زيارة مودي لإسرائيل 2026: دلالات وآفاق التحوّل نحو “شراكة إستراتيجية خاصة”

أسفرت زيارة رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، إلى إسرائيل خلال يومي 25–26 فبراير/شباط 2026 عن جملة من النتائج المهمة، تمثّلت في توقيع نحو سبع عشرة اتفاقية ومذكرة تفاهم، إلى جانب عدد من البروتوكولات وخطابات النيات وبرامج التعاون التي شملت مجالات اقتصادية وتكنولوجية وثقافية متعددة، واتفق الجانبان على الارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى مستوى جديد تحت مسمّى “شراكة إستراتيجية خاصة من أجل السلام والابتكار والازدهار”.[1] وتندرج هذه المخرجات ضمن مسار تصاعدي تشهده العلاقات الهندية–الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة، يعكس اتجاهًا متناميًا نحو تعميق التعاون الثنائي وتوسيع نطاقه القطاعي وتعزيز أطره المؤسسية، بما يجعل هذه الزيارة امتدادًا لتراكم تعاوني متدرّج.

ورغم الطابع التنفيذي البارز لهذه النتائج، فإن دلالات الزيارة تتجاوز مستواها الإجرائي لتلامس أبعادًا رمزية وسياسية أكثر عمقًا، تجلّت في الخطاب الرسمي والطابع الودي للتفاعلات الثنائية، فضلًا عن إبراز البعد الشخصي في العلاقة بين القيادتين بوصفه رافعة مكمّلة للتقارب المؤسسي. كما يكتسب توقيت الزيارة دلالات جيوسياسية؛ إذ جاء في أعقاب إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، عن السعي إلى تشكيل ما وصفه بـ”التحالف السداسي”، مع الإشارة إلى إمكانية انضمام الهند ودول أخرى إليه، لمواجهة ما سمّاه “المحور الشيعي الجريح” و”المحور السني الناشئ”. تعزّزت حساسية هذا التوقيت مع اندلاع حرب، بعد يومين فقط من إنهاء الزيارة، بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، بما أضفى على الزيارة أبعادًا تتجاوز الإطار الثنائي إلى سياقات إقليمية أوسع.

وفي هذا السياق، يكتسب الإعلان عن ترقية العلاقات الثنائية إلى مستوى “شراكة إستراتيجية خاصة” أهمية تحليلية مضاعفة؛ إذ يُثير تساؤلات حول طبيعة هذه الشراكة وحدودها الوظيفية وامتداداتها الجيوسياسية، خاصة في ظل بيئة إقليمية مضطربة تشهد تحولات جيوسياسية.

وعليه، يمكن تأطير هذه الزيارة بوصفها محطةً إستراتيجيةً كاشفة لتقاطعات دلالية متعددة، سياسية ودفاعية وأمنية واقتصادية، بما يقتضي مقاربة تحليلية تتجاوز المستوى الوصفي لمخرجاتها، باتجاه تفكيك بنيتها الدلالية ضمن سياق ثنائي وإقليمي مركّب، تحكمه ديناميات إعادة التشكل الجيوسياسي.

الدلالات الرمزية للزيارة وأبعادها الدبلوماسية والسياسية

حملت زيارة مودي إلى إسرائيل أبعادًا رمزية مركّبة، تجلّت في جملة من المجاملات الدبلوماسية والبروتوكولية تحمل معاني ثقافية ودينية مرتبطة بالموروث الهندوسي. فعقب مراسم الاستقبال، ارتدت سارة نتنياهو، زوجة رئيس الوزراء الإسرائيلي، لباسًا باللون الزعفراني (البرتقالي المائل للذهبي)، فيما ارتدى نتنياهو زيًّا هنديًا تقليديًا خلال العشاء الرسمي، ممثلاً في “الجاكيت نِهرو”.

ويحمل اللون الزعفراني دلالات عميقة في الثقافة الهندوسية؛ إذ يرتبط بالهوية الوطنية بقيم الشجاعة والتضحية من أجل الوطن، وهو ما يتجلّى بوضوح في الرموز السيادية، ولا سيما العلم الهندي. كما يكتسب هذا اللون بعدًا دينيًا؛ إذ يُعدّ لباسًا تقليديًا لرجال الدين، ويرمز إلى المعرفة والتفاني الروحي، فضلًا عن اتّصاله بطقوس النار التي تمثل الطهارة والتجرد.

لا يقتصر توظيف هذا الرمز في سياق الاستقبال على البعد البروتوكولي، بل ينطوي على رسائل ضمنية تعكس دلالات سياسية حول عمق العلاقة بين الطرفين؛ إذ يبعث اختيار اللون الزعفراني، رسالة دفء وودّ في العلاقات على مستوى شخصي، فيما يقرأ ارتداء نتنياهو للزي الهندي بوصفه تجسيدًا لما يمكن تسميته بـ”دبلوماسية التماهي الرمزي”، التي تهدف إلى تقليص المسافة بين الفاعلين السياسيين وتعزيز مناخ الألفة الشخصية، بوصفه رافعة مكمّلة للتقارب السياسي.

وتجلّت الرمزية كذلك في البعد الطقوسي للزيارة، لا سيما خلال زيارة مودي إلى “ياد فاشيم”، (مركز إحياء ذكرى المحرقة)؛[2] حيث وضع إكليلًا من الزهور تكريمًا لضحايا المحرقة. وقد حمل انحناؤه أمام الشعلة دلالات دينية؛ إذ تتقاطع رمزية النار في الثقافة الهندوسية،بوصفها عنصرًا مقدسًا يعبر عن التفاني والتواصل مع العالم الروحي، مع دلالتها في الذاكرة اليهودية؛ حيث تجسد الشعلة استمرارية روح الضحايا وقدسية ذكراهم. وهو ما يعكس توظيف الطقوس كوسيط للتقارب الرمزي.

وامتدّ البعد الرمزي ليشمل الحيّز المؤسسي والسياسي؛ من خلال إلقاء مودي أوّل خطاب لرئيس حكومة هندي أمام الكنيست، ومنحه “وسام الكنيست” تكريمًا لما وُصف باستمرارية الصداقة بين البلدين، ليكون بذلك أول رئيس وزراء هندي ينال هذا الوسام.[3] وتعكس هذه الخطوة اعترافًا سياسيًا ذا طابع رمزي مكثّف، يُشير إلى مستوى متقدم من التقدير الإسرائيلي للدور الذي اضطلعت به الهند، لا سيما خلال الحرب على غزّة، التي شكّلت اختبارًا مهمًا لمتانة العلاقات الثنائية. وفي هذا السياق، تُفسر الزيارة بوصفها امتدادًا لهذا الدعم، ومؤشرًا على انخراط الهند—ولو بصورة غير مباشرة—في تخفيف الضغوط الدبلوماسية التي واجهتها إسرائيل في أعقاب الحرب، خاصة في ظل تنامي الانتقادات الدولية وملاحقة قيادتها أمام المحكمة الجنائية الدولية.

توقيت الزيارة ودوافعها السياسية والإستراتيجية

كان من المقرر أن يقوم نتنياهو بزيارة رسمية إلى الهند في أواخر عام 2025، غير أنّ هذه الزيارة أُجّلت عقب تفجير وقع في نيودلهي، وفق ما أوردته وسائل إعلام هندية،[4] مع إشارات ضمنية من الجانب الإسرائيلي ترجع التأجيل لذلك السبب.[5] فيما أعلن الجانب الهندي أنه لم يتم تحديد موعد زيارة رئيس وزراء إسرائيل بعد، وسيتم تزويد الإعلام بالمستجدات لاحقًا.[6]

وقد أُعيد ترتيب اللقاء لاحقًا من خلال زيارة مودي إلى إسرائيل بدلًا من الزيارة المقابلة. وعلى الرغم من إرجاع التأجيل إلى اعتبارات أمنية، فإن هذا التفسير لا يبدو كافيًا بمفرده، بالنظر إلى الطبيعة المعقدة لترتيبات الزيارات رفيعة المستوى، التي عادةً ما تخضع لإجراءات أمنية مشددة تحدّ من احتمالات إلغائها لأسباب طارئة. ومن ثم، يُثير هذا التحول في مسار الزيارة تساؤلات أوسع بشأن توقيته ودلالاته السياسية، وما إذا كان يعكس إعادة تموضع محسوبة في إدارة العلاقة بين الطرفين في ضوء السياق الإقليمي.

في هذا السياق، جاء توقيت زيارة مودي إلى إسرائيل ضمن إطار جيوسياسي بالغ التعقيد؛ إذ سبقها بأربعة أيام، إعلان نتنياهو عما وصفه بـ”التحالف السداسي”، مع الإشارة إلى احتمالية انخراط الهند فيه.[7] ولم يمضِ سوى يومين على مغادرة مودي حتى اندلعت الحرب بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، مما أضفى على الزيارة أبعادًا إضافية من التأويل السياسي والدلالي.

في المقابل، أتاح هذا التوقيت لإسرائيل توظيف الزيارة سياسيًا على المستويين الداخلي والخارجي؛ إذ مكّن نتنياهو من تعزيز صورته السياسية داخليًا عبر إبراز متانة العلاقات مع قادة دول كبرى، وتقديم نفسه للجمهور الإسرائيلي زعيمًا يحظى باحترام ومكانة على المستوى الدولي، لا سيما في ظل توجهه السابق لتقديم موعد انتخابات الكنيست لشهر مايو/أيار بدلا من أكتوبر/تشرين الأول 2026.[8]

على الصعيد الخارجي، أتاحت هذه الزيارةُ تمرير رسالةٍ مفادُها وجودُ دعمٍ هنديٍّ ضمنيٍّ، وذلك في خضمِّ تصاعد التوترات الإقليمية والتهيؤ الإسرائيلي الأمريكي لشنِّ الحرب على إيران؛ ولا سيما مع التسويق لفكرة “التحالف السداسي” التي صُوِّرت كإستراتيجية لتطويق ما يُسمّى بـ”المحورين الشيعي والسني” في المنطقة، وفقًا للتوصيف الإسرائيلي. وقد انعكس ذلك جليًّا في المقاربة الدبلوماسية الهندية تجاه الحرب، والتي مالت إلى تأطير التصعيد ضمن نطاقٍ جغرافيٍّ محدود، عبر توصيف النزاع بوصفه صراعًا يتركز في إيران ومنطقة الخليج، دون الإشارة المباشرة إلى الأدوار الإسرائيلية والأمريكية في تأجيج هذا التصعيد العسكري.[9]

ومع ذلك، لا يمكن الجزم بوجود علاقة سببية مباشرة بين الزيارة وهذه التطورات اللاحقة، لا سيما أنّ برنامج اللقاء كان مُحدّدًا مسبقًا قبل أشهر من وقوعها. كما لم يصدر عن الجانب الهندي أي تأكيد رسمي بشأن فكرة تشكيل تحالف إقليمي من هذا النوع، وهو ما يعكس قدرًا من التحفظ الإستراتيجي لدى نيودلهي تجاه الانخراط العلني في ترتيبات إقليمية ذات طابع استقطابي.

وعلى الجانب الهندي، يكتسب توقيت الزيارة دلالات إضافية عند وضعه في سياق التحركات الدبلوماسية الأوسع التي انتهجتها نيودلهي في الشرق الأوسط خلال الفترة الأخيرة. ففي غضون ما يزيد قليلًا على عام واحد، قام مودي، بعدد من الزيارات إلى دول المنطقة، شملت كلًا من الكويت والسعودية والأردن وسلطنة عُمان، إلى جانب استقبال نيودلهي عددًا من قادة المنطقة.[10] ويعكس هذا الحراك توجّهًا هنديًا إستراتيجيًا متصاعدًا نحو إعادة صياغة دورها الإقليمي في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة في الشرق الأوسط، لا سيما تداعيات الحرب على غزّة، والتحديات التي فرضتها على المشاريع الإقليمية، بما في ذلك مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، فضلًا عن إعادة تشكل موازين القوى الإقليمية، بما في ذلك تنامي الحضور الباكستاني في بعض الملفات.[11]

وفي هذا الإطار، تتقاطع حسابات الهند وإسرائيل في إطار سعي كل منهما إلى تعزيز مكانته الإستراتيجية وتوسيع نفوذه الإقليمي، بما يجعل من هذه الزيارة جزءًا من ديناميات أوسع لإعادة تشكيل الترتيبات الإقليمية، ويمنح مفهوم “الشراكة الإستراتيجية الخاصة” بين البلدين بعدًا يتجاوز الإطار الثنائي نحو فضاء جيوسياسي أكثر تركيبًا.

نحو “شراكة إستراتيجية خاصة”: الإطار الثنائي وآفاقه الإقليمية

تجسّد الشراكة الإستراتيجية الخاصة بين الهند وإسرائيل تطلعات الطرفين نحو تعميق التعاون المؤسسي وتوسيعه في مجالات حيوية متعددة. وترتكز هذه الشراكة على رؤية مشتركة قوامها “تعزيز السلام والأمن والازدهار”، عبر توظيف الابتكار التكنولوجي ودعم ريادة الأعمال بوصفهما ركيزتين أساسيتين للتعاون المستقبلي. ويعكس هذا التوجّه إدراكًا متبادلًا للطبيعة التكاملية للقدرات لدى الجانبين؛ إذ تمتلك إسرائيل خبرات متقدمة في مجالات التكنولوجيا والابتكار، في حين تمتلك الهند قاعدة بشرية واسعة وإمكانات صناعية متنامية، إلى جانب قدرات متصاعدة في ريادة الأعمال.[12]

وفي إطار ترجمة هذه الرؤية إلى نتائج ملموسة وتعزيز مأسسة التعاون الثنائي، أسفرت الزيارة عن حزمة من المخرجات العملية، شملت توقيع اتفاقية في مجال التحكم التجاري، وتسع مذكرات تفاهم في مجالات متعددة، من أبرزها نظم التحويلات المالية والخدمات المالية الدولية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي. كما وُقّعَت ثلاثة بروتوكولات تتعلق بالعمال الهنود في إسرائيل، إلى جانب إعلان نيّات للتعاون في مجال استشراف المستقبل، وخطاب نيّات لإنشاء مركز تميز سيبراني هندي–إسرائيلي في الهند، وبرنامج للتبادل الثقافي للفترة 2026–2029. كما تضمنت الزيارة عشرة إعلانات رسمية، في سياق يعكس توجهًا واضحًا نحو الارتقاء بإطار التعاون الثنائي إلى مستويات أكثر مؤسسية واستدامة.[13]

ويأتي هذا التطور في سياق تراكم تدريجي للعلاقات الثنائية خلال السنوات الأخيرة؛ حيث استحضر الجانبان مسار التقدم المحقق في مختلف مجالات التعاون، مع الإشارة إلى الزيارتين المتبادلتين لكل من مودي إلى إسرائيل عام 2017، ونتنياهو إلى الهند عام 2018، بوصفهما محطتين مفصليتين أسهمتا في إرساء أسس مرحلة جديدة من الشراكة الثنائية.[14]

ويعكس التحوّل الراهن إعادة تأطير للعلاقات الثنائية وتعزيزًا لمستواها المؤسسي، أكثر مما يعكس انتقالًا نوعيًا مفاجئًا؛ إذ تمتد دلالات “الشراكة الإستراتيجية الخاصة” إلى ما هو أبعد من نتائجها المباشرة، لتشكّل امتدادًا لمسار تراكمي قائم، وتكريسًا لسلسلة من التفاهمات السابقة، سيما اتفاقية الاستثمار الثنائية (سبتمبر/أيلول 2025)، التي تضمنت تعزيز التعاون الاقتصادي في مجالات ابتكار التكنولوجيا المالية، وتطوير البنية التحتية، والتنظيم المالي، وربط المدفوعات الرقمية،[15] ومذكرة التفاهم للتعاون الدفاعي (نوفمبر/تشرين الثاني 2025)، التي جاءت امتدادًا لتفاهمات يوليو/تموز 2025، بهدف تأسيس إطار مؤسساتي ينظم التعاون الدفاعي مع التركيز على التكنولوجيا العسكرية وتعزيز القدرات العملياتية. [16]

وقد شكّل اللقاء الأخير بين القيادتين مسارًا متصلًا يُضاف إلى هذه الاتفاقيات؛ إذ شمل إطارًا لتسوية الاستثمارات، والتوافق على شروط مرجعية لمفاوضات اتفاقية منطقة التجارة الحرة، مع عقد الجولة التفاوضية الأولى في نيودلهي، وتكليف فرق التفاوض بتسريع وتيرة العمل لإنجاز الاتفاقية. كما أقر الجانبان بالنمو المتسارع في التعاون الدفاعي، وقدما رؤية وخارطة طريق لتطويره مستقبلًا.[17] ويعكس التوازي بين الاتفاقيتين الاقتصادية والدفاعية، اللتين تفصل بينهما فترة تقارب الشهرين، توجّهًا نحو تكامل إستراتيجي متزايد بين المسارين، بما يعزز البعد البنيوي للعلاقة الثنائية.

تندرج هذه الديناميات ضمن إستراتيجية هندية أوسع تسعى إلى تعزيز الربط بين جنوب آسيا والشرق الأوسط وأوروبا، من خلال توسيع شبكة اتفاقيات التجارة الحرة بالتوازي مع بناء شراكات أمنية ودفاعية مع الفاعلين الإقليميين. وقد تجلى هذا التوجه في العلاقة مع الاتحاد الأوروبي، حيث وقعت الهند وبروكسل في يناير/كانون الثاني 2026 اتفاقية تجارة حرة إلى جانب اتفاقية شراكة في مجالي الأمن والدفاع.[18]

ويمتد هذا النهج إلى الشراكة مع إسرائيل، كما برز في خطاب رئيس الوزراء الهندي أمام الكنيست، إذ أكد استمرار العمل المشترك ضمن أطر متعددة، بما في ذلك مشروع الممر الاقتصادي، مشيرًا إلى أنّ التعاون الدفاعي والأمني يشكل ركيزة أساسية للشراكة، ومؤكّدًا أهمية مذكرة التفاهم الدفاعية الموقعة في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، في بناء شراكات مع شركاء موثوقين، وسط بيئة دولية تتسم بقدر متزايد من عدم الاستقرار.[19]

وعلى الرغم من أنّ إسرائيل لم تكن من بين الأطراف الموقعة رسميًا على مذكرة التفاهم الخاصة بمشروع الممر الاقتصادي، إلا أنها أدرجت ضمن المسار الجغرافي،[20] وفي هذا السياق، شهدت الزيارة نقاشًا حول سبل دمجها في هذا الإطار، وأبدى الطرفان اهتمامًا بتعزيز الربط الاقتصادي الإقليمي واستكشاف دور إسرائيل ضمنه. وتكتسب هذه المسألة أهمية بالنظر إلى الجهود الحالية، نحو إعادة تحريك مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة بين البلدين، بما يعزز الترابط بين المسارين الاقتصادي والإستراتيجي.

ويعكس حرص نيودلهي على دمج الأبعاد الاقتصادية والدفاعية ضمن إستراتيجيتها الإقليمية، إدراكًا لأهمية الترتيبات الأمنية بوصفها إطارًا ضامنًا للمشاريع الاقتصادية، في سياق إقليمي يتّسم بتصاعد التوترات والتحولات الجيوسياسية، لا سيما في أعقاب الحرب على غزّة، وما رافقها من تعطيل لمسارات التعاون الإقليمي، بما في ذلك مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا. ومع ذلك، تُشير مؤشرات عديدة إلى استمرار اهتمام الأطراف المعنية بإعادة إحياء المشروع، بمشاركة هندية فاعلة.[21]

خاتمة

تعكس الدلالات الرمزية لزيارة رئيس الوزراء الهندي مودي إلى إسرائيل مستوى من الانفتاح الثقافي والتقاطع الرمزي بين الطرفين، بما يشير إلى بعد سياسي يعكس مرونة دبلوماسية وبراغماتية متزايدة في إدارة السياسة الخارجية لدى الجانبين، وقدرة على التكيف مع التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة. كما تكشف دلالات توقيت الزيارة عن أبعاد جيوسياسية تتجاوز الإطار الثنائي، وتبرز طبيعة التوجهات الإستراتيجية لكل من الهند وإسرائيل في سياق بيئة إقليمية مضطربة.

وفي هذا السياق، يمثّل التحول في العلاقات الثنائية نحو ما وُصف بـ”الشراكة الإستراتيجية الخاصة” مسارًا تراكميًا لتكثيف التعاون المؤسسي، يرتبط في الوقت ذاته بسياق إقليمي أوسع يتسم بتسارع التحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وبإعادة تشكّل أنماط التعاون متعدد الأطراف. ويعكس هذا التوجه سعي الجانبين إلى توظيف المبادرات الاقتصادية ومشروعات الربط الإقليمي بوصفها أدوات لتعزيز الحضور والنفوذ الإستراتيجي في المنطقة.

ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن هذه الشراكة مرشحة لمزيد من التطور في المرحلة المقبلة، غير أنّ آفاقها ستظل مرهونة بجملة من المحددات، من بينها ديناميات التفاعلات الإقليمية، وتوازنات القوى الدولية، ومدى قدرة الطرفين على تبني مقاربة براغماتية توازن بين المصالح الاقتصادية والاعتبارات الإستراتيجية. وفي ظل بيئة دولية تتسم بقدر مرتفع من السيولة وعدم اليقين، ستظل هذه الشراكة اختبارًا لمدى قدرة الهند وإسرائيل على تحويل التقارب السياسي والاقتصادي إلى إطار تعاون مستدام، قادر على التكيف مع التحولات المتسارعة في بنية النظامين الإقليمي والدولي.


[1]يٌنظَر إلى:

India – Israel Joint Statement (February 26, 2026), Ministry of External Affairs – Government of India, Media Center, February 26, 2026. n9.cl/i8dti

[2] PM Netanyahu and Indian PM Narendra Modi visit Yad Vashem, Ministry of External Affairs- Press Releases, Foreign Policy- Holocaust Remembrance, 26.02.2026. n9.cl/jsr1ol

[3] Transcript of Special Briefing by Foreign Secretary on the State Visit of Prime Minister to Israel (February 26, 2026), Ministry of External Affairs – Government of India, Media Center, New Delhi, February 26, 2026. n9.cl/mu6c8

[4] TOI News Desk, “December Visit Postponed: Israel Likely to Seek Fresh Dates for Netanyahu’s India Trip — Here’s Why,” The Times of India, November 25, 2025. n9.cl/e23hw

[5] يُنظَر إلى:

Prime Minister’s Office: “Israel’s bond with India and between Prime Minister Netanyahu and Prime Minister @narendramodi is very strong. The PM has full confidence in India’s security under PM Modi, and teams are already coordinating a new visit date”. Post X- Prime Minister of Israel, Nov 25, 2025. n9.cl/7v9ts

[6] يُنظَر إلى:

Transcript of Weekly Media Briefing by the Official Spokesperson (November 26, 2025), External Affairs of India – Government of India, Media Center, New Delhi, November 26, 2025. n9.cl/rbmuc9

[7] PM Netanyahu’s remarks at the start of today’s Government meeting, Ministry of External Affairs- Press Releases, 22.02.2026. n9.cl/u5ijv

[8] “معاريف”: نتنياهو يدرس تنظيم الانتخابات عشية عيد الأضحى، الأناضول، 7.1.2025. https://shortlink.uk/1rmEK

[9] يُنظَر إلى:

منال علان، الدبلوماسية الهندية… اختبار التوازن في ظلّ الحرب؟، العربي الجديد، 16 مارس 2026.  n9.cl/edbmf

[10] Transcript of Special, Ministry of External, February 26, 2026. n9.cl/mu6c8

[11] يُنظَر إلى:

منال علان، المساعي الباكستانية في الشرق الأوسط وإعادة بلورة النفوذ الآسيوي، العربي الجديد، 31 أكتوبر 2025. n9.cl/gpxit

[12] India – Israel Joint Statement, Ministry of External Affairs, February 26, 2026. n9.cl/i8dti

[13] List of Outcomes: Visit of PM to Israel, PM Indian, News Updates, 26 Feb, 2026. n9.cl/rcyeln

[14] India – Israel Joint Statement, Ministry of External Affairs, February 26, 2026. n9.cl/i8dti

[15] Government of India and Government of the State of Israel sign Bilateral Investment Agreement (BIA), in New Delhi, today, Ministry of Finance, PIB Delhi, 08 SEP 2025. n9.cl/7eb9l

[16] منال علان، الهند وإسرائيل: نحو رؤية موحدة لتعميق التعاون الدفاعي، المدونات- مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 19 نوفمبر 2025. n9.cl/opc9a

[17] India – Israel Joint Statement, Ministry of External Affairs, February 26, 2026. n9.cl/i8dti

[18] India – EU Joint Statement on the State Visit of President of the European Council, and President of the European Commission to India, and the 16th India-EU Summit (January 25–27, 2026), Ministry of External Affairs – Government of India, Media Center, January 27, 2026. n9.cl/djtyy

[19] Prime Minister’s Address to the Knesset (February 25, 2026), Ministry of External Affairs – Government of India, Media Center, February 25, 2026. n9.cl/mxc9em

[20] يُنظَر إلى:

Memorandum of Understanding on the Principles of an India – Middle East – Europe Economic Corridor, the White House, Briefing Room, Statements and Releases, September 09, 2023. n9.cl/6ah48

[21] يُنظَر إلى:

Manal Allan, The Gaza War and the Dynamics of U.S.-India Multilateral Cooperation in the Middle East, The International Journal of Palestine Studies (IJPS), Vol. 1 No. 1, Jul 2, 2025.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى