الإبادة الممنهجة لقطاع الزراعة في قطاع غزة خلال حرب الإبادة وبعدها

ظلّ القطاع الزراعي في قطاع غزة منذ بدايات الاحتلال الإسرائيلي عام 1967 هدفًا لسياسات الاحتلال التدميريّة، إذ تكشف الوقائع التاريخية والممارسات على الأرض عن سياسة إسرائيلية ممنهجة استهدفت القطاع الزراعي في غزة باعتباره أحد ركائز الصمود الاقتصادي والغذائي، وذلك عبر تدمير البنية التحتية الزراعية وتجريف الأراضي وتلويث مصادر المياه ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، ما أدى إلى إضعاف القدرة الإنتاجية للسكان بشكل متعمد.

وفي هذا السياق، تظهر مداولات الحكومات الإسرائيلية التي أعقبت احتلال قطاع غزة مباشرة عام 1967 أن استهداف الزراعة لم يكن عرضيًّا، بل جزءًا من تصور سياسي أوسع لمستقبل القطاع.

إذ طُرحت آنذاك أفكار هدفت إلى خلق ظروف معيشية خانقة تدفع السكان نحو الهجرة القسرية، تمهيدًا لتفريغ القطاع من سكانه وضمّه لاحقًا إلى السيادة الإسرائيلية. ولتحقيق تلك الغاية اقترح رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك، ليفي أشكول، تجفيف مصادر المياه وتدمير ما تبقى من القطاع الزراعي بهدف صناعة أزمة إنسانية واقتصادية تدفع جزءًا من السكان إلى البحث عن بدائل خارج القطاع.

كشفت حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة منذ أكتوبر 2023، عن سياسة إسرائيلية ممنهجة لاستهداف هذا القطاع الحيوي، من خلال تدمير البنية التحتية الزراعية، وتلويث الأراضي، ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم. حيث استهدفت الأراضي الزراعية والبنى التحتية كشبكات الري والبيوت البلاستيكية وآبار المياه، إضافة إلى منع إدخال المستلزمات الزراعية، ما أجبر آلاف المزارعين على التوقف عن زراعة أراضيهم.

وفي المحصلة، تسبّب التدمير المتعمد للقطاع الزراعي، الذي ترافق مع تشديد الحصار، في أضرار جسيمة للاقتصاد الفلسطيني والأمن الغذائي في قطاع غزة. ولا شك في أن تدمير القطاع الزراعي هو جزء من إستراتيجية أوسع تهدف إلى كسر مقومات الصمود المجتمعي والاقتصادي للفلسطينيين في غزة، فبينما تعتمد آلاف الأسر على الزراعة كمصدر دخل وحيد، فإن تقويض هذا القطاع يدفع بالمجتمع نحو مزيد من الاعتماد على المساعدات الإنسانية التي يتحكم الاحتلال بكمياتها ونوعياتها وتوقيت دخولها، ويضعف من قدرة الفلسطينيين على الصمود في وجه الحرب والحصار طويل الأمد.

وفي هذا الإطار، يهدف هذا التقرير إلى تفكيك أبعاد استهداف القطاع الزراعي في غزة بوصفه ركيزة أساسية للأمن الغذائي والصمود الاقتصادي، وذلك من خلال استعراض أهمية هذا القطاع قبل العدوان، وتحليل السياسات والممارسات الإسرائيلية الممنهجة التي أدت إلى تدميره، وتوثيق حجم الخسائر التي لحقت بالأراضي الزراعية والبنية التحتية وسلاسل الإمداد. كما يعالج التقرير الآثار الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية المترتبة على انهيار السلة الغذائية، بما في ذلك تفاقم انعدام الأمن الغذائي وفقدان الدخل وارتفاع معدلات البطالة.

أهمية القطاع الزراعي في قطاع غزة

ذكر تقرير الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني لعام 2022، أن مساهمة قطاع الزراعة من الناتج المحلي الإجمالي في قطاع غزة بلغت نحو 11%، بتقدير قيمة مضافة بلغت 343 مليون دولار، وقيمة إنتاج إجمالية نحو 575 مليون دولار. وحسب تقرير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) الصادر في 26 مايو 2025، فإن أكثر من 560 ألف شخص كانوا يعتمدون كليًّا أو جزئيًّا على إنتاج المحاصيل والرعي والصيد من أجل معيشتهم. في حين كان يبلغ إجمالي المساحات المزروعة بأشجار البستنة والخضروات والمحاصيل الحقلية في قطاع غزة نحو 117,000 دونم.

وكان القطاع الزراعي يتميز بتنوع محاصيله، حيث تتركز الزراعة أساسًا في الخضروات مثل الطماطم والخيار والبطاطس والبصل والفلفل والكوسا، التي شكلت الركيزة الأساسية للسلة الغذائية للسكان. كما أنتجت غزة محاصيل الأشجار المثمرة كالحمضيات والزيتون واللوزيات، إلى جانب محاصيل تصديرية مثل الفراولة والزهور التي برزت في منتصف التسعينيات ضمن سياسات هدفت إلى جلب العملة الصعبة.[1]

وبالتطرق لقطاع الخضروات باعتباره أهم القطاعات الزراعية في غزة، فقد بلغت، قبيل حرب الإبادة، مساهمة الخضروات في الإنتاج النباتي[2] نحو 77%، وفي قيمة الإنتاج الزراعي[3] 42%، بينما شكلت 65.4% من كمية الإنتاج الزراعي، مع تنوّع المحاصيل إلى 40 صنفاً مزروعاً قبل الحرب.[4]

استهداف القطاع الزراعي خلال حرب الإبادة

منذ الأيام الأولى للحرب، عمدت إسرائيل إلى استهداف مباشر للأراضي الزراعية بالقصف الجوي والبري، ومن ثم تجريف آلاف الدونمات من الأراضي المزروعة في المناطق الحدودية، بجانب تعمّد الطائرات الإسرائيلية رش مبيدات كيماوية خطيرة على مساحات واسعة ما دمّر التربة وأباد المحاصيل. لم يقتصر الاستهداف الإسرائيلي على الأراضي الزراعية فقط، بل شمل أيضًا شبكات الري والبيوت البلاستيكية وآبار المياه ومنع إدخال البذور والأسمدة. كما أدى تدمير شبكات الطرق إلى انقطاع سلاسل التوزيع الداخلية، ما أسهم في ارتفاع أسعار المنتجات الزراعية المحلية أو اختفائها من الأسواق بشكل كامل، وهو ما شكل ضربة مزدوجة للاقتصاد والأمن الغذائي في آن واحد.

وثّق المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان تدمير القوات الإسرائيلية بشكل متعمد عشرات آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية في شمال قطاع غزة، ضمن سياسة ممنهجة تهدف إلى إبادة السكان جماعيًّا عبر فرض ظروف معيشية قاسية تؤدي إلى التجويع وتدمير الموارد الأساسية للبقاء. ففي بيان نشره بتاريخ 26 سبتمبر 2024، أشار إلى أن نحو 80% من الأراضي الزراعية باتت خارج الخدمة منذ أكتوبر 2023، نتيجة العزل والتجريف ضمن توسعة غير قانونية للمنطقة العازلة.

وذكر أنّ مساحة الأراضي الزراعية التي تم تدميرها وتجريفها بالكامل على طول السياج الشرقي والشمالي للقطاع بلغت قرابة 96 كم2، إضافة إلى 3 كم2 من منطقة نتساريم العازلة، بما يمثل نحو 27.5% من إجمالي مساحة القطاع. وشملت هذه المناطق مئات المزارع ومنشآت الإنتاج الزراعي والحيواني، التي كانت تمثل عماد السلة الغذائية المحلية.

كما أوضح المرصد أنّ التدمير طال أيضًا أراضيَ خارج نطاق المنطقة العازلة، نتيجة القصف والتوغلات، حيث تضرر ما لا يقل عن 34 كيلومترًا مربعًا إضافية، ليصبح مجموع الأراضي الزراعية المدمرة 36.9% من مساحة القطاع، أي ما يزيد عن 75% من المساحة المخصصة للزراعة في غزة، وهو ما يشير إلى تدمير شبه كامل للبنية الزراعية والقدرة على الإنتاج الغذائي المحلي.

وضمن البيانات التي وثقتها مؤسسة الدراسات الفلسطينية، في إطار مشروع توثيق استهداف وتدمير القطاع الزراعي في قطاع غزة حتى نوفمبر 2025، فقد أدت حرب الإبادة إلى انهيار شبه كامل للبنية الإنتاجية الزراعية في قطاع غزة، بما يحمل تداعيات اقتصادية عميقة وطويلة الأمد. فقد أدى تدمير نحو 87% من الأراضي المزروعة بالمحاصيل إلى شلل واسع في القدرة الإنتاجية المحلية، بينما بلغت نسبة الدمار في شمال غزة 94%، ما يعني خروج هذه المنطقة فعليًّا من الدورة الزراعية، وحرمان آلاف الأسر من مصدر دخلها الأساسي.

ويبرز الأثر الاقتصادي بوضوح في تدمير 89% من البساتين والأشجار المثمرة، و90% من بساتين الزيتون، وهي قطاعات تعتمد على استثمارات طويلة الأجل، ما يعني أن الخسائر لا تقتصر على موسم واحد بل تمتد لسنوات قادمة، مع فقدان أصول إنتاجية يصعب تعويضها سريعًا.

كما أسهم تضرر 88% من المحاصيل الحقلية و80% من الخضروات في تقليص المعروض الغذائي المحلي، ورفع كلفة الاستيراد، وزيادة الضغوط التضخمية على أسعار الغذاء.

أما تدمير 80% من الدفيئات الزراعية، وبلوغ الدمار فيها 100% في شمال غزة، فقد قضى على أحد أكثر أنماط الزراعة كثافة في الإنتاج والتشغيل، ما فاقم معدلات البطالة الريفية، وأفقد السوق المحلي موردًا مهمًّا للخضروات الطازجة على مدار العام.

ويضاف إلى ذلك التدمير الكامل لقطاع الثروة السمكية بنسبة 100%، ما حرم الاقتصاد من مصدر غذائي وبروتيني مهم، وأوقف نشاط آلاف الصيادين المرتبطين بسلاسل التوريد والتسويق.

كما أدى تدمير 87 بئرًا زراعيًّا إلى تقويض القدرة على الري وإعادة الاستصلاح، ما يضاعف كلفة إعادة الإعمار الزراعي، في حين أسهم تدمير 689 مزرعة أبقار وأغنام في انهيار قطاع الإنتاج الحيواني، وتراجع إنتاج اللحوم والألبان، وارتفاع أسعارها، وتوسّع فجوة الأمن الغذائي. وبذلك، لا تمثل هذه الأضرار خسائر زراعية فحسب، بل صدمة اقتصادية هيكلية انعكست على الدخل، والتشغيل، والتجارة، والاستقرار الغذائي في قطاع غزة بأكمله.

الآثار الاقتصادية لاستهداف القطاع الزراعي

التدمير الواسع النطاق للسلة الغذائية في قطاع غزة أدى إلى تداعيات اقتصادية كارثية طالت مختلف جوانب الحياة، وفاقمت من هشاشة الاقتصاد المحلي الذي يعتمد بشكل كبير على الزراعة والإنتاج الغذائي. ومع انكماش القدرة الإنتاجية وانهيار سلاسل الإمداد، أصبحت الأسر المعتمدة على الزراعة وسكان القطاع في مواجهة مباشرة مع الجوع، وتقلّص فرص العمل، وارتفاع تكاليف المعيشة.

فمع تراجع المساحات المزروعة بالخضروات في قطاع غزة من 85 ألف دونم قبل الحرب إلى 7 آلاف دونم فقط، ما يعني فقدان نحو 78 ألف دونم من الأراضي الزراعية، انخفض حجم الإنتاج من 405,192 طنًّا إلى 48,623 طنًّا، بفقدان يتجاوز 356 ألف طن.[5]

كما أدى تقلّص عدد أصناف الخضروات المزروعة من 40 صنفًا إلى 17 صنفًا فقط إلى خسارة مالية تقدر بـ 236 مليون دولار في الإنتاج المحلي، و66 مليون دولار في الصادرات، لتصل إجمالي الخسائر إلى 268 مليون دولار.[6]

من ناحية أخرى، فقد آلاف المزارعين مصدر رزقهم نتيجة التجريف والتدمير الممنهج للأراضي الزراعية، إذ كانت أعداد العاملين في القطاع الزراعي تُقدّر بـ 55 ألف عامل. وهو ما ترافق مع تدمير وتعطّل مصانع الأغذية المحلية التي تعتمد على المحاصيل الزراعية المنتجة داخل غزة، وانخفاض التصدير الزراعي إلى صفر، خاصة في المحاصيل ذات العائد الاقتصادي مثل الفراولة والخضروات.

وقد ساهم ذلك، في زيادة معدلات البطالة وتعميق الارتهان للمساعدات الإنسانية. ووفق الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، ارتفع معدل البطالة في قطاع غزة في الربع الرابع من عام 2024، إلى حوالي 68%، مقارنة بنحو 45% في الربع الثالث من 2023 قبل اندلاع العدوان في 7 أكتوبر 2023.

واقع القطاع الزراعي بعد توقف الحرب

لم يؤدّ توقف الحرب في 9 أكتوبر/تشرين الأول 2025، إلى تحسن ملموس في واقع القطاع الزراعي، فما زالت آثار التدمير التي خلفتها قوات الاحتلال تضرب أطنابها عميقًا في أراضي قطاع غزة. ومن جانب آخر فقد استمر الاحتلال في خرق اتفاق التهدئة ومنع إدخال مواد إعادة الإعمار والسلع والمساعدات. ولكن العامل الأكثر خطورة على القطاع الزراعي هو “الخط الأصفر” الذي تشير التقديرات إلى أنه يمتد بعمق يتراوح بين 2 و7 كيلومترات داخل غزة، ما أدى إلى شمول مساحات مدنية وزراعية واسعة ضمن نطاق الاحتلال العسكري الإسرائيلي المباشر. والأخطر في الموضوع أن الاحتلال عمد إلى توسيع سيطرته على أراضي قطاع غزة بإزاحة علامات الخط الأصفر نحو الغرب عدة مرات، وعلاوة على ذلك تعمل قوات الاحتلال بشكل مستمر على محاولة إفراغ المناطق المحاذية للخط من جهة الغرب من سكانها.

يترك ذلك الخط الأصفر أثره العميق على القطاع الزراعي على وجه الخصوص نتيجة أن معظم الأراضي الزراعية تقع في المناطق الشرقية لقطاع غزة بمحاذاة أراضي 48 وبعمق عدة كيلومترات نحو الغرب، وهي فعليًّا المنطقة التي يسيطر عليها الاحتلال خلف الخط الأصفر.  ويوضح تقرير لمنظمة مسلك Gisha القانونية الإسرائيلية أن الخط الأصفر يضع حوالي 57.8% من مساحة قطاع غزة تحت السيطرة الإسرائيلية المباشرة، ما يعني أن نحو 42% فقط من الأرض تقع خارج المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل من الناحية العملية.

ونتيجة لذلك، فإن أكثر من 50% من الأراضي الزراعية أصبحت واقعة داخل أو خلف الخط الأصفر، ما أدى إلى خروج ما يقارب 90 ألف دونم من الخدمة الزراعية بسبب منع الوصول إليها والسيطرة العسكرية. وتوزعت هذه الأراضي المتضررة بواقع نحو 30 ألف دونم في المناطق الشرقية وسط القطاع، و35 ألف دونم في شمال القطاع، و25 ألف دونم في محافظة رفح جنوبًا. أما الأراضي الزراعية المتبقية خارج الخط الأصفر فإن إنتاجها لا يكفي لتغطية سوى ما يقارب 5% من حاجة القطاع الغذائية.

خاتمة

بالنظر إلى البعد السياسي والإستراتيجي لتدمير السلة الغذائية في غزة، فإنه لا يمكن عزله عن كونها أداة في حرب الإبادة الجماعية، بل جزء من حرب اقتصادية ممنهجة، تهدف إلى تقويض صمود السكان وإجبارهم على النزوح من المناطق الزراعية الحدودية، وتعزيز التحكم الإسرائيلي في الموارد الغذائية، ويضعف قدرة السكان على الثبات في وجه الضغوط المعيشية. كما يشكّل مقدمة لفرض تغييرات ديموغرافية أو سياسية قسرية من خلال سياسة التجويع والتدمير الزراعي.

لذلك، فإن تعافي القطاع الزراعي في غزة يتطلب مقاربة شاملة تتكامل فيها جهود إعادة التأهيل المادي مع سياسات تمكين المزارعين، وتوفير الدعم الفني والمالي المستدام، وضمان حرية الوصول إلى الموارد الزراعية، إلى جانب تعزيز الحماية القانونية للزراعة باعتبارها مكونًا مدنيًّا محميًّا بموجب قواعد القانون الدولي الإنساني.


[1] مقابلة مع المتحدث باسم وزارة الزراعة بغزة محمد أبو عودة بتاريخ 23 فبراير/شباط 2025.

[2] الإنتاج النباتي يقتصر على المحاصيل التي تنتجها الأرض فقط، مثل الخضروات والفواكه.

[3] هو مفهوم شامل يشمل جميع مخرجات النشاط الزراعي، بما فيها الإنتاج النباتي والإنتاج الحيواني مثل اللحوم والألبان والدواجن، والسمكي.

[4] المصدر السابق.

[5] مقابلة مع المتحدث باسم وزارة الزراعة بغزة محمد أبو عودة بتاريخ 23 فبراير/شباط 2025.

[6] المصدر السابق.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى