الاستهداف الإسرائيلي لمنظّمات العمل الإنساني: تدمير ممنهج لما بقي من مقوّمات الحياة في قطاع غزة
يشهد العمل الإنساني في قطاع غزّة تحوّلات عميقة تجاوزت حدود استجابته الطارئة للاحتياجات الإنسانية، ليتحوّل تدريجيّاً، بفعل الاحتلال، إلى أحد أدوات القتل البطيء، ووسيلة طاردة للشعب الفلسطيني من أرضه ووطنه.
تعمّقت معاناة الفلسطينيين في قطاع غزة بفعل منع الاحتلال الإسرائيلي لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا”، من القيام بعملها، وسحبه تراخيص 37 منظمة دولية إنسانية أخرى. أدى ذلك إلى حرمان الفلسطينيين من حقهم في الحماية الحقوقية والإنسانية، وحصولهم على المساعدات الطبية والإغاثية، ويسعى الاحتلال بذلك إلى جعل بيئة قطاع غزة طاردة للسكان وغير قابلة للحياة.
يسعى هذا التقرير إلى التعرف على آليات الهيمنة على العمل الإنساني في قطاع غزة، وتحوله إلى أداة خاضعة لمنظومات الضبط الأمني والهيمنة السياسية للاحتلال الإسرائيلي، وتداعيات ذلك على مستقبل الاستجابة الإنسانية في الأراضي الفلسطينية.
العمل الإنساني بين القانون الدولي وسياسات الاحتلال
يعتبر العمل الإنساني استجابة إغاثية مركزة في منطقة تتعرض لكارثة طبيعية أو من صنع الإنسان، بحيث يعتمد على تضافر الجهود لتلبية احتياجات المتضررين وإغاثتهم. ووفقاً لمعجم القانون الدولي، فإن المساعدة الإنسانية في القانون الدولي الإنساني، هي كل ما يقدَّم من أنشطة إغاثة طبية أو مواد غذائية للعسكريين والمدنيين وضحايا الأحداث ونتائجها المباشرة[1].
ولتوجيه عمل الجهات الفاعلة في المجال الإنساني، تم وضع عدد من المبادئ الإنسانية، التي تحظى بتأييد الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتتسم بالحيادية والاستقلالية وعدم التحيّز. وقد أكدت الاتفاقيات الدولية على تلك المبادئ، من بينها اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 بشأن حماية الأشخاص المدنيين وقت الحرب، لا سيما المادة (27) التي تنص على أن “للأشخاص المحميين، في جميع الأحوال، حق الاحترام لأشخاصهم وشرفهم، وحقوقهم العائلية، وعقائدهم الدينية، وعاداتهم وتقاليدهم، ويجب معاملتهم في جميع الأوقات معاملة إنسانية”. بل ومن واجب دولة الاحتلال، وفقاً للمادة (55)، أن تعمل على تزويد السكان بالمؤن الغذائية والمستلزمات الطبية، وأن تسمح، وفقاً للمادة (59)، بعمليات الإغاثة لمصلحة هؤلاء السكان، وتوفر لها التسهيلات.
ويعتبر نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية في المادة (7) الجرائم ضد الإنسانية، أن عرقلة الإمدادات الغوثية هي جريمة حرب بموجب اتفاقية جنيف.
غير أن الاحتلال الإسرائيلي الذي فرض منذ 2007 حصاراً شاملاً على قطاع غزة إثر سيطرة حركة المقاومة الإسلامية “حماس” عليه، انتهك تلك القوانين بجملتها طوال السنوات السابقة لحرب الإبادة الجماعية. وقد أثر ذلك الحصار على المؤسسات الدولية في قطاع غزة، وفرض قيوداً على عملها الإغاثي، وتسبب في منع أو تأخير وصول المساعدات الإنسانية. فقد تناولت منظمة أطباء بلا حدود التحديات التي واجهها العاملون في المجال الطبي والمستشفيات بسبب الحصار الإسرائيلي المفروض على غزة، قبل السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، مما جعل استيراد المستلزمات الطبية الأساسية، مثل أجهزة الأشعة السينية المتنقلة (C-arms) الضرورية لجراحات العظام، أمراً بالغ الصعوبة.
كما وثقت منظمة العفو الدولية (Amnesty International) في تقاريرها لسنوات طويلة، أنّ الاحتلال الإسرائيلي يمنع أو يؤخر وصول باحثي حقوق الإنسان والموظفين الدوليين، نظراً إلى اشتراطه التسجيل مسبقاً من أجل الحصول على تصاريح الدخول لقطاع غزة، وقالت في بيان لها: “رفضت السلطات الإسرائيلية طلبات متكررة من كل من منظمة العفو الدولية ومنظمة هيومن رايتس ووتش لدخول غزة عبر معبر إيرز الذي تسيطر عليه (إسرائيل)”.
تصعيد استهداف المنظمات الإنسانية ومنع منهجي لعملها خلال الإبادة
منذ بدء الاحتلال الإسرائيلي حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وهو يمعن في حصار الفلسطينيين والتضييق عليهم، وحرمانهم من المساعدات الطبية والمعونات الإغاثية، بحيث تحول تقييد عمل المنظمات الدولية، إلى المنع المنهجي عبر فرض آليات تنسيق أمنية معقدة، وآلية تسجيل تعجيزية تتضمّن متطلبات غير منطقية، خاصة وأنه المتحكم بالمعابر الحدودية لقطاع غزة، وسلاسل الإمداد التي تدخل عبرها، ما أدى إلى تقليص تدفق المساعدات الإنسانية والعاملين في المجال الإنساني إلى غزة بشكل كبير.
كانت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين “الأونروا”، هي النموذج الأبرز خلال مرحلة الإبادة على سعي الاحتلال لاستهداف منظمات العمل الإنساني. إذ سعى الاحتلال الإسرائيلي منذ سنوات إلى تقويض عملها وشن حملات تشويه ضدها، وهو ما تصاعد خلال الحرب في محاولة لتصفيتها واستبدالها بآليات بديلة خاضعة لسيطرته. حيث كان العام 2025 “الأشد خطورة” على وكالة أونروا منذ تأسيسها عام 1949، وباتت على “شفير الانهيار” وفقاً لـ “الهيئة 302 للدفاع عن حقوق اللاجئين” و”ملف الأونروا” في المؤتمر الشعبي لفلسطينيي الخارج.
وبحسب المتحدث باسم وكالة غوث وتشغيل اللاجئين “أونروا” عدنان أبو حسنة، فإن ملايين الدولارات دفعت لتشويه صورة الأونروا في وسائل الإعلام وعلى مواقع التواصل الاجتماعي[2]، بلغت ذروتها بعرض فيلم “تفكيك الأونروا” في نيويورك، والذي يروّج لإنهاء الوكالة ودمج اللاجئين في الدول المضيفة.
أما على الصعيد الميداني، فقد قتل جيش الاحتلال الإسرائيلي 380 من موظفي الأونروا بقطاع غزة، ودمر أكثر من 90% من منشآتها ومبانيها، كما أنه ما زال يمنع إدخال المساعدات الغذائية ومواد الإيواء التي جهزتها الوكالة، والتي تكفي لحوالي 1.3 مليون فلسطيني، إضافة إلى منعها المفوض العام لوكالة الغوث ومدير عملياتها والموظفين الدوليين، من دخول قطاع غزة والضفة الغربية، وكذلك القدس المحتلة التي أُغلٍقَت مدارسها وعياداتها، واستُولِيَ على مقرها الرئيس في حي “الشيخ جراح”، وأُنزِل علم الأمم المتحدة عنه، ورفع علم الاحتلال مكانه. فضلاً عن ذلك، استمرت عمليات الهدم والتهجير لمخيمات اللاجئين في مخيم جنين ومخيم نور شمس في طولكرم[3].
غير أن سياسة الاحتلال تلك لم تقتصر على الأونروا، وإنما شملت مختلف المنظمات الإنسانية، إذ أقدم جيش الاحتلال الإسرائيلي على فرض قيود أمنية معقدة على المؤسسات والمنظمات الدولية غير الحكومية العامة في الأراضي الفلسطينية، من بينها طول فترة الإجراءات المتعلقة بتصاريح الحركة في قطاع غزة والتي تنتهي بالرفض في بعض الأحيان، فيما يكون التدخل حليف المنظمات التي تم الموافقة على دخولها للقطاع سواء في برامج عملها أو مناطق تنفيذها.
ووفقاً لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة (أوتشا)، أدت القيود الإدارية التي فرضتها سلطات الاحتلال الإسرائيلي، إلى عرقلة حركة الأفراد والقوافل الإنسانية داخل غزة، وظل وصول المساعدات الإنسانية إلى المجتمعات المتضررة والخدمات الأساسية في غزة، متعثراً بشدة طوال شهر مايو/أيار 2024 بسبب العديد من المعوقات، منها:
- إجراءات الإبلاغ والتنسيق المعقدة وغير المتسقة.
- إجراءات نقاط التفتيش غير المتسقة أيضاً.
- رفض طلبات تنسيق دخول البعثات والمعونات.
على الرغم من تطبيق نظام الإبلاغ الإنساني لإبلاغ وتنسيق التحركات الإنسانية، إلا أنّ العوائق والتأخيرات والرفض المتكرر، حدّت بشكل كبير من حركة العاملين في المجال الإنساني وإيصال المساعدات، ما أدى إلى انخفاض تدفق المساعدات الإنسانية إلى غزة، والذي كان أصلاً غير كافٍ لتلبية الاحتياجات المتزايدة، بنسبة 67% مقارنة بشهر أبريل/ نيسان 2024.
وفي تقرير آخر، ذكرت (أوتشا) أنه تم رفض 85% من 41 طلباً لتنسيق دخول بعثات المعونات إلى محافظة شمال غزة، بينما لخصت مديرة مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية ليزا دوتن “طبيعة القيود السيئة” التي فرضها الاحتلال الإسرائيلي، بنقاط عدة:
- العمليات العسكرية للقوات الإسرائيلية وأنشطة الفصائل الفلسطينية المسلحة.
- عدد محدود من نقاط العبور المفتوحة إلى غزة.
- انعدام الأمن بالنسبة إلى العاملين في المجال الإنساني.
- رفض أو تأخير الاحتلال الإسرائيلي حركة تنقل قوافل المساعدات.
- منع دخول المعدات اللوجستية والأمنية ومعدات الاتصالات لغزة.
- التفتيش التقليدي والممل للمساعدات.
- فرض قواعد جمركية جديدة على المساعدات الإنسانية.
وكشف مسح للمؤسسات الدولية الإغاثية العاملة في قطاع غزة، أن 100% من المنظمات الدولية الإغاثية التي شملها الاستطلاع، والتي تورّد الإمدادات الإنسانية إلى قطاع غزة، ترى أن الإجراءات الإسرائيلية لدخول المساعدات كانت غير فاعلة، أو عملت على إعاقة الاستجابة الإنسانية بشكل منهجي، أو لم تكن كافية لتلبية الحاجات الضخمة، كما أشارت 95% من تلك المنظمات إلى أنها تواجه، بانتظام، تأخيراً وصل ببعضها لأكثر من شهرين.
لم يكتف الاحتلال الإسرائيلي بمنع حركة طواقم المنظمات الإنسانية ومساعداتها الإغاثية، بل أوغل في ذلك باستهداف قوافل المساعدات الإنسانية، ومواقع محددة لعمال المؤسسات الدولية والأمم المتحدة ومنشآتها بشكل مباشر، على الرغم من حملها لشعارات المنظمة التي ينتمون إليها، والتنسيق المسبق بينها وبين جيش الاحتلال الإسرائيلي، فقد أظهرت أحدث الأرقام الصادرة عن الأمم المتحدة، أن قوات الاحتلال الإسرائيلي قتلت ما لا يقل عن 562 من العاملين في المجال الإنساني، بمن فيهم 376 من موظفي الأمم المتحدة، و15 من العاملين في منظمة أطباء بلا حدود، كما تم استهداف قافلة تضم 15 من المسعفين الفلسطينيين، من بينهم عناصر من الأمم المتحدة والهلال الأحمر الفلسطيني، كانوا يستقلون سيارات تحمل علامات واضحة، قُتلوا جميعهم، ثم قام جنود الاحتلال بتجريف السيارات ودفن الجثث.
تصعيد استهداف منظمات العمل الإنساني عقب توقف الحرب
في تصعيد جديد ضد المنظمات الإنسانية الدولية غير الحكومية العاملة في فلسطين، وضعت حكومة الاحتلال الإسرائيلي، منذ أوائل عام 2026، شروطاً جديدة لتراخيص عمل تلك المؤسسات، والسماح لها بمواصلة أنشطتها الإنسانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بعدما أقرت نظاماً جديداً يُلزمها بالتسجيل لدى لجنة حكومية مشتركة، بحيث يتم التسجيل لدى “وزارة العدل” التابعة للاحتلال الإسرائيلي، وتتولى “وزارة شؤون الشتات” الإشراف على تلك العملية، التي أنشأت بدورها لجنة وزارية مشتركة تضم مسؤولين من عدة وكالات استخباراتية وأمنية إسرائيلية لمتابعة عملية التسجيل الذي يعدّ شرطاً أساسياً لاستمرار عمل هذه المنظمات، ولمنح أو تجديد تصاريح دخول وعمل موظفيها الأجانب، ويشمل النظام:
- إلزام المنظمات بتقديم معلومات تفصيلية عن هيكلها التنظيمي، ومصادر تمويلها، وأنشطتها الميدانية.
- بيانات شخصية كاملة لجميع الموظفين، بمن فيهم الموظفون الفلسطينيون.
ويربط النظام استمرار التسجيل بالامتثال لمعايير سياسية وأمنية واسعة، قد تُستخدم أساساً لرفض التسجيل أو سحبه.
وتتمثل تلك المعايير في:
- الادّعاء بـ”نزع الشرعية” عن المنظومة الإسرائيلية، أو دعم آليات المساءلة القانونية كالتحقيقات التي تجريها المحكمة الجنائية الدولية.
- الدعم العلني لحملات المقاطعة من قِبل أي موظف، أو شريك، أو عضو مجلس إدارة، أو عضو مؤسس خلال السبع سنوات الماضية.
- إنكار “وجود إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية” حتى وإن صدر هذا الموقف في وقت سابق في الماضي من قِبل أي موظف أو شريك، أو عضو مجلس إدارة، أو عضو مؤسس.
- عدم الامتثال لمتطلبات تقديم التقارير الداخلية المفصّلة، والتي يجب أن تشمل قوائم كاملة بالموظفين والشركاء، مع تفاصيل الاتصال وأرقام الهوية.
وعليه، فإن أي منظمة دولية توثّق انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي، أو تدعم المساءلة القانونية، أو تلتزم بالقانون الدولي والمعايير والمبادئ المتعلقة بحقوق الشعب الفلسطيني، كلياً أو جزئياً، ستكون مهددة بإلغاء تسجيلها، ما يجعل وجودها وعملها غير قانونيين بموجب تلك المعايير أو ذلك القانون.
ووفقاً لمنظمة أطباء بلا حدود، فإنها تلقت رسالة رسمية من قبل الاحتلال الإسرائيلي أفادت بأن تسجيلهم لن يكون سارياً اعتباراً من 1 كانون الثاني/ يناير 2026، وطُلب منهم وقف العمليات بحلول 1 آذار/ مارس 2026، “فقد تقدمت المنظمة بطلب التسجيل مرفقة المعلومات المطلوبة، دون أن تتلقى هي وشبكة AIDA، والتي تضم أكثر من 100 منظمة غير حكومية تعمل في غزة والضفة الغربية، أي رد، وأبدت المنظمة مخاوف تتعلق بتسليم معلومات وقوائم عن طواقمها، لا سيما في ظل غياب الضمانات المتعلقة باستخدام البيانات وحماية المعلومات الشخصية، في سياق يتعرض فيه العاملون في المجال الإنساني والصحي بشكل متكرر، للمضايقات والاحتجاز والهجمات المباشرة[4]“.
وبالإضافة إلى منظمة “أطباء بلا حدود”، التي تقدّم الرعاية الطبية الأساسية والمياه والدعم المنقذ للحياة، يشمل قرار حكومة الاحتلال الإسرائيلي 36 منظمة إنسانية دولية تشكّل العمود الفقري للاستجابة الإنسانية في قطاع غزة، من بينها منظمة “آكشن إيد” التي تقدّم الإغاثة الإنسانية، والمساعدات الغذائية، ومستلزمات الصحة والنظافة، ودعم الصحة النفسية للشباب، كذلك “المجلس النرويجي للاجئين” المعني بإيواء النازحين وتقديم المساعدات الأساسية، ومنظمة “أوكسفام” التي تقدم خدمات في مجال المياه والصرف الصحي والأمن الغذائي، ومنظمة “كير الدولية” التي تنفّذ برامج إغاثة وحماية للفئات الأكثر هشاشة، و”لجنة الإنقاذ الدولية” التي تقدّم خدمات صحية وإنسانية، ودعماً نفسياً للمتضررين من النزاعات.
كل ما سبق يدل، وبشكل كبير، على سعي الاحتلال الإسرائيلي إلى تسييس المساعدات الإنسانية، وربط الإغاثة بأشكالها المختلفة باعتبارات سياسية تخدم منهجيته في القتل والإبادة الصامتة بعيداً عن الإعلام الدولي، حيث يعتقد الاحتلال أن المؤسسات الإنسانية الدولية، ومنظمة “أطباء بلا حدود” على وجه الخصوص، تستخدم في تقاريرها مصطلحات مزعجة وغير مرحب بها، مثل “العقاب الجماعي” و”التدمير المنهجي للقطاع الصحي”، والتي يمكن أن تساهم في تغذية دعاوى قانونية وتحقيقات دولية محتملة، ما جعلها، وباقي المؤسسات، في مرمى الاستهداف السياسي.
كما يهدف الاحتلال من وراء تضييقه على عمل وكالة الغوث، إلى تنفيذ مخططاته التهجيرية، وإعادة الهندسة الديموغرافية للسكان في فلسطين، وكذلك العمل على تصفية القضية الفلسطينية عبر شطب قضية اللاجئ الفلسطيني، حيث إن وكالة الغوث تمثل الشاهد الدولي الأبرز على جريمة التهجير المستمرة منذ نكبة عام 1948، كذلك إنهاء البعد القانوني لقضية اللاجئين، تمهيداً لفرض حلول تصفوية تتجاوز حق العودة، وتعيد تعريف القضية كأزمة إنسانية لا سياسية.
وعليه، فإن الاحتلال الإسرائيلي يسعى إلى إعادة هندسة المشهد الإنساني في قطاع غزة والضفة الغربية المحتلة، بما يخدم مشاريع بديلة (منظمات مؤقتة، تمويل مشروط، أطر انتقالية)، تُدار خارج المنظومة الإنسانية والأممية.
أثر الهيمنة على العمل الإنساني في قطاع غزة
لا شك أن تداعيات تعليق عمل المنظمات الإنسانية الدولية والأممية، هي تداعيات عميقة على الواقع الإنساني في قطاع غزة، نظراً لما يعانيه من أزمة حادة بفعل سنوات الحرب والحصار، فهي تؤدّي دوراً هاماً في تشغيل المرافق الصحية، وتقديم خدمات الرعاية الأساسية.
ووفقاً لمنظمة أطباء بلا حدود، فإن أنشطتها تخدم ما يقرب من نصف مليون شخص في قطاع غزة، من خلال دعمها الحيوي للنظام الصحي المدمر، حيث توفر حالياً ما لا يقل عن 20% من أسرّة المستشفيات في غزة، وتدير نحو 20 مركزاً صحياً، وفي العام الماضي، أجرت المنظمة أكثر من 800 ألف استشارة طبية، وأكثر من 10 آلاف ولادة، إلى جانب توفير مياه الشرب[5]، وبالتالي فإن جل تلك الخدمات ستتوقف مع توقف عمل المنظمة وتصبح حياة الفلسطيني على المحك، بحيث يبحث المريض والمصاب عما يبقيه على قيد الحياة، لا ما يستحقه من رعاية طبية وصحية.
وترى منظمة أطباء بلا حدود، أن إلغاء الترخيص سينعكس بشكل كارثي على المرضى والجرحى والمدنيين، من الأطفال والنساء وكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة، وسيترجم مباشرة إلى فقدان أرواح كان يمكن إنقاذها، “خصوصاً في ظل الانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية في قطاع غزة”[6]، كما أنه سيؤدي إلى تهديد سلامة الطواقم العاملة في المنظمات الدولية، وهو ما يؤثر على استمرارية تقديمها للخدمات الإنسانية والطبية في ظل بيئة عمل صعبة.
ومنذ أشهر عديدة والاحتلال الإسرائيلي يرفض إدخال مساعدات المجلس النرويجي للاجئين، ووفقاً لمدير المجلس نتيجة الرد المتكرر على طلب إدخال المساعدات بأن تسجيلها قيد المراجعة وغير مصرح لها بإدخال أي مواد، وهو ما يحرم مئات آلاف النازحين من الخيام والشوادر البلاستيكية أو أي من وسائل الإيواء في ظل ظروف جوية صعبة.
وبحسب منسقة الشؤون الإنسانية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة أوكسفام، روث جيمس، فإن تلك القيود فُرضت بشكل متواصل خلال السنتين والثلاثة أشهر الماضية، ما حرم المنظمات من الوصول إلى غزة وإيصال المساعدات الإنسانية الأساسية إلى السكان، ما فاقم من تعقيد الوضع الإنساني، وما الإعلان الجديد إلا كارثة إنسانية متصاعدة في ظل الاحتياجات الواسعة والحادة التي يواجهها السكان المدنيون في القطاع المحاصر.
أما وكالة غوث وتشغيل اللاجئين، فتقدم وحدها خدماتها الصحية والتعليمية والإغاثية، لما يزيد عن 1.3 مليون فلسطيني في قطاع غزة[7].
وعن ذلك، تقول هبة أبو كميل التي دمر الاحتلال الإسرائيلي شقتها السكنية واضطرها للعيش في خيمة بأحد مراكز للإيواء: “نعاني من ظروف معيشية صعبة في ظل نقص الغذاء والدواء ومستلزمات الإيواء، وما نحصل عليه من مساعدة غذائية بالكاد يكفي، حتى الشوادر البلاستيكية لا تكفي لعمل خيمة، فتجدنا نغرق في كل منخفض جوي، فماذا عسانا أن نفعل عندما تتوقف هذه المساعدات الضئيلة؟”.
وبالتالي فإن توقف عمل المنظمات الإنسانية والأممية عن العمل في الأراضي الفلسطينية، سيؤدي إلى نقص خدمات الرعاية الأساسية، وتفاقم الوضع الكارثي الإنساني، وتحويل الاحتياجات الأساسية، كالغذاء والدواء ومستلزمات الإيواء، إلى أدوات معاناة تفاقم الوضع المأساوي الذي يعيشه المواطن الفلسطيني في قطاع غزة، من جوع، ومرض، وبرد، في ظل وضع اقتصادي متردٍ، وبنية تحتية صحية منهارة، وعمليات عسكرية مستمرة.
ختاماً
إن قرار حكومة الاحتلال الإسرائيلي وقف عمل عشرات المنظمات الإغاثية الدولية العاملة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، يفتح الباب أمام انهيار فعلي لشبكة الإغاثة الإنسانية والطبية في قطاع يعتمد فيه 2.4 مليون إنسان على المساعدات للبقاء على قيد الحياة، ليشكّل تهديداً كبيراً لمبادئ حياد واستقلال العمل الإنساني، ومحاولة لكسر استقلالية الفاعلين الإنسانيين، وتحويلهم إلى أدوات تعمل ضمن سقف أمني وسياسي يحدده، سواء عبر تقليص عدد المنظمات، أو فرض شروط عمل معقدة، أو منع الوصول الميداني، ما يعكس انتقال الاحتلال من مرحلة السماح الاضطراري بالعمل الإنساني، إلى مرحلة التحكم الوظيفي به.
وهو ما يجعله امتداداً للإبادة الجماعية المستمرة منذ ما يقرب من العامين ونصف العام، فبعدما دمر جل مقومات الحياة الفلسطينية من بشر وحجر وشجر، يسعى للقضاء على ما يمكن أن يبقي هذا البشر على قيد الحياة، عبر تجفيف الإمدادات الإغاثية والطبية التي يمكن تساهم في ترميم حياتهم الصحية والنفسية والمجتمعية، وتبقيه في حالة الموت البطيء ودون أي ضجيج يثير المجتمعات والمؤسسات الدولية، وفي ذات الوقت يدفع المواطن الفلسطيني في قطاع غزة لفقدان الأمل في بناء حياة جديدة على أرضه ووطنه، ويدفعه للتفكير في الهجرة إذا ما أتيحت له الفرصة، ليتوافق ذلك مع مخططات الاحتلال الإسرائيلي في تفريغ قطاع غزة من أهله والقضية الفلسطينية من أصحابها.
وإزاء ذلك، تبرز الحاجة الملحة إلى تحرك عاجل من المجتمع الدولي والمؤسسات الأممية، لضمان حماية المدنيين والعاملين في المؤسسات الدولية، واستقلالية عمل المنظمات الإنسانية، بما يشمل السماح بدخول المواد الطبية، وحرية حركة الطواقم الإغاثية، وكذلك العمل على تدفق المساعدات الإنسانية دون قيد أو شرط، بدلاً من تحويلها إلى أداة قتل بطيء.
[1] عقيلة عفيري، مفهوم العمل الإنساني في إطار القانون الدولي الإنساني، مجلة القانون العام الجزائري والمقارن، المجلد التاسع، العدد 1، 2023، ص 225.
[2] مقابلة أجرتها الباحثة مع المتحدث باسم وكالة غوث وتشغيل اللاجئين “أونروا” عدنان أبو حسنة بتاريخ (15/1/2026).
[3] مقابلة أجرتها الباحثة مع عدنان أبو حسنة، المرجع السابق.
[4] مقابلة أجرتها الباحثة مع عضو منظمة أطباء بلا حدود في غزة نور السقا بتاريخ. (17/1/2026)
[5] مقابلة أجرتها الباحثة مع نور السقا، مرجع سابق.
[6] مقابلة أجرتها الباحثة مع نور السقا، مرجع سابق.
[7] مقابلة أجرتها الباحثة مع عدنان أبو حسنة، مرجع سابق.



