الآثار الصحيّة والبيئيّة لتراكم النفايات بغزّة خلال حرب الإبادة

مع بدء حرب الإبادة الجماعيّة الإسرائيليّة على قطاع غزّة وضع جيش الاحتلال البنية التحتيّة هدفاً رئيساً أمامه، حيث دمّر تقريباً كل مرافقها في مختلف مناطق القطاع، بما يشمل تدمير المرافق الخدمية والمعدات الثقيلة للبلديات والمرافق الحكوميّة. فوفق إحصائيّات رسميّة للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني فإنّ جيش الاحتلال دمر قرابة 90% من البنية التحتيّة والمرافق والمنشآت الحيوية منذ بداية عدوانه على قطاع غزة في 7 أكتوبر 2023، ضمن سياسة ممنهجة لجعل قطاع غزّة مكاناً غير قابل للعيش.

وقد ترافقت تلك السياسة مع فرض الاحتلال حصاراً خانقاً على القطاع، واحتلاله عدة مناطق حيوية فيه، مثل منطقة جحر الديك شرقي المحافظة الوسطى التي تضمّ مكبّاً مجهّزاً لجمع النفايات، ما أدى إلى خلق أزمة تكدّس النفايات منذ بداية الحرب. تفاقمت أزمة النفايات نتيجة التوقف شبه الكامل لعمليات الجمع والترحيل المنتظم، وتعطّل الخدمات الأساسية، ومنع طواقم البلديات من الوصول إلى مكبّات النفايات الرئيسة المتخصّصة المتواجدة على الأطراف الشرقية للقطاع. ما يعني وجود نيّات لدى الاحتلال لفرض سياسة ممنهجة تهدف للقضاء على السكان من مختلف الأصعدة، ومن بينها منع الوصول إلى مكبات النفايات، ما يؤدي إلى بقاء كميات النفايات مكدسة بين المواطنين، فتتحول لخطر كامن يهدد حياتهم من جهة، والبيئة من جهة أخرى.

تسلّط هذه المادة الضوء على ظاهرة تكدّس النفايات في قطاع غزة نتيجة حرب الإبادة المتواصلة على القطاع، في محاولة إظهار أضرارها وتأثيراتها على الصحة والبيئة بوصفها أداة من أدوات الإبادة الصامتة التي تستخدمها إسرائيل ضد أهالي قطاع غزة.

واقع النفايات في غزّة قبل الحرب

كانت النفايات بمختلف أنواعها مشكلة يعاني منها قطاع غزة قبل الحرب، تتفاقم نتيجة الزيادة المستمرة في كميات وأنواع النفايات المنتجة يوميّاً، إضافة إلى محدوديّة الأراضي اللازمة لإنشاء مكبّات صحيّة ومرافق معالجة آمنة، في ظل استمرار الحصار الإسرائيلي على القطاع الذي منع دخول قطع غيار ومعدات مهمة إليه يمكن أن تساهم في تحسين جودة إدارة عملية التخلص من النفايات، إضافة إلى منعه توسيع مكبّات النفايات القائمة لوجودها قرب الحدود. وشكّلت تلك القيود عائقاً بنيويّاً أمام تطوير قطاع إدارة النفايات الصلبة، ما فاقم التدهور البيئي والصحي في القطاع.

كان ينتج في غزة نحو 1800 طن يومياً من النفايات الصلبة، بمتوسط 0.8 كجم للفرد، وتتكون أساساً من مواد عضوية وبلاستيكية وورقية وزجاجية ومعدنية. ويتم التخلص من معظمها عبر الطمر الصحي في مكبّي جحر الديك والفخاري. كما تنتج الأنشطة الزراعية نحو 550 طناً يوميّاً من مخلفات الثروة الحيوانية يُستفاد منها سماداً، إضافة إلى نحو 200 طن من المخلفات الزراعية العضوية. كما كان يُنتج يومياً نحو 1300 كجم من النفايات الطبية المعدية، تُعالج عبر أجهزة التعقيم “الميكروويف” في وحدات جحر الديك وخانيونس قبل طمرها. كما كانت البطاريات المستهلكة تشكل تحدّياً بيئيّاً كبيراً في ظل أزمة الكهرباء، إذ تُقدّر الكميات المجمعة لإعادة التدوير بنحو 10 آلاف طن سنويّاً.

يتم التخلص من تلك النفايات في ثلاثة مكبات رئيسة: مكبّ جحر الديك الذي يستقبل قرابة 1000 طن يوميّاً ويحتاج إلى توسعة مع اقتراب انتهاء عمره الافتراضي؛ ومكبّ الفخاري الذي يخدم محافظات الجنوب ويستقبل نحو 600 طن يوميّاً؛ ومكبّ دير البلح الذي أُغلق بعد بلوغه طاقته القصوى. كما تنتشر أربعة مكبّات عشوائية مفتوحة تلجأ إليها بعض البلديات بسبب إشكاليات النقل والترحيل التي كان يعاني منها قطاع الحكم المحلي في ظل الحصار.

كارثة النفايات بعد حرب الإبادة

مع اندلاع حرب الإبادة في أكتوبر 2023 تفاقمت أزمة النفايات وتكدّست إلى مستويات كارثيّة، مع احتلال المناطق الشرقية في قطاع غزة التي كانت تحتوي مكبّات النفايات الرسمية للقطاع، خاصة مكبّي جحر الديك والفخاري، منذ الأسابيع الأولى للحرب. وينتج قطاع غزة حوالي 1100-1300 طن من النفايات يومياً، بالتالي يبلغ حجم النفايات المتكدسة منذ بداية حرب الإبادة وحتى الآن أكثر من مليون طن، ولا تزال كمياتها آخذة بالزيادة يوماً بعد آخر، في ظل استمرار الاحتلال إغلاق المعابر الحدودية مع القطاع ومنع المعدات اللازمة لترحيل النفايات إلى مكبّاتها الخاصة.[1]  ما دفع بلديات قطاع غزة إلى ترحيلها وتجميعها في مكبات عشوائية “مؤقتة”، منها الموجود في أرض “سوق فراس” التاريخي شرقي مدينة غزة التي يبلغ مساحتها 33 دونماً، ومكبّات أخرى عشوائيّة في مناطق متفرقة من أنحاء القطاع يبلغ عددها قرابة 200 مكبّ تنتشر بين السكان والنازحين. تتزايد الخطورة في أنّ جميع تلك المكبّات غير مجهزة لاستقبال كميات كبيرة من النفايات.

وقد توقفت معظم محطّات المعالجة وخدمات الجمع المنتظم بسبب تدمير البنية التحتية، وشح الوقود والكهرباء، ونقص المعدات والأكياس البلاستيكية تحت وطأة الحصار. كما أدى القصف المكثف إلى خلق ملايين الأطنان من الأنقاض المختلطة بالنفايات المنزلية وحتى النفايات الطبية، التي تم التخلص منها في مكبّات عشوائيّة مؤقتة قرب المناطق السكنية.

انعكاسات خطيرة على الصحة والبيئة

أدى هذا الواقع إلى تراكم كميات كبيرة من النفايات وانتشارها بين الناس، ما يضع ما يقارب مليوني نسمة أمام أخطار صحية متزايدة، في ظل بيئة عالية القابلية لانتشار الأمراض والأوبئة، تترافق مع نظام صحي محدود القدرة، ويعاني من استنزاف حاد في الموارد والإمكانات. لذلك حذّرت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين “أونروا” من تفشي الأمراض بين النازحين في قطاع غزة، من جرّاء تراكم النفايات في الشوارع والطرقات ومراكز الإيواء، بفعل حرب الإبادة الجماعية.

فيما حذرت منظمة الصحة العالمية، في دراسة منشورة في شباط/فبراير 2025، من عواقب صحية وخيمة، تشمل تفشي أمراض الإسهال المائي، حيث سُجلت آلاف الحالات من الإسهال الحاد، مع خطر حقيقي لتفشي الكوليرا في ظل عدم توفر مياه شرب آمنة، إضافة إلى الالتهابات الجلدية وأمراض العيون، مثل الجرب والتهاب الجلد والقمل والتهاب الملتحمة، خاصة بين الأطفال النازحين الذين يعيشون في ظروف غير صحية.

وتتسبب تلك النفايات بأمراض في الجهاز التنفسي مثل الربو والتهابات الشعب الهوائيّة، نتيجة استنشاق الغبار الملوّث والأدخنة السامة من حرق النفايات التي تطلق موادّ مسرطنة مثل الديوكسينات.[2] يُضاف إلى ذلك الأمراض المنقولة بالنواقل، حيث تخلق برك المياه الراكدة والنفايات بيئة مثالية لتكاثر البعوض الناقل للأمراض، مما يزيد من مخاطر ظهور أمراض مثل حمّى الضنك.[3] كما تسبّب النفايات أيضاً التسمم الغذائي والتهابات الدم (الإنتان): بسبب التلوث الشديد للسلسلة الغذائية والجروح الملوثة.[4]  ومن أبرز الميكروبات التي تسمح البيئة التي يتكدس فيها النفايات هي البكتيريا مثل بكتيريا الجهاز الهضمي، وبكتيريا الجروح والجلد، وبكتيريا داء البريميات.[5] وتشكّل النفايات بيئة مثالية لاحتواء الفيروسات لفترات من الوقت، مما يُسهّل انتقالها للإنسان والحيوان، مثل فيروسات التهاب الكبد الوبائي أ، وفيروسات الإسهال، والديدان المعوية، والأميبا المعوية.[6]

من ناحية أخرى، شكّلت النفايات المنتشرة بين المواطنين في الشوارع بيئة خصبة لتكاثر الفقاريات واللافقاريات، مثل الكلاب والقطط الضالة والفئران والقوارض والحشرات والبعوض، التي تتسلل إلى البيئة والمواطنين وتسبب آثاراً كارثيّة على صحة الإنسان والبيئة معاً. وفي ظل منع الاحتلال لدخول الوقود والغاز إلى قطاع غزة، توجّه الناس إلى حرق كميات كبيرة من النفايات، البلاستيكية وغيرها، لتوفير وسيلة بديلة عن الوقود للطهي والتدفئة وغيرها، وقد أصبح حرق النفايات مصدراً رئيساً لانبعاث ملوّثات هوائيّة خطيرة، بما في ذلك مركّبات ذات خصائص مسرطنة وجسيمات دقيقة قادرة على النفاذ إلى الجهاز التنفسي والتأثير في وظائفه الحيوية، وتزداد خطورة هذه الانبعاثات في المناطق المكتظة بالسكان. ووفق إحصائيات رسمية تم تسجيل مليون و800 ألف حالة إصابة بأمراض الجهاز التنفسي منذ بداية الحرب وحتى تاريخه.[7]

وأكّد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNEP) أنّ تكدّس النفايات والأنقاض الملوثة وتدّفق مياه الصرف الصحي قرب أماكن النزوح أوجد بيئة خصبة لانتشار الأوبئة. وحذّر من آثار طويلة الأمد على الصحة العامة وتلوّث التربة والمياه الجوفية. وبيّن أن مواقع التخلص من النفايات الصلبة أصبحت غير صالحة أو غير متاحة للمدنيين منذ 2023، مما أجبر السكان على استخدام مواقع مؤقتة قريبة من المنازل تفتقر للمعايير الصحية. هذه المواقع تزيد من المخاطر الصحية والتلوث، وتُعرّض السكان لمياه وصرف صحي ملوّث ومخاطر مرضيّة.

من ناحية أخرى، فقد أثّر مشهد النفايات المتكدسة المنتشرة بين الخيام والأزقة في الصحة النفسية لأهالي قطاع غزة، إذ إنّ النفايات تُنتج ما يُعرف بـ “التلوث البصري“، الذي يُحدث حالة من الاكتئاب الداخلي لدى الإنسان الذي قد يصل إلى عدم تقبّله العيش في تلك البيئة.

لا تقتصر الآثار الخطيرة للنفايات على صحة الإنسان فحسب، إذ إنّ البيئة تشهد آثاراً عميقة من المخاطر التي قد تتحوّل إلى مكان لا يصلح للحياة على المدى البعيد، في حال لم يتم إيجاد الحلول المناسبة، خصوصاً في ظل عدم وجود عمليات فرز للنفايات، واختلاط جميع أنواعها ببعضها البعض، إضافة إلى الركام الناجم عن قصف المنازل والمنشآت.

لا بد من التوضيح أنّ مكبَّيْ “جحر الديك” و “الفخاري” الرئيسين اللذين يقعان ضمن المنطقة الحمراء التي يُسيطر عليها جيش الاحتلال في الوقت الراهن، مجهزان لاستقبال النفايات، ويحتويان على طبقة مبطنة من “البولي إيثلين”، وهي مادة شبه جلدية تمنع تسرب العصارات التي تفرزها القمامة إلى الأرض، لكنّ المكبّات العشوائية المتراكمة حاليّاً غير مهيّأة وتفتقد لهذه المادة المهمة، مما يؤدي إلى تسرب القمامة وعصارتها إلى باطن الأرض، فيسبب تلوث المياه الجوفية التي تعدّ المصدر الرئيس للمياه العذبة في قطاع غزة.[8]

مع مرور الأيام تزداد المشكلة تعقيداً مع زيادة كميات النفايات، مما قد يصل لانعدام وجود أماكن لإلقاء النفايات في ظلّ قضم الاحتلال لمساحة شاسعة من القطاع وإخضاعها لسيطرته، وعليه يزداد تكدس المواطنين في أماكن محددة، ما يجعل الوضع البيئي في خطر شديد.

خاتمة

إنّ استمرار تراكم النفايات في قطاع غزة بفعل سياسات التضييق الممنهج، والحصار والسيطرة على أكثر من 60% من مساحة القطاع، والتي تعتبر ضمن أدوات حرب الإبادة الجماعية، قد حول البيئة نفسها إلى سلاح قاتل ومقتول في نفس الوقت. وذلك ضمن مساعي جعل القطاع بيئة طاردة لا يُمكن العيش فيها. لذلك فإن بقاء هذا الواقع في القطاع سيكون له انعكاسات كارثيّة على المدى البعيد، قد تكون سبباً في زيادة أعداد الوفيات نتيجة التلوث والأمراض التي تسببها النفايات. ومن ناحية أخرى، فإن هذا الوضع البيئي الكارثي، الذي يترافق مع استمرار الحصار ومنع الإعمار والانتهاكات العسكرية اليومية لوقف إطلاق النار، يساهم في مخططات التهجير التي يصرّح بها الاحتلال ويسعى إلى تنفيذها بأيّ طريقة كانت.


[1] مقابلة أجراها الباحث مع عميد كلية العلوم الصحية في الجامعة الإسلامية عبد الرؤوف المناعمة، بتاريخ (18/1/2026).

[2] هي مجموعة من المركبات الكيميائية السامة والثابتة في البيئة، تنتج غالبًا عن عمليات الاحتراق غير الكامل أو بعض الأنشطة الصناعية. تتراكم في السلسلة الغذائية، خصوصًا في الدهون الحيوانية، وترتبط بآثار صحية خطيرة مثل اضطرابات الجهاز المناعي، الخلل الهرموني، السرطان، وتأثيرات سلبية على النمو والتكاثر.

[3] مرض فيروسي حاد تسببه فيروسات الضنك، وينتقل إلى الإنسان عبر لدغة بعوضة Aedes المصابة. يتميز بارتفاع مفاجئ في درجة الحرارة، صداع شديد، آلام في العضلات والمفاصل، طفح جلدي، وقد يتطور في بعض الحالات إلى حمى ضنك نزفية أو صدمة تهدد الحياة.

[4]مقابلة أجراها الباحث مع عميد كلية العلوم الصحية في الجامعة الإسلامية عبد الرؤوف المناعمة، بتاريخ (18/1/2026).

[5] مرض جرثومي تسببه بكتيريا لولبية من جنس ليبتوسبيرا “Leptospira”، ينتقل إلى الإنسان عبر ملامسة المياه أو التربة الملوثة ببول الحيوانات المصابة، خاصة القوارض. تتراوح أعراضه من حمى وألم عضلي وصداع إلى حالات شديدة قد تشمل فشلاً كلوياً أو كبدياً ونزفاً.

[6] عبد الرؤوف مناعة، سبق ذكره.

[7]مقابلة أجراها الباحث مع أستاذ العلوم البيئية والبحرية في الجامعة الإسلامية بغزة الدكتور عبد الفتاح عبد ربه، بتاريخ (17/1/2026).

[8] مقابلة أجراها الباحث مع مسؤول الرقابة على المياه والبيئة في وزارة الصحة بغزة سعيد العكلوك، بتاريخ (17/1/2026).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى