الاعتراف الإسرائيلي بـ”أرض الصومال” كصراع على النفوذ في المنطقة

أعلنت “إسرائيل” في 26 ديسمبر 2025 اعترافها بإقليم “صومالي لاند” الانفصالي دولةً مستقلةً، في خطوة تتجاوز إطارها الإفريقي المباشر، وتأتي في سياق التحولات الإقليمية التي أعقبت حرب غزة منذ أكتوبر 2023. فالاعتراف يُعبّر عن انتقال إسرائيلي نحو توسيع مجال الفعل الإقليمي في لحظة تشهد فيها المنطقة إعادة تشكيل لأوزان القوة، وتصاعد أهمية الممرات البحرية، مع تراجع الضوابط التقليدية التي حكمت إدارة الصراع في المنطقة.

تنطلق هذه الورقة من قراءة هذا الاعتراف بوصفه فعلًا سياسيًا–إستراتيجيًا، يعكس كيفية استثمار “إسرائيل” للتحولات التي فرضتها خلال حرب غزة بما يعزّز نفوذها ويخدم مصالحها الأمنية والسياسية على المدى الطويل. وهو ما يأتي من منطلق طرح التساؤل حول لماذا “صومالي لاند”؟ ولماذا في هذا التوقيت؟

الاعتراف “بصومالي لاند”: السياق والمسار

لم يكن الاعتراف “بصومالي لاند” بوصفها “دولة مستقلة” حدثًا دبلوماسيًا منقطع السياق، بل جاء تتويجًا لمسار تنسيقي تراكمي من التحضيرات الثنائية غير المعلنة. وتجدر الإشارة إلى أنّ إسرائيل كانت إحدى الدول، من بين 35 دولة، التي سارعت إلى الاعتراف بأرض الصومال في يونيو/حزيران 1960 فور استقلالها عن الاستعمار البريطاني، غير أنّ ذلك الاعتراف سقط سريعًا مع إعلان الوحدة بين الصومال البريطاني (أرض الصومال) والصومال الإيطالي (حكومة مقديشو) في الأول من يوليو/تموز، الذي نال هو الآخر استقلاله حينها عن الاستعمار الإيطالي. ولعل هذا الأمر يحمل دلالات تاريخية عن تفكير إسرائيلي قديم بالتغلغل في منطقة القرن الأفريقي، وتحديدًا قبالة شواطئ البحر الأحمر ومضيق باب المندب. لا سيما أنّ إسرائيل كانت في تلك الحقبة في أتون صراعها مع الدول العربية، الذي كان البحر الأحمر إحدى ساحاته التي تظل تشكّل فتيل أزمة تؤدي إلى حروب كما حدث في العدوان الثلاثي على مصر 1956 وحرب النكسة 1967، على أقله حسب سردية إسرائيل حول عدّها إغلاق مضيق تيران أمامها بمنزلة إعلان حرب.

لاحقًا، ومع تراجع الصراع العربي الإسرائيلي وتوقيع اتفاقية كامب ديفيد مع مصر 1979، وتأمين حرية الملاحة الإسرائيلية في البحر الأحمر، تراجعت أهمية منطقة القرن الإفريقي لدى إسرائيل، ما تصاعد مع غرق الصومال منذ التسعينيات في أتون حرب أهلية وصراعات داخلية جعلته جغرافية منفّرة؛ إلا لدى الدول التي تبحث عن موطئ قدم ونفوذ لها إما بالاستثمار في تعزيز استقرار الصومال، أو بالاستثمار في الفوضى السياسية والنزاعات الداخلية فيه.

ومع ذلك، فقد كانت هناك بوادر لرغبة إسرائيلية أرض صومالية في إقامة علاقات من نوع ما، منذ أعادت أرض الصومال إعلان استقلالها عام 1990. ففي العام 1995 بعث رئيس إقليم أرض الصومال محمد إبراهيم عقال رسالة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين يعرض عليه فيها إقامة علاقات دبلوماسية واعتراف متبادل، مذكّرًا بأهمية البحر الأحمر والقرن الإفريقي لإسرائيل، ومذيّلًا إياها بقائمة طلبات يرجوها، شملت مساعدات عسكرية وإنسانية، ودعمًا سياسيًّا لانفصال أرض الصومال. ورغم أن تلك الرسالة مشهورة وترد الإشارة إليها في مختلف المصادر، إلا أنّه لا يوجد أي ذكر لرد إسرائيلي عليها. ولعل هذا ما يعزّز ما ذهبنا إليه من تراجع أهمية المنطقة لدى إسرائيل حينها.

غير أنه مع انطلاق مسار التطبيع – اتفاقيات أبراهام- منذ عام 2020 أخذ اسم الصومال يتردد في ظل حديث وزير خارجية إسرائيل حينها، إيلي كوهين، عن احتمالية انضمام 7 دول عربية وإسلامية للتطبيع مع إسرائيل، وقيل إنه من ضمنها الصومال. لم يأت طرح اسم الصومال كدولة محتملة اعتباطيًّا، وإنما على خلفية لقاءات جمعت مسؤولين إسرائيليين بصوماليين، من بينهم رئيس الصومال محمد فرماجو الذي التقى مرتين بنتنياهو، مرة عام 2017 في كينيا، ومرة أخرى في زيارة سرية إلى القدس عام 2020، حسب ما أوردت صحيفة تايمز أوف إسرائيل. وفي هذه الحالة أيضًا، لا يبدو أن إسرائيل أو الولايات المتحدة كانتا متحمستين لانضمام الصومال، ولا إقليم أرض الصومال حتى – وهو الذي كان يبرق برسائل لهما مبديًا رغبته بالانضمام إلى مسار التطبيع دون استجابة – وذلك بسبب النظرة الأمريكية الإسرائيلية المتدنية لقيمة المصالح التي قد يضيفها انضمام الصومال إلى اتفاقيات أبراهام.

بناءً على ذلك، ومن باب أنّ الصومال الاتحادي نفسه لم يثر الاهتمام الإسرائيلي، فإن إقليم أرض الصومال نفسه لم يكن ينظر إليه بأهمية أيضًا، على الرغم من أنّ هناك تقارير تحدثت عن تعاون أمني وعلاقات عسكرية بين إسرائيل وأرض الصومال خلال السنوات الماضية، ولكنها غير مؤكدة بطبيعة الحال، وتظل في دائرة الشائعات إلى حين ثبوتها. ما يعزز هذا الطرح هو التصريحات التي أدلى بها الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود عقب الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، جاء فيها أنّ إسرائيل “لم تكن لديها اهتمامات أو علاقات بالقرن الأفريقي، ولم نكن نتوقع اعترافها، واستغربنا تدخلها بلا داع وقفزها على الموضوع”. على الرغم أنّ الرئيس الصومالي من أبرز المروجين للمعلومات التي تتحدث عن وجود علاقات إسرائيلية أرض صومالية تاريخية، فإنّ حديثه عن عدم الاهتمام الإسرائيلي بالقرن الإفريقي يبدو منطقيًّا إذا ما قرأناه في ظل التقارير السابقة التي تحدثت عن فتور إسرائيلي تجاه انضمام الصومال إلى اتفاقيات أبراهام.

عادت الصومال، وإقليم أرض الصومال، إلى محطّ الاهتمام الإسرائيلي مع اندلاع حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة وما رافقها من تقارير إسرائيلية تتحدث عن تواصل إسرائيلي مع عدد من الدول لتهجير الفلسطينيين من قطاع غزة إليها، من بينها الصومال. وفي حين أنّ تلك الدول عارضت فكرة التهجير إلى أراضيها، فقد زعمت هيئة البث الإسرائيلية في مارس/آذار 2025 أن وزير خارجية إقليم أرض الصومال، عبد الرحمن ظاهر أدان، بعث برسالة إلى إسرائيل مبديًا فيها انفتاح إقليمه على التعاون في هذا الموضوع. ولكن تجدر الإشارة إلى أنّ كل الدول التي قيل إنه عُرض عليها استقبال الفلسطينيين، بما يشمل أرض الصومال، قد نفت ذلك علانية.

مع اعتراف إسرائيل بأرض الصومال أصبحت أول دولة تعترف بهذا الكيان المنفصل الذي أعلن انفصاله ذاتيًا عن الصومال منذ عام 1991. وفي إطار الاعتراف أعلنت إسرائيل نيتها إقامة علاقات دبلوماسية كاملة تشمل التعاون في مجالات متعددة كالزراعة والصحة والتكنولوجيا والاقتصاد. وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة لأنها تضع الاعتراف في إطار جهد إستراتيجي منظّم، جرى تطويره عبر قنوات سياسية وأمنية متعددة، حتى وإن لم تُكشف تفاصيله كاملة في المصادر المفتوحة.

ويؤكد تسارع الخطوات التنفيذية بعد الإعلان، ولا سيما الزيارة الرسمية التي قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إلى هرجيسا في 6 يناير/كانون الثاني ولقاؤه قيادة الإقليم الانفصالي، وجود تفاهمات جاهزة للتفعيل فور إعلان الاعتراف. حيث صرّح ساعر بأنّ الاعتراف جاء نتيجة حوارات طويلة ومستمرة بدأت في أبريل2024، كما تزامن اللقاء مع تقارير إسرائيلية تحدثت عن العمل على إنشاء قاعدة عسكرية إسرائيلية في الإقليم. لاحقًا أخذت الصحافة الإسرائيلية تنشر معلومات عن مفاوضات وجهود ولقاءات طيلة أشهر سبقت الاعتراف الإسرائيلي، قادها بشكل أساسي من الجانب الإسرائيلي جدعون ساعر، ورئيس جهاز الموساد ديفيد برنياع، والمستشار السابق للأمن القومي تساحي هنغبي، بدعم من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.  وفي إطار هذه المفاوضات، زار عبد الرحمن محمد عبد الله، رئيس إقليم أرض الصومال، إسرائيل سرًا قبل أشهر من الاعتراف، والتقى مع نتنياهو وساعر وبرنياع ووزير الأمن يسرائيل كاتس.

يطرح ذلك السياق سؤالًا كبيرًا حول تفضيل إسرائيل الاعتراف بأرض الصومال وإقامة علاقات معها، وليس التوجه نحو إقامة علاقات مع الصومال الاتحادي، وهو الذي أبدى رغبته في الانضمام إلى اتفاقيات أبراهام مسبقًا. ولعل تفسير ذلك يكمن في طبيعة الأهداف الإسرائيلية التي تقف وراء الاعتراف بإقليم أرض الصومال التي سنناقشها أدناه.

 المصالح الإسرائيلية: من الأمن البحري إلى التوسّع الإستراتيجي

شكّلت عملية “طوفان الأقصى” اختبارًا للمقاربة الأمنية الإسرائيلية، إذ تجاوزت تداعياتها النطاق الجغرافي الفلسطيني، لتطال المجال البحري الجنوبي المرتبط بالبحر الأحمر وباب المندب، المؤثر مباشرةً على التجارة البحرية الإسرائيلية. فمنذ نوفمبر 2023، تعاملت “إسرائيل” مع دخول جماعة “أنصار الله” (الحوثيين) كجبهة عمليات إسنادية، بوصفها جزءًا من الصراع القائم وجبهات الحرب. وعلى الرغم من تنفيذها سلسلة من الضربات، فإنها لم تتمكن من ردع الحوثي وإيقاف عملياته، مشيرةً إلى طول المواجهة المستقبلية. ذلك ما أدخل البحر الأحمر عمليًا ضمن حساباتها الأمنية والإستراتيجية، بعد أن كان يُنظر إليه سابقًا كمجال تجاري دولي بعيد نسبيًا عن خطوط الاشتباك المباشر.

وهنا، يبرز القرن الإفريقي بوصفه مجالًا ملاصقًا جغرافيًا لباب المندب، وقابلًا للتحول إلى عمق أمني وإستراتيجي إضافي للاحتلال. فلا يقتصر هذا التوجه على تأمين خطوط الملاحة، بل يتصل بمحاولة “إسرائيل” إعادة تعريف مجالها الحيوي الإقليمي، لتوسيع مجال نفوذها وترسيخ قدراتها على المبادرة والانخراط، وتثبيت مركزيتها في النظام الإقليمي، إلى جانب توسيع نقاط الارتكاز خارج جغرافيا الصراع العربي–الإسرائيلي التقليدي، بما يتيح لها استمرار تحييد النفوذ الإيراني ومراقبة أي تمدد إقليمي منافس، لا سيما التركي، ضمن هذا المنطق.

في هذا الإطار، يكتسب إقليم “صومالي لاند” أهمية خاصة في الحسابات الإسرائيلية بالنظر إلى موقعها الجغرافي على خليج عدن عند المخرج الجنوبي للبحر الأحمر عبر مضيق باب المندب، أحد أهم نقاط الاختناق البحرية في العالم، والذي تمر عبره نحو 12% من حركة الشحن والتجارة العالمية، ونسبة كبيرة من إمدادات الطاقة بين الشرق والغرب. ما يمنح الإقليم قيمة إستراتيجية للدول التي تسعى لكسب عمق أمني وإستراتيجي في بحر تتداخل فيه مصالح اقتصادية وعسكرية متعددة. من هذا المنطلق، تمثل “صومالي لاند” موقعًا ذا جدوى استخباراتية وأمنية محتملة للاحتلال، حيث يوفّر له الإقليم إمكانية الانخراط في ترتيبات أمنية بحرية بصورة غير مباشرة، عبر شراكات مراقبة ورصد استخباراتي تتيح استخدام السواحل والموانئ كنقاط ارتكاز إستراتيجية، في ظل انفتاح الإقليم على قوى خارجية مقابل مكاسب سياسية واقتصادية.

فمن جهة؛ يتخذ الاعتراف بعدًا أمنيًا أوضح عند ربطه بالساحة اليمنية. فقد شكّل صعود الحوثيين، وسيطرتهم الفعلية على الساحل الغربي لليمن، عاملًا جديدًا في معادلة الأمن البحري، بعدما باتوا قادرين على تهديد الملاحة في البحر الأحمر وربط العدوان الإسرائيلي مباشرة بممرات التجارة الدولية. في هذا السياق، يمكن فهم الاعتراف كجزء من إستراتيجية التطويق والبحث الإسرائيلي عن “عمق بحري” يتيح الرصد والمراقبة والتنسيق الاستخباراتي بالقرب من مسرح الاشتباك اليمني المباشر، بما يمنح “إسرائيل” هامش مناورة أوسع في التعامل مع فاعل غير دولي عالي التعقيد، أثبت خلال الحرب صعوبة ردعه. كما يظل احتمال توجيه ضربات دقيقة ضد الحوثيين باستخدام “صومالي لاند” كمنصة عسكرية قائمًا ضمن هذا الإطار.

ويتعزز هذا البعد عند إدراج الدور الإيراني في التحليل. فإيران، بوصفها الداعم الرئيس للحوثيين، تمثّل الفاعل غير المباشر الأهم في معادلة البحر الأحمر. من هنا، لا يوجَّه الاعتراف “بصومالي لاند” إلى صنعاء فقط، بل يُقرأ أيضًا كإشارة إلى طهران حول قدرة “إسرائيل” على توسيع أدوات حضورها البحري وبناء قدرة ردع مرنة عبر وسائل غير تقليدية. حيث يكتسب الاعتراف دلالته العملياتية من دوره المُحتمل ضمن مرحلة “ما قبل الضربة”، من حيث الرصد والإنذار المبكر والتموضع اللوجستي والاستخباراتي، بما يسمح بمراقبة حركة السفن والطائرات المسيّرة، وتتبع خطوط الإمداد المرتبطة بالحوثيين، سواء القادمة من إيران أو المتجهة نحو البحر الأحمر.

ومن جهة أخرى؛ يكتسب الاعتراف “بصومالي لاند” بعدًا مرتبطًا بتقويض الحضور التركي المتنامي في المنطقة. فمنذ عام 2011، راكمت أنقرة نفوذًا سياسيًا وعسكريًا في مقديشو، تمثل بإنشاء قاعدة عسكرية عام 2017، مع مساهمة مباشرة في إعادة بناء الجيش الصومالي، فضلًا عن توسيع حضورها في غرب ليبيا عبر اتفاقيات بحرية وأمنية منذ عام 2019. في هذا الإطار، يقرأ الاعتراف الإسرائيلي بصومالي مدخلًا للالتفاف على مجال نفوذ تركي قائم، إذ يتيح للاحتلال الدخول إلى القرن الإفريقي عبر بوابة لا تمر بمقديشو ولا تخضع للنفوذ التركي المباشر. كما يتكامل هذا المسار مع تحالفات إسرائيلية موازية، أبرزها التعاون مع اليونان وقبرص، لاحتواء النفوذ التركي في مناطق مثل سورية وشرق المتوسط. بالتالي فإن الوجود الإسرائيلي في “صومالي لاند”، يوجّه لأنقرة رسالة مفادها أن النفوذ التركي في الإقليم ليس محصنًا، وأن هناك أدوات سياسية وجغرافية لتطويقه أو تقليص أثره الرمزي، كالعمل في الهوامش الجغرافية بدل المواجهة المباشرة.

الاعتراف الإسرائيلي وتنافس النفوذ في القرن الإفريقي

من الممكن المجادلة بأنّ المصالح المرجو تحقيقها من الاعتراف بأرض الصومال يمكن لإسرائيل تحقيقها من خلال علاقاتها بأرتريا مثلًا، أو من خلال تبادل الاعتراف مع الصومال الاتحادي. ولكن لا يمكن فهم الاعتراف الإسرائيلي “بصومالي لاند” خارج البنية الجيوسياسية للقرن الإفريقي، بوصفه منطقة ذات سيولة إستراتيجية، تتراكب فيه هشاشة الدول مع تعدد الفاعلين المحليين والإقليميين، ويتقاطع فيه التنافس على الممرات البحرية الحيوية والموانئ الإستراتيجية، بما ينعكس مباشرة على توازنات البحر الأحمر وخليج عدن. في هذا السياق، لا يأتي الاعتراف الإسرائيلي بوصفه منتجًا لتحالفات فورية، بل كفعل تموضع محسوب داخل ساحة تنافس قائمة أصلًا. فإسرائيل بخطوتها تلك، تدخل في منطقة تتقاطع فيها المصالح والنفوذ مع قوى إقليمية أخرى ما يعني أن هناك منافسين سيحدّون من النفوذ الإسرائيلي في الصومال نفسه المعني بتوسيع شبكة علاقاته مع قوى إقليمية تساهم في استقراره ووحدته، في ظل وجود قوى إقليمية أخرى تسعى لتهديد وحدته السياسية الهشة أساسًا.

تبحث إثيوبيا، بوصفها الدولة الحبيسة الأكبر في القارة، منذ سنوات لتأمين منفذ بحري يقلل اعتمادها شبه الكامل على جيبوتي، وقد تجسدت هذه الرغبة في مذكرة التفاهم مع “صومالي لاند” التي خلقت توترًا إقليميًا مع الحكومة الصومالية في مقديشو، لكنها في الوقت ذاته تُظهر كيف يمكن للفراغات السياسية والظروف المحلية الهشة أن تتقاطع مع التنافس الإقليمي، وتفتح الباب أمام قوى خارجية توظفها كأدوات نفوذ. ضمن هذا الإطار، يمكن قراءة الحضور الإسرائيلي في الإقليم كعنصر يتقاطع وظيفيًا مع السعي الإثيوبي لفك العزلة الجغرافية، وقد ينعكس على تشكيل تنسيق مباشر أو تحالف ثلاثي، تحكمه معادلات المصالح.

في الوقت ذاته، يدخل الاعتراف الإسرائيلي إلى بيئة سبق أن تشكّلت فيها شبكة نفوذ إماراتية واضحة، عبر الاستثمار في موانئ “صومالي لاند” والبنى اللوجستية المرتبطة بها، لتعزيز نفوذها المباشر في ساحة إستراتيجية تؤثر في حركة التجارة والسياسات الملاحية. وهو ما يتيح لإسرائيل التمركز داخل فضاء جرى تأمينه مسبقًا من حيث الاستقرار النسبي والبنية التحتية، بما يقلّل كلفة الدخول ويمنح مناورة أعلى، ويفتح المجال أمام شراكات أمنية وبحرية محتملة تخدم مصالح متقاطعة.

في المقابل، يُنظر إلى الاعتراف الإسرائيلي كعامل إرباك لفاعلين إقليميين مركزيين، ولا سيما مصر وتركيا. فبالنسبة لمصر، يتقاطع أي حضور إسرائيلي في محيط البحر الأحمر مع اعتبارات أمن الملاحة وقناة السويس، التي تشكل ركيزة أساسية في الأمن القومي المصري، ليس فقط بوصفها ممرًا اقتصاديًا عالميًا، بل كعنصر إستراتيجي مرتبط بتوازنات مكانة مصر وقوتها الإقليمية. وتتضاعف هذه الحساسية في ظل استمرار الخلاف مع إثيوبيا حول سد النهضة، حيث يتداخل ملف مياه النيل مع الأمن البحري في البحر الأحمر، ما يجعل أي تحرك إسرائيلي في القرن الإفريقي ذا انعكاسات مباشرة على القاهرة.

أما تركيا، فقد عملت خلال العقد الأخير على ترسيخ نفوذ سياسي وعسكري واقتصادي في القرن الإفريقي، خصوصًا عبر الصومال، في سياق تنافسها غير المباشر مع الإمارات وأطراف أخرى على الممرات البحرية والمجالات الاستثمارية. ومن هذا المنظور، يُقرأ الاعتراف الإسرائيلي اختراقًا لحيّز تعتبره أنقرة ضمن دوائر نفوذها الحيوية. ويزداد تعقيد المشهد مع الدور الإيراني غير المباشر عبر الحوثيين في اليمن وتفاعلاته مع “حركة الشباب” الجهادية في الصومال -حسب ما تزعمه بعض التقارير– ما يضغط على الأمن البحري، ويعمّق هشاشة التوازنات القائمة.

ضمن هذا التشابك، يدخل الاعتراف الإسرائيلي “بصومالي لاند” عاملًا جديدًا يعيد ترتيب الاصطفافات الإقليمية بطريقة تتجاوز البعد الثنائي إلى التأثير في توازنات نفوذ قائمة أصلًا، وهو ما عكسته ردود فعل إدانة دول عربية وإسلامية وإفريقية. ففي حين قد يفتح الاعتراف المجال أمام تعزيز تنسيق غير معلن بين “إسرائيل” ودول مثل الإمارات وإثيوبيا، بما يتكامل مع مصالحها في بربرة وباب المندب، فإنه في المقابل يعقّد حسابات مصر وتركيا عبر تقويض مركزية نفوذهما التقليدية. كما يعزز التصعيد المباشر مع إيران واليمن، من خلال توسيع قدرة “إسرائيل” على العمل في البحر الأحمر وخليج عدن، وما يترتب على ذلك من إعادة ضبط للموازنات الأمنية الإقليمية.

لماذا أرض الصومال تحديدًا؟

يمثل الاعتراف الإسرائيلي في حسابات الإقليم، فرصة سياسية ودبلوماسية ذات أهمية خاصة في مسار سعيه الطويل نحو الاعتراف الدولي. إذ قد يمثل لهم مدخلًا لكسر حالة العزلة القانونية التي يعيشها منذ انفصاله الأحادي، ويشكّل نصًا دبلوماسيًا يمكن توظيفه في مساعٍ لاحقة للحصول على اعترافات إضافية، لا سيما أنه يأتي من دولة تمتلك وزنًا سياسيًا ودبلوماسيًا فاعلًا في النظام الدولي. وبذلك، لا يكتسب الاعتراف أهميته من كونه الأول فقط، بل من كونه اعترافًا ذا قيمة رمزية يمكن البناء عليه.

إذا عدنا للوراء، فإن سعي أرض الصومال للحصول على اعتراف إسرائيل على وجه الخصوص له ما يبرره من وجهة نظرها. إذ قال عبد الرحمن تور، أول رئيس لإقليم أرض الصومال، إن تواصل محمد إبراهيم عقال مع إسرائيل من خلال السفير الإسرائيلي في أرتيريا كان منطلقًا من اعتقاده بأن العلاقة مع إسرائيل هي بوابة بناء العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية التي قد تفتح له المجال لاحقًا أمام الاعتراف الدولي بإقليم أرض الصومال.

من ناحية أخرى، فبالإشارة إلى الرسالة المزعومة التي بعثها بها وزير خارجية أرض الصومال إلى إسرائيل حول انفتاح بلاده على فكرة تهجير الغزيين، فيرد فيها: ” “المهم بالنسبة لنا هو الحصول على الاعتراف…، ثم يمكننا الحديث عن أمور أخرى”. علاوة على ذلك، ففي مقال نشره كاتب من أرض الصومال باسم ف. حسين، في صحيفة جروزاليم بوست الإسرائيلية يوضح أنّ اعتراف إسرائيل بإقليمه هو الطريق الأقصر نحو الاعتراف الدولي، خاصة لدى الدول الغربية. إذ يقول فيه: “إن الاهتمام الروسي المزعوم بإنشاء قاعدة عسكرية في أرض الصومال، على الرغم من كونه تطورًا إيجابيًّا محتملًا، يهدد علاقة أرض الصومال الوثيقة مع واشنطن والاتحاد الأوروبي، وعليه فإن إسرائيل تمثل قطعة مفقودة رئيسة في لغز أرض الصومال”.

وعليه، فإن تلك الرغبة الجامحة لإقليم أرض الصومال بالحصول على الاعتراف الإسرائيلي على وجه الخصوص، مدفوعة برغبته في الحصول على الرضا الغربي والأمريكي تحديدًا كمقدمة للانفصال والاستقلال الفعلي. وهو أمر غير مستبعد، إذ إنّ هناك تقارير قد تحدثت عن مفاوضات أمريكية مع أرض الصومال في مارس/آذار 2025 حول اعتراف أمريكي مقابل إقامة قاعدة عسكرية أمريكية في ميناء بربرة. وعقب الاعتراف الإسرائيلي صرّح السيناتور الأميركي تيد كروز بأنّ “الاعتراف بأرض الصومال يتماشى مع المصالح الأمنية الأميركية”.

خاتمة

لا يمكن فهم الاعتراف الإسرائيلي “بصومالي لاند” بوصفه خطوة معزولة أو استجابة ظرفية لتداعيات حرب غزة، بل ينبغي إدراجه ضمن نمط اشتغال إسرائيلي راسخ في المجال الإقليمي، يقوم على الانخراط مع فواعل غير مركزية في البيئات الهشّة واستثمار مناطق السيولة السياسية والأمنية، بوصفها مساحات قابلة لإعادة التموضع وتوليد النفوذ، وبناء أدوات تأثير دون مواجهة مباشرة مع دول مركزية، من خلال التحرك في الفراغات وتحويل الأزمات إلى فرص إستراتيجية طويلة الأمد.

تُظهر التجربة التاريخية والراهنة للسياسة الإسرائيلية-كما في سوريا مثلًا-، أنّ الاحتلال كيان يتغذّى على مناطق الاضطراب المتنازع عليها، ويعيد إنتاج نفوذه عبر الاستثمار في الأقليات، والطوائف، والكيانات غير المكتملة، والحركات الانفصالية، والفراغات السيادية. وهو ما يشكّل امتدادًا لما عُرِف “بعقيدة الأطراف” منذ خمسينيات القرن الماضي، التي هدفت إلى بناء شبكات تحالف خارج المحيط العربي المباشر لتطويق الخصوم وبناء مكاسب إستراتيجية. فرغم تغير السياق الدولي، لم تختفِ هذه الإستراتيجية، بل أُعيد إنتاجها لتشمل اليوم كيانات غير معترف بها. وضمن هذا المنطق، تمثل “صومالي لاند” امتدادًا معاصرًا لعقيدة الأطراف، فهي كيان خارج الإجماع العربي والإقليمي، بعيد عن مركز الصراع الفلسطيني، لكنه شديد الارتباط بممرات التجارة والأمن البحري والاستخباراتي في البحر الأحمر وخليج عدن.

هنا، يتحول الاعتراف إلى عامل تأزيم بنيوي في الإقليم، حتى وإن لم يُترجم فورًا إلى أزمات ظاهرة، إذ إن إدخال “إسرائيل” إلى معادلة القرن الإفريقي يعيد ترتيب الحساسيات القائمة، ويضيف عنصر قلق جديدًا لقوى إقليمية مركزية. ولا يقتصر أثر هذا النمط من الاشتغال على الخصوم التقليديين لإسرائيل، بل يمتد حتى إلى الدول المرتبطة معها بعلاقات سلام أو تطبيع، إذ لا توفّر هذه الشراكات ضمانات لتحييد المخاطر، في ظل احتفاظ “إسرائيل” بهوامش حركة مستقلة وقدرة دائمة على إعادة توجيه سياساتها بما يخدم مصالحها الخاصة.

كما يحمل الاعتراف أبعادًا أوسع على المستوى الإفريقي، إذ يشكّل سابقة خطِرة في قارة تضم عددًا من الحركات الانفصالية، بما يهدد منطق الاستقرار الحدودي النسبي الذي قام عليه النظام الإفريقي منذ الاستقلال. فلا تُقاس تداعيات الاعتراف بنتائجه المباشرة فقط، بل بما يفتحه من إمكانات قابلة للاستثمار لاحقًا في سياقات إفريقية أخرى.

إقليميًا، يعمل الاعتراف كرسالة سياسية مركّبة تُخاطب مصر عبر البحر الأحمر، وتركيا عبر الصومال، وإيران عبر منطق التطويق غير المباشر وحرية المراقبة والوصول الأعلى. وهو ما يكشف الاعتراف بوصفه أداة لإعادة تشكيل المجال الإقليمي في مرحلة ما بعد 7 أكتوبر عبر الالتفاف على مجالات نفوذ قائمة. كما أنه يوضح كيفية اشتغال القوة الإسرائيلية في الإقليم، بوصفها قوة لا تكتفي بتحييد التهديدات القائمة، بل تعمل على منع تشكّل تهديدات مستقبلية أو قوى إقليمية منافسة. وعليه، يُقرأ الاعتراف كحلقة ضمن مسار أوسع لإعادة هندسة التوازنات الإقليمية، يفاقم هشاشة الإقليم، ويعيد رسم خرائط النفوذ فيه، ويُبقي احتمالات التأزيم مفتوحة حتى في غياب صدام مباشر أو نتائج فورية ظاهرة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى