اللعب في الوقت الضائع: قراءة في مشروع الدستور الفلسطيني وانتخابات المجلس الوطني

أصدر الرئيس محمود عباس في 2 شباط/ فبراير 2026، قرارًا بنشر المسودة الأولى من الدستور المؤقت لدولة فلسطين، وإتاحتها لاطّلاع الجمهور عبر المنصة الإلكترونية المخصصة للجنة الوطنية لصياغة الدستور، لتقديم الملاحظات عليها في فترة تمتد حتى 60 يومًا. جاء ذلك بعد استلامه المسودة من قبل لجنة صياغة الدستور، التي كان قد شكلها قبل سبعة أشهر برئاسة المستشار محمد الحاج قاسم.

جاء القرار بعد مرسوم آخر صدر عن الرئيس عباس بداية شباط/ فبراير 2026، أعلن فيه عن موعد عقد انتخابات المجلس الوطني في 1 تشرين الثاني/ نوفمبر 2026، التي ستشمل مناطق وجود الشعب الفلسطيني كافة، وستقوم على مبدأ التمثيل النسبي الكامل، وبإشراف لجنة الانتخابات المركزية.

يسعى هذا التقرير، من جانب، إلى مناقشة تلك الخطوات وتحليلها، بما يشمل مضمون مسودة الدستور وسياق طرحه، وأهداف الانتخابات المعلنة، ومدى واقعية هذه المبادرات، وتأثيرها بالنظر إلى الحالة الفلسطينية العامة والبيئة التي تسعى “إسرائيل” فيها إلى تكريس الضم. ومن جانب آخر، يبحث التقرير سياق هذه المبادرات بالنسبة للسلطة الفلسطينية والنخبة السياسية، في الوقت الذي تزامنت فيه أيضًا مع دعوة لعقد المؤتمر العام الثامن لحركة فتح، من ناحية إن كانت هذه المبادرات ستمثل أو تسهم في تحقيق تحول بنيوي، أم أنها محاولة لإدارة الأزمة، وتجديد الشرعية، وإعادة إنتاج ذات النظام القائم للسلطة الفلسطينية.

سياق طرح مشروع الدستور وإعلان انتخابات المجلس الوطني

شهدت السلطة الفلسطينية محاولات عديدة لصياغة دستور فلسطيني منذ تأسيسها، وفي الوقت الذي تعتبر فيه السلطة القانون الأساسي الفلسطيني دستورًا مؤقتًا منذ اتفاق أوسلو، فقد شهد أيضًا عدة تعديلات أبرزها عام 2003. وتعديلات أخرى بين عامي 2005-2006، ومحاولات أخرى بين عامي 2014 و2018 في إطار جولات المصالحة بين حركتي فتح وحماس.

واجه الانتقال من القانون الأساسي (الذي صنف على أنه مؤقت) إلى دستور دائم بعض الموانع البنيوية والسياسية منذ نشأة السلطة، أهمها الحالة الانتقالية للسلطة الفلسطينية وضعف السيادة، في ظل استمرار الاحتلال وتحكمه بالمعابر والسيادة على القدس وغيرها، والانقسام الداخلي بعد عام 2007، وعدم التوافق الفصائلي على شكل النظام السياسي وحدود الدولة ووضع منظمة التحرير وعلاقتها بالسلطة.

كما شهد المسار الانتخابي على مستوى السلطة الفلسطينية أو منظمة التحرير الفلسطينية، حالات متكررة من الإعلان عن انتخابات ثم تأجيلها أو عدم المضيّ بها منذ تولّي الرئيس محمود عباس قيادة السلطة عام 2005، وبعد إجراء آخر انتخابات تشريعية عام 2006. وقد استندت قرارات التأجيل أو التعليق إلى مبررات سياسية وقانونية متعددة، من بينها الانقسام الداخلي، وتعذّر إجرائها في القدس، والظروف الإقليمية، رغم أن بعض المراحل السابقة كانت تشهد ظروفًا سياسية أكثر ملاءمة نسبيًا من المرحلة الراهنة.

غير أن توقيت إعلان صياغة دستور وعقد انتخابات مجلس وطني يثير أسئلة، ويضع علامات استفهام في ظلّ أن تلك الخطوات لم تتخذ طيلة مرحلة السلطة الفلسطينية، والآن تحديدًا اتخذت. وذلك في ظل المرحلة العصيبة والتحولات الجذرية التي تمر بها القضية الفلسطينية والحركة الوطنية بعد مرور عامين ونصف من حرب الإبادة التي شنتها “إسرائيل” على قطاع غزة. وبعد أشهر من التوصل لوقف إطلاق النار في غزة، وتشكيل لجنة التكنوقراط لإدارتها عبر مجلس السلام ضمن مساعي التأسيس لمستقبل مختلف لقطاع غزة، تكون فيه السلطة الفلسطينية خارج المشهد السياسي والميداني. وفي ظل تناقضات تمر بها السلطة الفلسطينية، حيث اتسعت رقعة الاعترافات الدولية التي زادت من شرعية السلطة، وفي ذات الوقت تتراجع سيادتها على الأرض في ظل تغوّل المشروع الاستعماري اليميني، وحصارها اقتصاديًا وماليًا عبر حجز عائدات الضرائب.

تزامنت القرارات الجديدة للرئيس عباس مع قرارات المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر (الكابينت)، التي تهدف إلى تغيير الطابع القانوني والمدني للضفة الغربية، وتعزيز السيطرة عليها، وتوسيع الاستيطان من خلال تشريع مزيد من البؤر الاستيطانية الجديدة، وتوسيع المستوطنات القائمة، وتتصاعد فيها الهجمة الإسرائيلية على الضفة الغربية، وتتسارع فيها قرارات الضم والسيطرة التي تتقاطع مع مسارات تقويض السلطة الفلسطينية، وإضعاف قدرتها الوظيفية، وإنهاء ما تبقى من “مقومات الدولة” المستقبلية.

وكذلك على صعيد منظمة التحرير الفلسطينية، فقد تراجعت شرعيتها التمثيلية للفلسطينيين أمام العالم، بفعل تكلّس أجهزتها وأجسامها بعد تحويلها إلى أداة وظيفية لتجديد شرعية السلطة. فالدستور وإعلان انتخابات المجلس الوطني، تأتي في إطار محاولات إعادة مكانتها كمظلة جامعة تخفف من أزمة الشرعية التمثيلية الناتجة عن المرحلة وتراكماتها. كما يشكّل إعلان موعد انتخابات المجلس الوطني، محاولة لإعادة ترميم الشرعية التمثيلية للسلطة في الداخل والشتات، ومحاولة لإعادة الربط بين الداخل والخارج، وذلك في ظل التهميش السياسي والسيادي للسلطة، ومحاولة لتقليص الفجوة بينها وبين الشعب الفلسطيني، التي اتسعت نتيجة التفرد في السلطة، ومنع تداولها عبر تأجيل مستمر للانتخابات التشريعية والرئاسية، وانغلاق أفق مشروع السلطة السياسي، ووصوله إلى طريق شبه مغلق منذ وقف المفاوضات عام 2014، التي تزامنت مع تغيرات جيوسياسية تحول دون إقامة دولة فلسطينية في المستقبل.

من ناحية أخرى، تأتي خطوات السلطة تلك ضمن خطوات متعددة اتخذتها السلطة تطلق عليها مسمّى “إصلاحات” منذ اندلاع حرب الإبادة كاستجابة للمطالب الدولية والإقليمية لإصلاح السلطة وتأهيلها. غير أنّ تلك الخطوات، كما هو حال كل الخطوات التي اتخذتها السلطة، تتجاوز الإصلاحات المطلوبة من السلطة الفلسطينية دوليًّا. إذ لم تشر تلك الإصلاحات المطلوبة إلى ضرورة تغيير نظام الانتخابات، بل دعت إلى إجراء الانتخابات وضخ دماء جديدة، ولم تشر إلى ضرورة التحوّل إلى دستور بالطريقة المطروحة، بل سنّ مجموعة من التشريعات والقوانين التي تضمن الصحافة الحرة ومشاركة المجتمع المدني. وفي هذا الإطار، ومحاولة السلطة التجاوب مع مطالب الإصلاح، يشكل طرح الدستور محاولة لتثبيت سردية الدولة في الأوساط الفلسطينية والدولية التي تسعى فيها السلطة باستمرار إلى إظهار وحدة الضفة وقطاع غزة في إطار مشروع “حل الدولتين”. والدستور في هذه الحالة يؤكد على فكرة الدولة والمؤسسات، وهي فكرة تتزامن مع اعترافات جديدة من دول أوروبية وازنة، وزيادة الزخم الدولي تجاه القضية الفلسطينية منذ بداية الحرب على غزة.

إشكاليّات الدستور والانتخابات

إلى جانب تعقيد السياق الذي تأتي فيه خطوات السلطة، وتداخله وتأثره بعوامل متعددة، فإن هناك إشكاليات وملاحظات أثارتها تلك الخطوات لا تتعلق فقط بتوقيته وطريقة طرحه، وإنما بما يتعلق بمحتوى الدستور وانتخابات المجلس الوطني نفسهما. إذ إنّ هنالك ملاحظات عديدة برزت منذ إعلان تلك الخطوات، ومن أبرزها:

  • تتناقض فكرة التداول السلمي للسلطة والتعددية السياسية الواردة في مشروع الدستور مع ما ورد في الباب الثالث الذي يرسخ مركزية الرئيس ودوره، ويمنحه صلاحيات واسعة تشمل: تعيين رئيس الحكومة، وحل البرلمان، وإصدار قرارات بقوة القانون، وإعلان حالة الطوارئ، وتعيين قضاة دستوريين، وقيادة قوى الأمن، والحق في حل البرلمان، الأمر الذي يعكس استمرارًا للواقع القائم للسلطة وصلاحيات الرئيس الواسعة بعد حزمة المراسيم الرئاسية والقرارات بقانون منذ تولي الرئيس محمود عباس للحكم بداية عام 2005، وتغييب المجلس التشريعي الفلسطيني منذ عام 2007، والتي زادت من تعميق دور السلطة التنفيذية وصلاحياتها على حساب السلطة القضائية، وطمست دور السلطة التشريعية، وصولًا إلى إلغاء كامل لدورها بحل المجلس التشريعي بقرار صدر عن المحكمة الدستورية عام 2018.
  • رسّخت هذه المراسيم الرئاسية مركزية السلطة التنفيذية حتى في تغيير أحكام القانون الأساسي الفلسطيني، والسيطرة على قرار الانتخابات، وزادت من القبضة الأمنية، وشكّلت معيقًا في وجه فكرة التحوّل من السلطة إلى الدولة، التي تتزامن أيضًا مع غياب فكرة السيادة الفعلية بفعل سيطرة “إسرائيل” حتى على المناطق المصنفة (أ) بموجب اتفاقيات أوسلو، ما يجعل فكرة الدستور رمزية أكثر منها واقعية، حيث يمنح السلطة ممارسة السيادة الافتراضية في ظل غياب السيادة الفعلية بفعل الاحتلال.
  • لم يحسم الدستور في تناوله لشكل النظام السياسي وتوزيع السلطات صلاحيات كل من السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير، وأبقى العلاقة بين الجهتين متشابكة، بالتزامن مع الحفاظ على صلاحيات الرئيس ومركزية موقعه داخل السلطة التنفيذية، وهذا التقسيم للدور يعتبر هامًا في إطار مشروع التحرر.
  • لا يتضمن الدستور الحديث عن الحقوق والحريات وآليات رقابة قوية وأدوات مساءلة فاعلة تضمن عدم تعطيل هذه الحقوق في “أوقات الطوارئ” تحت حجج أمنية.
  • وفي تناوله لمفهوم المرحلة الانتقالية في مسودة الدستور، فإن مفهوم الانتقال غير محدد زمنيًّا، ولا حتى سياسيًّا بشكل دقيق، ولم يضع معايير واضحة للانتقال إلى دستور دائم، وهذا ما يجعل المرحلة الانتقالية أقرب إلى أن تكون غير مقترنة بحدود زمنية.
  • وفي إطار العلاقة بين الداخل والشتات، يسعى مشروع الدستور إلى إعادة دمج الشتات في البنية السياسية، من خلال مشاركتهم في انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني على أساس التمثيل النسبي الكامل، إلا أنه لا يوضح كيفية تمثيل فلسطينيي الشتات في مؤسسات الدولة، وحدود الولاية الدستورية عليهم بصفتهم خارج فلسطين.
  • تناقض ما ورد في حقوق ذوي الشهداء والأسرى مع قرار الرئيس عباس بإلغاء دفع الرواتب عبر مؤسسة رعاية أسر الشهداء والجرحى ونادي الأسير الفلسطيني، وتحويلها إلى حالات اجتماعية ضمن عمل المؤسسة الوطنية الفلسطينية للتمكين الاقتصادي، أي أنّ هذا القرار ألغى الخصوصية الممنوحة للشهداء والأسرى والجرحى باعتبارهم حالات خاصة في سياق وطني، وحوّلها إلى حالات اجتماعية ذات معايير مختلفة تنطبق على الحالات الاجتماعية، وجاء قراره استجابة لمطالبات بإجراء “إصلاحات” في السلطة الفلسطينية.
  • ملاحظات عديدة حول غياب دور المجلس التشريعي في التعيينات العليا مثل منصب رئيس مجلس القضاء الأعلى والنائب العام، وغياب حقوق وحريات القضاة مثل حرية التعبير وتأسيس الجمعيات القضائية وغيرها، وغياب ضمانات المحاكمة العادلة، وظهور مصطلح “مهنة القضاء” بدل مصطلح “الوظيفة القضائية” باعتبار القضاء سلطة وليس مهنة، وملاحظات عديدة أخرى أوردها المركز الفلسطيني لاستقلال المحاماة والقضاء “مساواة”.
  • وبالنظر إلى النهج الذي أُعدّ به الدستور أيضًا، فإنه انحصر في لجنة شكّلها الرئيس ولم تحظَ بإجماع شعبي أو حتى فصائلي، مما حصر دائرة المشاركة في صياغة المسوّدة الأولية، ولا يعتبر عرضه لتلقي الملاحظات كافيًا طالما لم يتناول الدستور نفسه مدى المرونة التي ستبديها الجهات التي أعدّته في قبول الملاحظات الجوهرية. وعلى صعيد التوقيت لم يأتِ إقرار الدستور بعد إجراء انتخابات تشريعية يشرف فيها المجلس التشريعي على إعداد مسودة الدستور والمراحل اللاحقة لاعتماده.

أما فيما يتعلق بانتخابات المجلس الوطني، فكان الرئيس محمود عباس قد وضع شروطًا لانضمام حركتي حماس والجهاد الإسلامي إلى منظمة التحرير الفلسطينية أو المشاركة في أي انتخابات تشريعية ورئاسية قادمة، أبرزها القبول ببرنامج المنظمة السياسي الحالي بما يشمل الاعتراف بـ “إسرائيل”، والتخلي عن نهج المقاومة المسلحة. وأجرى تغييرات على قانون انتخابات الهيئات المحلية بإضافة بند ينص على: “إقرار من مرشحي القائمة أو المرشح نفسه بالالتزام بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثلٍ شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، وبتبني برنامجها السياسي والوطني وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة”، وتفرض هذه المادة على جميع من يشارك في القوائم من الفصائل الأخرى القبول ببرنامج المنظمة. وأعلن الرئيس محمود عباس في أكتوبر 2025 بأنه سيتم تعديل قانون الانتخابات والقوانين ذات الصلة به استنادًا إلى أحكام المسوّدة الدستورية المؤقتة، والتي يحظر من خلالها أي مشاركة فردية أو حزبية لم تعترف بالبرنامج السياسي والالتزامات الدولية والقانونية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وتنفيذ مبدأ “حل الدولتين”، ومبادرة السلام العربية، ومبدأ النظام الواحد والقانون الواحد، وقوة شرعية واحدة. وتشكّل هذه التغييرات أساسًا لإقصاء الفصائل الرافضة لبرنامج المنظمة من المشاركة، وتثبيت هذا الإقصاء مستقبلًا في الدستور لمحاولة فرض برنامج المنظمة المبني على اتفاقيات أوسلو وإفرازاتها.

مآلات وتداعيات الدستور والانتخابات

يمكن أن يؤدي نشر مشروع الدستور والإعلان عن انتخابات المجلس الوطني، إلى عدد من التداعيات المتوقعة، أبرزها:

أوّلًا: إعادة إنتاج النظام السياسي الفلسطيني على قاعدة إعادة توزيع المناصب والمسميات داخل النخبة السياسية الحاكمة، ومحاولة تشريعه بصيغة دستورية بهدف تجديد الشرعية التنظيمية الداخلية بقيادات جديدة على ذات نهج السلطة، وفي إطار شكلها الحالي، دون السعي إلى تغيير البرنامج أو الأدوات التي تتناسب مع طبيعة المرحلة القادمة. ويترسّخ هذا التوجه في ظل الإعلان عن موعد المؤتمر الثامن لحركة فتح في منتصف أيار/ مايو 2026، أي قبل انتخابات المجلس الوطني، بهدف إعادة ترتيب “البيت الفتحاوي”.

ثانيًا: تعميق الانقسام الفلسطيني في ظل التوجه المستقبلي لإقصاء فصائل كبيرة عن المشاركة في السلطة، وعلى رأسها حركة حماس، ومقاطعة فصائل أخرى، وذلك في ظل الانقسام الجغرافي والسياسي، وتعمّقه بين الضفة الغربية وقطاع غزة، ورفض الفصائل للإجراءات التي اتخذها الرئيس محمود عباس دون توافق وطني شامل، حيث اعتبرتها حماس بأنها خطوات “تعبر عن نهج التفرد” و “تفتقد لأي منطق سياسي وطني”، وهي إجراءات تتطلب إجماعًا وطنيًّا توافقيًّا بمشاركة جميع الفصائل والقوى. إذ طالب المتحدث باسم الحركة حازم قاسم بإجراء حوار وطني شامل يفضي إلى إعادة بناء المؤسسات الوطنية على أسس ديمقراطية، بينما ترفض حركة الجهاد الإسلامي المشاركة في الانتخابات البلدية وانتخابات المجلس الوطني، وتعتبرها “هروبًا من استحقاق إعادة بناء المشروع الوطني وفق إستراتيجية جديدة وشاملة لإدارة الصراع مع العدو”، فيما سجلت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين مواقف سابقة رافضة لانتخابات المجلس الوطني خارج الإجماع الوطني الفلسطيني.

ثالثًا: زيادة الفجوة الدستورية بين الواقع والنص، حيث يبنى مشروع الدستور على دولة ذات سيادة كاملة، إلا أنه يصطدم بواقع السيطرة الاستيطانية على الأرض، مما يكرّس الخطاب الرمزي دون الفعل على الأرض، حيث إن مشروع الدستور لا يحتوي على بنود تشرّع المواجهة ولا المقاومة السلمية التي تتبناها السلطة، ولا يشكل إطارًا ناظمًا لآليات الوصول إلى الدولة وتحقيق السيادة، مما ينعكس على جدوى المسار السياسي للسلطة.

خاتمة

لا يمكن فصل مشروع الدستور في الحالة الفلسطينية عن سياقه الحالي، وما تسعى له “إسرائيل” من ترسيخ للحكم الذاتي المحدود، ونزع الصلاحيات من السلطة الفلسطينية، ومحاولات تقويضها من قبل حكومة نتنياهو والإدارة الأمريكية، وإشكالية مشروع الدولة في ظل تصعيد مشاريع التهويد والاستيطان والضم، وما تحققه من نتائج عكسية تقضي على “حل الدولتين”. كما أن طرح مشروع الدستور وإعلان انتخابات المجلس الوطني يشكل تناقضًا مع توجهات إعادة إحياء الشرعية عبر منظمة التحرير الفلسطينية في ظل التغييرات التي أحدثها الرئيس عباس على السلطة، وعلى تمثيل المنظمة ودورها، من حيث تضخيم مشروع السلطة القائم على نقل الثقل من الخارج إلى الداخل على حساب المنظمة، وهذا يزيد الفجوة بين منطق الدولة المقترح ومنطق التمثيل الوطني الشامل عبر المنظمة.

والدستور، في حالة انعدام السيادة، يعني قصور الدور وانعدام المجال التطبيقي، حتى ولو كان طموحًا نحو الانتقال من السلطة إلى الدولة، فإنه لا يحتوي على أساسات عملية تعزز هذا النقل، في ظل استمرار المشروع الاستيطاني القائم على طمس الوجود الفلسطيني، فهو يصف الواقع وكأنه دولة ذات سيادة كاملة، وقائمة على الأمل والتخيل بشكل مغاير للواقع.

وفي الوقت ذاته، يثير الإعلان عن انتخابات المجلس الوطني، إشكاليات تتعلق بإعادة تشكيل التمثيل السياسي للفلسطينيين داخل الأرض المحتلة وفي الشتات، وبحدود القدرة الفعلية على تنظيم عملية انتخابية شاملة في ظل الانقسام الجغرافي بين الضفة وغزة، وضعف التمثيل المؤسسي للسلطة الفلسطينية فيها، وزيادة القبضة الإسرائيلية على القدس، التي رفضت السلطة الفلسطينية سابقًا أن تُجرى الانتخابات دونها، ولذلك فإنّ هذا الإعلان عن الدستور وتنظيم الانتخابات، يشكّل محاولة لإعادة التموضع، وتجديد شرعية النظام السياسي للسلطة الفلسطينية عبر منظمة التحرير الفلسطينية. وتبقى هذه المحاولات تدور في فلك واقع دولي وإقليمي يؤيد في أغلبه “حل الدولتين” بشكل نظري، ولكنه ينأى بنفسه عن مواجهة السياسات الاستيطانية، الرامية إلى تهشيم ما تبقى من أسس الدولة، وفرض الأمر الواقع على الأرض لجعل فكرة الدولة مجرد خيال.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى