بين “الغضب الملحميّ” و”زئير الأسد”:الطريق إلى الحرب على إيران

إيمان بديوي

كريم قرط

مع بدء العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير/شباط 2026، الذي أطلقت عليه الولايات المتحدة اسم “ملحمة الغضب”، بينما سمّته إسرائيل “زئير الأسد”، وما تلاه من تصاعد للتحديات وأخطار  في ظلّ ردود إيران وحلفائها على العدوان؛ عاد إلى الواجهة نقاش سياسي حول طبيعة العلاقة بين الطرفين في قرار الحرب، يبدأ بسؤال: هل دفعت إسرائيل الولايات المتحدة إلى الحرب ضدّ إيران؟

تنطلق هذه الورقة من هذا الجدل لتتبّع المسار الذي قاد إلى اتخاذ قرار الحرب، مع التركيز على الدور الإسرائيلي في تهيئة البيئة السياسية والإستراتيجية داخل واشنطن للانتقال من إدارة الملف الإيراني إلى التعامل معه عسكريًا. وذلك من خلال تتبّع سياق ظهور إيران كتهديد في السرديتين الإسرائيلية والأمريكية، ومن ثَمّ تحليل كيفية استثمار إسرائيل لتداعيات ونتائج ما بعد السابع من أكتوبر 2023 بوصفها مرحلة مفصليّة، مهّدت لتحويل سنوات من سياسات “الضغط الأقصى” الأمريكية، والمواجهة الإسرائيلية غير المباشرة مع إيران إلى خيار الحرب المباشرة.

إيران في المنظورين الأمريكي والإسرائيلي

يأتي قرار الحرب ضدّ إيران في سياق مسار طويل شكّل الشروط السياسيّة والفكريّة للحرب داخل واشنطن. حيث تُقدَّم إيران في دوائر صنع القرار في واشنطن باعتبارها دولة معادية للمصالح الأميركية في المنطقة، منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979 وأزمة احتجاز الرهائن في السفارة الأميركية في طهران، وما تبعها من قطع واشنطن العلاقات الدبلوماسية مع طهران وفرض حظر تجاري عليها عام 1980. وقد تعزّزت هذه الصورة تدريجيًّا مع توسّع شبكة الحلفاء الإقليميين لإيران، حيث أصبحت تُصنّف في السياسة الأميركية ضمن الدول الراعية للإرهاب منذ عام 1984، كما وصفها الرئيس الأميركي جورج بوش عام 2002 بأنّها جزء من “محور الشر” إلى جانب العراق وكوريا الشمالية. وهو العام الذي بدأت تتصاعد فيه أزمة البرنامج النووي بين البلدين بعد التقارير التي كشفت عن منشآت نوويّة سريّة.

على الجهة المقابلة، عملت إسرائيل منذ التسعينيات على ترسيخ فكرة أنّ إيران تمثل “التهديد المركزي” لها ولأمن المنطقة، ومحاولة بناء موقف مؤيد لهذا النقاش السياسي والأمني داخل واشنطن. فمن خلال خطاب سياسي وأمني متواصل، سعت “إسرائيل” إلى تقديم إيران كخطر إستراتيجي يجب منعه قبل أن يبلغ مستوى يصعب احتواؤه. وقد تعزّز هذا الخطاب مع اتساع النفوذ الإيراني في الإقليم بعد غزو العراق عام 2003، إذ بدأت إسرائيل تقدم إيران باعتبارها قوة تسعى إلى تطويقها عبر شبكة من الحلفاء الإقليميين، ودعم فصائل مسلحة في لبنان وفلسطين والعراق واليمن.

كما حذّرت على مدى ثلاثة عقود من أنّ امتلاك طهران قدرات نووية سيقلب ميزان القوى في المنطقة، ويهدد وجود إسرائيل. فمنذ عام 1992، ادّعى نتنياهو أنّ إيران قادرة على تطوير وإنتاج قنبلة نووية في غضون 3-5 سنوات، ثم عاد عام 2002 ليصرّح أمام الكونغرس الأميركي بأنّ إيران والعراق يتسابقان لامتلاك أسلحة دمار شامل. وفي عام 2003  أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك أنّ إسرائيل تدرس توجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية في إيران باعتبارها عدوهم الأول بعد سقوط نظام صدام حسين. ثم خلال خطابه أمام الأمم المتحدة عام 2012، عرض نتنياهو رسمًا تخطيطيًّا لقنبلة نوويّة محذّرًا من اقتراب إيران من “الخط الأحمر” في برنامجها النووي.

وقد بلغت هذه السرديّة ذروتها خلال فترة إدارة باراك أوباما بالتزامن مع المفاوضات التي قادت إلى الاتفاق النووي الإيراني(JCPOA) عام 2015، إذ شكّل الاتفاق محلّ تباين بين الإدارة الأمريكية التي اعتبرته آنذاك أداة لاحتواء البرنامج النووي الإيراني عبر القيود التقنية والرقابة الدولية، وإسرائيل التي رفضته وعدّته اتفاقًا يمنح طهران هامشًا زمنياً لتطوير قدراتها النووية، وتعزيز نفوذها الإقليمي. ففي تلك المرحلة كثّف نتنياهو معارضته العلنية للاتفاق، وقد حذّر في خطابه في الكونغرس الأمريكي عام 2015 من أنّ الاتفاق النووي مع إيران سيهدّد أمن الولايات المتحدة أيضًا، معتبرًا أنّ امتلاك طهران سلاحًا نوويًّا سيُفضي إلى سباق تسلّح إقليمي يهدّد الجميع. سبقه طرح  سلسلة من الخطابات الإستراتيجية خلال عامي 2013 و2014 – من بينها خطاب بار إيلان الثاني، وخطابه في مؤتمر هرتسيليا، وندوة معهد دراسات الأمن القومي في جامعة “تل أبيب”- تصورًا سياسيًّا يعيد تعريف طبيعة الصراع في الشرق الأوسط وطبيعة التهديدات فيه، التي كان من أهمها، حسب نتانياهو، إيران وبرنامجها النووي. وفي هذا السياق، عمل نتانياهو، ومجمل الخطاب الإسرائيلي، على إعادة تفسير أسباب أزمات المنطقة باعتبارها مرتبطة بصعود النفوذ الإيراني والتنافسات الطائفية والإقليمية، وليس نتيجة الصراع العربي الإسرائيلي.  وذلك في إطار معارضة توجهات إدارة أوباما فيما يتعلق بمسار تسوية القضية الفلسطينية والمفاوضات حول برنامج إيران النووي.

غير أن هذا التعارض حول الملف النووي، تراجع مع وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض عام 2017، حيث شهدت العلاقة بين واشنطن وإسرائيل تقاربًا غير مسبوق في مقاربة الملف الإيراني.  وقد تُرجم هذا التقاطع عمليًا في إعلان ترامب عام 2018 انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي، وإعادة فرض عقوبات واسعة على إيران ضمن سياسة “الضغط الأقصى”، وهو القرار الذي انسجم مع الموقف الذي دافعت عنه إسرائيل منذ توقيع الاتفاق. وجاء هذا التحول بعد حملة سياسية مكثفة قادها نتنياهو ضد الاتفاق داخل الولايات المتحدة، أبرزها عرضه عام 2018 لما وصفه “بـالأرشيف النووي الإيراني” بعد أن زعم أنه حصل على وثائق سرية بعد عملية للموساد في طهران، تثبت أنّ إيران تسعى لإنتاج رؤوس نووية سرًا. وهو خطاب كثّفه خلال عام 2025 وتبرير العدوان الحالي، بادّعاء أن طهران تُسرّع من إنتاج قنبلة نووية. كما شهدت تلك المرحلة تشديد  واشنطن العقوبات الاقتصادية على طهران، وصولًا إلى عمليات ردع محدودة تمثلت في اغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري قاسم سليماني مطلع عام 2020.

ومع ذلك، ورغم هذا التقاطع الواضح في تشخيص التهديد، بقيت الإستراتيجية الأميركية حتى خلال الولاية الأولى لترامب حذرة من الانخراط في حرب عسكرية مباشرة مع إيران، مفضلةً استخدام أدوات (العقوبات الاقتصادية والضغوط السياسية والعزل الدبلوماسي والردع المحدود)، لإضعاف نفوذ طهران.

لحظة 7 أكتوبر التي شكّلت مسار الحرب

شكّل قدوم إدارة جو بايدن في مطلع 2021، عقب إدارة ترامب، نوعًا من التراجع الأمريكي عن السياسة الصقرية التي انتهجتها إدارة ترامب. إذ كانت هناك محاولات للعودة للاتفاق النووي والتوصل إلى تسوية مع إيران والتخفيف من العقوبات من خلال المفاوضات. على الجانب الآخر كان نتانياهو الذي عاد هو أيضًا للحكم في مطلع 2023، في ظل الأزمة السياسيّة الداخلية التي أدّت إلى خروجه مؤقّتًا من الحكم 2021-2022، قد حدد لنفسه هدفين في ولايته الجديدة: التطبيع مع السعودية، ومنع إيران من امتلاك السلاح النووي. غير أنّ إدارة بايدن حرصت على ألّا تورطها إسرائيل في حرب مع إيران في ظل حكومة أقصى اليمين، إذ فُسّرت زيارات مايكل كوريلا، قائد القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، المتكررة إلى إسرائيل حينها للتأكد من عدم وجود مفاجآت إسرائيلية ضد إيران.

في غمرة تلك الأحداث، شنّت فصائل المقاومة الفلسطينية عملية “طوفان الأقصى” التي خلطت كل الأوراق وأعادت تشكيل الحسابات في كل المنطقة. إذ شكّل 7 أكتوبر 2023، عمليًّا، مرحلة مفصليّة  في الوصول إلى المواجهة العسكريّة المباشرة بين إسرائيل وإيران بعد سنوات من “حرب الظل”، وإستراتيجية “المعركة بين الحروب” مع حلفائها في الإقليم. وذلك عبر تكثيف التعبئة الإستراتيجية لخطاب متراكم منذ عقود، رافقه تحوّلٌ في شكل وطبيعة العمل العسكري الإسرائيلي.

فقد ركزّ الخطاب الإسرائيلي بعد عملية “طوفان الأقصى” على بيان أنّ إيران ودعمها “لأذرعها” في غزّة ولبنان واليمن والعراق هو الذي يقف وراء التهديدات الراهنة. فمنذ 16 أكتوبر/تشرين الثاني 2023، حذّر نتنياهو إيران وحزب الله قائلًا: “لا تختبرونا.. الثمن اليوم سيكون أقسى”، في محاولةٍ مبكرة لربط كل هجوم وعملية إسناد بإستراتيجية إيرانية أوسع تستدعي الرد.

ومع مطلع 2024، تصاعد الخطاب الإسرائيلي لتصوير إيران مصدرَ تهديدٍ مباشرًا يتجاوز وكلاءها، ويفرض ضرورة الوصول العسكري المباشر لأراضيها وبرنامجها النووي. حيث أعلن وزير الحرب الإسرائيلي يوآف غالانت في أبريل/نيسان 2024 استعدادهم للرد “في حال تطور أي سيناريو تجاه إيران”، ما أشار إلى نيّة إسرائيلية لخوض حرب مباشرة مع إيران متى تطلب الأمر. وقد تعزّز هذا التصوّر في الهجمات المباشرة بينهما في أبريل/نيسان 2024 على إثر قصف الاحتلال القنصلية الإيرانية في دمشق، ثم في أكتوبر/تشرين الثاني للردّ على اغتيال إسماعيل هنية في طهران، ثم اغتيال الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، وهو ما كسر سياسة المواجهة غير المباشرة بينهما لأول مرّة. عقب ذلك، في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 صرّح نتنياهو بأنّ: “حرب إسرائيل الأساسية هي ضدّ إيران”، بالتزامن مع تصريح وزير حرب الاحتلال يسرائيل كاتس أنّ: “إيران أكثر عرضة من أي وقت للضربات على منشآتها النووية”، وأنّ الفرصة متاحة لهذا الهدف، ما أكّد أنّ المواجهة المباشرة أصبحت مُمكنة إسرائيليًا.

في 2025، ومع اندلاع ما عُرف لاحقًا بـحرب الـ12يومًا، بلغ الخطاب الإسرائيلي ذروته في التركيز على ضرورة استهداف القدرة الشاملة للنظام. فمع بدء عملية “شعب كالأسد” أعلن نتنياهو مهاجمتها بذريعة مواجهة “تهديد وجودي يشمل تسريع تصنيع قنابل ذرية وزيادة الترسانة الباليستية”. وهو السبب الذي برّر لواشنطن مشاركتها العسكرية المباشرة في ما أسمته عملية “مطرقة منتصف الليل” التي استهدفت فيها المنشآت النووية بشكل مباشر. إذ بخلاف هجماتها السابقة في أبريل وأكتوبر 2024 التي اقتصر فيها الدور الأمريكي على الدفاع عن إسرائيل، رأت إسرائيل أنّ ضرب المنشآت النووية الإيرانية المحصنة بالكامل لا يمكن تنفيذه دون إشراك واشنطن في التخطيط والدعم المباشر في الهجوم، لامتلاكها القاذفات الإستراتيجية المتقدمة (مثل (B‑2 والقنابل الخارقة للتحصينات، القادرة على الوصول إلى أعماق المنشآت النووية الإيرانية.

التمهيد لحرب 12 يومًا

أدركت إسرائيل منذ ما بعد 7 أكتوبر 2023 أنّ تحويل السياسات الأمريكية تجاه طهران إلى تحرّك عسكري مباشر، يتطلب تهيئة إستراتيجية فعلية داخل البيئة الأميركية، تُظهر أنّ المواجهة العسكرية قابلة للتنفيذ وذات كلفة ممكنة. حيث ترى إسرائيل أنّ قوة إيران تعتمد على شبكة الحلفاء الإقليميين، والبرنامج النووي الإيراني الذي يمكن أن يتحول إلى سلاح نووي. لِذا، اعتمدت في تخطيطها الأمني على إضعاف حلفائها لتمهيد الطريق أمام ضرب المشروع النووي نفسه؛ لدور ذلك في إضعاف قدرة إيران على الردّ عبر تشبيك الساحات وتوسيع المواجهة.

وعليه، أسّست إسرائيل لذلك بأن اتّجهت منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 لتنفيذ عمليات تستهدف فصل الجبهات (الرئيسة والإسنادية) وتفكيك معادلة “وحدة الساحات”. وقد أظهرت الضربات المركّزة وعمليات الاغتيال التي تعرض لها “حزب الله” استهدافَ إسرائيل لقيادات بارزة في صفوف حلفاء طهران، ما أضعف بنية القيادة والسيطرة، وأجبر الحزب على قبول اتفاق وقف إطلاق النار الذي أخرجه من جبهة الإسناد في نوفمبر/تشرين الثاني 2024. بينما ساهمت سلسلة الغارات الإسرائيلية على سورية، قبل سقوط نظام الأسد، في إضعاف منظومة الدعم اللوجستيّة للفصائل المرتبطة بإيران، كما سهّلت الغارات والاغتيالات التحرك الداخلي لإسقاط نظام الأسد، وفقدان طهران موقعًا أساسيًا في محيطها الإقليمي في ديسمبر/كانون الأول 2024، ما عزّز إمكانية الوصول الإسرائيلي لضرب الأراضي الإيرانية مباشرة.

وبالتوازي مع هذا التحولات الميدانية، ظهرت تغيرات مهمة في التوقيت السياسي الدولي مع عودة ترامب إلى الرئاسة في يناير/كانون الثاني 2025، الذي جاء منذ فبراير/شباط 2025 بسياسة إعادة تفعيل “الضغط الأقصى” ضدّ إيران، بفرض المزيد من العقوبات الاقتصادية ورفع وتيرة التهديد العسكري، وهو ما أعاد واشنطن إلى موقف أكثر “صقورية” تجاه طهران مقارنة بالإدارات الأمريكية السابقة. وقد تزامن ذلك، مع تصاعد الخطاب الإسرائيلي المكثّف حول ضرورة مهاجمة إيران عسكريًا، ما خلق تقاطعًا واضحًا بين رؤيتي إسرائيل وواشنطن في مرحلة ما بعد أكتوبر 2023.

وقد شهدت طهران وواشنطن في الفترة (أبريل – يونيو 2025) عدة جولات من المفاوضات النووية، لكنها لم تُحرز اختراقًا حاسمًا. ففي هذا السياق، عملت إسرائيل على إبراز أنّ الوقت لم يعد يسمح إلا بالعمل  العسكري المباشر إذا استمرت إيران في المماطلة، حسب توصيفها، مؤكدةً أنّ أيّ اتفاق لا يقضي نهائيًا على البرنامج النووي لن يكون مقبولًا. وبينما كان ترامب في تصريحاته الرسمية يظهر أحيانًا تفضيلًا للخيارات الدبلوماسية، فإنّ السلوك العملي لإدارته يؤكد أنّه لا يُؤخذ بكلامه وحده في تحديد توجهات السياسة الأمريكية. إذ تزامنت المفاوضات مع تعزيز التواجد العسكري الأمريكي في المنطقة، وقبل انعقاد الجولة السادسة من المفاوضات المقررة في منتصف يونيو/حزيران 2025، شنّت إسرائيل هجومًا عسكريًا عنيفًا على إيران في 13 من الشهر نفسه. و أعلن ترامب من جانبه أنّ: “مهلة الشهرين التي حددها للدبلوماسية والتوصل إلى اتفاق قد انتهت”، مؤكّدًا معرفته المسبقة بالهجوم.

وبذلك حققت إسرائيل هدفين إستراتيجيين. فمن جهة، أوقفت المفاوضات وجعلت الملف النووي ينتقل من ساحة الحوار الدبلوماسي إلى ساحة المواجهة العسكرية المباشرة، بإبراز إيران دولة ترفض التعاون وتستمر في تطوير قدراتها. ومن جهة أخرى، مهّدت البيئة أمام واشنطن لدخول الحرب مباشرة لاستهداف المنشآت النووية، لكي تعتبر العمل العسكري خيارًا عمليًا بعدما أظهرت إسرائيل في نتيجة هجماتها الأولى تمكنها من ضرب منظومة الدفاع الجوي الإيرانية ومنصات إطلاق الصواريخ، مع اغتيال أبرز القيادات الأمنية، التي كشفت مدى الاختراق وحدود مستوى الرد الإيراني، الذي اقتصر على طهران دون تدخل حلفائها بالمنطقة، وهو ما وفّر لواشنطن تصورًا بأنّ الحرب قد تكون قابلة للإدارة بلا تصعيد إقليمي شامل.

ما بين يونيو 2025 وفبراير 2026

لم تستمر حرب يونيو 2025 سوى اثني عشر يومًا، لكنّها أفرزت جملة من الاستنتاجات الإستراتيجية التي مهّدت لمسار التصعيد الحالي. فعلى الرغم من إعلان الولايات المتحدة وإسرائيل أنّ استهداف منشآت (نطنز وفوردو وأصفهان) ألحقت أضرارًا كبيرة بالبرنامج النووي الإيراني، بقيت حقيقة التدمير الكامل للبرنامج محلّ خلاف وغموض، عزّزته التقارير التي تشير إلى المصير المجهول لقرابة 400 كيلو من اليورانيوم المخصّب بنسبة 60% التي تمتلكها إيران.

كما كشفت المواجهة عن فعالية البرنامج الصاروخي الإيراني، في ظلّ ما تفرضه الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة من ضغط مستمر على منظومات الدفاع الجوي لدى إسرائيل ومخزونها من صواريخ الاعتراض. فمع نهاية حرب يونيو/ حزيران 2025، كثّفت إسرائيل الضغط على واشنطن لإدراج تقويض البرنامج الصاروخي ضمن مسار المفاوضات النووية، بوصفه الأداة العسكرية الأكثر قدرة على إلحاق ضرر مباشر بإسرائيل. وهو ما ظهر لاحقًا شرطًا في مفاوضات 2026، وهدفًا أساسيًا من أهداف الحرب الحالية ضد إيران.

إضافة إلى ذلك، أظهرت حرب يونيو 2025 لإسرائيل أن هناك إمكانية لمواجهة إيران في إطار جولات متكررة محدودة، على غرار المعركة بين الحروب وجز العشب، تُسهم بالتراكم في تدمير مقومات النظام ومقدراته، بما يضعف مركزيته وقدرته على إدارة الدولة، وهو افتراض إسرائيلي عزّزته نهاية الحرب، في ظل الرد الإيراني المحسوب على خلاف التهديدات الإيرانية السابقة.

بيد أنّ الاستنتاج الأهم تمثل في أنّ إضعاف النظام نفسه، وإسقاطه بالتبعية، ظهر هدفًا لإسرائيل في طبيعة الهجمات حينها. إذ استهدفت مؤسسات الدولة الحكومية والمقار الأمنية الداخلية وسجون المعارضة، وركزت على مؤسسة الحرس الثوري باعتبارها عصب النظام؛ بهدف رفع كلفة بقاء النظام داخليًّا وتهيئة المجتمع لتغييرات سياسية.

في الوقت ذاته كان نتانياهو، منذ سبتمبر 2024، يدعو الشعب الإيراني علنًا إلى التحرك ضدّ النظام، وهي الدعوة التي وجهها بشكل مباشر وصريح خلال الحرب في مقاطع مصورة موجهة للشعب الإيراني. من جانب آخر، بدأت تصريحات ترامب تشير إلى أنّ الضغوط العسكرية والاقتصادية قد تؤدي إلى تغيير النظام بعد هجمات يونيو/حزيران 2025، مع اعتباره هدفًا مرغوبًا لواشنطن.

وقد ترافق ذلك مع تكثيف التنسيق السياسي بين الطرفين، فما بين أواخر ديسمبر 2025 وفبراير 2026، زار نتنياهو واشنطن مرتين والتقى ترامب لمناقشة الملف الإيراني. وقد أثار هذا التتابع السريع للزيارات نقاشًا واسعًا في الأوساط السياسية حول ما إذا كانت إسرائيل تسعى لدفع واشنطن نحو مواجهة مباشرة مع إيران، أم أنّ الأمر يعكس مستوى غير مسبوق من التنسيق الإستراتيجي بين الحليفين.

كانت جملة تلك الاستنتاجات تؤكّد أنّ الحرب القادمة على إيران هي مسألة وقت، إذ تلت تلك الحرب خطوات وتصريحات إسرائيلية متواصلة بضرورة العودة لاستهداف إيران. غير أنّ التركيز كان هذه المرة على البرنامج الصاروخي البالستي الإيراني، إذ ادّعت إسرائيل أنّ إيران كثّفت إنتاجها للصواريخ البالستية، وأنّ تهديدها على إسرائيل يوازي تهديد قنبلة نووية صغيرة.

في هذا السياق، زار نتانياهو في أواخر ديسمبر/كانون الثاني 2025 ترامب وفي جعبته عدة ملفات، كان على رأسها مسألة الحصول على الدعم الأمريكي في مهاجمة إيران مرة أخرى في ظل مساعي إيران لترميم برنامجها النووي، وتكثيف إنتاج الصواريخ البالستية.

تزامنت زيارة نتانياهو للولايات المتحدة مع اندلاع موجة احتجاجات داخلية شهدتها إيران بين أواخر 2025 وبداية 2026، على خلفية انهيار الريال الإيراني أمام الدولار الأمريكي، وارتفاع التضخم إلى مستويات قياسية. ومع أنّ الاحتجاجات كانت مطلبيّة اقتصادية في الأساس إلا أنّها توسعت إلى مستويات أخرى تطالب بإسقاط النظام. لا تنفصل تلك الاحتجاجات عن سياق الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران وسياسة الضغط القصوى عليها، فبعد حرب 12 يومًا أعادت الترويكا الأوروبية تفعيل آلية الزناد ضد إيران في سبتمبر/أيلول 2025، التي أضافت عقوبات دولية خانقة إلى العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران. وفي الوقت ذاته، فإن صورة الهشاشة التي ظهر بها النظام الإيراني خلال الحرب مع عمق الاختراق وشبكات عملاء الموساد واستباحة الأجواء الإيرانية، حفّزت نوعًا من التمرد الشعبي ضد النظام.

المساعدة في الطريق

في تلك اللحظة، دخلت الحرب مرحلة الإعداد الفعلي، ويمكن القول إنّ قرار الحرب الأمريكي قد اتخذ حينها. إذ مباشرة انتقل خطاب الحرب من إسرائيل إلى ترامب نفسه الذي أعلن دعمه للمحتجين وعزمه مساعدتهم، وتهديد النظام الإيراني بإسقاطه على خلفية قمع الاحتجاجات. ظهر هنا احتمال تقاطع الضغط الخارجي مع الاضطرابات الداخلية، ما يمكن أن يؤدي إلى سقوط النظام فعليًّا.

في حالة ترامب، فإنّ تجربته الناجحة في “تغيير النظام” في فنزويلا، واختطاف الرئيس نيكولاس مادورو 3يناير/كانون الثاني، بعملية خاطفة قليلة التكاليف ومنعدمة التبعات تقريبًا قد شكّلت حافزًا له لتكرار التجربة في إيران. ولذلك يمكن القول هنا إنه منذ 13 يناير/كانون الثاني، أي يوم أطلق ترامب، وعده للمحتجين في إيران أنّ المساعدة في الطريق، وحتى 28 فبراير/شباط يوم بدأ العدوان على إيران، كانت المنطقة فقط تشهد تهيئة المسرح العملياتي والتحشيد العسكري.

فرغم إدراك طهران أنّ مفاوضات 2025 كانت ذريعة لتنفيذ الهجوم، تم استئناف المفاوضات بوساطة عُمانية بعد أشهر من الجمود. وعُقدت جولاتها في 6 فبراير و18 فبراير2026، بشروط تفرض استسلامًا كاملًا من إيران تحت التهديد العسكري مرة أخرى، فقد ترافقت المحادثات مع حشود عسكرية أمريكية غير مسبوقة في المنطقة منذ غزو العراق عام 2003، في خطوة اعتُبرت استعدادًا لاحتمال توجيه ضربات عسكرية لإيران. ما جعل من مرحلتي التفاوض (2025-2026)، مجرد غطاءً دبلوماسيًا وجزءًا من إستراتيجية كسب الوقت، واكتمال الاستعدادات العسكرية أمام وجود تهديد حقيقي لطهران بتنسيق مباشر بين أمريكا وإسرائيل، الذي ظهر من كثافة الزيارات المتبادلة لمسؤولين إسرائيليين وأمريكيين من المستويات العسكرية والأمنية والسياسية، لا سيما زيارة نتانياهو لترامب مرة أخرى في 12 فبراير/شباط. إذ لا شك أنّ زيارات نتنياهو المتكرّرة إلى واشنطن، التي بلغت 7 لقاءات في عام واحد منذ تولي ترامب، لعبت دورًا أساسيًا في تسريع الاقتناع الأمريكي بقرار الحرب عبر تقديم تقديرات دقيقة حول استعداد إسرائيل لضرب إيران مباشرة؛ لدفع ترامب نحو اتخاذ القرار، ودعم الهجمات الإسرائيلية بالمشاركة المباشرة.

خاتمة

يبيّن المسار المُتتبع في هذه الورقة كيف أنّ اتخاذ قرار الحرب الحالية ضدّ إيران ليس حدثًا مفاجئًا في مسار السياسة الأميركية تجاه طهران. فهو يمثّل، في جوهره، لحظة التقاء بين مسار طويل تشكّلت خلاله سردية التهديد الإيراني داخل واشنطن، وجهدًا إسرائيليًّا مستمرًّا عبر عقود من التحريض لدفع واشنطن نحو المواجهة المباشرة. إلى جانب تفاعل الحسابات الإسرائيلية مع السياسات الأميركية، في ظل وجود مستوى من التنسيق والتخطيط الإستراتيجي بين واشنطن وإسرائيل، تعزّز أكثر مع عودة ترامب للبيت الأبيض.

غير أنّ ما بعد 7 أكتوبر 2023، شكّل نقطة التحول الأساسية لدى إسرائيل التي تمكنت من الدفع بواشنطن تجاه تحويل خطاب التهديد وسياسات “الضغط الأقصى” ضدّ طهران إلى قرار عملي بالشروع في حرب مباشرة، عبر بناء واقع عملي على الأرض يظهر مواءمة الواقع السياسي والميداني للاستجابة عسكريًا “للتهديدات”  بعد أكثر من عامين، من استهداف إيران وحلفائها، وإبراز محدودية قدرتهم على مواجهة الهجمات المركزّة. وقد ترافق ذلك الواقع العملي مع جملة من التغييرات في السياسة الأمريكية، التي عنوانها إدارة ترامب وسياساته الصقرية والمتهورة المدفوعة بالنموذج الفنزويلي، التي ربما أرادت أن تعمّمه على كلّ خصومها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى