الشتاء في قطاع غزة إذ يتحوّل إلى سلاح

كشفت المنخفضات الجوية كارثية الواقع، وسَوءة المنازل المدمرة، والخيام المهترئة التي يقيم فيها المواطنون بقطاع غزة، نتيجة استمرار الإبادة الجماعية ومنع إدخال المقومات الإنسانية الإغاثية والشتوية، ما أدى إلى تفاقم الأوضاع الكارثية لدى الفلسطينيين في قطاع غزة، من غرق للخيام بمياه الأمطار وسقوط المباني المدمرة جزئياً فوق رؤوس ساكنيها، بينما غمرت مياه البحر الخيام التي استقرت على شواطئها، واقتلعت الرياح العاتية خياماً أخرى، وهو ما حوّل حياة النازحين إلى حالة من التشرد الكامل.

يفتقر أهالي قطاع غزة بالإضافة إلى المأوى الدافئ، إلى الغذاء والدواء والاحتياجات الأساسية المتعلقة بفصل الشتاء كالملابس والأغطية ووسائل التدفئة، مما يزيد من خطر انتشار الأمراض والأوبئة ويجعل الشتاء اختباراً قاسياً يهدد الحياة، خاصة لدى الأطفال وكبار السن، إذا ما استمر الاحتلال الإسرائيلي في تعنته ورفضه إدخال المساعدات الإنسانية والبيوت المؤقتة “الكرفانات”.

نحاول في هذا التقرير تسليط الضوء على أبرز مظاهر معاناة الفلسطينيين في قطاع غزة خلال فصل الشتاء، في ظل الإبادة المستمرة التي أدت إلى تفاقم الوضع الإنساني، ووصوله إلى حالة كارثية لانعدام الاستجابة الإنسانية، والحصار الخانق الذي يفرضه الاحتلال على القطاع.

أولاً: واقع السكن والمأوى

يعيش مئات آلاف النازحين الفلسطينيين في قطاع غزة مأساة لا تشبه أي فصل من فصول الحياة، فهم محرومون من أبسط مقوماتها، المأوى الآمن، والسكن الدافئ، والغذاء الصحي، والرعاية الطبية، بعدما دمرت قوات الاحتلال الإسرائيلي جلّ مناحي الحياة في قطاع غزة، فلا مباني سكنية، ولا بنى تحتية، ولا خدمات أساسية.

بل عمد الاحتلال إلى تعميقها عبر فتح مجرى وادي غزة الذي كان مُغلقاً بفعل سدود ومصائد مياه أقامها على الحدود خلال الفترة الماضية، بهدف تعطيل تدفّقه الطبيعي نحو القطاع، ما أدى إلى اندفاع كميات كبيرة من المياه نحو المناطق السكنية والمخيمات القريبة من مجرى الوادي، وتسببها بانجراف عدد من خيام النازحين المنتشرة في محيطه.

وبحسب مجموعة المأوى العالمية، التابعة للجنة الدائمة المشتركة بين الوكالات (IASC)، ما زالت 260 ألف عائلة فلسطينية في قطاع غزة، أي ما يقارب 1.5 مليون نسمة، يواجهون الأمطار والبرد دون حماية كافية، ويفتقرون إلى الأساسيات اللازمة لتجاوز فصل الشتاء، ينامون في خيام بالية، تتضرر وتغرق مع أولى زخات المطر، لتترك العائلات في العراء بلا مأوى حقيقي.

مع هطول أمطار أولى المنخفضات الجوية على قطاع غزة، تكشفت هشاشة الخيم التي أوى إليها النازحون بعدما دمرت حرب الإبادة الجماعية بيوتهم، ودفعتهم قسراً للجوء إلى الخيام التي لا تحميهم من البرد القارس ليلاً ولا من مطر الشتاء نهاراً.

أدت المنخفضات الجوية إلى تضرر آلاف الخيام، وخروج ما يقرب من 127000 خيمة عن الخدمة[1]، بعدما أغرقتها مياه الأمطار وغمرت بعضها مياه البحر، فيما اقتلعت الرياح خياماً أخرى، وذلك خلال شهرين حملا معهما أربعَة منخفضات جوية، كان كل واحد منها أقسى ممن سبقها على النازحين، لتسببها في فقدان المأوى المؤقت، وتلف الملابس والفراش والأغطية، وفاقم من معاناة الناس الإنسانية بصورة غير مسبوقة.

فمع أول انهمار لأمطار الشتاء، تسربت المياه إلى داخل الخيام، وبللت الأفرشة والأغطية التي بالكاد حصل عليها النازحون بعدما فقدوا منازلهم وكل أمتعتهم فيها، وفي هذا الإطار تقول ميرفت مشتهى[2] التي نزحت برفقة عائلتها إلى مواصي خانيونس: “في أول منخفض على قطاع غزة، دخلت علينا مياه الأمطار ونحن نيام، واستيقظت ووجدت اثنين من أطفالي وقد غرق فراشهم وملابسهم بالمياه، كما غرق جل ما في الخيمة من أغطية وبطانيات، التي لا يوجد معنا بدائل لها”.

وتزداد معاناة النازحين لعدم توافر بدائل للخيام أو الشوادر البلاستيكية، التي وصفتها مجموعة المأوى العالمية بأنها غير كافية لحالات الطوارئ الممتدة كحالة غزة، كونها غير مرنة من حيث المساحة المطلوبة والموقع المناسب، وقد لا تكون مناسبة في حال هبوب رياح قوية أو هطول أمطار غزيرة، كما أنها توفر راحة حرارية محدودة، لا تتناسب وحرارة الطقس الباردة جداً في القطاع.

وهو ما يؤكده الواقع الذي عايشه النازحون على مدار أربعة منخفضات متواصلة، فقد أدت الرياح الشديدة إلى تطاير وتمزق عدد كبير من خيام النازحين واقتلاع وتدمير بعضها الآخر، مثلما حدث مع رولا أبو هاشم[3] التي روت “ليلة الرعب التي عاشتها وصغارها أثناء المنخفض الأخير”، بالقول: “لا أدري عدد المرات التي استيقظ فيها أطفالي، كبيرُهم وصغيرُهم، فزعاً وخوفاً من شدة صوت الرياح والأمطار وهي تضرب سقف الخيمة بكل ما أوتيتْ من قوة دون أن تأبه بالأجساد التي تنام داخلها، ولا أدري عدد المرات التي صحوتُ فيها من غفوتي يأكلني القلق والخوف خشية أن تنهار الخيمة فوق رؤوسنا لشدة ما اهتزت ومالت يميناً ويساراً، والتي بقيت تترنح طوال الليل حتى نفد ثباتها وجثت فجراً فوقنا، ولا أدري عدد الليالي التي تنتظرنا كي نعيش ذات المأساة مرة أخرى قبل أن يغادرنا فصل الشتاء”.

وعلى امتداد شاطئ غزة، لجأت العائلات التي نزحت قسرًا من منازلها المدمّرة ولم تجد مأوًى لها سوى الشريط الساحلي، بعدما سيطر جيش الاحتلال الإسرائيلي على ما يقرب من 60% من مساحة قطاع غزة، بينما يجثم الركام على معظم المساحة المتبقية، ونصبت خيامها البالية التي لا تقي البرد القارس ولا الرياح الشديدة ولا حتى هواء البحر وأمواجه التي تتقدم بين “مدٍّ وجزر” نحو الخيام، وعن ذلك يقول النازح أنس السمري[4] الذي يقيم خيمته على شاطئ البحر غرب غزة: “كل يوم نعيش كابوس غرق الخيمة واقتلاعها من مكانها مثلما حدث معنا في المنخفضات السابقة، فنحن ما بين رياح البحر التي تمزق الخيمة أو تزيلها من مكانها، وما بين سيول مياه الأمطار التي تنجرف علينا من الشرق، ومياه البحر التي تطفو علينا من الغرب، ليقضي أطفالنا ليلهم ما بين البلل والارتجاف من البرد بلا ملابس شتوية كافية”.

ولا تتوقف معاناة النازحين عند ذلك الحد، فقد أجبر أكثر من 620 ألف فلسطيني على العيش في بيوت متهالكة بسبب عشرات آلاف القذائف والصواريخ الإسرائيلية التي ألقيت عليها طوال عامين متوجسين من لحظة انهيارها، واضطر النازحون للعيش في تلك البيوت التي تملؤها التشققات، والأسقف المتضررة، والغرف التي تتسرب إليها المياه لانعدام الخيارات، بعدما دمرت قوات الاحتلال الإسرائيلي معظم المباني، ومنعت إدخال بيوت متنقلة ومواد بناء وإعمار، ما أدى إلى سقوط العديد من المنازل فوق رؤوس ساكنيها، وارتقاء 25 مواطناً، وفقاً للمتحدث باسم الدفاع المدني الفلسطيني في قطاع غزة محمود بصل[5]، وقال إنه ومنذ بدء تأثير المنخفضات الجوية على قطاع غزة، انهارت 18 بناية سكنية بشكل كامل، ما خلّف خسائر بشرية ومادية جسيمة، وتعرّضت أكثر من 110 بنايات سكنية لانهيارات جزئية خطيرة تشكّل تهديدًا مباشرًا لحياة آلاف المواطنين القاطنين فيها أو بمحيطها.

ومما يزيد من تعقيد حياة النازحين، البرد القارس الذي ينهش أجسادهم وأطفالهم، خاصة مع قلة الملابس والأغطية والخيام البالية التي لا توفر أية حماية، وكذلك عدم وجود وسائل تدفئة أو ملابس شتوية مناسبة، لتصبح فيها الأسر عرضة للأمراض التنفسية، وعن ذلك يقول أبو محمد أبو حامدة[6]، الذي فقد منزله ونزح وعائلته غرب مدينة غزة: “البرد قارس، والكبار يرتجفون، والصغار يبكون من شدته، لا يستطيعون النوم من زمهريره، وفي الصباح تجد أطرافهم متورمة وفي بعض الأحيان تميل إلى الزرقة، فلا ملابس شتوية، ولا أغطية، ولا حتى وسائل للتدفئة، لم نعد نرغب الشتاء وإذا بقينا على هذه الحال لن يبقى أي من أطفالنا على قيد الحياة”.

ووفقاً لمدير عام مجمع الشفاء الطبي محمد أبو سلمية[7]، فإن 6 من الأطفال فقدوا حياتهم نتيجة البرد القارس خلال الشهرين الماضيين ليرتفع عدد الوفيات، نتيجة البرد الشديد، منذ السابع من تشرين الأول 2023 وحتى كتابة التقرير إلى 21 شهيداً، بينما يعج المستشفى حالياً بحالات مرضية صعبة جداً، من نقص في الحرارة وبرودة شديدة وأخرى مصابة بالفيروسات التي تسبب التهابات الشعب الهوائية والتهابات الرئتين والتهابات الجهاز التنفسي، ومعظمهم يقطنون في خيام لا توفر لهم أية تدفئة أو حماية من البرد الشديد.

إن ذلك الواقع المأساوي الذي يعيشه الفلسطينيون في قطاع غزة، يكشف عن العقلية الإبادية التي تتحكم في المجتمع الصهيوني تجاه قطاع غزة. فقد أتاحت وسائل الإعلام العبرية استضافة الإسرائيليين الشامتين على الملأ ودون خجل بمأساة القطاع، وحوّلت العاملين في القناة وضيوفها إلى متنافسين حول من يظهر بمظهر الأكثر قسوة ووحشية وأقل آدمية، وسط إطلاق ضحكات ونكات مريضة إزاء النازحين الغارقين في مياه الأمطار، مثلما علق المختص في الأرصاد الجوية على القناة 14 العبرية في حديثه: “أقدّر أنه لن تبقى خيمة واحدة في مكانها”، وأضاف بسخرية: “ليست لدي مشكلة إن لم يبقَ هناك أشخاص أيضاً”، ليردّ المذيع “إنك تُفرحنا”.

ثانياً: أزمة الطاقة والتدفئة

مع بدء حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، دمرت قوات الاحتلال الإسرائيلي البنية التحتية لخطوط وشبكات الكهرباء ما أدى إلى انهيار منظومة الطاقة بالكامل، ليبحث سكان القطاع المحاصر عن بدائل لذلك، فكان الاعتماد على أنظمة الطاقة الشمسية، المنزلية والتجارية، كمصدر بديل لتوفير الحد الأدنى من الكهرباء، رغم محدودية قدرتها خاصة في فصل الشتاء، نتيجة تلبد السماء بالغيوم وغياب الشمس ما يؤدي إلى شلل شبه كامل في تفاصيل حياة الغزيين اليومية، وغيابهم عن العالم لاعتمادهم الكلي على الطاقة الشمسية كمصدر وحيد تقريباً للكهرباء منذ بدء العدوان.

فمع غياب الشمس تغيب الكهرباء، وتتوقف عجلة الحياة، ولم يعد لديهم القدرة على شحن الهواتف المحمولة وأجهزة الحاسوب وجهاز “الراوتر” للإنترنت، مما يعزل السكان عن العالم الخارجي ويمنعهم من متابعة الأخبار أو إكمال مهامهم الوظيفية، فقد أدى انقطاع الطاقة الكهربائية إلى فصل الإنترنت عن ماري فتحي[8] التي تعمل صحفيةً حرّة مع وسائل الإعلام، “أصبحت المنخفضات الجوية تمثل عائقاً أمام استكمال مهامي الوظيفية واضطراري إلى التأخر في تسليمها، فضلاً عن انقطاعي عن متابعة الأخبار، إذا لم أعمل على الحفاظ على شحن بطارية الهاتف المحمول الخاص بي”.

وفي شهادة أخرى للطالبة حنين عبدو[9]، تقول: “كلما غابت الشمس أشعر بالإحباط، فغيابها يعني توقف جهاز الطاقة، الذي أعتمد عليه في متابعة محاضراتي الجامعية وإرسال اختباراتي الإلكترونية”.

كل ما سبق يحدث في ظل توافر الضوء في النهار، فإذا ما حل الليل تغط معظم المباني والخيام في ظلام دامس إلا من بعض إضاءات خافتة حافظت عليها البطاريات في داخلها، “فلا يمكن لنا القيام بأية مهام خلال الليل، حيث إننا ننتظر أذان العشاء لنصلي ونجلس نتأمل في الظلام حتى نغفو وننام، فالبطارية التي لدينا ضعيفة وبالكاد تضيء لنا عندما يتم شحنها على ألواح الطاقة الشمسية، ولذلك عندما تغيب الشمس نعلم أن الظلام سيكون حليفنا في تلك الليلة”[10].

أما أصحاب الأكشاك التي تعمل في المهنة التي استحدثت في حرب الإبادة، والمتمثلة في شحن الأجهزة والبطاريات الكهربائية، فإن دخلهم في اليوم الذي تتلبّد فيه السماء بالغيوم يتوقف لعدم وصول الضوء إلى الخلايا الشمسية، عن ذلك يقول محمد سمور: “اليوم الماطر يعني يوماً بلا دخل، فالمواطنون يحتاجون إلى شحن هواتفهم المحمولة وبطاريات الإضاءة، لكن الألواح لا تُنتج ما يكفي”.

تُعطّل الغيوم أيضاً عمل مضخات المياه التي تعمل بالطاقة الشمسية، مما يزيد من أزمة الحصول على مياه الشرب والاستخدام المنزلي.

ويفاقم غياب الطاقة والوقود الأزمة، إذ تجد العائلات نفسها عاجزة عن تأمين أي وسيلة للتدفئة في ظل انخفاض درجات الحرارة ليلاً داخل خيامها البلاستيكية ومبانيها المدمرة، نظراً للحصار المطبق على قطاع غزة ما أدى إلى حرمانهم أي من وسائل للتدفئة، فانقطاع الكهرباء لا يسمح للمواطنين بتشغيل أجهزة التدفئة الكهربائية، كما أنّ شح الوقود، والغاز خاصة، منع الغزيين من استخدام (الصوبّة) للتدفئة، بينما يعاني قطاع غزة من شح الحطب الذي يعتمد عليه السكان في طهو الطعام، أدّى ذلك كلّه إلى انتشار الأمراض التنفسية لدى الكبار، وفقدان الحياة لدى العديد من الصغار بعدما تجمدت أجسادهم من البرد القارس.

ومما يزيد الأمور صعوبة على الغزيين، افتقار القطاع إلى الملابس الشتوية والأغطية والأفرشة، نتيجة حظر جيش الاحتلال الإسرائيلي إدخال تلك البضائع باستثناء القليل منها في ظل الحاجة الكبيرة لها، خاصة وأن معظم الفلسطينيين فقدوا جل احتياجاتهم خلال عامين من الإبادة الجماعية “خرجنا من بيوتنا تحت وابل من الأحزمة النارية ولم نستطع حمل أي شيء من أمتعتنا وملابسنا الشتوية على أمل العودة لها، لنجد بيوتنا قد مسحت ولا يوجد سوى الركام، وفي شتاء 2023 استطعنا تدبر أمرنا مما هو متوافر في الأسواق، إلا أننا فقدناها أثناء نزوحنا المتكرر جراء ملاحقة جيش الاحتلال لنا، حتى نفدت من الأسواق، وما هو متوافر يباع بأسعار باهظة لا نقوى على شرائها”[11].

ثالثاً: محدودية الاستجابة الإنسانية

تكشف معاناة الفلسطينيين في فصل الشتاء عن فجوة واضحة بين احتياجات السكان الفعلية وبين حجم المساعدات التي تصل إلى قطاع غزة، فمذ أعلن عن اتفاق وقف إطلاق النار والاحتلال الإسرائيلي يواصل تنصله من الالتزامات الواردة في الاتفاق وخاصة ما يتعلق بالبروتوكول الإنساني، حيث يمنع إدخال المواد الأساسية كالخيام الشتوية والبيوت المتنقلة “الكرفانات” والأغطية، وبحسب وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) فإن الاحتلال الإسرائيلي يمنع أونروا من إدخال ستة آلاف شاحنة محملة بمئات آلاف الخيام ومئات آلاف الأغطية والملابس الشتوية، بالإضافة إلى مواد غذائية تكفي قطاع غزة لمدة ثلاثة أشهر، وجميعها محتجزة على أبواب القطاع، في انتهاك واضح للقانون الدولي الإنساني والمادة 55 من اتفاقية جنيف الرابعة.

وعلى الرغم من ضعف الاستجابة الإنسانية التي تقدمها المؤسسات الدولية لسكان قطاع غزة، في ظل إغلاق المعابر الحدودية وتحكم جيش الاحتلال الإسرائيلي بها، إلا أن ذلك لم يَرُق للاحتلال وأعلن عن حظر 53 منظمة دولية غير حكومية عاملة في الأراضي الفلسطينية، وإلغاء تراخيص عمل 37 منها مطلع شهر يناير/ كانون الثاني 2026، والتي تُدخل مساعدات إنسانية إلى قطاع غزة الذي يواجه فيه المدنيون احتياجات إنسانية حادة وواسعة النطاق، وفي مقدمة تلك المنظمات الإنسانية الدولية التي تشكّل العمود الفقري للاستجابة الإنسانية في قطاع غزة، ولا سيّما في ظل تقويض دور “الأونروا”، منظمة “أطباء بلا حدود” التي تقدّم خدمات طبية طارئة ومنقذة للحياة، و”المجلس النرويجي للاجئين” المعني بإيواء النازحين وتقديم المساعدات الأساسية، ومنظمة “أوكسفام” العاملة في مجالات المياه والصرف الصحي والأمن الغذائي، وغيرها من المنظمات الإنسانية.

وزعم الاحتلال أن إلغاء تراخيص عمل تلك المنظمات تم بدعوى رفضها تقديم قوائم بأسماء موظفيها والتعاون مع إجراءات التسجيل الأمني الجديدة، لكن صحيفة “هآرتس” العبرية، قالت إن قرار سلطات الاحتلال سحب تراخيص منظمات الإغاثة الدولية يعود إلى أسباب سياسية بحتة.

خاتمة

تُظهر معاناة الفلسطينيين في قطاع غزة مع دخول فصل الشتاء حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها السكان مع دخول العام الجديد 2026، حاملاً معه إرثاً ثقيلاً من الهموم والمأساة الإنسانية، يخوض فيها مئات الآلاف من الفلسطينيين معركة البقاء تحت خيام مهترئة غمرتها مياه الأمطار والبحر والوحل، والذي يتزامن مع عدم تنفيذ الاحتلال الإسرائيلي ما عليه من التزامات اتفاق وقف إطلاق النار الهش، والقيود الأخيرة التي شلت عمل عشرات منظمات الإغاثة الدولية، ويضع القطاع أمام كارثة إنسانية غير مسبوقة تتجاوز في آثارها الدمار العسكري المباشر.

إن استمرار منع دخول الخيام والبيوت المتنقلة والوقود ومعدات التدفئة والمستلزمات الطبية الأساسية ومواد الترميم، يعني حكماً بالموت البطيء على الأطفال وكبار السن ممن لا تقوى أجسادهم على مقاومة أمراض البرد والشتاء، وهو ما يلقي بالمسؤولية الكاملة على المجتمع الدولي بضرورة الضغط على الاحتلال الإسرائيلي لفتح المعابر دون شرط أو قيد، ورفع القيود عن المنظمات الدولية وسلاسل الإمداد فوراً، وضمان تدفق المساعدات دون شروط سياسية أو إدارية، فالتأخير في الاستجابة لا يعني نقصاً في الغذاء والدواء فحسب، بل يعني مزيداً من الأرواح التي ستزهق ببرد الشتاء وصمت العالم.


[1] المكتب الإعلامي الحكومي، ديسمبر 2025، بيان صحفي رقم (1035).

[2] مقابلة أجرتها الباحثة مع النازحة من مدينة غزة إلى منطقة مواصي خانيونس ميرفت مشتهى، بتاريخ . (24/12/2025)

[3] مقابلة أجرتها الباحثة مع النازحة من شمال قطاع غزة إلى منطقة مواصي خانيونس رولا أبو هاشم، بتاريخ (27/12/2025).

[4] مقابلة أجرتها الباحثة مع النازح من شرق مدينة غزة إلى شاطئ بحر غزة أنس السمري، بتاريخ (27/12/2025).

[5] مقابلة أجرتها الباحثة مع المتحدث باسم الدفاع المدني الفلسطيني في قطاع غزة محمود بصل، بتاريخ (30/12/2025).

[6] مقابلة أجرتها الباحثة مع النازح في مدينة غزة أبو محمد أبو حامدة، بتاريخ. (29/12/2025)

[7] مقابلة أجرتها الباحثة مع مدير مجمع الشفاء الطبي د.محمد أبو سلمية، بتاريخ. (30/12/2025)

[8] مقابلة أجرتها الباحثة مع الإعلامية في مدينة غزة ماري فتحي، بتاريخ (1/1/2026).

[9] مقابلة أجرتها الباحثة مع الإعلامية في مدينة غزة ماري فتحي، بتاريخ (1/1/2026).

[10] مقابلة أجرتها الباحثة مع النازحة في خيمة بمدينة غزة هبة أبو كميل، بتاريخ (1/1/2026).

[11] مقابلة أجرتها الباحثة مع النازحة من منطقة الكرامة إلى غرب مدينة غزة شريفة شاهين، بتاريخ (1/1/2026).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى