المأزق الإسرائيلي على الجبهة الشمالية: سقف تهديد مرتفع وتعثر في الميدان

عادت جبهة الشمال لتحتل موقعًا مركزيًا في التفكير الأمني الإسرائيلي، في ظل اندلاع الحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران في 28 شباط/فبراير 2026 وما تبعها من اتساع المواجهة إلى ساحات أخرى، في مقدمتها لبنان، حيث دخل حزب الله على خط المواجهة بشكل أكثر وضوحًا، ما أعاد تفعيل معادلة الجبهات المتعددة ضد “إسرائيل”. غير أن هذا الانخراط لا يمكن فصله عن المسار الذي بدأ منذ عملية “طوفان الأقصى” في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، حين اعتمد الحزب نمط اشتباك منضبط حافظ من خلاله على استنزاف مستمر لـ “إسرائيل” دون الانزلاق إلى حرب شاملة.

في ضوء ذلك، تطرح هذه الورقة سؤالًا حول كيفية قراءة “إسرائيل” للمواجهة الراهنة مع حزب الله، ولماذا يترافق تصعيد خطابها السياسي مع تردد في ترجمته إلى حسم عسكري، خاصة فيما يتعلق بخيار الاجتياح البري، وذلك من خلال تحليل تحولات ميزان الردع، وتناقض التقديرات الإسرائيلية، وحدود استخدام القوة، إضافة إلى دور الجبهة الداخلية، ولا سيّما المستوطنات في الشمال، بوصفها ساحة اختبار لقدرة “إسرائيل” على الصمود وإعادة إنتاج الردع.

الخلفية التاريخية للمواجهة من التشكل إلى توازن الردع

منذ اجتياح لبنان عام 1982، ترسخت المواجهة مع حزب الله كمعطًى دائم في الحسابات الأمنية الإسرائيلية، أعاد تشكيل فهمها لطبيعة القوة وحدود استخدامها. ومع صعود الحزب إلى موقع الخصم الأكثر إرباكًا، تحولت هذه المواجهة إلى اختبار دائم لقدرة “إسرائيل” على تحويل تفوقها العسكري إلى نتائج حاسمة، وهو ما انعكس تدريجيًا على عقيدتها العسكرية، خاصة في تعاملها مع تنظيمات مسلحة بعيدة عن نموذج الجيوش النظامية.

في المراحل الأولى، جرى التعامل مع الحزب كتهديد يمكن احتواؤه عبر أدوات تقليدية تقوم على الردع المحدود. غير أن هذا التصور بدأ يتآكل مع اعتماد الحزب نمط استنزاف طويل الأمد، تُوج بالانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، والذي أُعيد تفسيره لاحقًا كدليل على محدودية القدرة على فرض الحسم أمام خصم يمتلك نفسًا طويلًا في إدارة الصراع.

وجاءت حرب 2006 لتكشف بصورة أوضح محدودية القدرة الإسرائيلية على الحسم العسكري. فرغم كثافة القوة المستخدمة، لم تتمكن “إسرائيل” من إنهاء تهديد حزب الله، ما دفعها إلى مراجعات داخلية عميقة، أبرزها تقرير لجنة فينوغراد، الذي أشار إلى خلل في إدارة القرار السياسي والعسكري، وإلى سوء تقدير لطبيعة الخصم. ومنذ ذلك الحين، لم يعد النقاش يدور حول النصر والهزيمة، بل حول القدرة على الردع.

في أعقاب ذلك، تبنت “إسرائيل” مقاربة تقوم على إدارة الصراع بدل إنهائه، تجسدت في مفهوم “المعركة بين الحروب” (هَمَعَرَخا شِبِين هَميلخاموت – المَبام) “המערכה שבין המלחמות – המב”ם”، الذي يهدف إلى إبطاء تعاظم قوة الخصم عبر ضربات محدودة دون الانزلاق إلى حرب شاملة. إلا أن هذا النهج، رغم نجاحه التكتيكي، لم يمنع حزب الله من تطوير قدراته.

وفي السياق الأحدث، شكلت المواجهة التي أعقبت عملية “طوفان الأقصى” في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 مرحلة مفصلية، حيث دخل حزب الله في جولة اشتباك ممتدة مع “إسرائيل” على الجبهة الشمالية، اتسمت بإيقاع محسوب جمع بين الاستنزاف والتصعيد التدريجي. وقد بلغت هذه الجولة ذروتها في سلسلة عمليات نوعية نفذتها “إسرائيل”، شملت اغتيال قيادات بارزة واستهدافات دقيقة—من بينها ما عُرف إعلاميًا بـ “عملية البيجر“—قبل أن تنتهي إلى وقف إطلاق نار، حاولت “إسرائيل” من خلاله فرض معادلة جديدة عبر استمرار عمليات الاستهداف للحزب بشكل شبه يومي. غير أن هذا الواقع لم يدم طويلًا، إذ سرعان ما عادت الجبهة إلى الاشتعال مع اندلاع الحرب على إيران في نهاية شباط/فبراير 2026، حيث دخل حزب الله مجددًا على خط المواجهة، ولكن في سياق إقليمي أوسع وأكثر تعقيدًا.

ومع تصاعد المواجهة الحالية، برزت مؤشرات على تآكل المعادلات السابقة، حيث أظهر الحزب قدرة على التأثير المستمر في الجبهة الداخلية الإسرائيلية، ما كشف عن فجوة بين التقديرات السابقة والواقع العملياتي. ومن هنا تتبلور ملامح “صدمة القدرة”، التي تعكس إدراكًا متأخرًا لحدود القوة، وتفسر التناقضات التي يتسم بها الخطاب الإسرائيلي في المرحلة الراهنة.

تحولات التقدير الإسرائيلي لحزب الله

في ضوء المسار التراكمي للمواجهة، تكشف القراءة الإسرائيلية الراهنة لحزب الله عن حالة مركبة من الارتباك، تتداخل فيها صدمة القدرة مع تناقض التقدير. فبعد الضربات التي استهدفت الحزب في صيف 2025، سادت قناعة في الخطاب الإسرائيلي بأن الحزب تلقى ضربة قاصمة حدّت من قدرته على خوض مواجهة واسعة. غير أن تطورات الميدان سرعان ما أظهرت أن هذه التقديرات لم تكن دقيقة، وأن الحزب لا يزال يمتلك قدرات تتجاوز ما يفترضه الخطاب الإسرائيلي.

وتبرز هذه الفجوة بشكل خاص في توصيف جبهة الشمال، التي باتت تُقدَّم في التحليلات الإسرائيلية باعتبارها أحد أكثر التحديات تعقيدًا في البيئة الأمنية لـ “إسرائيل” بعد إيران. ويعود ذلك إلى عاملين رئيسيين: أولًا، القدرة النارية المستمرة، حيث ينجح حزب الله في إطلاق كميات كبيرة من الصواريخ والطائرات المسيّرة، بما يُبقي قطاعات واسعة من الإسرائيليين في حالة استنزاف يومي، ويدفع قسمًا منهم إلى البقاء في الملاجئ أو النزوح من المناطق الحدودية. وثانيًا، القدرة على مواجهة أي تحرك بري وإلحاق خسائر بالقوات الإسرائيلية، وهو ما يدفع التقديرات العسكرية إلى التحذير من كلفة عالية لأي مواجهة برية في لبنان، بما يعيد إلى الواجهة دروس حرب 2006 ولكن في ظروف أكثر تعقيدًا. وفي هذا السياق، تشير تقديرات مراكز أبحاث إسرائيلية إلى أن الجبهة الشمالية تمثل تحديًا مركزيًا يتجاوز البعد التكتيكي، ويمتد إلى تهديد عميق للجبهة الداخلية الإسرائيلية واستقرارها.

وفي هذا الإطار، تتحول مسألة مستوطنات الشمال إلى مؤشر مركزي على طبيعة هذا التحدي. فالنزوح من هذه المناطق لا يُقرأ فقط كإجراء أمني، بل كصورة انتصار لحزب الله في الوعي الإسرائيلي، وهو ما يفسر محاولات المستوى السياسي—بما في ذلك تدخل مباشر من رئيس الحكومة نتنياهو—لمنع تكرار سيناريو النزوح الواسع الذي شهدته مراحل سابقة من الحرب. وهنا تتداخل الاعتبارات الأمنية مع البعد الرمزي، حيث تصبح مسألة بقاء السكان جزءًا من معركة الردع نفسها.

في المقابل، يبرز تناقض واضح بين الخطاب السياسي والتقدير العسكري، حيث تتكرر التهديدات باجتياح جنوب لبنان و”إزالة التهديد” بالقوة، في حين تشير التقديرات العملياتية إلى صعوبة ترجمة هذه التهديدات إلى واقع، في ظل تعقيد البيئة القتالية، وكلفة المواجهة، والقدرة المتوقعة لحزب الله على إلحاق خسائر بشرية ومادية. وقد أدى هذا التناقض إلى بروز حالة من “التصعيد الخطابي مقابل الحذر الميداني”، تعكس فجوة بين الرغبة في استعادة صورة الردع، والقيود الفعلية التي تحكم القرار العسكري.

كما تتأثر هذه القراءة بعوامل إضافية، منها تعدد الجبهات وتراجع أولوية الساحة اللبنانية نسبيًا لصالح التركيز على إيران، فضلًا عن تحول في العقيدة القتالية نحو تقليل الخسائر البشرية حتى على حساب إبطاء العمليات. وهو ما يفسر استمرار التهديدات دون تنفيذ حاسم، رغم مرور وقت كافٍ لإطلاق عملية برية واسعة.

وعليه، تظهر القراءة الإسرائيلية في مأزق أعمق يتمثل في صعوبة التوفيق بين التفوق العسكري من جهة، والقدرة على استخدامه لتحقيق حسم فعلي من جهة أخرى. وفي هذا الإطار، لا تبدو التهديدات باحتلال جنوب لبنان تعبيرًا عن خيار محسوم، بقدر ما تعكس حدود القدرة على تحويل القوة إلى إنجاز ميداني في مواجهة مقاومة قادرة على فرض معادلات معقدة.

حدود استخدام القوة وواقع الجبهة الداخلية

غير أن هذه الأزمة في التقدير لا تفسر وحدها سلوك “إسرائيل” في الميدان، بل تكشف عن قيود أعمق تتعلق بحدود استخدام القوة نفسها. فالتردد في تنفيذ اجتياح بري واسع لا يظهر بوصفه مسألة عملياتية فحسب، بل كمدخل لفهم طبيعة الإدراك الإسرائيلي الراهن لحدود القوة في بيئة قتال معقدة.

تُظهر الأدبيات الأمنية الإسرائيلية أن أي عملية برية في لبنان تنطوي على معضلة استراتيجية مركبة. فمن جهة، يتطلب التقدم البري مواجهة بيئة قتالية كثيفة النيران، تتسم ببنى عسكرية مموّهة وقدرة عالية على استهداف القوات المتقدمة بوسائل متعددة. ومن جهة أخرى، فإن تحقيق السيطرة على الأرض لا يضمن تحييد التهديد، بل قد يفضي إلى الانخراط في نمط استنزاف طويل الأمد، يعيد إنتاج تجارب سابقة دون حسم فعلي. وفي هذا السياق، فإن أي سيناريو لاجتياح جنوب لبنان يطرح سؤالًا حاسمًا حول “اليوم التالي”، بين خيار البقاء بكلفة مرتفعة، أو الانسحاب مع احتمال عودة التهديد.

كما تشكل كلفة المواجهة عاملًا حاسمًا في تقييد القرار العسكري، في ظل توقع خسائر بشرية مرتفعة، واحتمال تصعيد صاروخي واسع يستهدف العمق الإسرائيلي ويضع الجبهة الداخلية تحت ضغط متواصل. وإلى جانب ذلك، تتداخل اعتبارات سياسية تتعلق بشرعية الحرب داخليًا ودوليًا، مع القدرة على تحمّل تبعاتها في حال امتدادها زمنيًا، ما يدفع القيادة الإسرائيلية إلى الموازنة بين استعراض القوة وتجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة غير مضمونة النتائج.

في هذا الإطار، لا يقتصر تأثير هذه القيود على سلوك الجيش في الميدان، بل يمتد مباشرة إلى الجبهة الداخلية، حيث تتحول مستوطنات الشمال إلى أحد أبرز مؤشرات اختبار الردع في الوعي الإسرائيلي. فهذه الجبهة لا تُقاس فقط بقدرتها على الصمود عسكريًا، بل أيضًا بمدى قدرة الدولة على الحفاظ على استقرارها السكاني ومنع تفكك الحياة المدنية فيها. ومن هنا، لا يُنظر إلى النزوح من هذه المناطق كإجراء أمني مؤقت فحسب، بل كحدث ذي دلالة رمزية عميقة، قد يُقرأ بوصفه إنجازًا لحزب الله في معادلة الردع.

وقد أظهرت التطورات الأخيرة أن استمرار القصف من الشمال، بوتيرة تفرض حالة استنزاف يومي، دفع أعدادًا من السكان إلى مغادرة منازلهم أو البقاء في الملاجئ لفترات طويلة، ما حوّل الجبهة الداخلية إلى ساحة ضغط موازية للميدان العسكري. وفي هذا السياق، برزت محاولات واضحة من المستوى السياسي للحد من النزوح ومنع تحوله إلى ظاهرة واسعة، لما يحمله ذلك من تداعيات على صورة الدولة وقدرتها على حماية مواطنيها.

خاتمة

تكشف القراءة الإسرائيلية الراهنة للحرب مع حزب الله عن تحول عميق في إدراك طبيعة القوة وحدودها، لا سيما بعد انهيار الافتراضات الإسرائيلية التي سبقت الحرب حول أن حزب الله قد فقد قوته في ظل الضربات المستمرة عليه طيلة 15 شهرا بعد حرب قاسية تعرض فيها لخسائر فادحة على مستوى قيادته وقدراته. فبعد عقود من الاعتماد على التفوق العسكري بوصفه أداة للحسم، تُظهر المواجهة الحالية أن هذا التفوق لم يعد كافيًا لتحقيق نتائج حاسمة في مواجهة خصم يمتلك قدرة على التكيّف والاستنزاف وفرض معادلات معقدة. ولا يقتصر هذا التحول على البعد العسكري، بل يمتد إلى بنية الردع ذاتها، التي لم تعد تُقاس فقط بقدرة الجيش، بل أيضًا بقدرة الجبهة الداخلية على الصمود، حيث تتحول الحياة المدنية، خاصة في مستوطنات الشمال، إلى جزء من معادلة الردع.

في المقابل، يعكس التناقض بين الخطاب التصعيدي والتردد في تنفيذ اجتياح بري مأزقًا أعمق في صنع القرار الإسرائيلي، يتمثل في صعوبة تحويل القوة إلى حسم فعلي. فـ”إسرائيل” لا تفتقر إلى القدرة العسكرية، لكنها تواجه قيودًا متزايدة تحد من فاعلية استخدامها. وبذلك، لا تبدو التهديدات باحتلال جنوب لبنان خيارًا محسومًا، بقدر ما تعكس إدارة للتناقض بين الرغبة في استعادة الردع والقيود الواقعية، بما في ذلك الأهداف المعلنة المرتبطة بإزالة التهديد عبر إبعاد حزب الله أو نزع سلاحه، والتي تبدو بدورها أكثر حضورًا في الخطاب منها في إمكانات التنفيذ الفعلي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى