قراءة عسكريّة في “حرب لبنان الرابعة”:حزام أمنيّ أم سيطرة مرنة

أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي في السادس عشر من مارس/آذار إطلاق عملية برية وصفها بـ”المركّزة”، استهدفت مواقع رئيسة تابعة لحزب الله في جنوب لبنان، ضمن مسعًى لتعزيز “منطقة الدفاع الأمامية” وتكريس تموضع ميداني متقدم على طول الحدود.
يأتي هذا التحرك في سياق عودة زخم الاشتباك بين حزب الله والاحتلال، عقب إطلاق الحزب صواريخ باتجاه شمال فلسطين المحتلة في الثاني من مارس/آذار الجاري، في خطوة جسّدت الانهيار الفعلي لـ”التهدئة المعلنة” التي استمرت قرابة 15 شهرًا، وهي فترة لم تتوقف خلالها الغارات الجوية الإسرائيلية، ولا أنشطة التمشيط والتوغلات البرية المحدودة في قرى الجنوب اللبناني.
وفي هذا الإطار، تحظى المناورة البرية باهتمام خاص، نظرًا لكونها تمثل الأداة الأبرز في الإستراتيجية العسكرية الإسرائيلية لإعادة تشكيل الواقع الميداني وفرض معادلات جديدة. وفي المقابل، ينخرط حزب الله في هذه المواجهة بهدف وقف الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة، وإعادة ضبط قواعد الاشتباك بما يحدّ من حرية الحركة الإسرائيلية على الجبهة الجنوبية في لبنان. وعليه، فإنّ طبيعة هذا التحرك البري، وحجمه، وسقفه العملياتي، والنتائج المترتبة عليه، تشكّل مجتمعة محددًا رئيسًا في رسم مسار المواجهة ومستقبل الأوضاع في جنوب لبنان.
تحليل إعلان جيش الاحتلال عن العملية العسكرية ضد حزب الله
حرص الإعلان الإسرائيلي الرسمي عن العملية البرية في جنوب لبنان على تقديمها بوصفها عملية “مركّزة” ذات طابع دفاعي، تستهدف مواقع محددة لحزب الله، وذلك بعد تمهيد ناري بالمدفعية وسلاح الجو بهدف “تقليص التهديدات في بيئة العمليات”، وفق تعبير جيش الاحتلال. ويعكس هذا الخطاب محاولة واعية لتأطير العملية ضمن سقف محدود، ينسجم مع الاعتبارات الدولية، ويُجنّبها توصيفات التصعيد الواسع أو الحرب المفتوحة.
غير أنّ مجريات السلوك الميداني تكشف عن الفجوة بين الإعلان وحدود الفعل، إذ تتجه الإجراءات الإسرائيلية نحو توسيع نطاق التأثير العملياتي. فقد أصدر جيش الاحتلال في الثاني عشر من مارس/آذار أوامر إخلاء قسرية واسعة شملت نحو 10% من مساحة لبنان، مع إنذار السكان بإخلاء المناطق الواقعة جنوب نهر الزهراني والتوجه شمالًا، ما يعكس توجّهًا لإعادة تشكيل المجال السكاني والجغرافي في بيئة العمليات، وليس فقط تحييد تهديدات موضعية.
وتعزّز هذا الاتجاه مع التصريحات السياسية المرافقة، حيث أعلن وزير الحرب الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، أن الجيش بدأ “مناورة برية” بهدف إزالة التهديدات وتأمين الجبهة الشمالية، مضيفًا أنّ عودة السكان إلى مناطق جنوب الليطاني ستبقى مرهونة بضمان أمن المستوطنات في الشمال. كما أشار إلى توجيهات مباشرة بتدمير البنى التحتية في قرى الاحتكاك الحدودية، على نحو يحاكي ما جرى في قطاع غزة، بما يحمله ذلك من دلالات على تبنّي مقاربة تقوم على تفريغ المجال الحدودي وإعادة تشكيله قسريًا.
وفي السياق ذاته، جاء إعلان السابع عشر مارس/آذار عن توسيع العمليات البرية وإدخال تعزيزات إضافية ليؤكد أنّ المسار العملياتي يتجه نحو تصعيد تدريجي يتجاوز حدود الضربة المركّزة إلى بناء واقع ميداني جديد، قائم على توسيع عمق التأثير، وفرض ترتيبات أمنية تتخطى منطق “الدفاع الأمامي” إلى ملامح أقرب لـ”الحزام الأمني” غير المعلن.
وهو ما يتقاطع بشكل واضح مع دعوة وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، صراحةً إلى جعل نهر الليطاني في جنوب لبنان الحدود الفاصلة بين “إسرائيل” ولبنان. وتشبيه هذا التوجه بالسيطرة على مناطق واسعة في غزة، مطالبًا بفرض واقع جديد بإنشاء منطقة عازلة بالقوة تصل إلى عمق الجنوب اللبناني.
وعليه، يمكن القول إنّ توصيف العملية بوصفها “محدودة” هو تغليف لطبيعة أهدافها الفعلية، وتشكيل غطاء سياسي لعملية أوسع تسعى إلى إعادة هندسة البيئة الحدودية في جنوب لبنان، عبر المزج بين الضغط العسكري المباشر، وإعادة توزيع السكان، وتدمير البنية التحتية، بما يفتح المجال أمام فرض معادلات ميدانية جديدة تتجاوز حدود الاشتباك التقليدي.
الحشد العسكري الإسرائيلي على الجبهة الشمالية
تكشف معطيات عديد القوات والتجهيزات التي دفع بها جيش الاحتلال إلى الجبهة الشمالية عن بناء قوة هجينة متعددة المستويات، تعكس انتقالًا مدروسًا من إدارة الاشتباك الحدودي إلى امتلاك القدرة على تنفيذ مناورة برية أوسع.
فقد بدأ التحرك بالاعتماد على الفرقة 91، بوصفها التشكيل المناطقي المسؤول عن الجبهة مع لبنان، حيث تولّت تنفيذ العمليات التمهيدية وتهيئة بيئة العمليات، مستفيدة من قدراتها في الرصد الاستخباري المتقدم عبر وحدات مثل كتيبة الاستطلاع 869، إلى جانب إدارتها المستمرة للاشتباك اليومي وتأمين المستوطنات في الجليل، ما يجعل منها بمنزلة “العين والأذن” التي تؤمّن بنك الأهداف وتضبط إيقاع التقدم البري.
بالتوازي، جرى الدفع بعناصر من الفرقة 146 الاحتياطية، التي تضم تشكيلات مثل لواء كرميلي ووحدات مدفعية وإسناد لوجستي، ما يعكس الحاجة إلى تأمين العمق العملياتي واستدامة الجهد القتالي، خصوصًا في العمليات الممتدة، ويشير إشراك هذه الفرقة إلى أنّ الجيش يتعامل مع العملية كمسار قابل للإطالة، يتطلب تعزيز القدرة على التدوير البشري وتخفيف الضغط عن القوات النظامية.
أما التحول النوعي الأبرز، فتمثل في إدخال الفرقة 36، التي تُعد من أكبر تشكيلات المناورة المدرعة في الجيش الإسرائيلي، وتضم ألوية قتالية مثل “غولاني” (مشاة نخبة)، واللواء 188 المدرع، إلى جانب وحدات مدفعية وهندسة. وقد ارتبطت هذه الفرقة تاريخيًا بالمراحل الأكثر كثافة في العمليات البرية، سواء في لبنان أو قطاع غزة، ما يجعل حضورها مؤشرًا على جاهزية الجيش لتنفيذ عمليات اختراق أعمق، أو توسيع نطاق الاشتباك إلى مستوى أعلى من التعقيد.
ويتعزز هذا التوجه مع رفع سقف استدعاء قوات الاحتياط، في خطوة تعكس استعدادًا لتوسيع العمليات عند الحاجة، سواء عبر زيادة الكثافة القتالية أو فتح محاور إضافية، كما أنّ تمركز عدة فرق على طول الحدود خلال الأشهر الماضية، وتنفيذها توغلات متكررة، يشير إلى أن البيئة العملياتية الحالية هي نتاج تراكمي لجهد تمهيدي طويل، سعى إلى خلق شروط ميدانية مواتية لإعادة تشكيل الواقع الحدودي.
وعليه، فإن توزيع الأدوار بين الفرقة 91 (إدارة ورصد)، والفرقة 146 (إسناد واستدامة)، والفرقة 36 (مناورة واختراق)، يعكس بنية قوة مرنة تتيح لجيش الاحتلال الانتقال بين مستويات مختلفة من التصعيد، من عمليات محدودة مضبوطة، إلى مناورة برية واسعة، وفق ما تفرضه التطورات الميدانية والسقوف السياسية.
سير العملية العسكرية في الميدان
تكشف إعلانات المقاومة الإسلامية خلال الفترة بين التاسع والتاسع والعشرين من مارس/آذار 2026، عند تقاطعها مع المعطيات الميدانية، عن تحوّل نوعي في نمط التحرك البري لجيش الاحتلال، من انتشار عرضي متحفّظ على طول الشريط الحدودي إلى تقدم رأسي متعدد المحاور، يقوم على دفع رؤوس اختراق متزامنة داخل العمق القروي الجنوبي.
وقد بدأ هذا التحرك برؤوس تسلل محدودة تلامس الحافة الحدودية وتختبر نقاط التماس مع انسحاب سريع عند الاحتكاك، قبل أن يتطور إلى نمط أكثر جرأة تمثل في الاشتباك داخل عقد قروية حاكمة، وعلى رأسها الخيام، ثم التمدد نحو الطيبة ومحيطها، بما يعكس انتقالًا من مجرد الاقتراب إلى محاولة تثبيت حضور ميداني داخل العمق.
وعند تفكيك هذا التحرك جغرافيًا، يتبيّن أنه يقوم على أربعة محاور رئيسة متداخلة، تتوزع وظيفيًا بين الاختراق والتثبيت والاستنزاف. في المقدمة، يبرز المحور الشرقي (الخيام – العديسة – الطيبة) بوصفه محور الاختراق الأهم، حيث شكّلت الخيام نقطة ثقل عملياتي متقدمة، بحكم موقعها كبوابة لـ”إصبع الجليل” وقدرتها على قطع طرق حيوية بين الشرق والوسط، مع تقديرات تشير إلى محاولة دفع بعمق يصل إلى 6–8 كم.
في المقابل، يظهر المحور الأوسط (دير سريان – وادي الحجير) كمحور اشتباك معيق أكثر منه مسار اختراق سريع، إذ توفّر تضاريسه بيئة مناسبة للكمائن والصواريخ المضادة، بما يعيد إنتاج دوره التاريخي كمساحة استنزاف (كما في 2006).
أما المحور الغربي (مارون الراس – علما الشعب – البياضة)، فيعكس نمط انتشار عرضي على أكثر من عقدة حدودية، مع محاولات اختراق محدودة تهدف إلى إبقاء الضغط موزعًا ومنع تركيز الجهد المقاوم. ويُستكمل هذا المشهد بمحور ساحلي أقل كثافة، يؤدي وظيفة العزل اللوجستي وقطع الإمداد أكثر من كونه محورَ تقدّمٍ رئيسًا.
ويشير هذا النمط بمجمله إلى أنّ التوغل يسعى بدرجة أساسية إلى إعادة تشكيل الجغرافيا العملياتية للجنوب عبر تثبيت رؤوس اختراق في عمق محدود، وربطها لاحقًا ضمن شريط ضغط ممتد، بالتوازي مع تشتيت الجهد الدفاعي، وتقطيع خطوط الاتصال، وعزل القرى عن بعضها البعض.
ويتكامل ذلك مع استهداف ممنهج للبنية التحتية، ولا سيما الجسور ومحاور الحركة، بما يعزز اتجاه الفصل الجغرافي بين جنوب الليطاني وشماله. وبذلك، يظهر التوغل كمسار تراكمي يقوم على العزل والتفكيك التدريجي، وتثبيت واقع ميداني يسمح بإعادة إنتاج نموذج “المنطقة العازلة” بصيغة متدرجة تنتقل لنمط تدمير كامل ببقاء طويل الأمد على غرار ما جرى في قطاع غزة في عمليات “عربات جدعون”.
تكتسب هذه المؤشرات زخمًا إضافيًا في ظل تصريحات سياسية وعسكرية تربط العملية الحالية بنماذج سابقة في قطاع غزة، بما يتضمنه ذلك من تدمير واسع وإعادة تشكيل قسري للحيز الجغرافي.
السجال الإسرائيلي حول سير العمليات وأهدافها
يكشف النقاش الدائر داخل الأوساط السياسية والعسكرية والإعلامية في إسرائيل عن تباين واضح في مقاربة الحرب على حزب الله، يجمع بين اتجاه يدفع نحو الحسم الميداني، وآخر يدعو إلى إدارة الصراع ضمن سقف مضبوط.
في المستوى السياسي، إلى جانب تصريحات بتسلئيل سموتريتش الداعية لضم أراضي جنوب لبنان معتبرًا أن الحرب يجب أن تنتهي بـ”واقع مختلف تمامًا”، برزت أيضًا تصريحات وزير الحرب يسرائيل كاتس، الذي ألمح إلى خطط للاستيلاء على أراض، قائلًا إنّ لبنان قد يواجه “خسارة أراض” إذا لم ينزع سلاح حزب الله، وهو ما يكشف عن التوجه الأكثر تطرفًا، الذي لا يقتصر على إضعاف حزب الله، بل يشمل تغييرًا جغرافيًا في الجنوب اللبناني. ويعكس هذا الطرح رؤية داخل اليمين الإسرائيلي ترى في الحرب الحالية فرصة لتصحيح ما يُعدّ “خطأ إستراتيجيًا” تمثل في وقف إطلاق النار عام 2024 قبل حسم المعركة. وذلك في ظل الموقف الأمريكي الذي يوفّر غطاءً سياسيًا واضحًا للتحرك الإسرائيلي، مع السعي إلى تجنّب استهداف بنى الدولة اللبنانية وتثبيت فكرة الفصل بين حزب الله ومؤسسات الدولة.
وفي السياق ذاته، تبرز أصوات إعلامية قريبة من دوائر صنع القرار، كما ورد في صحيفة يسرائيل هيوم، التي اعتبرت أنّ إسرائيل أخطأت حين راهنت على الحكومة اللبنانية وجيشها لنزع سلاح حزب الله، أو حين اكتفت بنشاط عسكري محدود خلال الأشهر الماضية، ما سمح للحزب بإعادة بناء قوته، في انعكاس للاتجاه المتزايد الداعي إلى الانتقال من إدارة الصراع إلى حسمه، عبر عمليات أوسع وأكثر عمقًا في الجنوب اللبناني.
من جانبه يقدّم أفيغدور ليبرمان رئيس حزب إسرائيل بيتنا قراءة نقدية لأداء الحكومة، إذ يركّز في مواقفه على أنّ المشكلة ليست في غياب القوة العسكرية بحد ذاتها، إنما في غياب الحسم السياسي وسوء إدارة الحرب، محذرًا من أنّ التردد أو إدارة العمليات بشكل متدرج قد يفضي إلى استنزاف طويل دون تحقيق نتائج حاسمة.
في ذات الإطار، يبرز اتجاه أكثر حذرًا داخل مراكز التفكير الأمنية، كما في تحليل الباحثة أورنا مزراحي، التي تشير إلى أنّ حزب الله، رغم ما تعرض له من ضربات، لا يزال يحتفظ بقدرات عسكرية فعّالة، تشمل ترسانة صاروخية كبيرة، وقدرات متقدمة في تشغيل الطائرات المسيّرة، إلى جانب تكيف ميداني قائم على الانتشار المرن. وترى مزراحي أنّ الحزب يخوض الحرب لتحقيق أهداف مركبة، من بينها تحسين موقعه الداخلي ووقف الضغوط الرامية إلى نزع سلاحه، بالتوازي مع دعمه لإيران.
وفي هذا الإطار، تتقاطع التقديرات الإسرائيلية، رغم اختلافها في مستوى التصعيد المطلوب، على أنّ حزب الله لم يفقد قدرته على التأثير، ولا يزال قادرًا على استنزاف الجبهة الداخلية الإسرائيلية، وهو ما يفسر استمرار الدعم الشعبي للحرب داخل إسرائيل، خصوصًا في مناطق الشمال المتضررة.
وعليه، فإن النقاش الإسرائيلي لا يدور حول مبدأ الحرب بقدر ما يتمحور حول شكلها وسقفها: بين توجه سياسي يدفع نحو إعادة تشكيل الجنوب اللبناني عبر توسيع السيطرة البرية، وتيار أمني يميل إلى تجنب كلفة الاحتلال الطويل، والدفع نحو مزيج من الضغط العسكري المحدود والمسار السياسي، مستفيدًا من الضغوط الداخلية اللبنانية. وفي كلا الحالين، تُفهم الحرب على حزب الله بوصفها جزءًا من معادلة أوسع ترتبط بمآلات المواجهة مع إيران، حيث يُنظر إلى إضعاف الحزب كهدف مرحلي ضمن إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية.
ما يدعم التوجه الإسرائيلي الثاني هو الانقسام اللبناني الداخلي الحاد حول الحرب وسلاح حزب الله. فمنذ الثاني من مارس/آذار، اتخذت حكومة نواف سلام موقفًا غير مسبوق بحظر النشاط العسكري للحزب، والمطالبة بحصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة، كما اقترنت هذه المقاربة بخطوات سياسية أخرى عكست تشددًا متزايدًا تجاه نفوذ طهران ودور الحزب.
في المقابل، رفض حزب الله هذا المسار، وراهن على أنّ ضغط الحرب لن يفضي إلى تثبيت هذه القرارات، بل إلى تراجع الدولة عنها إذا أخفقت إسرائيل في تحقيق أهدافها. وبين هذين المسارين، تتسع الانقسامات الطائفية والسياسية بفعل التهجير الواسع وتحميل شرائح لبنانية للحزب مسؤولية إدخال البلاد في الحرب، فيما ترى قوى معارضة له أن اللحظة الراهنة قد تكون فرصة لإعادة فرض معادلة داخلية عنوانها نزع سلاحه وتقليص نفوذه إلى الحد الأدنى.
ومن زاوية أوسع، يرتبط هذا السجال مباشرة بمآلات الحرب على إيران، إذ يبدو حزب الله أقرب إلى الرهان على أن أي تسوية إقليمية شاملة قد تخرج من هذه الحرب يمكن أن تحسّن شروط تفاوضه وتمنحه موقعًا أفضل من ترتيبات ما بعد حرب 2024، بينما يرى خصومه في لبنان وبعض الأطراف الإقليمية أنّ إضعاف الداعم الإيراني، أو إخراجه من المعادلة، قد يفتح الباب لفرض وقائع لبنانية جديدة جوهرها المضي قدمًا في إستراتيجية “حصر السلاح” بيد الدولة.
الخاتمة
في الوقت الذي تسعى فيه إسرائيل إلى فرض نموذج جديد يقوم على حسم حضور حزب الله ميدانيًا، وإعادة ضبط البيئة الأمنية المحيطة بها عبر أدوات عسكرية وسياسية متداخلة، يراهن الحزب على تحويل هذه المواجهة إلى فرصة لإعادة تثبيت موقعه، ومنع فرض معادلات تُقوّض دوره أو تُعيد تعريفه داخليًا.
وفي هذا الإطار، لا يتوقف مسار العمليات على حدود التقدم العسكري أو حجم السيطرة الميدانية، بقدر ما يتحدد بقدرة كل طرف على فرض معادلة الاستدامة: بين سعي إسرائيلي لتكريس واقع أمني قابل للاستمرار بأقل كلفة ممكنة، ومحاولة مقابلة من حزب الله لتحويل هذا الواقع إلى عبء متصاعد ورفع كلفة التواجد الإسرائيلي يفرض التراجع عنه. وبذلك، فإنّ مآلات هذه المواجهة ستُحسم في جوهرها على ميزان الكلفة والقدرة على الاحتمال، لا على حدود السيطرة الظاهرة على الأرض.



