مطوّرو العقارات يستعمرون قطاع غزّة: قراءة في مشروع كوشنر “غزّة الجديدة”

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 22 كانون الثاني/يناير 2026 إطلاق “مجلس السلام” باعتباره إطارًا دوليًا جديدًا لإدارة مرحلة ما بعد الحرب على قطاع غزة، بالتوازي مع عرض تفصيلي قدّمه صهره ومستشاره ورئيس فريق الشرق الأوسط في إدارته، جاريد كوشنر، لخطة إعادة إعمار شاملة حملت اسم “غزة الجديدة”. وذلك على هامش اجتماعات المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، في حدثٍ جمع بين خطاب إعادة الإعمار وخطاب الاستثمار العالمي.
وقد جاء الإعلان بوصفه حدثًا سياسيًا–اقتصاديًا واحدًا متكاملًا لإعادة تشكيل الواقع السياسي والأمني في قطاع غزّة، حيث قُدِّم المجلس بوصفه الأداة السياسية والمؤسسية المشرفة، وقدّمت خطة كوشنر، التي صيغت بعقلية تجارية-استثمارية ترتبط بقوة بأصحاب رؤوس الأموال والدوائر المؤثرة في القرارات السياسية-الاقتصادية داخل الإدارة الأمريكية، بوصفها البرنامج التنفيذي والاقتصادي للمجلس.
لِذا، فإن المدخل إلى فهمها يكمُن في تحليل خلفيات وأدوار الفاعلين الرئيسين في طرحها ودعمها في خطاب تنموي واقتصادي خالص، دون أي إشارة لحقوق السكان المحليين أو إمكانياتهم وأدوارهم فيها. ومن هنا، تهدف الورقة إلى تفكيك الخطة من حيث سياقها ومحدداتها وأسئلتها المفتوحة المتعلقة بسياق حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، وأهدافها المعلنة وغير المعلنة.
مطوّرو العقارات ورجال الأعمال كرعاة “للسلام” وإعادة الإعمار
انطلقت خطة ترامب – كوشنر من خلفية التوّجهات الاقتصادية لهما ولأعضاءٍ من “مجلس السلام”، الذين يشكّلون شبكة من رجال الأعمال والمطوّرين العقاريين. حيث اشتهر كوشنر بنهج يربط السياسة بالاستثمار العقاري، إذ قدّم رؤيته عن السلام في المنطقة منذ إدارة ترامب الأولى (2017-2020) وفق نموذج اقتصادي وتجاري يركز على تحويل الأراضي إلى مساحات استثمارية، تمثل في هندسته لِـــــ “صفقة القرن”. ويبرز هذا النهج في إعلانه عن “غزّة الجديدة” بالقول: “إن الخطة تقوم على بعض عمليات الهدم، يتبعها إنشاء “غزة جديدة”. وأضاف: “يمكن أن تصبح غزة وجهة سياحية، وأن تضم العديد من القطاعات الصناعية”، كما تعكس تصريحات سابقة له، في فبراير 2024، هذا التوجه التجاري المباشر، حيث قال إنّ: “العقارات الواقعة على الواجهة البحرية في غزة يمكن أن تكون ذات قيمة كبيرة، ويمكن استغلالها”.
ضمن هذا المنطلق، ضمّ “مجلس السلام” شخصيات من دوائر الاقتصاد والاستثمار الدولي، مع تشكيل هيئة تنفيذية تضم ممثلين عن الدول الممولة، وباشتراط مساهمات مالية بقيمة مليار دولار للعضوية؛ ما يُظهر بوضوح منطق إدارة الاقتصاد والاستثمار المعولم في صناعة خطة “غزّة الجديدة”.
إذ كان ترامب نفسه قد صرّح في أكتوبر/تشرين الأول 2024: “أنّ غزّة قد تكون أفضل من موناكو إذا ما أُعيد بناؤها بالطريقة الصحيحة”. ثم أعلن في فبراير/شباط 2025 بأنه يريد “امتلاك غزّة” وتحويلها إلى “ريفييرا الشرق الأوسط”، وهو ما روّج له بعدها في نشر فيديو “غزة ترامب” بتقنية الذكاء الاصطناعي صوّر فيه القطاع كوجهة استثمارية وسياحية، تضم ناطحات سحاب، ومنتجعات، وحدائق، وتماثيل ذهبية له. هذا المنطق امتد ليشمل فكر شخصيات أخرى مثل “توني بلير”، رئيس الوزراء البريطاني الأسبق وعضو “مجلس السلام” في غزّة. حيث كشفت صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية في يوليو 2025 أنّ معهد TBI الذي أسسه بلير ساهم في تصميم مخططات لإعادة إعمار غزة من منظور استثماري وتجاري، بما في ذلك مشروع “ريفييرا غزة” ومنطقة صناعية ذكية تحمل اسم إيلون ماسك، مع أفكار لإنشاء جزر صناعية ومناطق اقتصادية خاصة.
وبعد الإعلان عن خطة كوشنر عاد ترامب وأكّد، بوصفه رئيس “مجلس السلام” ورجل أعمال ومستثمر عقاري قبل رئاسته، المنطق الاستثماري في الخطة بالقول: “غزة قطعة أرض جميلة على البحر، ويمكن أن تصبح مكانًا عظيمًا إذا تم استثمارها بالشكل الصحيح”، مشيرًا إلى أنه “رجل عقارات في الأصل، وأن كل شيء يبدأ بالموقع”. ما يعكس فكرًا يتعامل مع قطاع غزة كأصل رأسمالي قابل للاستثمار والتطوير والتشغيل، دون أن يُنظر إليه بوصفه قطاعًا منكوبًا بفعل الإبادة الجماعية أو جزءًا من قضية سياسية. وهو الفكر ذاته الذي ينطلق منه كوشنر الذي قال سابقًا إنّ: “غزة ليست سابقة تاريخية، لقد كانت نتيجة حرب، مجموعة قبائل كانت في أماكن مختلفة وتجمعت في مكان واحد وكونت غزة”.
بين خطة كوشنر والخطة المصرية
قدم كوشنر رؤية “غزة الجديدة” التي صُممت كخطة تمتد حتى 2035، وإن لم تحمل جدولًا زمنيًّا تفصيليًّا لتنفيذها، بوعود بتحويل قطاع غزة إلى مركز اقتصادي عالمي واعد. إذ تتضمن الخطة إنشاء مشاريع إستراتيجية كميناء بحري جديد، ومطار دولي، وشبكات طرق، ومناطق صناعية وتكنولوجية، ومناطق اقتصادية وسياحية ساحلية، وتجديد كامل للبنية السكنية والتعليمية والصحية. إلى جانب أهداف رفع الناتج المحلي الإجمالي لغزة ليصل إلى ما يزيد على 10 مليارات دولار سنويًا بحلول 2035، مع رفع دخل الأسرة المتوسّط السنوي إلى أكثر من 13 ألف دولار. بالإضافة إلى خلق ما يزيد على 500 ألف فرصة عمل ضمن قطاعات مختلفة، وبناء أكثر من (100 ألف وحدة سكنية دائمة و75 منشأة طبية و180 مركزًا ثقافيًا ودينيًا ومهنيًا، و200 مركزٍ تعليميّ). وقد أظهر العرض أن إعادة الإعمار ستبدأ في جنوب القطاع من مناطق رفح وخان يونس، يليها التوسع في المخيمات والمناطق الوسطى، ثم إعادة إعمار مدينة غزة شمالًا.
كما أُعلن أنّ الخطة تقوم على جمع تمويل يتجاوز 25 مليار دولار بحلول 2035 لتغطية المشاريع الرئيسة، وأن مؤتمرًا عالميًا للاستثمار سيُعقَد لاحقًا في واشنطن لجمع التزامات مالية من الدول والمؤسسات الخاصة المشارِكة، دون أن يتم تفصيل هويات الجهات المانحة أو حجم التزامات كل منها. أما في الجانب التنفيذي، فقد أكّد العرض أنه يرتبط بشكل وثيق بعملية نزع السلاح الكامل من فصائل المقاومة في غزّة، ولن يبدأ الإعمار في أي منطقة إلا بعد التحقق من ذلك.
تجدر الإشارة إلى أن خطة كوشنر تتجاوز الخطة المصرية لإعادة إعمار قطاع غزة وتتناقض معها جوهريًّا، إذ تهدف الأخيرة لإعادة الإعمار وتحقيق الاستقرار بإشراف السلطة الفلسطينية دون إشراك لفصائل المقاومة في الخطة، وبالتنسيق مع الدول العربية والمجتمع الدولي عبر مؤسسات مثل البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي. ففي حين تعكس خطة كوشنر تصورًا أمريكيًّا أُحاديًّا يمتد حتى عقد من الزمن، طرحت الحكومة المصرية خطة تبدأ بالتعافي المبكر مع تنفيذ كامل ممكن خلال إطار زمني أقصر (خمس سنوات)، وتبنتها القمة العربية الاستثنائية في القاهرة- مارس 2025، باعتبارها “مبادرة عربية موحّدة لإعادة إعمار غزة”.
كما تعتمد الخطة المصرية على مبادئ الشراكة مع الفلسطينيين والرفض المطلق للتهجير، وتراهن على الشرعية الفلسطينية والإقليمية، والتمويل متعدد المصادر، بينما تعكس الخطة الأمريكية تركيزًا على الضوابط الأمنية والسيطرة المؤسسية كشرط مسبق. فالخطة الأمريكية تسعى، بشرط نزع السلاح والامتثال لسياسات أمريكا و”إسرائيل”، إلى تحويل إعادة الإعمار إلى أداة لإعادة هندسة الواقع السياسي في القطاع.
فجوات خطة “غزّة الجديدة” وأسئلتها الكُبرى
رغم الطموحات الواسعة التي قدمتها الخطة لإعادة الإعمار، إلّا أنّ واقع تنفيذها أكثر ابتعادًا عن واقع غزة المعاش، ويواجه عدة عقبات سياسية وميدانية، تعرقل تحويلها من تصور اقتصادي–استثماري إلى خارطة طريق قابلة للتنفيذ. وهي فجوات لا تجعل الخطة مجرد رؤية ناقصة، بل تطرح أسئلة جوهرية حول مدى قابلية تنفيذها في الواقع الراهن.
أوّلًا: آليات التنفيذ وواقعيتها
من ناحية أولى، يتطلب تنفيذ الخطط التنموية، وإعمار البنى التحتية الضخمة والاستثمار الدولي فيها، وجود حالة من الاستقرار الأمني والسياسي، وهو ما لم يتحقق بعد في القطاع. وعليه تبدو خطة كوشنر كطرح نظري بلا أسس مادية يبنى عليها بالنظر إلى غياب الاستقرار الأمني والسياسي في غزة. فنزع سلاح المقاومة الفلسطينية الذي هو لازمة للسير في إعادة الإعمار – حسب خطة كوشنر – هو شرط سياسي معقد وغير متفق عليه حتى الآن، في ظل غياب آليات واضحة، في خطة ترامب نفسها، لحل الصراع أو إدارة استمرارية وقف إطلاق النار على الأرض. وهو ما يترافق مع استمرار إسرائيل في خرق اتفاق وقف إطلاق النار ورفض الانسحاب من كامل القطاع وفك الحصار، وعلاوة على ذلك فلا ضمانات حقيقية لعدم تجدد الحرب في ظل التلويح الإسرائيلي المستمر بالعودة إليها.
من ناحية أخرى، تبرز فجوة التمويل بين الأهداف المعلنة في الخطة والالتزامات الواقعية لتنفيذها، حيث تشير تقديرات دولية وأممية مختلفة إلى أنّ احتياجات إعادة الإعمار قد تصل إلى 80 مليار دولار، وهو ما يُمثّل أضعاف ما أعلنت عنه الخطة التي ركّزت على جمع 25 مليار دولار بحلول 2035، فيما كانت قد وضعت الخطة المصرية تمويلًا بقيمة تقديرية تصل إلى 53 مليار دولار لإعمار أساسيات البُنى والقطاعات الإسكانية.
هذه الفجوة تتسع أكثر عندما نأخذ في الاعتبار غياب التزامات مالية رسمية واضحة من الداعمين المحتملين، تتجاوز المواقف المبدئية وتتوافق مع الجدول الزمني للخطة، كما أنّ الخطة تعتمد في جزء منها على جذب رؤوس الأموال الخاصة، وهو سيناريو غير مضمون لإعادة إعمار مناطق محاصرة وغير مستقرة سياسيًا. فالتوقعات بأن القطاع الخاص العالمي سيتدفق للاستثمار في غزة تتجاهل أخطار استمرار الصراع، وما يترافق مع ذلك من تبعات قانونية وسياسية، تتنافى مع القاعدة الدارجة بأن “رأس المال جبان” تحكمه اعتبارات الربح والخسارة.
إلى ذلك، فقد تيمّنت خطة كوشنر بمشاريع المدن الحديثة والبنى التحتية الضخمة في المنطقة كنموذج لمحاكاة غزة الجديدة. وهذا ما ذكره كوشنر في إعلانه للخطة: “سألنا الناس ما هي خطتنا البديلة. لم تكن لدينا خطة بديلة، بل كانت لدينا خطة واحدة … لقد كانوا يبنون مدنًا بهذه الطريقة في الشرق الأوسط، تضم مليونين أو ثلاثة ملايين نسمة، ويشيدونها خلال ثلاث سنوات”. كما تضمنت الوثيقة التي أعدّها عضو في معهد بلير القول بأن الحرب في غزة خلقت فرصة لا تتكرر إلا مرة في القرن لإعادة بنائها من الصفر. إلا أنها تطرح سؤالًا حول النموذج الواقعي في المنطقة الذي تسعى خطة كوشنر لاستنساخه؟ مثلًا؛ مشروع “نيوم” السعودي، الذي أعلِن كمدينة مستقبلية عالمية وتم تمويله عبر صندوق الاستثمارات العامة السعودي بتخصيصات مالية ضخمة تصل إلى مئات المليارات من الدولارات، واجه تحديات تنفيذية ضخمة وتأخيرات وإعادة تقييم للمشاريع الأولى وتقليصها، ما يبرز أنّ تحويل رؤية ضخمة إلى واقع ملموس يحتاج وقتًا أطول وكلفة أعلى مما يُفترض، مع احتمالية فشل عالية جدًّا. وهذا على الرغم من أنّ “نيوم” انطلق من بيئة مستقرة سياسيًا وقانونيًا، على خلاف الحال في قطاع غزة.
علاوة على كل ما سبق، فإنّ ارتباط الخطة بصياغة ترامب وكوشنر وتصورات الإدارة الأمريكية الحالية، يجعل استمراريتها مرتبطة بانتهاء ولاية ترامب وتغيّر أولويات الإدارة الجديدة في واشنطن بعده، كما حدث مع صفقة القرن التي ضعفت وفقدت زخمها -بانتهاء رئاسته- على مستوى التطبيق العملي رغم الدعاية الواسعة التي صاحبتها. حيث إنّ أي تغيير سياسي في واشنطن يُمكن أن يؤدي إلى تجميد التمويل، وإعادة تقييم الأولويات أو إلغاء الخطة تمامًا.
ثانيًا: ضبابية مصير الغزيين في الخطة
يمكن القول إنه لا توجد أية ضمانات بأن مشاريع الاستثمار الضخمة التي تطرحها خطة كوشنر لن تكون أداة للتهجير في قطاع غزة، لا سيما وأنها تنظر إلى القطاع كفرصة استثمارية هدفها تحقيق الربح للمستثمرين، وليس من المتوقع أن يضخ المستثمرون أموالهم ليسلموا تلك المشاريع الضخمة والفاخرة إلى أهالي غزة بدون مقابل وهم الذين لن يكونوا قادرين على شراء، أو ربما استئجار، وحدة سكنية من تلك الوحد الفاخرة التي تطرحها الخطة؛ بعد أن أتت الحرب على كل مقدّراتهم وأرزاقهم.
وذلك في نفس الوقت الذي تنص الخطة فيه على أن تنفيذها سيكون بناءً على “مبادئ السوق الحرة على غرار السياسات الأميركية”. في هذا الإطار الرأسمالي، أفادت صحيفة الغارديان أن شركات أمريكية مثل Gothams تسعى للحصول على عقود لإدارة النقل والخدمات اللوجستية في غزّة ضمن “مجلس السلام” مقابل أرباح تصل إلى 300 ٪، وسبع سنوات من الاحتكار.
فعلى الرغم من أن الخطة لا تعرض تهجير السكان صراحةً، إلّا أنّ الطرح الاستثماري نفسه يرتبط بنقل السكان للتنفيذ. يدعم هذا الطرح، خطة ترامب السابقة حول السيطرة على غزّة وتهجير سكانها، التي ذكرت المصادر الإسرائيلية أن كوشنر كان وراءها. وهو ما يتسق مع تصريحات لاحقة له في فبراير/شباط 2024، حيث قال إنّه لو كان مكان إسرائيل فإنه سيخرج أكبر عدد من السكان من رفح ويدخلهم إلى مصر عبر جهود الدبلوماسية، وأضاف إلى ذلك فكرة نقلهم إلى منطقة في النقب ثم تنظيف القطاع، وعمّا إذا كانت إسرائيل ستعيد الفلسطينيين بعد ذلك، قال: “ربما نتنياهو لن يسمح لهم بذلك، لكن أصلا لم يتبقّ شيء في غزة”.
إلى جانب ذلك، لا تتضمن الخطة أية ضمانات واضحة لكل ما يتعلق بمسألة الملكية والحقوق القانونية الخاصة بالفلسطينيين. إذ لا توجد فيها آليات واضحة لتعويض السكان المحليين عن حقهم في الأرض أو الملكية، كما لا تنص على تمكين السكان المحليين من المشاركة في صنع القرار أو ملكية الأراضي والبنى الجديدة المتوقعة. كما لا تنصّ على أي التزام بإعادة البناء السكني على نفس المواقع وحماية النسيج الاجتماعي، بوصفهما امتدادًا للمكان والتاريخ والملكية. ما يجعلها آلية نزع مادي للتاريخ العمراني والاجتماعي السابق لغزة. فهي تعيد تنظيم القطاع بمنطق استثماري وفق تصور خارجي تفرضه قوى دولية، حيث يُعاد الإسكان في مناطق محددة، تُدار ضمن ترتيبات أمنية صارمة وليس وفق أحقية الناس بأرضهم وممتلكاتهم. كما تتعامل مع الشريط الساحلي كواجهة دولية، فلا تطرحه كجزء لا يتجزأ من قطاع غزة وامتدادٍ طبيعي للمجتمع الفلسطيني، بل تُعيد تعريفه كمنطقة سياحية واقتصادية معولمة، ومنفصلة وظيفيًا عن الكتل السكنية، ومتصلة مباشرة بالاستثمار الخارجي.
ثالثًا: إسرائيل: الفيل الذي في الغرفة
تتجاوز خطة كوشنر تقديم إجابات حول استمرار السيطرة الإسرائيلية على قطاع غزة، وتغيّب ذكر تأثير ذلك على مصير السكان الفلسطينيين سواء من الناحية السياسية أو الإنسانية، فلا يمكن تقييم خطة “غزّة الجديدة” دون الأخذ بعين الاعتبار بأن إسرائيل هي المتحكم الفعلي في كل ما يتعلق بغزة.
إذ ما زالت إسرائيل تمنع دخول أي نوع من معدات البناء والآليات المتطلبة لإعادة الإعمار وإزالة الأنقاض ما أدى إلى منع أي شكل من أشكال إعادة الإعمار. ومع أن معبر رفح قد أعيد فتحه في 2 فبراير/شباط 2026، بعد أن ظل مغلقًا منذ مايو/أيار 2024، وهو الشريان الحيوي لغزة في علاقاتها الخارجية بمعزل عن إسرائيل، فإنه افتتح بشكل محدود جدًا يسمح بعبور أشخاص محددين فقط، معظمهم إلى خارج القطاع للمعالجة الطبية، مع استمرار منع دخول المعدات الثقيلة ومواد البناء. ما يشكل عقبة لوجستية مباشرة أمام إزالة الأنقاض وإعادة الإعمار، التي كان من المفترض أن يبدأ جزء منها خلال المرحلة الأولى من خطة ترامب كما نص البند السابع منها: “يبدأ إرسال مساعدات كاملة إلى قطاع غزة بشكل فوري عند الموافقة على هذا الاتفاق، …، على أن تشمل إعادة تأهيل البنية التحتية (المياه والكهرباء والصرف الصحي)، وإعادة تأهيل المستشفيات والمخابز، وإدخال المعدات اللازمة لإزالة الأنقاض وفتح الطرقات”. وذلك ينسجم مع المنطق الإسرائيلي بربط إعادة الإعمار “بضرورات أمنية” وشروط إسرائيلية، ورفضها لأي مطالب فلسطينية بالمشاركة الفعلية في عملية إعادة الإعمار بما يخدم الأهداف الفلسطينية في الحفاظ على بقاء الشعب الفلسطيني في أرضه.
وعليه، ستظل إسرائيل الجهة الحاسمة في تحديد ما إذا كان سيتم تنفيذ أي جزء من المشاريع وكيفيته. وليس من الوراد أن تعارض الإدارة الأمريكية التوجهات الإسرائيلية. ففي أكتوبر/تشرين الأول 2025، أكد كوشنر أن إعادة الإعمار ستقتصر على المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، مؤكدًا أَنّه “لن تذهب أي أموال لإعادة الإعمار إلى المناطق التي لا تزال تسيطر عليها حماس”.
خاتمة
تبين الورقة أنّ خلفية أعضاء “مجلس السلام” ترتكز على الاستثمار التجاري وإعادة بناء المدن بوصفها أصولًا اقتصادية، ما يجعل عقلية الربح والاستثمار أداة أساسية لإدارة العملية السياسية بعد الحرب، متجاوزةً أي اعتبارات سياسية فلسطينية تقليدية. حيث يُنظر إلى الأرض والموارد والسكان كفرص استثمارية وقدرات إنتاجية يُعاد توزيعها وفق قواعد مربحّة للجهات التمويلية أكثر من السكان المحليين، إذ تصبح غزة مسرحًا لتطبيق نموذج اقتصادي–تجاري عالمي. ومن هذا التصور، تقرأ الخطة كبنية استعمارية، وجزء من إعادة هندسة سياسية للصراع عبر بوابة ما بعد الحرب. ما يجعل إعادة الإعمار، حسب خطة كوشنر، عملية مشروطة بالامتثال للشروط الإسرائيلية والأمريكية قد تتغير بين الحين والآخر. مع التأكيد أنّ مصير سكان غزة، سواء من الناحية السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية، مرتبط أكثر بالهيمنة الإسرائيلية المستمرة على القطاع التي تتجاوز أية آليات إعادة إعمار.



