في مراحل الحرب الأولى لم تكن أهدافه واضحة، لأنه لم يكن يدرك وقتها طبيعة التطورات التي قد تؤول إليها الحرب البرية وكذلك الأمر المواقف الإقليمية والدولية، لكن اليوم يبدو أن الاحتلال قادر على قراءة مسار الأحداث المتوقع، ولهذا السبب ما زال يعمل في إطار تحقيق نفس الأهداف.

الأوراق التي تمتلكها المقاومة، تتمثل في ورقة الأسرى بطبيعة الحال، وورقة الصمود، والقدرة على التصدي. المناورة بورقة الأسرى، لم تعد بذات القوة التي كانت سابقًا، بعد أن بدأ عدد الأسرى يقل، وكذلك ما أحدثته إسرائيل من قتل ودمار كبير في القطاع.

نقض “إسرائيل” للاتفاق بطبيعة الحال يظهر ضعف الوسطاء، ولكن من التجربة فـ “إسرائيل” نقضت اتفاق أوسلو الذي كان برعاية أمريكية أوروبية، وبالتالي هذا ليس بالجديد على “إسرائيل”، ولا يوجد ضمانة طالما أن أمريكا هي الراعي والداعم للاحتلال، ما يُلزم “إسرائيل” هي مصالحها أو نقاط ضعفها، وستبقى تتصرف بمنطق فرض قوتها على الآخرين، وهذا ما عليه الحال حتى في لبنان الذي ما زالت “إسرائيل” تمارس خروقها فيه وتفرض معادلتها.

أما مصير وقف إطلاق، فيبدو أننا أمام حالة حرب متواصلة، وعلينا أن نتذكر أن انسحاب بن غفير من الحكومة الإسرائيلية كان نتيجة لوقف الحرب، وعودته تشير إلى عدم توقف الحرب لفترة طويلة قادمة، ونتنياهو لديه الغطاء من الإدارة الأمريكية لاستمرارية الحرب اعتقادًا منه أنه سيحقق الأهداف التي انطلقت من أجلها.

قد يكون من الصعب التنبؤ بمنحى المرحلة المقبلة، لكن وفقًا للمؤشرات والأهداف المعلن عنها إسرائيليًّا، باعتقادي أننا أمام حرب طويلة، وإسرائيل تريد أن تجعل من غزة منطقة لا تشكل خطرًا في المفهوم الإستراتيجي عبر إنهاء المقاومة، بحيث يصبح الجيش الإسرائيلي قادرًا على تنفيذ عملياته العسكرية متى شاء داخل القطاع دون أن يتعرض لأي خطر. السؤال هل تستطيع “إسرائيل” تحقيق ذلك أم لا؟ هذا يبقى خاضعًا لتطورات الميدان. لكن فكرة الهجرة وفقًا للطرح الإسرائيلي تقوم على أساس الحرب الطويلة؛ لإضعاف خيارات البقاء، وبالتالي تحقيق هذا الهدف.

أما التوقعات المتعلقة بالمدى الذي يمكن أن تصل إليه الحرب البرية، فالميدان هو من سيحدد، وما هي المعدات العسكرية التي تستخدم، فعليًا هناك تواجد عسكري بري في القطاع ومحيطه، ولكن يبدو أنها ما زالت تعتمد على الضربات الجوية تمهيدًا للاقتحامات البرية فيما بعد.

أما الضغوط الدولية لوقف إطلاق النار، فقد ثبت على مدار 15 شهرًا من حرب الإبادة عدم قدرتها على إدخال علبة دواء أو شاحنة مساعدات، حتى محكمة العدل الدولية قد فشلت في ذلك، وبالتالي هل بإمكانها أن توقف الحرب؟! باعتقادي هناك مساحة كبيرة من التشاؤم إزاء الدور الدولي.

د. أمجد بشكار، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية

تريد “إسرائيل” إخضاع حركة حماس بهذه الحرب، وبالتالي استئنافها يهدف بشكل أولي لفرض اتفاق استسلام على حماس، وهذا يتطلب إلغاء الاتفاق السابق والتنصل منه، والذهاب إلى فرض اتفاق جديد بمعايير وشروط جديدة لصالح الاحتلال، ومع تعيين رئيس هيئة أركان إسرائيلي جديد منسجم مع نتنياهو، فكثافة الاستهداف قد تكون أعلى بكثير عما كان عليه قبل المرحلة الأولى من الاتفاق.

أما أوراق قوة المقاومة، فما زال الرهان على حالة الصمود والمواجهة من جهة، إضافة إلى ورقة الأسرى الإسرائيليين التي يمكن من خلالها تأجيج الشارع الإسرائيلي الداخلي من جهة أخرى، إضافة إلى قدرة المقاومة على التصدي وفاعلية أدواتها القتالية، فالتجربة السابقة يفترض أنها أكسبت المقاومة خبرة كبيرة في تعاملها مع الميدان، والمرحلة الأولى من الاتفاق قد تكون منحت المقاومة وقتًا لإعادة ترتيب قدراتها وصفوفها بما يمكّنها من التصدي والمواجهة والصمود، وترميم قدراتها العسكرية.

فيما يتعلق بالوسطاء فقد أصبح لديهم قناعة أن العملية التفاوضية هي المسار الوحيد لإعادة الأسرى، ولكن الإشكال هنا يتمثل في هشاشة موقفهم، وفي ظل وجود ترامب تبدو الأفضلية لصالح نتنياهو، ويبدو قادرًا بذلك على التنصل من الاتفاق وهو ما يضعف دور الوسطاء، ولكن باعتقادي قد تتدحرج الأمور بخلاف الرغبة الإسرائيلية، وتتضارب مع المصالح الأمريكية، والحاجة لوقف الحرب قد تكون عاملًا لدفع إسرائيل إلى مسار المفاوضات.

أما سيناريوهات التصعيد، فقد تتدحرج الحالة من مراحل الضغط إلى حالة الحرب الشاملة، فالسياسات الإسرائيلية تشير إلى مزيد من التورط في الحرب وعدم العودة عنها، خصوصًا إذا لم تستطع “إسرائيل” فعليًّا إجبار حماس على الاستسلام، والإبقاء على سقف الأهداف الإسرائيلية المرتفع المتمثلة في التهجير وإنهاء المقاومة، هذا يعني أننا قد نكون مقبلين على حرب طويلة، ولكن يبقى الأمر مرتهنًا في قدرة الشارع الإسرائيلي على إحداث الفارق في لحظة معينة. أو تغيير في الرؤية الأمريكية التي تجبر نتنياهو على القبول بوقف إطلاق النار.

لا يتخذ الموقف الأمريكي قرارًا أو مسارًا واضحًا في هذه الحرب حتى الآن، ويبدو أن هناك نوعًا من تقلّب المزاج لدى الإدارة الأمريكية، لكن هناك اهتمام واضح بالأسرى الإسرائيليين الذين يحملون الجنسية الأمريكية، وبالتالي قد تكون هذه من الملفات التي قد تدفع في لحظة ما إلى دعم المسار التفاوضي على حساب العمل العسكري.

أما القوى الدولية فهي تبدو رهينة للموقف الأمريكي، ومن لم تستطع إيقاف الحرب على مدار 15 شهرا سابقة من الدمار والإبادة الكبيرة، لن تستطيع وقفها الآن.

نزار نزال، باحث مختص في القضايا الصراع، جنين

الهدف الأول لعودة الحرب على غزة هو ردع حماس والمقاومة، ودفعها للاستجابة للاشتراطات الإسرائيلية الأمريكية والتخلي عن أي استحقاقات مرتبطة بنهاية الحرب والانسحاب من غزة، والهدف الثاني هو الهروب من الأزمة الداخلية الإسرائيلية.

لا أعتقد أن حماس تمتلك الكثير من أوراق القوة سوى ورقة الأسرى الإسرائيليين وقدرتها على استثمارها ضمن محطات معينة، إضافة إلى قدرتها في تحشيد دور الوسطاء لمحاولة العودة للمسار السياسي.

أما دور الوسطاء فهم عاجزون، وغير قادرين على إجبار الاحتلال على الاستمرار بالاتفاق، خصوصًا أن الولايات المتحدة هي الداعم الكبير لسياسات الاحتلال عبر توفير الغطاء، وبالتالي هناك حالة إحراج واضحة وكبيرة للوسيطين العربيين.

مع تجدد الحرب لم يعد هناك حديث عن وقف إطلاق نار، ويبدو أن الاتفاق قد انتهى، والآن نحن أمام حرب ممتدة، وهذا من أخطر أنواع الحروب، باعتباره يقوم على مبدأ إنهاء الطرف الآخر، وبالتالي العودة لاتفاق وقف إطلاق نار باعتقادي قد لا يكون قريبًا في ظل الرؤية والسلوك الإسرائيلي.

في المرحلة الحالية يبدو أن “إسرائيل” ستعتمد على الضربات الجوية والبعيدة، وقد يكون من المستبعد الدخول البري المباشر، لأن ذلك قد يسبب خسائر في صفوف الجيش.

د. أحمد أبو الهيجا، المختص في علم الاجتماع السياسي، جنين

أهداف “إسرائيل” من العودة إلى الحرب تتباين عن أهداف الولايات المتحدة الأمريكية، فإدارة ترامب تهدف للضغط على حماس لتليين موقفها وتوافق على ما هو مطروح من شروط إسرائيلية أمريكية، وهذا يشير إلى حالة التذبذب في الموقف الأمريكي. الهدف من المنظور الإسرائيلي لعودة الحرب يتمثل في تحقيق فكرة التهجير وكسر المقاومة وفرض حالة الاستسلام التام عليها، وبالتالي هناك فجوة كبيرة بين الموقف الإسرائيلي والموقف الأمريكي. لذلك، فإنّ استمرارية الحرب ستبقى مرهونة بتحولات في الإقليم، وهذا ربما ما أشار إليه ويتكوف عندما تطرق إلى تداعيات الحرب على مصر، وكأن إدارة ترامب تريد أن تضع كوابح للسلوك الإسرائيلي ضمن محددات معينة لمستقبل الحرب.

واضح أن الاحتلال لا يعطي أي اعتبار للوسطاء، لأن الوسطاء من المنظور الإسرائيلي لا يمتلكون أدوات قوة للضغط على “إسرائيل”، رغم أن مصر مثلًا تمتلك ورقة اتفاقية السلام الموقعة مع “إسرائيل” ويمكنها التلويح بها، لكن ذلك لم يحصل ربما لأن الولايات المتحدة الأمريكية هي الطرف المهم في كل هذه المعادلة، وهي من يفرض تصوراتها على الجميع. تعطي الولايات المتحدة الغطاء لـ “إسرائيل” بشكل كامل، وهذا أيضا يجعل دور الوسطاء محدودًا في إدارة الصراع أو إدارة المفاوضات، ولا يتعلق بفرض موقف.

أما خيارات التصعيد، فالجيش الإسرائيلي باعتقادي قد لا يذهب إلى عملية برية شاملة، رغم أن ذلك غير مستبعد، وذلك بفعل صعوبات على أكثر من مستوى، لهذا السبب ربما سيكون التركيز على عمليات محددة أو جزئية أو متدرجة، والاعتماد أكثر على القصف الجوي الذي يمكن أن يحقق أهدافًا على مستوى الاغتيالات.

فيما يتعلق بأوراق قوة المقاومة فهي محدودة جدًا، ولكن التعويل أن يكون هناك تحول على مستوى جماهيري عالمي خصوصًا في الولايات المتحدة الأمريكية، ما قد يشكل كابحًا لسياسات ترامب، أمّا على المستوى العربي والإقليمي ففرص الضغط أقل بكثير لعدم امتلاك الإرادة السياسية لذلك.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى