لجنة إدارة غزة: هل تتحوّل إلى نموذج سياسي جديد؟

في 16 كانون الثاني/ يناير2026، بدأت اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة غزة رسميا أعمالها من العاصمة المصرية القاهرة، تمهيدا للانتقال إلى قطاع غزة، والشروع في تنفيذ خطة إغاثة عاجلة للشعب الفلسطيني، وتزامن ذلك مع إعلان المبعوث الأمريكي إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، عن بدء المرحلة الثانية من اتفاق وقف الحرب على غزة.
اصطدم هذا الإعلان بموقف “إسرائيل” الرافض للسماح لأعضاء اللجنة بالدخول إلى قطاع غزة بشكل مباشر، وفي ظل استمرار الخروقات الإسرائيلية لبنود اتفاق وقف إطلاق النار في مرحلته الأولى، والمماطلة في فتح معبر رفح باعتباره يمثل جزءا من الانتقال للمرحلة الثانية من الاتفاق، وذلك على الرغم من إعلان الولايات المتحدة الأمريكية عن هيكلية أعضاء “مجلس السلام” في غزة ومجلسه التنفيذي.
يسعى مركز رؤية للتنمية السياسية في إسطنبول، لاستقراء آراء عدد من الخبراء السياسيين، لفهم طبيعة التحديات التي يمكن أن تواجهها اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة غزة، ومستقبل عملها في ظل المعيقات الإسرائيلية، وإمكانية تحوّل هذا المسار إلى نموذج سياسي جديد، يتناغم والمنظور الأمريكي -الإسرائيلي تجاه القضية الفلسطينية.
وقد تم استعراض الآراء من خلال المحاور والأسئلة التالية:
- ما هي مقومات نجاح اللجنة الفلسطينية لإدارة قطاع غزة؟ وما هي المعيقات والتحديات التي تواجهها؟
- في أي إطار ممكن أن نفهم الدعم السياسي الأمريكي لهذه اللجنة؟
- ما مدى رغبة إسرائيل بنجاح تجربة هذه اللجنة في المرحلة المقبلة؟
- في ظل عدم وجود مرجعية وطنية “فصائلية أو مؤسساتية”، كيف سيتعامل الفلسطينيون معها؟
- ما هي مخاطر وجود مجلس السلام والمجلس التنفيذي “الذي يخلو من الفلسطينيين” على المشروع الوطني والمستقبل السياسي الفلسطيني؟
- هل يمكن أن تتحول هذه اللجنة إلى جسم بديل لعنوان سياسي فلسطيني مستقبلا؟
ويمكن تلخيص آراء الخبراء بما يلي:
- تحتاج اللجنة الإدارية إلى دعم واحتضان فلسطيني حقيقي على الأرض من كل الأطراف: الفصائل والسلطة والمؤسسات الأهلية.
- يحتاج نجاح اللجنة إلى دعم حقيقي على الأرض من خلال التعاون معها، وخصوصا من قبل حركة حماس، بأن تقوم بتسليم كل المهام في القطاع، بما في ذلك المؤسسات السياسية والأمنية.
- من مقومات نجاحها امتلاك تفويض واضح ومحدد لإدارة الشأن الخدمي والإغاثي وإعادة تشغيل المرافق الأساسية، دون الانزلاق إلى دور سياسي مفتوح.
- يحتاج نجاح اللجنة إلى دخولها القطاع والعمل ميدانيًا بحرية نسبية، وتوفر تمويل مستقر وآليات إنفاق شفافة، وتنسيق عملي مع مصر والأمم المتحدة ووكالات الإغاثة الدولية.
- تواجه اللجنة تحديًا كبيرًا يتمثل في ضغط التوقعات الشعبية العالية في ظل بيئة إنسانية منهكة، حيث يُقاس الأداء بالنتائج السريعة لا بالوعود.
- الدعم الأمريكي السياسي للجنة الإدارية مستمد من الرغبة الأمريكية بإنجاح خطة ترامب ومشاريعها الاستثمارية على أرض القطاع، وليس حبا بالفلسطينيين.
- الدعم السياسي الأمريكي للجنة هدفه إنتاج صيغة إدارة انتقالية تضبط الوضع الإنساني والأمني، وتمنع عودة أو صعود قوى لا تنسجم مع رؤيتها.
- المعيق الأساس أمام اللجنة هو سلوك إسرائيل على الأرض، وعدم التزامها ببنود الاتفاق.
- قد تلجأ “إسرائيل” إلى استخدام المليشيات المسلحة التي أنشأتها بغزة كأداة تعيق عمل اللجنة، أو بهدف إفشال النموذج الفلسطيني لخلق نماذج مرتبطة مع الاحتلال.
- رغبة الاحتلال في نجاح اللجنة مشروطة ومحدودة؛ فهي قد تقبل بنجاحها في الجانب الخدمي إذا أسهم في خدمة مخططاتها الأمنية، لكنها لا تُبدي استعدادًا لمنحها أي أفق سيادي أو سياسي.
- هناك محاذير ومخاوف حقيقية من تحويل نموذج اللجنة الإدارية بغزة إلى نموذج يمكن أن ينسحب إلى الضفة، وقتل الحلم الفلسطيني بإقامة الدولة على حدود 67.
- الشرعية السياسية لأي جسم لا يمكن أن تعطى من الخارج، وإنما من الإرث الوطني الفلسطيني، ولن يقبل أي طرف فلسطيني التحول لنموذج مرتهن بالسياسات الأمريكية.
- يجب ألا تؤثر المخاوف الفلسطينية على الثقة باللجنة الإدارية ودعمها، ويجب تقديم أولوية إنهاء معاناة الفلسطينيين، وإبعاد شبح الحرب عنهم.
- يُرجح أن يتعامل الفلسطينيون مع اللجنة بمنطق براغماتي مشروط؛ أي قبول عملي مؤقت إذا نجحت في تحسين شروط الحياة اليومية، مقابل رفض وتصعيد سياسي وشعبي إذا بدا أنها تُفرض من الخارج، أو تعمل خارج السياق الوطني.
- عدم وجود تمثيل فلسطيني بمجلس السلام والمجلس التنفيذي يحمل مخاطر سياسية عميقة، أبرزها تجاوز فكرة التمثيل الوطني، وفتح الباب أمام إدارة دولية فوقية لقطاع غزة.
- في ظل الرفض الإسرائيلي لوجود مرجعيات فلسطينية للجنة، فإن ذلك يستدعي خلق جسم خارج الأجسام المعلنة كي يشكل مرجعية ظل بموافقة السلطة وفصائل المقاومة ورئيس اللجنة.
- تتصرف السلطة الفلسطينية وكأنها تنتظر من العالم أن يقدم لها المسؤوليات والصلاحيات على طبق من فضة، وهذا الأمر لن يتحقق في ضوء الأطماع الإسرائيلية. على السلطة أن تصارع لانتزاع صلاحياتها ودورها، وهذا الصراع يجب أن يوجه للأطماع الإسرائيلية والهيمنة والوصاية، لا ضد دور حماس وفصائل المقاومة.
د. مخيمر أبو سعده، أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر بغزة
يأتي نجاح اللجنة الإدارية من جانبين. الأول: الدعم الفلسطيني للجنة من جميع الأطراف. صحيح أن هناك بيانات دعم لها من الفصائل ومن السلطة، لكن الدعم الحقيقي يجب أن يكون من خلال التعاون مع اللجنة الإدارية، وخصوصا من قبل حركة حماس، بأن تقوم بتسليم كل المهام في القطاع، بما في ذلك المؤسسات السياسية والأمنية. أما الجانب الثاني، فهو عدم قيام “إسرائيل” بوضع العراقيل لإفشال اللجنة. واعتقد أن “إسرائيل” يمكن أن تفشل اللجنة من خلال مسألتين، الأولى المليشيات المسلحة التي شكلتها، وهي موجودة في أربع مناطق بغزة، حيث قد تدفعها “إسرائيل” لإثارة القلاقل، مما يُدخل اللجنة في مسارات تشتت جهدها المركزي. والمسار الثاني قيام “إسرائيل” بإعاقة فتح المعابر ودخول المساعدات والمواد الإنسانية والطبية ومواد الإعمار.
وبخصوص مرجعية اللجنة فلسطينيا، هناك أمر غير مفهوم، فـ “إسرائيل” وافقت على وجود موظفين من السلطة في معبر رفح، وترفض في ذات الوقت بأن تكون السلطة مرجعية للجنة الإدارية، مما يُحدث نوعا من التضارب. صحيح أن “إسرائيل” لا تريد أن تكون هناك مرجعية فلسطينية، لكنها لا تستطيع أن تمنعهم من التواصل مع المرجعيات الوطنية الفلسطينية؛ لأن الأمر مرتبط باحتياجات الناس في القطاع. وهذا يذكرنا بما حدث خلال محادثات أوسلو عندما كانت “إسرائيل” ترفض الالتقاء بأي وفد يمثل مرجعية فلسطينية، لكن في نفس الوقت كان الرئيس الراحل ياسر عرفات مرجعية الوفد الفلسطيني بكل أعضائه. بالتالي هناك فرق بين الرغبة الإسرائيلية من جهة، وبين ما يمليه الواقع الفلسطيني، الوطني والسياسي والإنساني، من جهة ثانية.
ما زال الدعم السياسي الأمريكي للجنة إدارة غزة غامضا، فالإدارة الأمريكية ليست جمعية خيرية أو إنسانية، ومن السذاجة الاعتقاد أن ما يقومون به هو من أجل الفلسطينيين، وتقديري أن الخطة التي وضعها كوشنر وويتكوف حول غزة الجديدة، تجعلنا نتذكر أن كوشنر هو أول من تحدث عن ساحل غزة بأنه منطقة عقارية استثمارية، فمن الواضح أن هناك مصلحة لدى إدارة ترامب، والخطة التي عرضت أمام مؤتمر دافوس تؤكد ذلك. بالتالي أي دعم أمريكي للجنة إدارة غزة، هو ضمن مساعي تنفيذ المشروع الأمريكي بالدرجة الأولى.
ستحاول “إسرائيل” أن تفشل عمل هذه اللجنة، خصوصا خلال الشهور الثلاث المقبلة، حيث أن “إسرائيل” مقبلة على انتخابات للكنيست، وسيكون التركيز إسرائيليا منصبا على عدم تنفيذ انسحابات من غزة، وفرض قيود على مواد الإعمار. أضف إلى ذلك أن “إسرائيل” لم تتخل حتى الآن عن فكرة تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، وهذا كله يؤشر إلى كيفية تعامل “إسرائيل” المحتمل مع اللجنة ومهامها على الأرض.
هناك الكثير من المخاوف والمخاطر الحقيقية من تصفية الحلم الفلسطيني بإقامة الدولة على حدود 67، وإذا ما نجحت التجربة في إدارة غزة وفقا للمنظور الإسرائيلي الأمريكي، فإنها قد تطبق على الضفة الغربية من خلال إيجاد جسم إداري بديل للجسم الرسمي الفلسطيني، وبالتالي يجب أن نكون حذرين.
وسام عفيفه، كاتب ومحلل سياسي، غزة
تتوقف فرص نجاح اللجنة الإدارية على جملة مقومات أساسية، أبرزها امتلاك تفويض واضح ومحدد في إدارة الشأن الخدمي والإغاثي وإعادة تشغيل المرافق الأساسية، دون الانزلاق إلى دور سياسي مفتوح. كما يرتبط النجاح بقدرتها الفعلية على الدخول إلى القطاع، والعمل ميدانيًا بحرية نسبية، وتوفر تمويل مستقر وآليات إنفاق شفافة تخضع للرقابة، إلى جانب تنسيق عملي مع مصر والأمم المتحدة ووكالات الإغاثة الدولية، بما يضمن تدفق المساعدات وعدم تعطيلها ميدانيًا.
في المقابل، تواجه اللجنة جملة معيقات، في مقدمتها احتمال التعطيل الإسرائيلي عبر القيود الأمنية، أو استهداف البنية التحتية والكوادر، إضافة لهشاشة البيئة الأمنية، وغياب قوة إنفاذ محلية متوافق عليها. خصوصا في حال استمرار تجنيد ورعاية العصابات التي يديرها الاحتلال، كما تمثل أزمة الشرعية والتمثيل تحديًا مركزيًا، في ظل مخاوف فصائلية وشعبية من أن تتحول اللجنة إلى أداة وصاية سياسية، فضلًا عن ضغط التوقعات الشعبية العالية في ظل بيئة إنسانية منهكة، حيث يُقاس الأداء بالنتائج السريعة لا بالوعود.
في ظل غياب مرجعية وطنية جامعة، فصائلية أو مؤسساتية، يُرجح أن يتعامل الفلسطينيون مع اللجنة بمنطق براغماتي مشروط؛ أي قبول عملي مؤقت إذا نجحت في تحسين شروط الحياة اليومية، مقابل رفض وتصعيد سياسي وشعبي إذا بدا أنها تُفرض من الخارج، أو تعمل خارج السياق الوطني.
ستسعى الفصائل على الأرجح إلى التأثير غير المباشر في مسار عمل اللجنة بدل مواجهتها، بينما ستحدد المؤسسات الأهلية والبلديات مستوى تعاونها بمدى الشفافية، والحماية المتوفرة لطواقمها.
أما وجود مجلس السلام والمجلس التنفيذي الخالي من التمثيل الفلسطيني، فيحمل مخاطر سياسية عميقة، أبرزها تجاوز فكرة التمثيل الوطني الفلسطيني، وفتح الباب أمام إدارة دولية فوقية لقطاع غزة، بما يضعف مبدأ تقرير المصير.
كما يكرّس هذا النموذج فصلًا وظيفيًا وسياسيًا بين غزة وبقية الجغرافيا الفلسطينية، ويحوّل القطاع إلى ملف إنساني–استثماري تُدار أولوياته من الخارج، لا ضمن مشروع وطني جامع.
أما الدعم السياسي الأمريكي للجنة الإدارية، فيمكن فهمه في إطار مقاربة “اليوم التالي للحرب”، حيث تسعى واشنطن إلى إنتاج صيغة إدارة انتقالية تضبط الوضع الإنساني والأمني، وتمنع عودة أو صعود قوى لا تنسجم مع رؤيتها. هذا الدعم لا يعكس بالضرورة التزامًا ببناء مسار سياسي فلسطيني، بقدر ما يعكس إدارة مخاطر واحتواء تداعيات الحرب، وربط الإعمار بترتيبات حكم خاضعة للرقابة الدولية.
في المقابل، تبدو رغبة الاحتلال في نجاح اللجنة مشروطة ومحدودة؛ فهي قد تقبل بنجاحها في الجانب الخدمي إذا أسهم ذلك في خدمة مخططاتها الأمنية، لكنها لا تُبدي استعدادًا لمنحها أي أفق سيادي أو سياسي. بل إن التجربة تظل قابلة للتعطيل في أي لحظة، إذا تعارضت نتائجها مع الحسابات الأمنية أو السياسية الإسرائيلية.
أما احتمال تحوّل اللجنة إلى جسم بديل لعنوان سياسي فلسطيني مستقبلًا، فهو قائم نظريًا بحكم الأمر الواقع إذا طال أمد عملها وتوسعت صلاحياتها، لكنه يبقى ضعيف الشرعية، ومرتبطًا بغياب البدائل.
وفي ظل غياب مرجعية وطنية واضحة، أو توافق شامل، أو مسار انتخابي، ستظل اللجنة في أفضل الأحوال إطارًا إداريًا انتقاليًا، لا بديلًا مستدامًا عن التمثيل السياسي الفلسطيني.
د. مأمون أبو عامر، أكاديمي ومحلل سياسي فلسطيني.
يعتمد نجاح اللجنة على عدة عوامل، منها عامل سياسي يتمثل بتمتعها بدعم سياسي دولي، خاصة من الولايات المتحدة، لتجاوز العراقيل الإسرائيلية، وتحرك حثيث من الوسطاء، إلى جانب دور أوروبي فاعل بمواقف واضحة. وعامل اقتصادي يتمثل بتوفر التمويل للإغاثة والإعمار وتغطية احتياجات القطاع بما فيها الموظفون. ورافعة فلسطينية من طرفين، الأول حركة حماس وفصائل المقاومة في غزة، وذلك بتسهيل عمل اللجنة وتسليمها الإدارات الحكومية، وهناك قرار من حماس بذلك وهو قرار إيجابي. والثاني: السلطة الفلسطينية والتي من المهم أن تضطلع بدور رئيسي في دعم الوزارات القائمة في رام الله للوزارات في غزة، وهذا الدعم مهم من الناحية الإدارية والسياسية، وقد أحسنت السلطة بترحيبها بهذه اللجنة.
أما العامل الرابع فهو مرتبط بالبعد الشخصي وكفاءة أعضاء اللجنة، ومدى قدرتهم على تحمل ضغوط العمل لمواجهة التحديات الاجتماعية والنفسية والاقتصادية التي يعاني منها الناس، واستعدادهم للتعاون مع المؤسسات والجهات الفاعلة داخل القطاع، على قاعدة الحيادية والبعد عن المناكفات السياسية، خاصة في ظل حالة الاستقطاب في المجتمع الفلسطيني.
في المقابل، تظهر المعيقات الأساسية لعمل اللجنة من الجانب الإسرائيلي، فمنع أعضاء اللجنة من دخول قطاع غزة، والتحكم بالمعابر وعدم إدخال المساعدات والخروقات المستمرة، كل ذلك يعني عدم توفير بيئة مساندة، بل معطلة لعمل اللجنة.
في ظل غياب الصبغة السياسية لهذه اللجنة، من الضروري العمل على ربط اللجنة مع الكينونة السياسية الرسمية المعترف بها دوليا، وهي السلطة الفلسطينية، لكن هذا الجهد يجب ألا يسبق العمل الأساسي في انقاذ وإغاثة سكان غزة. أما العمل على تعزيز الصبغة السياسية الفلسطينية، فيتطلب من الفصائل والقوى السياسية تجاوز خلافاتها مع السلطة الفلسطينية، والعمل الوطني الجامع من أجل تعزيز الهوية السياسية، حتى لا يتم تمييع الهوية الوطنية، وتجنب عملية الفصل بين الضفة وغزة.
أما مجلس السلام، فهو يمثل غطاء لرؤية ترامب للنظام العالمي بعيدا عن الأمم المتحدة، وهذا خطر على النظام العالمي، ولا يقف عند الحالة الفلسطينية، فترامب لا يرى حاجة للدور الفلسطيني بحسب تصوره، لذا من المهم تعزيز الهوية الفلسطينية لهذه اللجنة، وتعزيز صبغتها الوطنية بالتعاون بين كافة القوى الفلسطينية. أما المجلس التنفيذي، وطالما أن أمريكا حتى اللحظة لا ترى في السلطة شريكا، فيمكن تعويضه من خلال الدول التي تدعم الشعب الفلسطيني، من الدول العربية والإسلامية والدول الصديقة، لأن ذلك قد يشكل كابحا لحلفاء “إسرائيل” داخل اللجنة التنفيذية.
أكرم عطا الله، كاتب ومحلل سياسي فلسطيني
تتمثل المعيقات والتحديات أمام اللجنة الإدارية في مسألتين، أهمها المعيقات التي يمكن أن تمثلها “إسرائيل” من خلال التحكم بالمعابر والاقتصاد، حيث تشير المعطيات إلى أنها غير راغبة في منح اللجنة المساحة الكافية للعمل بنجاح. والتحدي الآخر يتمثل في إمكانية تعاطي حركة حماس مع اللجنة، وتسليمها الحكم بسلاسة، وعدم وضع أي من الاشتراطات مقابل ذلك.
واضح أن الفلسطينيين يتعاملون بسلاسة مع اللجنة حتى في ظل عدم وجود مرجعية سياسية لها، لأن الفلسطينيين ينظرون إلى اللجنة بعيدًا عن البعد السياسي، وهذا ربما سهل استيعاب الفصائل لها، والهدف الأهم الآن هو وقف حرب الإبادة، وإغاثة أهالي القطاع بعيدا عن البعد السياسي.
يُفهم الدعم الأمريكي لهذه اللجنة في سياق المصالح الأمريكية العليا، فالرئيس ترامب تحدث عن رغبته في الاستيلاء على غزة، ولهذا السبب تبدو الإدارة الأمريكية معنية في إنجاح اللجنة، تمهيدا لتحقيق المشاريع التي تحدث عنها كوشنر، وأشار فيها إلى غزة الجديدة وساحلها، والغاز المسكوت عنه على شواطئها.
واضح أن النقاش الداخلي الإسرائيلي يشير إلى وجود اعتراض من قبل أقطاب الحكومة أمثال بن غفير وسموتريتش، وبالتالي لن تقدّم “إسرائيل” تسهيلات للجنة، وقد أرسلت رسالة بذلك خلال خروج وفد اللجنة من غزة والضفة عبر معبر كرم أبو سالم وجسر الملك حسين، حين تم تأخير أعضائها لعدة ساعات، أضف إلى ذلك السلوك الإسرائيلي المستمر بشكل وحجم الخروقات.
أما تحول اللجنة إلى بديل أو عنوان سياسي، فلا أعتقد ذلك، الأمر ليس بهذه السهولة، قد يحاول الأمريكان إعطاءها أدورا سياسية، لكن أعتقد أن مهمتها الإنسانية والخدماتية هي التي ستطغى على هذه المحاولات. صحيح أنها اكتسبت مشروعية ومظلة سياسية، إلا أن الشرعيات السياسية لا يمكن أن تعطى من الخارج، وإنما من الإرث الوطني الفلسطيني المتمثل بتاريخ منظمة التحرير، وبالتالي بوابة الشرعية السياسية هي البوابة الفلسطينية، ولن يقبل أيطرف أو مجموعة فلسطينية أن يكتسب شرعيته من الخارج.
نهاد أبو غوش، كاتب ومحلل مختص بالشأن الإسرائيلي، رام الله
من ناحية الإمكانيات الموضوعية، تتوافر مقومات جدّية وواقعية لنجاح عمل اللجنة، بحكم الزخم الدولي والإقليمي الذي حظيت به خطة الرئيس ترامب، والتوافق الفلسطيني بدرجة مقبولة على دور اللجنة وتركيبتها، إضافة إلى الإقرار من مختلف الأطراف الفلسطينية بأن هذه المرحلة تتطلب التركيز على وقف حرب الإبادة والتهجير، والتركيز على التعافي وإعادة الإعمار. لكن كل ذلك يبقى في مهب الرياح الإسرائيلية في ضوء الشروط التعجيزية التي وضعتها الحكومة الإسرائيلية للانتقال إلى المرحلة الثانية، وتنصلها من كل التزاماتها المنصوص عليها في الخطة، مع مطالبة الفلسطينيين بالالتزام بنسبة مائة في المائة، والمشكلة الكبرى تكمن في موقف إدارة ترامب الداعم بشكل مطلق لـ “إسرائيل”، وتبني رؤيتها وتفسيراتها للخطة.
لذلك فإن تلكؤ الإدارة الأمريكية في تنفيذ الخطوات التي تنص عليها الخطة، ومن بينها تشكيل قوة حفظ الاستقرار، وتوضيح تركيبتها ومهامها، وتوضيح العلاقة بين مختلف هذه الأجسام المتداخلة، يُبقي على الكثير من الالتباس والغموض، وتستغل “إسرائيل” ذلك لفرض تفسيراتها ورؤيتها لخطة ترامب.
الانقسام الفلسطيني الداخلي، والفشل المتكرر في تطبيق قرارات الحوار الوطني، خلق حالة شاذة في غزة كما في مجمل الحياة السياسية الفلسطينية، وهذه الحالة تركت أثرها على الحرب في غزة، وعلى كل سياقات الصراع والتفاوض، وصولا إلى تبني خطة الرئيس ترامب، وتشكيل اللجنة لإدارة غزة. بتقديري أن الناس والفصائل في غزة ستتعامل مع اللجنة ومهامها بواقعية؛ لكون دور اللجنة وصلاحياتها محصور في الجوانب الخدمية، خصوصا أن هذا الدور أيضا سيبقى معلقا على حجم التدخلات الإسرائيلية.
أما السلطة الفلسطينية، فهي تتصرف وكأنها تنتظر من العالم أن يقدم لها المسؤوليات والصلاحيات على طبق من فضة، وهذا الأمر لن يتحقق في ضوء الأطماع الإسرائيلية، وهنا أرى أن على السلطة أن تصارع وتناضل لانتزاع صلاحياتها ودورها، وهذا الصراع يجب أن يوجه للأطماع الإسرائيلية والهيمنة والوصاية، لا ضد دور حماس وفصائل المقاومة.
هناك ما يشبه الكوميديا السوداء في تركيبة مجلس السلام كما أنه إدارة لشركة عائلية تخص ترامب، فنتنياهو المطلوب اعتقاله من قبل المحكمة الجنائية الدولية، أصبح عضوا في المجلس، بينما الفلسطينيون أصحاب الشأن ليسوا أعضاء، دول أوروبا الرئيسية ترفض أو تتحفظ على المشاركة لعدة أسباب، منها النظرة العدوانية الترامبية تجاه أوروبا، والخشية من حلول المجلس مكان مجالس الأمم المتحدة، خاصة أن هذا المجلس سيعنى بقضايا دولية عدة وليس فقط غزة. تركيبة المجلس هذه تشكل خطرا على المستقبل الفلسطيني، حيث لا وجود لقانون دولي ولا التزام بتعهدات، وانقلاب ترامب على القانون الدولي في العديد من الملفات يمثل فرصة لنتنياهو، وضوءا أخضرا ليفعل ما يشاء في غزة وفلسطين بشكل عام.
بالتالي، لا يمكن الوثوق بالمواقف والتصريحات الأمريكية المتناقضة التي تقول الشيء وتفعل عكسه، والدعم السياسي للجنة الإدارية قد لا يكون ثابتا، والدعم الأمريكي حتى الآن هو مجرد دعم لفظي، الولايات المتحدة لم توفر للجنة الإدارية حتى مجرد الانتقال الآمن والكريم لغزة، فكيف ستمكنها من الاضطلاع بصلاحياتها في ضوء استمرار الخروقات الإسرائيلية، والأخطر هو استمرار تمسك حكومة اليمين الإسرائيلي بخيار تهجير الفلسطينيين، وإعادة احتلال غزة والاستيطان فيها.
“إسرائيل”، كما اختزلت المرحلة الأولى إلى قضية استعادة الأسرى فقط، تريد اختزال المرحلة الثانية إلى بند وحيد هو نزع سلاح المقاومة، ولذلك هي تريد من كل الأجسام – وخاصة قوة حفظ الاستقرار- أن تساعدها في تنفيذ هذه المهمة، كما أنها تعمل على تكريس معادلة مفادها أن الالتزامات مطلوبة من الفلسطينيين فقط، بينما حقوق الفلسطينيين مربوطة بشروط تعجيزية. يمكن لـ “إسرائيل” أن تتعامل بشكل انتهازي مع اللجنة، وبالتالي يمكن أن تحول أي علاقة للجنة، أو أيا من أعضائها مع السلطة أو حماس، مبررا للتدخل وإفشال دورها.
في المدى المنظور، يبدو غير واقعي تحويل اللجنة الإدارية لجسم بديل، لكن استمرار الانقسام والتبدلات الدراماتيكية الحاصلة في النظام الدولي، وانعكاساته على الإقليم، يمكن لها أن تجعل هذا الخيار واقعيا. على مدى العقود الخمسة الماضية، كانت فلسطين، ممثلة بمنظمة التحرير، حاضرة ومؤثرة في كل ما له علاقة بالشأن الفلسطيني، ولكن في كل سياق حرب الإبادة والمفاوضات التي جرت بشأنها، غُيّبت منظمة التحرير حتى عن الاجتماعات العربية التي ناقشت الشأن الفلسطيني، وغُيّبت فعليا عن مداولات شرم الشيخ ومجلس السلام، والاستراتيجية الإسرائيلية بهذا الشأن واضحة ومعلنة، وهي عدم الاعتراف بالشعب الفلسطيني، ورفض وجود أيجسم موحد يمثله، وبالتالي التعامل مع الفلسطينيين كمجموعات سكانية وعشائر وتجمعات مناطقية لها حقوق معيشية وإنسانية، وليس مع شعب له حقوق وطنية وسياسية أهمها حق تقرير المصير.
فراس ياغي، كاتب مختص بالشأن الإسرائيلي، القدس
لدى اللجنة مقومات داخلية وإقليمية ودولية للنجاح في عملها، خاصة أن هناك دعما كاملا من الفصائل وبالذات حركة حماس، وعليه فلا معيقات داخلية تمنع نجاحها، كما أن غالبية أعضائها تم تسميتهم من قبل الفصائل الفلسطينية، إضافة إلى أن السلطة الفلسطينية أعلنت موافقتها على اللجنة، واستعدادها للتنسيق معها في كل ما يتعلق بعملها الخدماتي والإداري في قطاع غزة. المعيق الأساسي هو الاحتلال الإسرائيلي، ورفضه لأي دور عملي للجنة دون أن يتم تحقيق الأهداف المعلنة من قبل حكومة الاحتلال، لذلك سيعمل الاحتلال على إعاقة عمل اللجنة مع الاشتراطات المعلنة من قبله. ففتح معبر رفح سيبقى مشروطا ورهينة للمزاج الإسرائيلي، ولا انسحاب دون نزع السلاح، ولا إعمار دون التأكد من أن قطاع غزة أصبح لا يشكل تهديدا لأمن “إسرائيل”.
أكبر تحدٍّ للجنة هو وجود الاحتلال على الأرض، واستمرار سياسة المماطلة في تنفيذ الاتفاقيات الخاصة بالمرحلة الثانية، أما التحدي الثاني فيتمثل في محاولة فرض نموذج جديد يقسم غزة جغرافيا وديمغرافيا، بحيث يتم تقسيم السكان بين من هو من بيئة المقاومة، ومن هو مناهض لها، لذلك التحدي هو في كيفية مواجهة هذه المخططات ومنعها. وبطبيعة الحال التحدي الثالث هو قضية إغاثة السكان؛ فهذا ملف عاجل ويفرض نفسه بقوة، ويمثل معيارا مهما لنجاح اللجنة، خاصة مع وضع الاحتلال العراقيل أمام سلاسته.
وفق خطة ترامب المعلنة رسميا من قبل الإدارة الأمريكية، فإن مرجعية لجنة إدارة غزة هو المندوب السامي “نيكولاي ميلادنوف”، وبالتالي لا مرجعية فصائلية ولا سلطة فلسطينية، لذلك سوف تعتمد الأمور على حسن التنسيق بين اللجنة والفصائل والسلطة، لمنع ظهور قيادة جديدة غير وطنية مرجعيتها وقيادتها أمريكية، وهذا يستدعي خلق جسم خارج الأجسام المعلنة؛ لكي يشكل حكومة ظل تشرف مباشرة وتكون مرجعية للجنة، وهذا غير ممكن دون توافق السلطة الفلسطينية مع الفصائل وموافقة رئيس اللجنة.
مخاطر تحول اللجنة إلى إدارة سياسية بديلة، يعتمد على مدى قدرة الجانب الفلسطيني والوسطاء العرب والمسلمين، على منع تعزيز الانقسام بين الضفة وغزة، ومنع ظهور قيادة فلسطينية خاصة بغزة وأخرى خاصة بالضفة، مما يعني أن القضية الفلسطينية ككل في مهب الريح، وأن المشروع الوطني أصبح مرهونا بالتطورات على الأرض في غزة، وبمدى نجاح الكل الفلسطيني في تجاوز الانقسام، ومحاولات خلق قيادة فلسطينية جديدة.
أما الدعم الأمريكي للجنة، فيأتي في إطار إنجاح خطة الرئيس ترامب، باعتبار أن غزة أصبحت مشروعا أمريكيا، وبالتالي غير واضح ما إذا كان هذا المشروع سيؤدي، وفق الخطة، إلى مسار موثوق لتقرير مصير الشعب الفلسطيني، أو إلى تصفية القضية الفلسطينية كمشروع أمريكي لهيمنة وتوسيع مساحة الاحتلال، وهذا ما يعمل عليه الأمريكي والصهيوني تحت عنوان التغيير الجيوسياسي.
أحمد رفيق عوض، رئيس مركز القدس للدراسات الاستراتيجية، جامعة القدس
ستواجه هذه اللجنة الكثير من العقبات والمصاعب، في مقدمتها القبول الإسرائيلي، فـ “إسرائيل” غير معنية بتطبيق المرحلة الثانية، أو إنجاح وقف إطلاق النار بالشكل المتفق عليه. أضف إلى ذلك حاجة اللجنة لتنسيق خطواتها ومهامها مع أطراف متعددة، ما بين أطراف فلسطينية داخل غزة، وأطراف عربية وإقليمية، وأطراف دولية بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية، وقوة الاستقرار في حال تم تشكيلها. بالتالي مهمة اللجنة مرتبطة بقدرتها على التنسيق مع كل الأطراف، وهو تحدٍ كبير. صحيح أن نجاح اللجنة يعني نجاحا لدور الأطراف جميعا، إلا أن الصلاحيات الممنوحة لها غير واضحة حتى اللحظة، وقدراتها المالية والفنية واللوجستية غير واضحة أيضًا، هذا يعني أنها أمام مهمة صعبة جدا، وقد تكون هي الحلقة الأضعف ما بين الهيئات الثلاثة التي أعلن عنها (مجلس السلام، واللجنة التنفيذية، واللجنة الإدارية)، بالتالي فإن القرار ليس بيد اللجنة الإدارية بقدر ما أنها أداة تنفيذية.
طبيعة الأدوار والمهام التي ستعمل عليها اللجنة، هي التي ستحدد شكل العلاقة معها من قبل الفلسطينيين والفصائل، فإن كانت أداة تنفيذية لسياسات دولية، دون دور مرتبط بالاحتياج الفعلي للفلسطينيين، فهذا ربما يخلق فجوة ثقة بينها وبين الفلسطينيين، أما إن استطاعت أن تقلص من معاناة المواطنين، فهذا سيجعلها محل احترام وتقدير، خصوصا في ظل الافتراض بأنها جاءت بدعم دولي، وبالتالي يجب أن تكون الأبواب والإمكانيات مفتوحة لها لتقديم شيء ملموس يقلص من معاناة المواطنين.
مجلس السلام والمجلس التنفيذي عمليا هي هيئات دولية، وتهدف إلى تحقيق مفهوم الازدهار الشامل المبني على المصالح الأمريكية، وبالتالي لم تشكل من أجل الدولة الفلسطينية، وإنما لإنضاج حالة يكون فيها قطاع غزة لا يخضع لسيطرة فلسطينية مباشرة، ولهذا السبب يتم الحديث عن المشاريع الاستثمارية على المستوى الدولي، كما أطلق عليها ترامب “ريفيرا”، وبعيدة كل البعد عما يحلم به الفلسطينيون من ربط ما بين الضفة وغزة، بل الانتقال بالمشروع الوطني الفلسطيني إلى مكان مختلف تماما عما هو عليه، ويعزز ذلك تشكيلة هذه المجالس من شخصيات تحمل هذا التاريخ والإرث البعيد كل البعد عما يرغب الفلسطينيون.
يأتي الدعم السياسي للجنة الوطنية الإدارية في سياق الحفاظ على حماية “إسرائيل” وحالة الهدوء، والقضاء على المقاومة الفلسطينية، وجعل غزة منطقة استثمارية مفصولة عن الضفة، وتحويل المطالب السياسية إلى مطالب اقتصادية وإنسانية، وربما يكون السيناريو الأصعب فعليا هو تحويل قطاع غزة إلى منطقتين، إحداهما فقيرة ومعدومة، والأخرى مزدهرة ومتطورة.
ما ترغب به “إسرائيل” هو سحب سلاح المقاومة، وإعادة الاحتلال العسكري الكامل للقطاع، هاتان المسألتان هما معيار تعامل “إسرائيل” مع اللجنة، وبالتالي ستحاول تحجيم دور اللجنة بما يمكن أن يحقق الأهداف الإسرائيلية، بل تعمل “إسرائيل” فعليا على تفريغ المرحلة الثانية من مقوماتها، ودليل ذلك تعطيل دخول اللجنة الإدارية، وتعطيلها إنشاء قوة الاستقرار الدولي.
قد يتم العمل على تحويل اللجنة الإدارية لمرجعية فلسطينية بديلة للمظلة السياسية الفلسطينية الحالية، وقد تكون ضمن حالة وصاية دولية، أو شكل جديد من الهيمنة والاستعمار، أو مرحلة انتقالية ثم تصبح حالة دائمة، خصوصا مع رغبة ترامب بتحويل مجلس السلام لنادي عالمي، وبالتالي خلق نماذج جديدة للتعامل مع الصراعات.



