كيف أعادت حواجز الاحتلال هندسة حياة الفلسطينيين؟

أنصار اطميزه
كريم قرط
منذ احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967، باتت الحواجز جزءًا ثابتًا من الحياة اليومية للفلسطينيين، وانتقلت تدريجيًا من وضعٍ استثنائي إلى روتينٍ يوميٍّ مفروض على الحركة والتنقّل. وعلى الرغم من أنّ فكرة الحواجز وتفتيت جغرافيا الضفة الغربية، وإن اختلفت مسمّياتها عبر السنوات، كانت جزءًا أصيلًا من سياسات الاحتلال منذ عقود، إلا أنّ الزيادة الأكبر في عدد الحواجز والقيود المفروضة على حركة الفلسطينيين في الضفة الغربية، برزت بشكل واسع بعد أكتوبر/ تشرين الأول 2023، حيث وصل عددها حتى وقت إعداد هذه الورقة، 916 حاجزًا ثابتًا أو مؤقتًا، وذلك وفق آخر إحصائية صادرة عن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان.
تركت هذه الحواجز والقيود آثارًا عميقة على حياة الفلسطينيين في مختلف الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، وحتى الثقافية إذ بات وجود الحواجز الثقيل يلقي بظلاله عن الإنتاج الأدبي والفني الفلسطيني، حيث باتت ثيمات الحصار والانتظار والتنقّل القسري حاضرة بقوة في الأعمال الفنية والأدبية. تناولت العديد من الكتابات الأدبية الحواجز منذ سنوات طويلة، ولكن مع التشديد الكثيف عقب حرب الإبادة أصبح الحاجز حاضرًا بقوة في المشهد الثقافي، مثل: اعتقال المسيح على حاجز الكونتينر، وحاجز دير شرف موت سريري، وحكايات حاجز. وفي الأغاني أيضًا مثل “عالق على حاجز قلنديا“ و”أغنية يومي“، حيث أصبح الحاجز رمزًا ملموسًا يعكس تجارب الفلسطينيين اليومية. وهو أمر طبيعي من ناحية أنّ الأدب هو انعكاس للواقع بطريقة أو بأخرى.
خلقت عقود طويلة من معاناة الفلسطينيين مع الحواجز الإسرائيلية المنتشرة والمتصاعدة، أنماطًا مختلفة من التفاعل مع هذا الواقع بحيث لا تكاد تخلو أي قصة أو حديث فلسطيني من ذكر حاجز أو بوابة. فقد تدرّج حال الفلسطيني بين التأقلم والتطويع القسري لحياته اليومية، مرورًا بـ التحدّي والتخطّي، وصولًا إلى محاولة التحايل على الحواجز، وهذا ما تهدف هذه الورقة لتناوله، محاولة تسليط الضوء على التبعات الحياتية الناتجة عنها، بشكل خاص عقب حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة منذ أكتوبر 2023.
إعادة تعريف الوقت والمسافات والحياة الاجتماعية
«الدوام يبدأ عند الثامنة؟ إذن أغادر المنزل عند الرابعة فجرًا». بهذه المعادلة القاسية أعاد الفلسطينيون تنظيم حياتهم اليومية منذ السابع من أكتوبر 2023، في ظل تصاعد إجراءات الإغلاق وتشديد الحواجز. ولا يعكس هذا السلوك خضوعًا بقدر ما يصف واقعًا مفروضًا لا يملك الفلسطينيون في اللحظة الراهنة خيارًا عمليًا لمواجهته. فتوزيع الحواجز والبوابات في الضفة الغربية يعزل القرى والمدن عن بعضها ويحولها إلى سجن كبير. وبحكم أن مراكز المحافظات، مثل رام الله ونابلس والخليل، هي محور النشاط الاقتصادي والحكومي والمؤسسي، فمن يسكنون القرى والضواحي يضطرون يوميًا إلى المرور عن حواجز الاحتلال ليعاد تشكيل حيواتهم وتعريفهم للوقت والمسافات، وهو شكل من أشكال التطويع القسري للحياة اليومية، حيث يصبح التأقلم ضرورة لا بديل عنها.
لا يقتصر أثر الحواجز في الوقت الطويل المهدور خلال المرور والانتظار لاجتيازها، بل يتعدى ذلك إلى إعادة تشكيل نمط الحياة الاقتصادية والاجتماعية، ما يلقي بأثره العميق على خيارات الناس ومصائرهم. ولكن مسألة الوقت المهدور بحد ذاته لا تقل فداحة عمّا سواها، تشكّل قصة الشاب محمد ثابت من بلدة بيت دجن شرق نابلس، واحدة من آلاف القصص، حول كارثية الحواجز على الوقت الفلسطيني. فمحمد يحتاج إلى أكثر من ساعتين ونصف للوصول إلى مكان عمله في قرية قُصرة المجاورة وهو أكثر من ضعف الوقت الذي كان يحتاجه سابقًا، فقط بسبب الانتظار الطويل على الحواجز، هذا إن تمكن أصلًا من عبورها دون احتجاز يمتد لساعات إضافية. وعلينا هنا أن نشير إلى أن الزمن الفلسطيني قبل الحرب لم يكن هو الوضع المثالي، فقد كانت الحواجز وطبيعة هندسة الاحتلال لحركة الفلسطينيين في الضفة الغربية تجعل وقت التنقل مضاعفًا أوتوماتيكيًّا، بالمقارنة مع مناطق أخرى في العالم. ولكن الذي حدث بعد الحرب هو مضاعفة للوقت المهدور المضاعف أصلًا.
أظهرت دراسة صادرة عن معهد أريج للأبحاث التطبيقية عام 2019، أنّ عدد الساعات التي يخسرها الفلسطينيون على الحواجز، التي تراوح عددها آنذاك ما بين 500 – 600 حاجز؛ نحو 60 مليون ساعة عمل سنويًا، بكلفة اقتصادية تُقدّر بحوالي 270 مليون دولار سنويًا. وفي المقابل، خلصت دراسة صادرة عن معهد ماس عام 2025 بعنوان “سياسة حواجز الاحتلال الإسرائيلي في شمال ووسط الضفة الغربية وخسائر ساعات العمل الناتجة عنها“ أنّ عدد ساعات العمل الضائعة يوميًا تقدر بحوالي 200 ألف ساعة، أي قرابة 73 مليون ساعة سنويًا، ما يكلف الاقتصاد الفلسطيني حوالي 2.8 مليون شيكل (764.6 ألف دولار) خسائر يومية، أي ما يعادل 62.2 مليون شيكل (16.8 مليون دولار) شهريًا.
غير أنه تجب الملاحظة هنا أنّ هناك فرقا في منهجية دراسة أريج عن دراسة معهد ماس، وهذا الفرق سيجعل الزيادة في عدد الساعات الضائعة لا يقتصر على 13 مليونًا، وإنما يتعداه بأضعاف. ففي دراسة أريج احتسبت ساعات العمل الضائعة لدى عمال الضفة الغربية المتوجهين للعمل في القدس المحتلة وأراضي 48، وبما أنه منذ بدء حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة قد مُنع هؤلاء من التوجه إلى عملهم، فدراسة ماس فقط تتناول ساعات العمل الضائعة ضمن الضفة الغربية نفسها، وهذا ما يجعل الفرق جوهريًا وكارثيًا أيضًا.
بالعودة إلى نتائج دراسة ماس، تؤدي المسافات الإضافية التي يقطعها السائقون لتجنب الحواجز إلى استهلاك وقود إضافي يقدر بحوالي 71 ألف شيكل (19203 دولار) يوميًا، أي ما يعادل 22.2 مليون شيكل (6 ملايين دولار) سنويًا. ولكن الخسائر الاقتصادية لا تقف عند الوقت المهدور وارتفاع تكاليف التنقل، وإنما أدت الحواجز أيضًا إلى ارتفاع نسبة البطالة وتدني الأجور بسبب صعوبة وصول العمال إلى أماكن عملهم، وتعطيل حركة البضائع، ما يزيد من تكاليف النقل ويتسبب في تلف بعض المنتجات نتيجة الانتظار الطويل على الحواجز. وبالمجمل، من خلال دراسة وقت الانتظار على 14 حاجزًا عسكريًا، تظهر دراسة ماس أن وقت الانتظار على الحواجز يتراوح بين 15 و50 دقيقة. كما تظهر النتائج أن متوسط التأخير في الرحلات خارج محافظة نابلس يصل إلى 42 دقيقة، وهو ما يمثل زيادة بنسبة 77.9% عن الوقت الأصلي للرحلة.
ورجوعًا إلى تأثير الحواجز في الحياة الاجتماعية الفلسطينية، فقد تناولت ورقة صادرة عن مركز إعلام حقوق الإنسان والديمقراطية – شمس، في يونيو/حزيران 2025، بعنوان: “”إسرائيل” تحاصر الجغرافيا وحواجزها العسكرية تخنق الحياة الاجتماعية للفلسطينيين” الأثر المباشر للحواجز على الحياة الفلسطينية. تظهر الورقة، أنّ الحواجز قد أثّرت عميقًا في المجتمع الفلسطيني من مختلف النواحي، فقد قلّلت التفاعل الاجتماعي بين الناس في المناسبات والأفراح والجنائز وغيرها من النشاطات البشرية التي تتطلب التنقل من منطقة إلى أخرى. وحتى العلاقات الأسرية والعائلية لم تسلم هي الأخرى، فقد أدت الحواجز إلى تراجع الزيارات العائلية بين الأقارب وأفراد العائلة الواحدة، ما يؤثّر بشدّة على التماسك الأسري في حالات كثيرة. وعليه، تفترض الدراسة أن منظومة الحواجز في الضفة الغربية تعمل على تفكيك المجتمع الفلسطيني وضرب روابطه وأواصره الاجتماعية، وبالتبعية الروابط الوطنية والتنظيمية.
ونتيجة لذلك، دفعت الحواجز كثيرين إلى خيار الانعزال، والتراجع عن التنقل بين المحافظات، والاستقرار في مكان واحد بعيدًا عن عائلاتهم لتجنب الاحتكاك المستمر بنقاط التفتيش. وهذا الأمر يتضاعف لدى فئات معينة من المجتمع، ممن يتحتم عليهم المرور يوميًا على حواجز الاحتلال، مثل طلبة الجامعات الذين قد يضطر أحدهم إلى المرور عن 5 أو 6 حواجز ذهابًا وإيابًا يوميًّا، هذا فضلًا عن احتمالية تصادفهم مع حواجز فجائية (طيّارة) إضافية. وقد دفع ذلك بعض الفئات إلى تغيير أماكن سكنهم، والانتقال من القرى إلى مراكز المحافظات، أو من محافظات الشمال والجنوب إلى محافظة رام الله والبيرة، حيث إنها المركز السياسي والإداري للضفة الغربية.
وعلى أثر ذلك شهدت حركة التنقل بين المحافظات والمدن والقرى تقلصًا ملحوظًا نتيجة الخوف من اعتداءات الجيش وقيوده على الحواجز، إلى جانب المخاطر الناتجة عن اعتداءات المستوطنين على الطرق. فقد أظهرت دراسة معهد ماس، المشار إليها سابقًا، بالاعتماد على بيانات جُمعت من مكاتب سيارات أجرة أن حركة النقل انخفضت بنسبة 51.7% بعد بدء حرب الإبادة على غزة في أكتوبر 2023. من ناحية أخرى، يقدّر عبد الله الحلو، رئيس نقابة أصحاب شركات الحافلات، أن حركة التنقل داخل الضفة الغربية انخفضت بنسبة تتراوح بين 60 و70%.
وعند إجراء مقارنة بين نسب ترخيص المركبات العمومية في الضفة الغربية، نجد علاقة بين القيود المفروضة على الحركة وتراجع النقل العام. ففي العام 2022، شكلت مركبات النقل العمومي نسبة 4.4% من إجمالي المركبات المرخّصة، في حين تراجعت هذه النسبة إلى 2.8% في العام 2024. يعكس هذا التراجع عزوف الفلسطينيين عن التنقل، وهي إحدى النتائج المباشرة لتأثير الحواجز، ونمط الحياة الجديد الذي فرضته على السكان.
مع تراجع قطاع النقل وعزوف الناس عن التنقل، شهد سوق العقارات، في عموم مراكز المدن في الضفة الغربية، أي ما يعرف بمناطق “أ” حسب تقسيمات أوسلو، ورام الله المصنفة “أ” على وجه الخصوص، ازديادًا في الطلب على استئجار الشقق والمنازل، ترافق مع تراجع المعروض منها، ما أدى إلى زيادة في أسعار الإيجارات، لا توجد تقديرات رسمية حولها، ولكنها قُدّرت كحد أدنى بـ 20% مع بداية حرب الإبادة على قطاع غزة. خلقت الحواجز انطباعًا لدى الناس بأنّ هناك مناطق أكثر أمنًا وهدوءًا من غيرها، وعادة ما توصف رام الله – أي تلك المصنفة “أ” بما يشمل رام الله والبيرة وبيتونيا وبيرزيت وما جاورها، أو كما يقال فلسطينيًا من حاجز قلنديا جنوبًا إلى حاجز عطارة شمالًا – بأنها الأكثر هدوءًا أو أمنًا إضافة لكونها المركز السياسي والإداري، ما حدا بكثير من الموظفين في القطاعين العام والخاص، ومن في حكمهم، إلى الانتقال للسكن فيها؛ هربًا من رحلة العذاب والمخاطر اليومية على الحواجز. ما يعنيه ذلك، هو أن الحواجز تعمل بصمت على إعادة التوزيع الديموغرافي للفلسطينيين في الضفة الغربية، وهو أمر يسير جنبًا إلى جنب مع سياسات التهجير المعلنة وغير المعلنة التي يمارسها الاحتلال ومستوطنوه في الضفة الغربية.
بالمحصلة، أدت الحواجز الإسرائيلية إلى إعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية والاجتماعية للعمالة الفلسطينية، عبر تعطيل الحركة بين المحافظات وفرض تمركز سكاني قسري داخل مدن محددة، وأدت أيضًا إلى إعادة هندسة توزيع العمالة الفلسطينية وتركزها في مراكز المدن.
الحاجز كحيّز حياتي – اجتماعي قسري
على الرغم من أن الحواجز الإسرائيلية سلبت الفلسطينيين لقمة عيشهم، حيث أشارت وزارة الاقتصاد الوطني في بيان لها أن الاقتصاد الفلسطيني سجل انكماشًا بنسبة 28% في عام 2024، في ظل ما يواجهه من قيود شديدة على حركة تنقل الأفراد والتجارة والمعابر، ما تسبب في تراجع الطاقة الإنتاجية للمنشآت الاقتصادية التي تعمل منذ بدء عدوان الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة في تشرين الأول/ أكتوبر 2023 بأقل من نصف طاقتها الإنتاجية. فإنها في الوقت ذاته أوجدت فرص عمل محدودة لعدد من العاطلين عن العمل منذ بداية الإبادة عام 2023. فقد انتشر الباعة المتجولون على طول الحواجز، معتمدين على اختيار مواقع آمنة نسبيًا، في محيط الحواجز، وقريبة من طوابير المركبات الطويلة.
بعض هؤلاء الباعة استقر بشكل دائم، وأقام مشاريع صغيرة على مقربة من الحواجز. وخلال الانتظار الطويل، يجد المسافرون من يبيع لهم الماء والقهوة والمشروبات الباردة، والفواكه والخضروات، وحتى ألعاب الأطفال. وتعد الألعاب أكثر السلع رواجًا، نظرًا لكونها تستهدف الأطفال الذين يملّون من طول الانتظار، فتمثل هذه المنتجات حلًا مؤقتًا لتهدئتهم، رغم أنها قد تشكل أحيانًا عبئًا إضافيًا على العائلات. ومن المهم التوضيح هنا أن هذه البسطات ليست “استراحات سفر” كما في دول العالم، إنما هي عبء اقتصادي جديد على السائق الذي يكلفه الوصول إلى مراده المزيد من الوقود والوقت مع بعض المسليات أو المشروبات. ويرتبط هذا النشاط التجاري بالتجربة التاريخية للفلسطينيين مع الحواجز التي تتحول شيئًا فشيئًا من مجرد عائق بسيط إلى بنية تحتية للعزل والضبط والبؤس تنتشر حولها محاولات اكتساب لقمة العيش. ومن ذلك، تجربة مشابهة على حاجز قلنديا الواصل بين رام الله والقدس، حيث اعتاد الباعة على الاستفادة من سنوات من الأزمات وطوابير الانتظار الطويلة، قبل أن يتم تحويله من حاجز إلى معبر من قبل الاحتلال، وتجربة حاجز الكونتينر، الذي اكتسب اسمه من كونتينر لبائع على الطريق قبل أن يطرده الاحتلال.
بالمقابل فإن الطوابير الطويلة وساعات الانتظار الأطول، وحالات إغلاق الحواجز بشكل كلي فجائيًّا، فرضت حالة من التكافل الاجتماعي وأنتجت مبادرات تعاونية، خاصة فيما يتعلق باستقبال العالقين على الحواجز بعد أن أغلقت وتقطعت السبل بالناس. إذ تتسارع القرى والمدن المجاورة لموقع الحواجز بالإعلان عن فتح أبوابها لاستقبال العالقين وإيوائهم لحين إعادة فتح الحواجز. ومن الأمثلة البارزة، مبادرة بلدية بيرزيت في أيلول/ سبتمبر 2025، بعد إغلاق الاحتلال الكامل لمدينتي رام الله والبيرة، إذ وجهت البلدية دعوة لاستقبال العالقين في مقر اللجنة الشعبية وسط البلدة، لتقديم الخدمات الممكنة، وبالمجمل هناك العديد من القرى تحذو حذوها في كل مرة يُفرض فيها الإغلاق الشامل لمنطقة ما. كما ظهرت العديد من المبادرات المحلية الأخرى من الأهالي والهيئات المحلية للتخفيف من معاناة المواطنين، حيث استقبل الفلسطينيون بعضهم البعض في حالات إغلاق مداخل المدن، وتعثر الوصول إلى أماكن السكن. وحتى على المستوى الشخصي يبادر بعض الأشخاص بالإعلان عن استعدادهم لاستقبال الناس في بيوتهم ناشرين أرقام هواتفهم على وسائل التواصل الاجتماعي والمجموعات ومبدين استعدادهم لتقديم ما أمكنهم من عون.
وتتجلى مظاهر التكافل الاجتماعي أيضًا خلال شهر رمضان المبارك، الذي شهد خلال عامين متتاليين تنظيم الإفطارات الجماعية في ظل حصار مدن ومناطق في الضفة الغربية. إذ شهدت العديد من الحواجز تنظيم إفطارات جماعية من قبل المبادرات المحلية والأهلية، ومن أبرزها مبادرة كرفان الخير ومبادرة صناع الحياة، وقامت العديد من الشركات الخاصة بمبادرات من هذا النوع كجزء من المسؤولية الاجتماعية، وقد ساهمت هذه المبادرات في تخفيف العبء عن المواطنين، وخلق لحظات إنسانية وسط واقع يومي قاسٍ.
وفي حالات أخرى يبادر العالقون على الحواجز أنفسهم للتخفيف عن بعضهم في مثل تلك الظروف. ومن الأمثلة على ذلك، قصة المواطن عزام حنني من نابلس، الذي علِق مع المئات من المواطنين على حاجز عسكري في مدخل بلدة بيت فوريك. وعندما حان موعد الإفطار، قدّم حنني التمر المتوفر لديه للصائمين العالقين معه على الحاجز، معبرًا بذلك عن روح التكافل والتضامن.
في البحث عن مهرب
دفع استمرار التضييق على حركة الفلسطينيين عبر الحواجز، العديد من السائقين لاستخدام طرق بديلة كوسيلة للتحايل على القيود المفروضة. وهذه الطرق ليست معبدة ولا تلائم حركة المركبات، إذ كان الفلسطينيون يلجؤون إليها منذ انتفاضة الأقصى عام 2000، حتى أن بعضها كان مسارًا زراعيًا لا يصلح إلا للدواب والجرارات الزراعية. ولأن هذه الطرق الترابية والوعرة كانت طويلة وخطرة، فقد ضاعفت من مدة السفر وأجور النقل، وهددت حياة المواطنين في أكثر من مناسبة.
وعلى سبيل المثال لا الحصر، يصف المواطن لؤي وزوز من الخليل واقع التنقل اليوم بأنه أكثر خوفًا وتعقيدًا، حيث بات الفلسطينيون مضطرين لسلوك طرق مجهولة وقابلة للإغلاق المفاجئ، أطول وأكثر خطورة، بعد أن تحوّلت الطرق البديلة السابقة إلى بدائل لبدائل أخرى.
وبناءً على طول الطريق وصعوبتها، أقرت وزارة المواصلات رفعًا مؤقتًا لتعرفة النقل العام في عدد من المحافظات المتأثرة بحواجز الاحتلال، نتيجة اضطرار السائقين لاستخدام طرق بديلة غير معبّدة، ما زاد من زمن الرحلة وطول المسافات، وأدى إلى ارتفاع مؤقت في تكاليف وأجور النقل، وهذا ما استطاعت الحكومة الفلسطينية أن تفعله لتتماشى مع واقع الطرق المغلقة والطرق البديلة.
من ناحية أخرى، ابتكر الفلسطينيون حلًا تقنيًا جديدًا لتجنب هذا الواقع، وذلك عبر إنشاء تطبيقات للهاتف المحمول ومجموعات على وسائل التواصل الاجتماعي، توفر تحديثات لحظية عن حالة الطرق والحواجز. تقدم هذه التطبيقات معلومات مفصّلة تشمل: نوع الحاجز (طيار، مغلق بالكامل، أو سالك)، وطبيعة الأزمة (ازدحام خانق، سالك بصعوبة)، واتجاه الحركة (شمالًا، جنوبًا، داخلًا، أو خارجًا)، والطرق البديلة الممكنة لتفادي الحواجز.
من أبرز هذه التطبيقات تطبيق “أزمة“ وتطبيق “ع وين رايح“، الذي صممه متطوعون فلسطينيون لتوضيح الزحام المروري عند الحواجز. ويتبادل مستخدمو التطبيقات المعلومات فيما بينهم بشكل مستمر، بهدف اختصار الوقت الذي يمضيه الفلسطينيون في انتظار العبور. كما أُنشئت مئات المجموعات على تطبيقَي تيليغرام وفيسبوك، تضم مئات الآلاف من المستخدمين الذين يتابعون أحوال الطرق لحظة بلحظة. وتتميز هذه التطبيقات والمجموعات بدقة عالية، نظرًا لأن غالبية مصادر المعلومات هم سائقو النقل العمومي والمسافرون المنتشرون على مختلف الطرق والحواجز في الضفة الغربية.
ويضاف إلى ذلك أن عددًا من الإذاعات المحلية، مثل إذاعة أجيال، خصّصت فقرات يومية لتحديثات الطرق، تُشير فيها إلى أبرز البوابات والحواجز. وبذلك أصبحت معلومات أحوال الطرق جزءًا أساسيًا من المعرفة اليومية للفلسطينيين، وربما المعلومة الأكثر أهمية لمن ينوون التنقّل بين مدن وقرى الضفة الغربية. ويمكن القول إنه لا توجد وسيلة إعلام فلسطينية محلية في الضفة الغربية إلا وتفرد مساحة لحالة الطرق والحواجز، وهذا الأمر له دلالات عميقة عن مدى تحول الحواجز والإغلاقات إلى مسألة حساسة جدًّا تؤثر يوميًّا وبشكل مستمر على قرارات الناس وخياراتهم، وتعيد تعريف الزمان والمكان والمسافات لديهم.
وتجدر الإشارة إلى أن الوجود المستمر تاريخيًّا للحواجز على مداخل القرى والبلدات، أكسب الفلسطينيين خبرة واسعة في التعامل معها، بما يشمل: تغيير الورديات، والتفتيش الدقيق، والتفتيش العشوائي، وتقدير مدة الانتظار المحتملة. كما أنّ بعض الفلسطينيين اكتسبوا مع الزمن، قدرة على التعرف إلى ممارسات الجنود، وحتى أسمائهم أو أصولهم، فيُوصف أحد الجنود بأنه “متساهل ويمرر”، بينما يُقال عن آخر “حاقد وعصبي”، أو يُميّزون جنودًا عربًا أو دروزًا، ويستلزم هذا الواقع من الفلسطينيين التكيف مع مزاج الجنود أثناء عبور الحواجز.
ولكن، رغم تلك الخبرة ورغم ما تتمتع به المجموعات والتطبيقات والفقرات الإذاعية من دقة عالية، فإنها كثيرًا ما تعجز عن ضمان دقة التحديثات، إذ يمكن إغلاق الحاجز في أي لحظة، بما ينفي خلال ثوانٍ كل الأخبار السابقة التي كانت تشير إلى أن “الحاجز سالك”. وهذا الأمر يتكرر كثيرًا، خاصة عندما تحدث عملية مقاومة أو عندما يشتبه الاحتلال بحدوث عملية، فيفرض الإغلاق الشامل لمجرد الاشتباه، وهذا ما حصل في محافظة رام الله في 4 يناير/كانون الثاني الجاري، عقب اشتباه الاحتلال بوقوع عملية دعس قرب بلدة بيرزيت.
الخاتمة
في المحصلة، أثّرت الحواجز والتضييقات الإسرائيلية على الفلسطينيين بشكل عميق في حياتهم اليومية، وفرضت أساليب للتعامل مع هذا الواقع الثقيل ما بين التأقلم والتعوّد على الواقع المفروض ومحاولة تجنب الحواجز بالانتقال من القرى للمدن أو العزوف عن التنقل، ومحاولات ملاءمة ظروف حياتهم مع طبيعة وعدد وأنواع الحواجز، الأمر الذي يدفعهم لتغيير جوهري في حياتهم، مثل السكن أو المهنة وغير ذلك. وفي الوقت ذاته، أفرزت هذه التحديات أساليب فلسطينية للتغلب على الحواجز في ظل تدفق سيل الحياة اليومية وظروفها، التي لا تعرف حاجزًا ولا عائقًا. فمن لديه عمل عليه أن يذهب لعمله، ومن لديه واجبات اجتماعية عليه أن يؤديها. ما حوّل المعاناة اليومية على الحواجز إلى فرص للتكيف والإبداع أحيانًا دون المبالغة في حجم تلك الفرص التي هي ليست سوى استجابة قاسية لواقع أقسى.
ومع ذلك، يجب التأكيد على أن الطرق البديلة التي وجدها، سواء أكانت مادية أم افتراضية، لا يجب أن تصبح البديل الدائم، والاعتياد والتأقلم لا يجب أن ينسي الفلسطيني خارطة الطريق الأصلية للوصول لبلاده.



