كيف ينظر الإسرائيليّون إلى النّار المشتعلة في الخليج؟

مع اندلاع الحرب التي شنّتها الولايات المتحدة و”إسرائيل” على الجمهورية الإسلاميّة الإيرانيّة في الثامن والعشرين من شباط/ فبراير 2026، انتهجت إيران مسارين للردّ على هذا العدوان؛ تمثّل الأول في توجيه ضرباتٍ مباشرةٍ للداخل الإسرائيلي، بينما ركّز الثاني على استهداف المصالح والقواعد العسكريّة الأمريكيّة في الدول المحيطة، ولا سيّما دول الخليج العربيّة؛ وهو تهديد لطالما أعلنته طهران مؤكّدةً أنّها ستنفّذه في حال شُنَّت حربٌ عليها.
هنا، تجدر الإشارة إلى أنّ لإيران سوابق في هذا الصدد تعزّز التصوّر بجدّيتها في تنفيذ تهديداتها؛ إذ أطلقت في الثامن من يناير/ كانون الثاني 2020، صواريخ باتجاه قواعد أمريكية في العراق؛ ردًا على اغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني. غير أنّ راز تسيمت، الباحث في مركز المعلومات للاستخبارات في إسرائيل حينها، قدّر أنّ إيران تجنّبت إقحام إسرائيل في دائرة المواجهة في تلك المرحلة؛ تفاديًا للانزلاق نحو تصعيد إقليمي واسع. تكررت تلك السابقة، في الثالث والعشرين من يونيو/ حزيران 2025، عندما استهدفت إيران قاعدة العديد الجوية في قطر بنحو 14 صاروخًا باليستيًا؛ ردًا على الهجمات الأمريكية التي استهدفت منشآت نووية إيرانية ضمن ما عُرف بحرب الأيام الاثني عشر. وآنذاك أيضًا، سادت تقديراتٌ في إسرائيل قبل الاستهداف بأنّ الرد الإيراني سيكون محدودًا ورمزيًّا لتجنب المواجهة الشاملة مع الولايات المتحدة.
في خضمّ الحرب الحالية على إيران، وفي ظلّ الاستهداف الإيراني المكثّف للقواعد والمصالح الأمريكية –حسب التوصيف الإيراني– في دول الخليج العربية، ومع التهديدات الإيرانية المتواصلة باستهداف منشآت الطاقة الخليجيّة ردًّا على أيّ استهداف أمريكي إسرائيلي للمنشآت الإيرانيّة المماثلة؛ فقد شكّلت القراءات والتحليلات الإسرائيلية للسلوك الإيراني تجاه الخليج ودوافعه، وموقف دوله من مستقبل العلاقات مع إسرائيل، مادةً زخمةً ومتنوعةً، وهو ما يعكس الاهتمام الإسرائيلي بمجريات الحرب في الخليج وتداعياتها الإستراتيجيّة.
تهدفُ هذه المادةُ إلى رصدِ وتحليلِ أبرزِ الرؤى والتوجّهات الإسرائيلية حيال تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على دول الخليج العربية، واستشراف التحديات والفرص الناجمة عن انخراط تلك الدول في أتون المواجهة الدائرة؛ إذ يُرجّح أن تكون دول الخليج العربية الطرفَ الأكثر تضرّرًا من مآلاتها.[1]
خلفيّات الهجمات الإيرانيّة على المصالح الخليجيّة في المنظور الإسرائيلي
يتركز جانبٌ من النقاش في المراكز البحثية الإسرائيلية والأوساط الصحفية حول الدوافع الكامنة وراء استهداف إيران لدول الخليج. إذ تشير التحليلات الصادرة عن هذه الجهات إلى مجموعة من التفسيرات التي حاولت فهم هذا السلوك في سياق الإستراتيجية الإيرانية الشاملة خلال الحرب. ويمكن تلخيص أبرز هذه الدوافع في النقاط الآتية:
أولًا: الضغط على الولايات المتحدة عبر حلفائها في الخليج، إذ تسعى إيران إلى تحويل دول الخليج إلى مصدر ضغط على واشنطن لدفعها نحو وقف الحرب أو تقصير أمدها. وفي هذا الصدد يرى الباحثان إلداد شافيت وأفيشاي بن ساسون، من معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، أنّ إيران تتبع إستراتيجية ضغط غير مباشر تقوم على استهداف الدول التي تستضيف منشآت أو قوات أمريكية، أملًا أن تتحوّل تلك الأضرار إلى ضغط خليجي على واشنطن لإنهاء الحرب. وفي السياق ذاته، يميل يوئيل غوزانسكي، الباحث البارز ورئيس برنامج الخليج في المعهد نفسه، إلى تفسير مماثل يرى أنّ إيران تحاول نقل كلفة الحرب إلى محيطها الإقليمي، مستفيدة من حساسية دول الخليج تجاه استقرارها الداخلي وحماية بنيتها التحتية الحيوية، ولا سيما منشآت النفط والغاز ومحطات التحلية. ومن منظور غوزانسكي، فإن قدرة طهران على إلحاق أضرار جسيمة بدول الخليج قد تدفع واشنطن إلى إعادة التفكير في مواصلة العمليات العسكرية، وهو احتمال لا ترغب “إسرائيل” في حدوثه.
ثانيًا: فرض كلفة إقليمية للحرب، إذ تسعى طهران إلى توسيع نطاق كلفة الحرب بحيث لا تظلّ محصورة بينها وبين “إسرائيل” أو الولايات المتحدة، بل تمتد إلى البيئة الإقليمية برمّتها، بما يجعل الاستقرار الإقليمي رهينة لاستقرار أمنها القوميّ.
ثالثًا: البعد الجغرافي، ونوعية الترسانة العسكرية الإيرانية، إذ تركّز بعض التحليلات على الجانب التقني، حيث تمتلك إيران، وفقًا للتقديرات الإسرائيلية، آلاف الصواريخ بمدى يتراوح بين (300 – 600) كيلومتر، وهي صواريخ قادرة على الوصول بسهولة إلى دول الخليج ومنشآت النفط على سواحلها. كما تمتلك آلاف الطائرات المسيّرة الهجومية والانتحارية التي تتميّز بدقة تفوق بعض الصواريخ، فضلًا عن صعوبة اعتراضها بواسطة منظومات الدفاع الجوي الأمريكية المنتشرة في المنطقة.
رابعًا: طبيعة الأهداف الاقتصادية في الخليج، إذ تمثّل منشآت النفط والغاز والموانئ والبنية الاقتصادية في الخليج أهدافًا حساسة يسهل إلحاق الضرر بها، فالطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة قادرة على إحداث أضرار كبيرة في هذه المنشآت، ممّا يترك تأثيرًا خطيرًا في مجريات الحرب.
خامسًا: الحفاظ على مصداقية الردع الإيراني، فقد حذّرت طهران مسبقًا من أنّها ستستهدف أي دولة تسمح باستخدام أراضيها أو أجوائها منطلقًا للهجوم عليها. ومن ثمَّ، فإنّ تنفيذ هذه التهديدات بعد اندلاع الحرب يهدف إلى الحفاظ على مصداقية الردع. وفي هذا السياق، يشير كوبرفاسر إلى أنّ الإحجام عن تنفيذ تلك التهديدات من شأنه إضعاف مكانة إيران الإستراتيجية، وتقويض صورتها أمام خصومها.
السعي لتوريط الخليج في مواجهة مباشرة مع إيران
في مقابل تلك التفسيرات، تبرز رغبة أمريكية إسرائيلية واضحة بدفع دول الخليج العربية للمشاركة الفاعلة في المجهود الحربي ضد إيران، بهدف منح الحرب غطاءً دوليًا أوسع. في ذات الإطار، دعا نتانياهو “قادة دول أخرى إلى الانضمام إلى الحرب ضد إيران، مشيرًا إلى أنّ بعض هذه الدول بدأ يُظهر بوادر استعداد للتحرك في هذا الاتجاه”، ورغم أنّه لم يُسمِّ دول الخليج صراحةً، إلا أنّه فُهِمَ ضمنيًّا أنّه يشير إليها وإلى أوروبا، لا سيّما في ظل تصويره للحرب مع إيران على أنّها تهديد وجوديّ يطال “الجميع وليس إسرائيل وحدها”.
في ذات الإطار، يرى رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية السابق “عاموس يادلين” أنّ استهداف دول الخليج قد يُفضي إلى نتائج عكسيّة لما تسعى إليه إيران. فهذه الهجمات قد تعزز لدى دول الخليج قناعة مفادها أنّ إيران تمثل المصدر الرئيس لعدم الاستقرار في المنطقة، الأمر الذي قد يدفعها إلى توسيع آفاق التعاون مع “إسرائيل” ضمن رؤية تشكيل “الشرق الأوسط الجديد”. يأتي ذلك في ظلّ سعي “إسرائيل” لتقديم نفسها خلال هذه الحرب بوصفها جزءًا من منظومة الدفاع والأمن الإقليمي في مواجهة التهديدات المشتركة.
وفي إطار مناقشة أشكال الانخراط الخليجي في الحرب، تبرز جملة من التحليلات والتقديرات الإسرائيلية التي تشير إلى أنّ دول الخليج منخرطة في الحرب عبر مسارات عدةٍ، من أبرزها:
أوّلًا، الدعم السياسي الخليجي للحرب على إيران دون الانخراط العسكري المباشر، إذ تعكس هذه المقاربة إدراكًا لمخاطر تصعيد الحرب، لا سيّما في ظل احتمالات ردّ إيراني واسع يستهدف البنى التحتية الحيوية في المنطقة. لذلك، تربط دول الخليج أي مشاركة عسكرية محتملة بوجود إطار جماعي منسق –وفقًا للروايات الإسرائيلية- وهو شرط لم يتحقّق حتى الآن.
ثانيًا، الأدوار الأمنية السرية المتفاوتة وغير المعلنة، فقد نشرت قناة i24NEWS في الرابع من مارس/ آذار 2026، نقلًا عن مسؤول عسكري إسرائيلي رفيع، أنّ بعض الدول الخليجية تشارك بشكل فعلي في سياقات العمليات، لكن بأشكال متفاوتة تتراوح ما بين المشاركة الرمزية والانخراط العملياتي المباشر.
ثالثًا، البعد الأمني الداخلي عبر اتّخاذ إجراءات استباقية؛ لمواجهة أي تهديدات داخلية. حيث ذكرت هيئة البث كان في السابع عشر من مارس/آذار 2023، أنّ البحرين نفذت عمليات اعتقال بحق أفراد يُشتبه بتعاونهم مع الحرس الثوري الإيراني وتسريب معلومات حساسة، بينما أعلنت الكويت تفكيك خلية مرتبطة بـ “حزب الله” ضمت عناصر كويتية ولبنانية، مع ضبط أسلحة ومعدات بحوزتهم.
ومع ذلك، تظلّ هذه التقارير وغيرها محلّ شكّ وعدم موثوقية، في ظل وجود سوابق روّجها الإعلام العبري حول مشاركة بعض دول الخليج في الهجوم على إيران، تحديدًا دولة الإمارات التي ادّعت مواقع عبرية إخباريّة أنها استهدفت محطة تحلية مياه إيرانية، قبل أن تنفي الإمارات تلك الأخبار. غير أنّ طبيعة الخبر حينها، خاصة مع الزعم بأنّ الهجوم نُفّذ على منشأة تحلية مياه، فُسِّر على أنه محاولة إسرائيلية لتوريط دول الخليج في الحرب، عبر دفع إيران لاستهداف البنى التحتية الخليجيّة، من محطات تحلية مياه ومنشآت طاقة وغيرها، ردًّا على تلك المزاعم.
إغلاق هرمز فرصة إستراتيجيّة
إلى جانب استهداف إيران للقواعد والمصالح الأمريكية في دول الخليج العربية، برزت منذ بداية الحرب معضلة إغلاق مضيق هرمز الذي يعدّ أحد نقاط الاختناق الملاحيّة عالميًا، والممرّ الأساسي لإمدادات النفط من دول الخليج إلى الأسواق الدوليّة. تُظهر معطيات صحيفة غلوبس أنّ منطقة شرق آسيا ستكون المتضرّر الأكبر من إغلاق المضيق، إذ يتدفق نحو 16 مليون برميل يوميًا من أصل 19.2 مليون برميل تمر عبر المضيق إلى الدول الآسيويّة، وعلى رأسها الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، التي تعتمد بدرجات متفاوتة على هذا المسار الحيوي لتأمين وارداتها النفطية. ورغم امتلاك هذه الدول احتياطيات إستراتيجيّة مؤقتة، فإنّ استمرار الإغلاق سيؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة، وتداعيات كارثيّة على قطاعي الصناعة والاقتصاد العالمي.
في المقابل، يُتوقع أن تتأثر إسرائيل بدرجة أقلّ؛ نظرًا لامتلاكها بنية طاقية مختلفة. إذ تعتمد إسرائيل بشكل رئيس على الغاز الطبيعي المحلي لتوليد الكهرباء، مع استمرار تشغيل حقل “تمار”، وإمكانية زيادة الاعتماد على الفحم والديزل عند الحاجة، فضلًا عن امتلاكها احتياطيات وقود تشغيلية وإستراتيجية. كما أنّ جزءًا كبيرًا من وارداتها النفطية يصل عبر مسارات بديلة مثل خط (باكو – تبليسي – جيهان)، وليس عبر مضيق هرمز مباشرة.
ومع ذلك، قُرِئت هذه الأزمة العالمية في سوق الطاقة بمنظور مغاير تمامًا في إسرائيل؛ فبدلًا من التعامل مع المشهد بوصفه كارثةً تهدد سلاسل التوريد وأمن الطاقة والاقتصاد العالمي، بما يستوجب العمل على وقف التصعيد، رأت القراءات الإسرائيليّة في هذه الأزمة فرصة إستراتيجية تمنحها زخمًا للتحوّل إلى مركز إقليمي لتصدير الطاقة.
يرى يهوذا شروني، المعلّق الاقتصادي في صحفية (معاريف)، أنّ التهديدات الإيرانية بإغلاق مضيق هرمز لا تمثل خطرًا فحسب، بل تفتح أمام إسرائيل فرصة إستراتيجية لإعادة تعريف موقعها الجيوسياسي في منظومة الطاقة العالمية. إذ يطرح “شروني” فكرة استغلال البنية التحتية الجاهزة المتمثّلة في خط أنابيب (إيلات–عسقلان)، ليشكّل ممرًا بديلاً لنقل النفط من الخليج إلى البحر المتوسط ومنه إلى أوروبا. وبحسب رؤيته، فإنّ هذا المسار يتيح تجاوز مضيق هرمز وتقليل الاعتماد عليه، ممّا قد يحوّل إسرائيل إلى مركز طاقة إقليمي ودولي، ويمنحها مكاسب اقتصادية تكرّس علاقاتها مع دول الخليج، لا سيّما في ظل سعي أوروبا لتنويع مصادر طاقتها بعيدًا عن روسيا.
وفي السياق ذاته، يذهب حنان شاي من معهد مسغاف إلى أبعد من ذلك، حيث يرى أنّ الحرب الحالية تفتح آفاقًا لتحويل الإنجاز العسكري إلى إعادة تشكيل النظام الإقليمي عبر تدشين ممر طاقة بديل يربط الخليج بالمتوسط مرورًا بإسرائيل؛ ضمن إطار أوسع يتقاطع مع مشروع الممر الاقتصادي (IMEC) الممتدّ من الهند إلى أوروبا. ويؤكّد “شاي” أنّ هذا المسار يعالج هشاشة الاعتماد الخليجيّ على “هرمز”، ويمنح إسرائيل موقعًا مركزيًا كمحور اقتصادي ومظلّة أمنية لحماية خطوط الطاقة بدعم أمريكي وشراكة أوروبية وهندية، وهو ما قد يعيد ترتيب موازين القوى عبر تقليص نفوذ إيران اقتصاديًا وعزلها إقليميًا، والحد من دور تركيا كممر بديل، مقابل دمج دول الخليج في منظومة إقليمية جديدة.
وفي السياق ذاته، يواصل أمير أفيفي – رئيس حركة الأمنيون اليمينية – العزف على المنوال ذاته؛ مفترضًا أنّ أزمة مضيق هرمز قد كشفت هشاشة منظومة الطاقة العالمية واعتمادها المفرط على ممرّ ملاحيّ واحد قابل للتعطيل. ويرى “أفيفي” أنّ إسرائيل تمتلك فرصة إستراتيجية جاهزة عبر خط أنابيب (إيلات – عسقلان)، الذي يمكن أن يشكّل مسارًا بديلاً لنقل النفط من الخليج إلى أوروبا دون المرور بالمضيق. وبحسب طرحه، فإنّ تفعيل هذا المسار سيحوّل إسرائيل إلى عقدة مركزية في سوق الطاقة العالمي، ويعزّز مكانتها الاقتصادية والإستراتيجية، ويقوّي أواصر علاقاتها مع دول الخليج في مواجهة التهديدات الإيرانية.
غير أنّ مجمل هذه التحليلات والأطروحات تفتقر إلى العوامل الموضوعية التي تمكّنها من الاستحالة إلى واقع ملموس في المدى المنظور، إذ إنّها تُسقط من الحسبان حقيقة أنّ أزمة الطاقة ليست رهينة مضيق هرمز فحسب، بل هي مرتبطة ببنية الطاقة المتكاملة في منطقة الخليج برمّتها.
مستقبل العلاقة بين “إسرائيل” ودول الخليج
ترى مراكز البحث في “إسرائيل” أنّ مسار العلاقة مع دول الخليج يتأثر تأثّرًا مباشرًا بطبيعة التهديد الإيراني وأنماط استجابته في الحرب الأخيرة. وتشير هذه التقديرات إلى أنّ استهداف إيران للقواعد الأمريكية ومنظومات المراقبة والدفاع الجوي في المنطقة ينعكس على البيئة الأمنية التي تتحرك فيها “إسرائيل”، نظرًا للترابط العملياتي الوثيق بين هذه المنظومات وشبكات الإنذار المبكر الإقليمية.
في هذا السياق، يوضح يوئيل غوزانسكي أنّ دول الخليج كانت تدرك منذ سنوات مركزية التهديد الإيراني، إلا أنّها فضّلت إدارة هذا الخطر عبر الاعتماد على المظلة الأمريكية والتنسيق غير المباشر مع “إسرائيل”، مع تجنب الانخراط في أي تحالف معلن قد يعرّضها لتبعات سياسية وأمنية مباشرة. غير أنّ “غوزانسكي” -بناءً على استقرائه لعدد من المقالات والأصوات الخليجيّة- يطرح احتمالًا مغايرًا؛ وهو أن تنظر دول الخليج إلى العلاقة مع إسرائيل، ومع أمريكا بشكل أساسي، بوصفها علاقة قد تضرُّ بأمنها واستقراراها، كونها لم توفر لها الحماية المنشودة في مواجهة إيران، بل ورطتها في حرب لا تخدم مصالحها. وهذا التحول قد يُفضي إلى ابتعاد دول الخليج عن إسرائيل، والمضيّ قدمًا في سياسة التحوط، وتجنّب التصعيد مع إيران.
من جانبه لا يتعامل إفرايم إنبار، من معهد القدس للإستراتيجية والأمن، مع دول الخليج بوصفها وحدة متجانسة، بل يفرق بين أدوارها ومواقفها المتباينة. في الوقت نفسه، يرى “إنبار” ضرورة إدماج هذه الدول ضمن محور إقليمي ناشئ تقوده الولايات المتحدة، وتحتل فيه إسرائيل موقعًا مركزيًا إلى جانب قوى دولية أخرى مثل الهند. وضمن هذا التصور، يقدّم دولة الإمارات شريكًا متقدمًا حافظ على علاقاته مع إسرائيل ووسّعها، بينما يطرح السعودية كدولة مرشحة للعودة إلى مسار التطبيع، لا سيّما بعد تصاعد إدراكها لخطورة التهديد الإيراني المباشر.
يرى “إنبار” أنّ هذا المحور يقوم على تقاطع المصالح الأمنية والاقتصادية، ويعيد تموضع الخليج ضمن شبكة جيوسياسية أوسع تربط آسيا بأوروبا. وفي هذا السياق، تتعزّز مكانة “إسرائيل” بوصفها جسرًا إستراتيجيًّا ضمن هذا الترتيب، مع دور متزايد في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية.
وفي المقابل، تشير نوعا لازيمي إلى أنّ هذا التطورات والحرب الحاليّة قد كشفت حدود منظومة الردع التقليدية، وأعادت طرح التساؤل حول جدوى الاعتماد الحصري على الولايات المتحدة، كما أثارت شكوكًا متزايدة حول فاعليّة أي ترتيبات أمنية قائمة لا تشمل تعاونًا إقليميًا أوسع وأكثر تكاملًا، بما في ذلك مع “إسرائيل”.
ضمن هذا الإطار، تربط تقديرات معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي بين تصاعد الهجمات الإيرانية وحدوث اضطرابات اقتصادية وتراجع في اليقين الإستراتيجي داخل الخليج، وهو ما يدفع نحو إعادة تقييم شاملة للخيارات الأمنية. وتشير هذه التقديرات إلى أنّ حماية طرق الملاحة في الخليج والبحر الأحمر، وتطوير أنظمة دفاع جوي مشتركة ضد الصواريخ والطائرات المسيّرة، باتت مجالات مرشحة لتعميق التعاون، لا سيّما في ظل التحوّل النوعيّ في طبيعة التهديدات.من جهته، يفترض عاموس يادلين أنّ الضغط الناتج عن التهديد الإيراني قد يدفع بعض دول الخليج إلى توسيع التعاون العملي مع “إسرائيل” حتى لو ظلّ هذا التعاون غير معلن، مستفيدًا في ذلك من القدرات الإسرائيلية في مجالات الدفاع الجوي، والحرب السيبرانية، وأنظمة الإنذار المبكر. غير أنّ “يادلين” يرى القضية الفلسطينية -بالنظر إلى اشتراط بعض دول الخليج حلّها لإتمام أيّ اتفاق تطبيع- قد تظلّ عائقًا يحول دون تحقيق ذلك التحوّل الشامل.
ويعزّز هذا الاتجاه تقييم صادر عن معهد “مسغاف” يرى أنّ أي تحوّل في ميزان القوى ناتج عن هذه الحرب، خاصة في حال تحقيق إنجاز عسكري ضد إيران، قد يفتح المجال أمام إعادة تشكيل ترتيبات إقليمية جديدة، تقوم على تقاطع المصالح الأمنية وتوسيع دوائر التنسيق بين “إسرائيل” وعدد من دول الخليج.
خاتمة
تعكس مجمل القراءات والمقاربات الإسرائيلية حول استهداف إيران لدول الخليج ومعضلة إغلاق مضيق هرمز، حالةً من التشتت والارتباك في التقدير الإستراتيجي. إذ تذهب أغلب الأطروحات الحاليّة إلى استشراف فرص إستراتيجية تكمن في ثنايا هذه الأزمة الإقليميّة والعالميّة، مع تعمّد تغييب الدور الإسرائيلي في تأجيج الصراع وخلق تلك الأزمة. وتتمحور هذه الفرص المتوهَّمَة حول دفع دول الخليج نحو الانخراط المباشر في الحرب ضد إيران، وتمتين العلاقات البينيّة لتعزيز المكانة الجيوإستراتيجيّة الإسرائيليّة، واستغلال تعطّل الملاحة في “هرمز” لفرض بدائل طاقيّة تقودها إسرائيل.
ولكن في المقابل، ثمّة أصوات لا تسقط من حسبانها إمكانية أن تؤثر الحرب سلبًا على علاقة دول الخليج بإسرائيل، وأن تسهم في إبطاء مسار التطبيع. وبين هذا وذاك، تنمّ القراءات الإسرائيلية، لا سيّما الطموحة منها، عن حالة تجاهل للواقع، ومحاولة تثبيت افتراضات تتجاوز مآلات الحرب والأزمات الناتجة عنها، والتي قد تخلّف آثارًا كارثية على العالم عمومًا، وعلى المنطقة بشكل خاص. إذ تظهر الرغبة الإسرائيلية في دفع دول الخليج نحو الانخراط المباشر في الحرب ضد إيران، أنّ “إسرائيل” تبحث عن شرعية، باتت محل شك عالمي؛ لشرعنة حروبها والتحريض المستمر الذي مارسته عبر عقود. وفي ظلّ التكاليف الباهظة للحرب، والتجاهل الأمريكي الإسرائيلي المسبَق لطبيعة الرد الإيراني، غدت “إسرائيل” في قفص الاتهام بالسعي لتدمير استقرار المنطقة عن سبق إصرار وترصد. وهي اتّهاماتٌ أصبحت شائعة لدى الرأي العام والنخب في العديد من المجتمعات، ولا سيّما الغربية منها.
بالمحصلة، يمكن القول إنّ مجمل القراءات الإسرائيلية تحاول حشد الدعم وتجاوز الواقع الكارثي الناتج عن الحرب مع إيران عبر استباق النتائج والمسارات والأزمات المتشكلة؛ رغبة في الوصول إلى مرحلة تقسيم غنائم الحرب مثل تعزيز التطبيع، والتحول إلى مركز طاقة إقليمي، وتوظيف دول الخليج في حروب إسرائيل بالوكالة. ولكنّ دويّ أصوات صفارات الإنذار، وأصداء الانفجارات وسحب الدخان الكثيف المتصاعد من مرافق الطاقة المشتعلة، تظل هي الصوت والصورة الأوضح في المشهد الراهن، ولحين تبدد هذا المشهد، سيظلّ من المبكر جدًّا القفز إلى الاستنتاجات أو الشروع في اقتسام الغنائم.
[1] لا بد من التنويه إلى أنّ هذه الحرب تجري في سياق متسارع تتلاحق فيه الأحداث بصورة مستمرة، ما ينعكس على طبيعة المعطيات الواردة في المادة. تعكس المعلومات المطروحة الواقع حتى لحظة الكتابة ولا يشير أي تغير لاحق إلى خلل في العرض وإنما يعكس دينامية المشهد وتطوراته المتواصلة.



