أزمات السلطة الفلسطينيّة الماليّة: سياسة إسرائيليّة لإنهاء التمثيل الرسمي الفلسطينيّ

تواجه السلطة الوطنية الفلسطينية منذ عام 2019 واحدة من أعقد الأزمات المالية والسياسية في تاريخها، إذ تحولت مسألة قدرة السلطة على صرف “رواتب الموظفين” من قضية إدارية إلى أزمة تتداخل فيها أدوات ضغط سياسي وخنق اقتصادي تهدّد ديمومة بنية الكيان الفلسطيني برمّته.
بدأت ملامح هذه الأزمة تتبلور بشكل حاد مع قرار حكومة بنيامين نتنياهو التضييق على السلطة الفلسطينية، والضغط عليها سياسيًا لانتزاع مزيد من التنازلات، وذلك عبر سياسة الاقتطاعات الأحادية من أموال المقاصة الفلسطينية -وهي الضرائب التي تجبيها “إسرائيل” على البضائع الواردة إلى السوق الفلسطيني نيابة عن السلطة بموجب بروتوكول باريس الاقتصادي– والتي تشكل نحو 68% من إجمالي الإيرادات العامة. الأمر الذي أدخل السلطة الفلسطينية في أزمة خانقة، تراجعت معها قدرتها على الوفاء بالتزاماتها الشهرية، وأهمها رواتب الموظفين.
ومع توالي القرارات الإسرائيلية وتصاعد الأحداث المرتبطة بالقضية الفلسطينية، وتحديدًا بعد السابع من أكتوبر 2023، وما رافقها من إجراءات إضافية ضد كيان السلطة وعموم الفلسطينيين، وصولًا إلى احتجاز المقاصة بشكل كامل منذ شهر أيار/ مايو 2025، وتصاعد التوترات الإقليمية بما في ذلك المواجهات المباشرة بين إيران و”إسرائيل” مؤخرًا؛ دخل الاقتصاد الفلسطيني في الضفة الغربية مرحلة “ركودٍ عميق” وفق تقييم مختصين اقتصاديين. وتشير الأرقام الاقتصادية إلى انزلاق خطير ومستمر نحو أزمة أعمق وأشد، بفعل ارتفاع الدين العام بشكل متتالٍ.
تسعى هذه الورقة إلى تحليل أثر هذه الأزمات المتلاحقة والمتصاعدة على قدرة السلطة الفلسطينية على الاستمرار، مع استصحاب مبررات ضرورة الحفاظ على هذا الكيان في هذا الوقت تحديدًا؛ بوصفه الكيان الوطني الوحيد المعترف به دوليًا ممثلًا للفلسطينيين، رغم عيوبه وانحسار دوره الإداري والخدماتي بفعل القيود الهيكلية التي فرضها اتفاق أوسلو، وما تبعها من ممارسات إسرائيلية على مدار سنين طويلة.
هيكلية الأزمة المالية وأثرها على الموظف العمومي والاقتصاد المحلي
تعدّ الرواتب الحكومية المحرك الرئيس للاقتصاد الفلسطيني، وتستحوذ على الحصة الأكبر من مجمل الميزانية الشهرية للسلطة الفلسطينية، إذ تستهلك فاتورة الرواتب والأجور أكثر من ثلثي مجمل نفقات الحكومة بواقع 1.06 مليار شيقل شهريًا (350 مليون دولار) من أصل 1.6 مليار شيقل. ومنذ عام 2019، وبسبب احتجاز “إسرائيل” لمليارات الشواكل تحت ذرائع مختلفة، اضطرت السلطة لصرف رواتب منقوصة تراوحت نسبتها بين50% -80%. دون التزام بمواقيت صرف محددة شهريًا، حيث تأخرت الرواتب في كثير من الأوقات شهرين متتاليين. وصولًا إلى إطلاق تصريحات لمسؤولين في السلطة تتحدث عن الصعوبة البالغة في توفير الرواتب الشهرية مثل تصريح وزير المالية الذي يقول فيه “لقد انتهت حلول الأرض”، كناية عن عجز الحكومة وعمق الأزمة، وقد أدى هذا الواقع إلى مجموعة أزمات مركبة باتت تعصف بالسلطة، لعل أهمها:
- تراكم المتأخرات: تشير التقديرات إلى أن إجمالي الالتزامات المالية المتراكمة على السلطة لموظفيها وللقطاع الخاص والموردين مع نهاية عام 2025 بلغت نحو 15.1 مليار شيقل (نحو 4.8 مليار دولار)، بزيادة شكلت 26% عما كانت عليه في عام 2024. منها 6 مليار دولار تمثل مجمل متأخرات الحكومة تحت بند فاتورة الأجور الشهرية (موظفون، متقاعدون، أشباه الرواتب). وأصبحت شريحة من موظفي الحكومة تستحق لها أجور 12 شهرًا متراكمة على الحكومة. تراكم هذه الديون على السلطة، وسط ضبابية تحيط بموعد صرف الرواتب المقبلة مع تبني الحكومة آلية (كل شهر بشهره). أدى إلى نقص حاد في السيولة التي تدخل إلى السوق الفلسطيني، بفعل ضعف القدرة الشرائية للمواطنين، مما تسبب في ركود تجاري واسع في مدن الضفة الغربية.
- ارتفاع الدين العام وتآكل القطاع المصرفي: تشير أحدث البيانات الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني وسلطة النقد إلى أن هيكل الدين العام للسلطة الفلسطينية يتميّز بتركيز مرتفع على الدين الداخلي مقابل الخارجي. فقد استقر رصيد الدين الخارجي عند 3 مليار دولار بنهاية الربع الرابع من عام 2025، في حين تُظهر بيانات وزارة المالية أن إجمالي الدين العام بلغ حوالي 15.2 مليار شيكل (نحو 4.9 مليار دولار) حتى نهاية 2025، مع هيمنة واضحة للدين المحلي الذي تجاوز 10.9 مليار شيكل مقابل 4.32 مليار شيكل ديون خارجية. ويعكس هذا التوزيع اعتماد الحكومة الفلسطينية بشكل كبير على الاقتراض من الجهاز المصرفي المحلي، حتى وصل اقتراض السلطة من البنوك حده الأقصى، مما يرفع من مستوى المخاطر على القطاع المصرفي نفسه نتيجة تركز الديون الحكومية، ويحدّ من قدرته على تمويل القطاع الخاص، الأمر الذي ينعكس سلبًا على النمو الاقتصادي وفرص الاستثمار. وهو ما تؤكده تقديرات تشير إلى أن الدين العام كنسبة من الناتج المحلي قد وصل إلى نحو 85.7% في عام 2025. وعلى الرغم من أنّ مستوى الدين الإجمالي يبدو محدودًا نسبيًا مقارنة ببعض الاقتصادات النامية، إلا أن الإشكالية الأساسية لا تكمن فقط في حجم الدين، بل في هيكل التمويل والقيود المؤسسية المرتبطة بالإيرادات، إذ تشير بيانات رسمية إلى أن الدين التراكمي (بما يشمل الالتزامات والمتأخرات) قد يصل إلى 14.6 مليار دولار، وهو ما يعادل أكثر من 100% من الناتج المحلي.
تتفاعل هذه العوامل لتُنتج حلقة اقتصادية انكماشية: ارتفاع الدين العام يزيد اعتماد الحكومة على البنوك المحلية، بينما يؤدي تراكم المتأخرات إلى نقل الأزمة للموظفين والقطاع الخاص، فينخفض الاستهلاك والاستثمار، ويتراجع النشاط الاقتصادي. يعكس ذلك ضعف القدرة الشرائية، في وقت ارتفعت فيه تكاليف المعيشة نتيجة القيود التجارية وارتفاع أسعار بعض السلع المستوردة. وعليه، يمكن تفسير الحالة في الضفة الغربية كأزمة ممتدة ذات طابع هيكلي، حيث يتحول الدين والمتأخرات إلى أدوات تمويل قصيرة الأجل للسلطة الفلسطينية، لكنها في المقابل تؤدي إلى تآكل تدريجي في القطاع الخاص وتدهور مستوى معيشة المواطنين. حيث تشير الأرقام الإحصائية المتعلقة بالحالة الاقتصادية في الضفة الغربية إلى تراجع الناتج المحلي في الضفة بنحو 13% في عام 2025 مقارنة بالعام 2023، وتراجع الطلب الاستهلاكي بنحو 12%، مع تسجيل معدلات بطالة وصلت إلى 28%.
“الخنق الاقتصادي” بعد 7 أكتوبر والتهديدات اليمينية الإسرائيلية
لم تكن الأزمة المالية التي تعصف بواقع الضفة الغربية ناتجة عن سوء إدارة داخلي لدى السلطة الفلسطينية فحسب -وهو المرض المستشري في مؤسسات السلطة منذ تأسيسها بحسب كثير من مؤسسات الرقابة حتى المرتبطة منها بالسلطة– بل كانت نتاجًا لسياسات منهجية تزايدت حدتها بعد أحداث أكتوبر 2023. إذ تعكس التطورات المالية والاقتصادية في الضفة الغربية منذ سنوات كيف أنّ سياسات الحكومة اليمينية في “إسرائيل” اتجهت نحو توظيف الأدوات الاقتصادية بشكل ممنهج للضغط على السلطة الفلسطينية وإضعاف قدرتها المؤسسية، بما قد يفضي إلى إنهاء وجودها بشكلها الحالي على الأقل، وذلك من خلال التحكم المباشر في مواردها السيادية، وعلى رأسها أموال المقاصة. وفي هذا السياق، جاءت تصريحات وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش لتؤكد البعد السياسي لهذه السياسات، إذ أعلن صراحة سعيه إلى “خنق السلطة الفلسطينية اقتصاديًا لمنع قيام دولة فلسطينية”، وهو ما يعكس منهجية تهدف إلى إعادة تشكيل الواقع السياسي عبر أدوات اقتصادية.
وعلى مستوى أوسع، تتكامل هذه السياسات المالية مع توجهات اليمين الإسرائيلي التي تسعى إلى إضعاف البنية الاقتصادية والاجتماعية الفلسطينية على المدى الطويل، لا سيّما في الضفة الغربية. فإلى جانب الضغط المالي على السلطة، تشمل هذه المقاربة سياسة إغلاق للمدن والقرى عبر انتشار ما يزيد عن 1000 حاجز عسكري وبوابة تقطع أوصال الضفة، وسياسة هدم للمباني الفلسطينية، وتوسعًا استيطانيًّا غير مسبوق، وقيودًا تمسّ النظام المصرفي الفلسطيني، ومنع العمالة الفلسطينية في داخل “إسرائيل”، وهو ما أدى إلى انخفاض دخل الأسر وتراجع الطلب المحلي، خاصة بعد تقييد وصول العمال الفلسطينيين إلى سوق العمل داخل إسرائيل عقب أحداث عام 2023. وتتقاطع الإجراءات على الأرض مع مواقف سياسية معلنة، إذ طرح بتسلئيل سموتريتش خططًا لفرض السيادة الإسرائيلية على أجزاء واسعة من الضفة الغربية، ورفض إقامة دولة فلسطينية.
من هنا يمكن فهم الخنق الاقتصادي بوصفه جزءًا من إستراتيجية أشمل تقوم على إضعاف الاستدامة المالية للسلطة، ونقل الأزمة إلى المجتمع عبر تأخير الرواتب وتراكم ديون القطاع الخاص، ما يؤدي إلى تآكل تدريجي في مقومات الصمود الاقتصادي والاجتماعي. وعليه، لا تنحصر آثار هذه السياسات في المؤشرات المالية فحسب، بل تمتد لتؤثر مباشرة على مستوى معيشة المواطنين في الضفة الغربية، من خلال تقليص الدخل، وزيادة الاعتماد على الدين، وتعميق حالة عدم اليقين الاقتصادي.
آثار وانعكاسات خطيرة على وجود السلطة الفلسطينية
إنّ السيناريو الأكثر ترجيحًا في حال استمرار سياسة “إسرائيل” في إجراءاتها على الأرض والخنق المالي للسلطة الفلسطينية، هو تحول هذه السلطة من كيان سياسي يفترض أن يمهد للدولة إلى مجرد “بلدية كبرى” تقتصر مهامها على تقديم الحدّ الأدنى من الخدمات، بما يقتضيه ذلك من تقليص الوظائف، وخفض ساعات العمل الرسمي، وإغلاق مؤسسات غير حيوية لترشيد النفقات التشغيلية. سيؤدي استمرار العجز عن دفع الرواتب إلى تآكل القطاع الحكومي و”هجرة العقول” من الكوادر الطبية والتعليمية نحو القطاع الخاص أو الخارج، مما يفرغ المؤسسات الوطنية من كفاءاتها، ويضعف جودة الخدمات الأساسية.
سيفضي هذا الواقع إلى مخاطر “الانهيار الأمني” والفكاك المجتمعي، مما يفتح المجال لبروز قوى محلية أو عشائرية لسد الفراغ، وهو ما يخدم خطط “تفتيت الكيانية” التي يسعى إليها اليمين الإسرائيلي. ويقود هذا السيناريو إلى انفجار اجتماعي، لا سيّما مع وصول نسبة البطالة في الضفة إلى حدود الـ 30%، وارتفاع معدلات الفقر إلى مستويات قياسية تهدد الاستقرار الداخلي.
سيناريو “الانهيار المحتوم” هذا، ومع استحضار سياسات الضم الزاحف الذي يمارسه اليمين الحاكم في “إسرائيل” عبر تنفيذ “خطة الحسم” دون تدخل دولي جاد لمنع ذلك، يجعل من استمرار السلطة ككيان سياسي أمرًا مستحيلًا. وهو ما قد يدفعها إلى إعلان “الإفلاس المالي”، والسياسي تبعًا لذلك، مما يمهد لفرض سيادة إسرائيلية مباشرة على أغلب مناطق الضفة الغربية وتحويل المدن الفلسطينية إلى جيوب معزولة بلا رابط سياسي.
خاتمة
رغم أن السلطة الفلسطينية نشأت في سياق سياسي مُقيّد بموجب اتفاقيات أوسلو، والتي فرضت قيودًا هيكلية على السيادة الاقتصادية والسياسية الفلسطينية، ورغم ما رافق تجربتها خلال العقود الماضية من اختلالات إدارية ومظاهر فساد وضعف في الحوكمة، إلا أن القراءة الواقعية للمرحلة الراهنة تشير إلى أن وجود هذا الكيان في هذا التوقيت تحديدًا يمثّل ضرورة إستراتيجية لا يمكن تجاهلها. فالسلطة، على محدودية صلاحياتها، تمثل الإطار المؤسسي الوحيد القائم الذي ينظم الحياة العامة في الضفة الغربية، ويؤمّن الحد الأدنى من الخدمات والإدارة، فضلًا عن كونها القناة الرسمية التي يتم من خلالها التعامل مع المجتمع الدولي، بما في ذلك الأمم المتحدة والبنك الدولي. وفي ظل تصاعد الضغوط السياسية والاقتصادية، فإن غياب هذا الإطار -حتى مع عيوبه- قد يؤدي إلى فراغ مؤسسي خطير ينعكس على مختلف جوانب الحياة، من الأمن والخدمات إلى التمثيل السياسي.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية تبنّي مقاربة نقدية-إصلاحية لا تقوم على إنكار الإشكاليات، بل على إدارتها ضمن هدف الحفاظ على الكيان وتطويره، خاصة في ظل بيئة إقليمية ودولية تشهد محاولات متزايدة لإضعافه أو تجاوزه.
فقد عبّر عدد من رموز اليمين الإسرائيلي، عن مواقف تدعو صراحة إلى تقويض السلطة، ما يعكس إرادة سياسية إسرائيلية لإنهاء هذا الإطار أو تفريغه من مضمونه. وعليه، فإن الحفاظ على السلطة في هذه المرحلة لا يعني القبول بواقعها القائم، بل التعامل معها كضرورة مرحلية قابلة للإصلاح، عبر تعزيز الشفافية والمساءلة، وإعادة بناء الثقة بينها وبين المجتمع، وتقوية دورها التمثيلي. فبين خيار الانهيار وما يحمله من مخاطر تفكك سياسي واجتماعي، وخيار الإصلاح التدريجي لكيان قائم، تبدو المقاربة الثانية -رغم صعوبتها- أكثر اتساقًا مع متطلبات الحفاظ على الحد الأدنى من الكيانية السياسية الفلسطينية في مواجهة محاولات التصفية.



