مقالاتالتحولات في المجتمع الفلسطيني مابعد اتفاق اوسلو وأثره على التحرر الوطنيملفات وقضايا

في ذكرى أوسلو الـ30.. هل أصبح المؤقّت دائماً؟!

عربي 21/ أحمد عطاونة

مرت أكثر من ثلاثة عقود على تبني منظمة التحرير الفلسطينية برنامجاً سياسياً يهدف إلى إقامة دولة فلسطينية على الأراضي المحتلة عام 1967م، استناداً إلى قرارات الأمم المتحدة والشرعية الدولية. وقد وقف المجتمع الدولي خلف هذا القرار، وتبنّى ما بات يُعرف بحلّ الدولتين، وهو ما حظي أيضاً بإجماع عربي أقرته جامعة الدول العربية أكثر من مرة. للوصول إلى هذا الهدف، وافقت قيادة منظمة التحرير، من خلال اتفاق أوسلو، على البدء بمرحلة انتقالية مؤقتة، من المفترض أن تفضي في نهايتها إلى الدولة الفلسطينية كاملة السيادة، والخالية من المستوطنين والمستوطنات، على حدود الرابع من حزيران/ يونيو.

فقد نص اتفاق أوسلو الموقع في أيلول/ سبتمبر 1993، بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية، على “أن هدف المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية ضمن إطار عملية السلام الشرق أوسطية هو، وإلى جانب أمور أخرى، تشكيل سلطة فلسطينية انتقالية ذاتية في الضفة الغربية وقطاع غزة لمرحلة انتقالية لا تتعدى الخمس سنوات، وتؤدي إلى تسوية نهائية مبنية على أساس قراري مجلس الأمن 242 و338″، الأمر الذي لم يحدث حتى يومنا هذا.

شهدت مرحلة أوسلو، الممتدة من عام 1993 إلى يومنا هذا، بناءً وترسيخاً لجملة من الوقائع والتحولات على الأرض، جعلت من إمكانية تغييرها أو التنازل عنها أمراً صعباً للغاية على الطرفين، وثمن التخلي عنها أو تجاوزها باهظ جداً، وكان من أبرزها:

1- تكثيف البناء الاستيطاني في الضفة الغربية، حيث يوجد اليوم حوالي 160 مستوطنة صهيونية و300 بؤرة استيطانية.

2- ما يزيد عن 750 ألف مستوطن صهيوني يقيمون في الضفة الغربية، رغم أن عددهم كان في بداية أوسلو حوالي 230 ألفا.

3- سيطرة اليمين الصهيوني المتطرف على الحكم في إسرائيل، وتلاشي وجود وتأثير ما كان يعرف بمعسكر اليسار أو السلام.

4- سلطة فلسطينية تمتلك مؤسسات دولة كاملة من وزارات، ووزراء، ووكلاء، وأجهزة، وقضاء، وسلك دبلوماسي، وسفارات، ومجالس.. الخ، وقرابة 200 ألف موظف، في الضفة وغزة، مرتبطين بالبنية البيروقراطية لهذه السلطة.

5- الانقسام الفلسطيني وما فرضه من وقائع متباينة بشكل كبير على الأرض، في الضفة الغربية وقطاع غزة، يجعل من فرصة بناء سلطة فلسطينية منسجمة ومتناغمة أمراً عسيراً؛ خاصة في ظل اعتقاد كل طرف بضرورة الحفاظ على ما يعتقد أنه منجز نوعي لا يمكن التفريط به، يرافق ذلك انقسام عميق في الرؤى والتوجهات.

6- انعزال من قبل قيادة منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية عن الشعب الفلسطيني في الشتات وفي الأراضي المحتلة عام 1948، وانسلاخ عن همومه، وتهميش لدوره ولدور المنظمة.

تزامن مع ذلك العديد من التطورات والأحداث السياسية والأمنية على المستوى المحلي الفلسطيني (انتفاضات وهبات شعبية وحروب)، أظهر فيها الشعب الفلسطيني كعادته صموداً وبطولة منقطعة النظير. وكعادتها، أظهرت القيادة السياسية عجزاً مخيفاً في القدرة على استثمار الصمود والفعل الشعبي والمقاوم لصالح إنجاز حقوقه السياسية والوطنية، بل إن التراجع السياسي والوطني كان سيد الموقف على مدى العقود الثلاثة المنصرمة. كذلك، فإن الكثير من الأحداث الإقليمية حدثت في ذات الفترة، وأثرت بشكل كبير على موازين القوى الإقليمية، وعلى توجهات واهتمام الدول في الإقليم، لا سيما العربية منها، ونشأة عدة قضايا سياسية ووطنية إقليمية جديدة مست بشكل جوهري بمكانة القضية الفلسطينية، وموقعها على سلم أولويات الشعوب والأنظمة.

قادت هذه المعطيات والتطورات، بالإضافة إلى الوقائع والتحولات السابقة، بشكل غريب وغير منطقي، إلى استقرار في العلاقة بين السلطة والاحتلال، فالمتابع لعلاقة السلطة الفلسطينية مع الاحتلال الإسرائيلي منذ تولي السيد محمود عباس رئاسة السلطة، يلمح أن السمة الأساسية لهذه العلاقة هي الاستقرار، وغياب التوتر أو المواجهة الميدانية، وحصرها إذا ما وجدت في ساحات العمل أو الاشتباك السياسي والقانوني والإعلامي. يعود ذلك، بالإضافة للوقائع الثقيلة المذكورة أعلاه، والتي ترسخت على الأرض، إلى وجود مساحة من التوافق والمشتركات بين الطرفين، تجعل من كل التوترات الميدانية عوامل هامشية غير قادرة على إحداث إزاحة أو تغيير في الواقع القائم. ولعل أبرز هذه التوافقات:

1- الحفاظ على الهدوء والاستقرار في الضفة الغربية والحيلولة دون اندلاع أية مواجهة أو انتفاضة.

2- الحفاظ على وجود السلطة الفلسطينية بمعزل عن دورها وماهيته.

3- منع أي عمل مقاوم بغض النظر عن شكله، سواء عسكرياً أم شعبياً، باعتبار أي عمل شعبي يمكن أن يتحول إلى عمل عسكري إذا ما تطورت المواجهة، والاستمرار في التشكيك في جدوى المقاومة وقدرتها على تحقيق إنجازات للشعب الفلسطيني.

4- الحيلولة دون عودة حركة حماس، وقوى المقاومة الأخرى، إلى الفعل الميداني في الضفة الغربية، وإبقاء الحركة تحت الضغط والاستنزاف المستمر، باعتبارها تشكل خطراً على الطرفين.

5- الحفاظ على وجود نموذجين للحياة لدى الفلسطينيين، نموذج غزة “المقاوم المحاصر الفقير” والضفة “الهادئ الرغيد”، مما يعني ويتطلب الإبقاء على حالة الانقسام بين الضفة وغزة.

إدارة مختلفة للصراع قد تقود إلى مقاربة جديدة للحل: “المؤقّت يصبح دائماً”. وللحفاظ على هذه الحالة وضمان استمرارها تعمل حكومة الاحتلال، بتنسيق أو بدون، مع قيادة السلطة بين الحين والآخر على بلورة سياسات محددة تخدم هذا التوافق، متجاوزين فكرة إنجاز تغيير سياسي، أو الوصول إلى صيغة سياسية نهائية للتسوية، وفق الرؤية التي استندت إليها ما عُرفت بالمسيرة السياسية أو مسيرة التسوية، مستندين إلى توافق ضمني على العمل المشترك؛ لإبقاء الحال على ما هو عليه، والحيلولة دون انفجار الأوضاع الميدانية وحدوث مواجهة عنيفة بين الاحتلال والشعب الفلسطيني، على أمل حدوث تغيير على المستوى الإقليمي والدولي؛ قد يوصل كل طرف لما يُعتبر أهدافاً نهائية من وجهة نظره.

فبعد أن استُنفدت فكرة “التسوية السياسية” يدور الحديث اليوم عن خطة “حسم الصراع” التي تتبناها الحكومة الإسرائيلية الحالية، لتعمل إلى جانب “السلام الاقتصادي”، والتي تقوم على تسهيل حياة وحركة المواطنين في الضفة دون الاحتكاك مع المستوطنين أو الجيش؛ لتعزيز شعور متوهم بأنهم لا يعيشون تحت الاحتلال، وبالتالي تحول دون اندلاع مواجهة شاملة بموازاة تكثيف غير مسبوق للبناء الاستيطاني وزيادة عدد المستوطنين.

بغض النظر عن مدى واقعية هذا المسار، فإن الأكيد أنّ حكومة الاحتلال تعمل ضمن رؤية قائمة على تحويل ما يُعتقد أنّه مؤقت في الحالة الفلسطينية إلى دائم. فقطاع غزة يبقى كياناً معزولاً بوضع إداري وسياسي خاص، والضفة الغربية تعيش حالة أقرب ما تكون لحكم ذاتي فلسطيني محدود تحت الاحتلال، يتمتع بكل أنواع السلطة على السكان دون أي شكل من أشكال السيادة على الأرض. وهو أمر يبدو أن قيادة السلطة قد تبنته أيضاً، ومستمرة في التعايش معه، لأن البدائل عنه غير محتملة بالنسبة لها. وقد نجحت القيادة منذ زمن في بناء رأي عام داخل بنية السلطة، وبالذات لدى الأجهزة الأمنية وقطاعات كبيرة من حركة فتح، مؤيد لهذا التوجه، مستغلة تجربة “الحسم العسكري” في غزة، التي حدثت عام 2007، وما نتج عنها من انقسام، في إثارة جملة من المخاوف لدى جمهور السلطة وحركة فتح.

وعليه، فالمقاربة المتبناة اليوم قائمة على أن “الحفاظ على “الهدوء” في الضفة الغربية، حتى وإن ألحق الضرر بالمشروع الوطني وقاد إلى تحويل المؤقت إلى دائم، يعني الحفاظ على الذات وضمان البقاء، وهو مقدم على ما سواه من أهداف”.

ومما يساهم أيضاً في الوصول إلى هذا الواقع، ويجعل من استمراره ممكناً، واقع وسلوك الفصائل والتجمعات والنخب الفلسطينية الأخرى، التي تُظهر عجزاً كبيراً في بلورة رؤية أو مقاربة مختلفة قادرة على العمل، وتصلح لتوحيد الفلسطينيين أينما كانوا للنضال سوية في مواجهة المشروع الصهيوني، الذي يزداد وجهه قبحاً بمرور الوقت، وبالذات بعد تصنيفه من جهات عدة كنظام فصل عنصري (أبارتايد)، مما يشجع أيضا قيادة السلطة على المضي قدماً في خيارتها وسياساتها، غير آبهة بمعارضة خجولة هنا أو تصريح إعلامي هناك.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى