المشهد الفلسطينيالاستيطان والجدارملفات وقضايا

تسارع الاستيطان في الضفة الغربية: دلالات الفعل وانعكاساته على الجغرافيا السياسية

حمدي علي حسين/ تنزيل التقرير

شهدت الضفة الغربية في أعقاب عملية طوفان الأقصى والحرب “الإسرائيلية” على قطاع غزة، تصعيداً استيطانيًا من قِبل الحكومة “الإسرائيلية” والمستوطنين، واستغل الاحتلال انشغال العالم بالحرب وبعض المواقف الغربية التضامنية معه في بداية الحرب لتسريع وتيرة أنشطته الاستيطانية التوسعية، التي أطلقتها الحكومة “الإسرائيلية” المتطرفة منذ تشكيلها في ديسمبر 2022، والتي تشمل إقامة بؤر استيطانية جديدة، وإقرار بناء الآف الوحدات في مستوطنات قائمة، والشروع بإقامة أحياء جديدة في مدينة القدس وضواحيها، وتنذر هذه السياسات التوسعية بتداعيات على جغرافيا الضفة الغربية المجزأة بفعل استمرار السياسات الاستعمارية، وترسيخ التقسيمات الأمنية الواردة في اتفاقية طابا الموقعة بين السلطة الفلسطينية و”إسرائيل” عام 1996، والتي تحول دون إمكانية تطبيق قرارات “الشرعية الدولية” التي كانت تقوم عليها العملية التفاوضية الهادفة إلى تحقيق “حل الدولتين”، كما وتؤدي إلى تبعات منها: زيادة قبضة المستوطنين وجرائمهم في الضفة الغربية، وتصاعد الاشتباك مع الفلسطينيين في الأرياف الفلسطينية التي تتاخمها المستوطنات، مثل ما حدث مؤخراً في عدد من قرى محافظتي رام الله ونابلس من هجمات عربدة منظمة قادها المستوطنون، وأطلقوا خلالها النار على المواطنين، وأحرقوا البيوت والممتلكات.  

يسعى هذا التقرير إلى تحليل تصاعد الاستيطان منذ بدء الحرب على قطاع غزة وما ارتبط به من إجراءات، والقرارات التي اتخذتها الحكومة اليمينية المتطرفة في التوسع والبناء الاستيطاني منذ تأسيسها، وتداعياتها الجيوسياسية، التي تهدم ما تبقى من آمال الحصول على “دولة فلسطينية” على الأرض المتبقية.

تصاعد الاستيطان قبل الحرب:

شهدت الضفة الغربية ارتفاعاً في وتيرة الاستيطان منذ توّلي الحكومة اليمينة، التي تعتبر بأنها الحكومة الأكثر تطرفاً منذ احتلال الضفة الغربية عام 1967، نظراً لوجود وزراء من أحزاب يمينية ناشطة تحمل أفكاراً أشد عداءً للفلسطينيين، على رأسهم وزير الأمن القومي “إيتمار بن غفير”، ووزير المالية “بتسلئيل سموتريتش”، واللذان يحملان أفكاراً أكثر تشدداً ودعماً للمستوطنين في الضفة الغربية، ويشمل ذلك التسليحَ وتقديم الدعم المالي لإقامة البؤر الاستيطانية، وتشكيل غطاء أمني لاستمرار الأعمال العدوانية بحق الفلسطينيين في القرى والأرياف التي يستهدفها الاستيطان في الضفة الغربية.

أصدرت الحكومة منذ انطلاق أعمالها عدة قرارات ببناء لوحدات استيطانية جديدة عبر “الكابينيت” ومجلس التخطيط التابع للإدارة المدنية، والتي تُصنف على أنها أكبر حملة توسع استيطاني منذ عام 2012، وتشمل أكثر من 14 ألف وحدة استيطانية في الضفة الغربية، وتتركز هذه المخططات في مستوطنة “معاليه أدوميم” الواقعة شرق مدينة القدس، ومستوطنة “عيلي” الواقعة شمال رام الله، و”جفعات زئيف” شمال غرب القدس وغيرها، وجاء استمرار هذه المشاريع رغم تعهد “إسرائيل” بتجميد الاستيطان خلال “قمة العقبة” التي جمعتها بالسلطة الفلسطينية والأردن ومصر خلال شهر شباط/ فبراير 2023، وقد رصدت الأمم المتحدة عبر المفوض السامي حجم توسع المستوطنات “الإسرائيلية” بشكل ملحوظ ما بين 1 تشرين الثاني/نوفمبر 2022 حتى 31 تشرين الأول/أكتوبر 2023، حيث أُقيمت حوالي 24300 وحدة سكنية داخل المستوطنات “الإسرائيلية” في الضفة الغربية خلال هذه الفترة.

أظهرت تقارير هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أيضاً بأن حجم مصادرة الأراضي عام 2023 شكّل ضعف ما كان عليه عام 2022، حيث وصلت فيه حصيلة عمليات المصادرة إلى 26 ألف دونم، في الوقت الذي تجاوزت فيه عمليات المصادرة في عام 2023 حاجز ال 50 ألف دونم تحت مسميات مختلفة للمصادرة، منها: المحميات الطبيعية، وأوامر وضع يد لأغراض عسكرية، وإقامة مناطق عازلة، واستملاك وغيرها، وتمّ في ذات العام دراسة 173 مخططاً هيكلياً من قبل مجلس التخطيط الأعلى للإدارة المدنية لاقامة أكثر من 18 ألف وحدة استيطانية، منها حوالي 48 مخططاً هيكلياً لمدينة القدس، و26 مخططًا لبيت لحم، و 23 لمحافظة سلفيت، ترتّب عليها المصادقة على بناء أكثر من 8000 وحدة استيطانية، وشرعنة ثلاث بؤر أقيمت حول مستوطنة “عيلي” المقامة على أراضي رام الله ونابلس.

يترافق مع توسع الاستيطان استمرارُ سياسات الحكومة “الإسرائيلية” الهادفة إلى ترحيل الفلسطينيين، وعلى رأسها عمليات الهدم وتوجيه الاخطارات بالهدم، حيث هدمت سلطات الاحتلال 659 منشأة خلال عام 2023، منها 209 في مدينة القدس، وأصدرت 1333 اخطاراً بالهدم بحجة عدم الترخيص، ترّكزت في محافظتي الخليل وبيت لحم، وأدت هذه السياسات إلى تهجير أكثر من 25 تجمعاً بدوياً فلسطينياً، بإجمالي 1517 فردًا من أماكن سكنهم إلى مناطق أخرى.

في ذات السياق، تصاعدت جرائم المستوطنين منذ تولي الحكومة اليمينية في ديسمبر 2022، حيث بلغ عدد الشهداء حتى 7 أكتوبر حوالي 16 شهيدًا سقطوا برصاص المستوطنين في الضفة الغربية، واتبعت مجموعات المستوطنين المتطرفين أساليب الاستيطان الرعوي للسيطرة على الأراضي الفلسطينية، وأداة لعمليات الترحيل القسري، وخلق بيئة طاردة للفلسطينيين من خلال تدمير المحاصيل الزراعية واقتلاع الأشجار، حيث وصل عددها عام 2023 إلى أكثر من 21731 شجرة؛ منها أكثر من 18 ألف شجرة زيتون، ونفّذت أكثر من 2410 اعتداءات على الفلسطينيين خلال عام 2023.

 أصدرت حكومة الاحتلال الأخيرة مجموعة قرارات متعلقة بالتوسع الاستيطاني قبل حربها على قطاع غزة، أبرزها:

  1.  إلغاء فك الارتباط، والسماح بإعادة بناء المستعمرات المخلاه في شمال الضفة الغربية عام 2005، والتي تشمل مستوطنات (حومش وغانيم وكادمي وصانور)، وتبع القرار الصادر في آذار 2023 قراراً آخر صدر في أيار 2023 يقضي بالغاء منع دخول “الإسرائيليين” إلى المستوطنات التي أُخليت، ما يعني السماح بعودة الاستيطان. 
  2. نقل الكثير من صلاحيات البناء الاستيطاني إلى وزير المالية “الإسرائيلي” “سموتريتش”، من خلال مصادقة الحكومة في حزيران 2023 على تعديلات على قرار سابق صدر عام 1996، وتهدف الصلاحيات الجديدة إلى تسريع وتيرة البناء الاستيطاني وشرعنته، دون مصادقة المستوى السياسي المتمثل برئيس الحكومة ووزير الجيش على أية مخططات استيطانية، والتي تمنح “سموتريتش” صلاحيات باتخاذ قرارات سريعة والمصادقة على عملية تغيير استخدامات الأراضي في الضفة الغربية، مما يقلل من خطوات المصادقة على مخططات توسعة المستوطنات، ومنها  أيضاً صلاحيات تتعلق بتنفيذ 5 عمليات تقود إلى التوسع الاستيطاني، وهي: إيداع المخطط ودراسته، والموافقة عليه، وتفعيله، وإعلان سريان مفعوله وطرح عطاءات بشأنه، وكان الهدف من هذا القرار أن يتم التعامل مع مخططات التوسع والبناء بعملية تشبه ما هو قائم في المناطق المحتلة عام 1948، دون حاجة لمصادقة من المستوى السياسي، مما يعني قرار “ضم إداري” لأراضي الضفة الغربية لصالح الاحتلال،ومع هذه الصلاحيات يصبح “سموتريتش” قادراً على التحكم بالفلسطينيين عبر سياسات مالية واستيطانية، والتحكم بمجمل الأراضي المصنفة (ج) التي تبلغ مساحتها 61% من الضفة الغربية، وتحقيق أحلامه السابقة خلال قيادته للجماعات المتطرفة، ومنها “رغافيم” صاحبة أفكار حصار الفلسطينيين وحصر وجودهم باستغلال عامل الوقت.
  3. تجديد وتعديل خارطة الأولويات الوطنية التي يتم فيها منح حزمة من الامتيازات للمستوطنين، في إطار تشجيع الانتقال والسكن في مستوطنات الضفة الغربية.
  4. مخصصات في موازنة 2023-2024 تشمل 3.5 مليار شيكل لغاية شق وإصلاح الطرق الاستيطانية في الضفة الغربية، ومبالغ أخرى وصلت إلى 268 مليون شيكل، خُصصت لوزارة الاستيطان التي تقودها المتطرفة “أوريت ستروك” لمساعدة بلديات المستعمرات على مراقبة البناء الفلسطيني، وللإدارة المدنية التابعة لحكومة الاحتلال، التي تشرف على عمليات الاخطار والهدم والتضييق في المناطق المصنفة (ج).
  5. تمديد العمل بخريطة “الأفضلية الوطنية”، والذي تم تعديلها عام 2018، وكان من المفترض أن ينتهي العمل بها مع أواخر عام 2022ـ  حتى منتصف عام 2024، بإضافة عدد من المستوطنات إلى المستوطنات السابقة، البالغة 586 مستوطنة، وبات القرار الجديد شاملاً لجميع المستوطنات “الإسرائيلية”، إذ يتضمن هذا القرار على حزم تسهيلات مقدمة للمستوطنات في الضفة عبر وزارة الإسكان “الإسرائيلية”، والتي تشمل تمويل التخطيط والبناء للوحدات السكنية الجديدة، وزيادة قيمة القروض للمستحقين، وغيرها، مما يزيد من فرص التغوّل والمشاريع الاستعمارية في المناطق الفلسطينية، ويحوّل نشاط المستوطنين من العمل الفردي المتفرق إلى منحى أكثر تنظيماً.
  6. تخصيص مبلغ 5 مليون شيكل لصالح “قرى الشباب الاستيطانية” في الضفة الغربية، من خلال قرار صدر في أيلول 2023، والّتي تُشكّل أساساً لتوسع البؤر الاستيطانية (البؤر الزراعية والرعوية).
  7. طرح عدد من مشاريع القوانين التي تخدم الاستيطان للتصويت عليها في “الكنيست”، ومنها مشروع قانون يجبر الحكومة على بيع الأراضي للمستوطنين في الضفة الغربية، ومشروع قانون لحصول المستعمرات في الضفة الغربية على ميزانيات استثنائية أسوة بالمجالس البلدية في المناطق المحتلة عام 1948، وقانون شرعنة البؤر الاستيطانية، والتي تشمل تقديم خدمات للبؤر الاستيطانية بما يشمل ماء وكهرباء وغيرها خلال فترة النظر في قرار شرعنتها.
  8. تسعى حكومة الاحتلال إلى استبدال مسمى (إنشاء المستوطنة) بـ (توسيع أحياء قائمة) لتقليل الأثر وردة الفعل وإخفاء التمدد الاستيطاني المخالف للقانون الدولي في الضفة الغربية، إلّا أنّ كثيرًا من المشاريع الاستيطانية تظهر بأنها أعمال لإنشاء مستوطنات جديدة قريبة من مستوطنات قائمة.

الاستيطان بعد الحرب على غزة:

تفيد عدة تقارير بارتفاع وتيرة الاستيطان منذ بداية الحرب على غزة؛ استمراراً لمخططات الحكومة اليمينية تحت غطاء الحرب، ومنها ما صدر عن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان التي أفادت بأن “إسرائيل” صادرت أكثر من 27 ألف دونم للتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية حتى نهاية آذار 2024، وأخضعت 52 مخططاً هيكلياً للدراسة، وأجبرت 25 تجمعاً فلسطينياً تسكنها 220 عائلة يصل إجمالي أفرادها إلى 1277 فلسطينياً على الرحيل قسرياً، فيما أظهرت مجمل الإحصائيات الصادرة عن ذات الهيئة الواردة في الجدول أدناه ارتفاعاً في الاستيطان واعتداءات المستوطنين منذ السابع من أكتوبر 2023 حتى أواخر نيسان 2024، حيث وصلت حصيلة الوحدات الاستيطانية إلى أكثر من 10 الاف وحدة، فيما أصدرت حكومة الاحتلال والجيش قرارات بمصادرة أكثر من 45 ألف دونمًا من أراضي الفلسطينيين بحجج مختلفة، منها “إقامة مناطق عازلة أو آمنة” حول المستوطنات القائمة، مما يعني وضع اليد على مساحات من الأراضي الزراعية الفلسطينية وتسييجها، ومنع الفلسطينيين من دخولها تحت حجج أمنية، غالباً ما تُشكّل دافعاً لفتح شهية المستوطنين في التوسع الاستيطاني وبناء الوحدات الجديدة.  

الشهروحدات استيطانية جديدةمحاولة إقامة بؤر جديدةاعتداءات المستوطنين على الفلسطينيينشهداء برصاص المستوطنينتدمير المزروعاتقرارات مصادرة وإقامة مناطق عازلة
تشرين أول/ أكتوبر 20235512390102487 شجرة5382
تشرين ثاني/ نوفمبر 20232364422023232 شجرة23777
كانون أول/ ديسمبر 20231738311711206 شجرة5064  
كانون ثاني/ يناير 202450181861836 شجرة9.54
شباط/ فبراير 2024412901002 شجرة2658
آذار/ مارس 20245047923111067 شجرة8171
نيسان/ ابريل 2024 (لغاية يوم 21)  72895190 شجرة170
المجموع10201 وحدة37 بؤرة1562 اعتداء20 شهيد10020 شجرة45231

التوسع الاستيطاني وعدوان المستوطنين في الضفة الغربية والقدس منذ عملية “طوفان الأقصى” (حصيلة تقارير صادرة عن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان

أظهرت الأمم المتحدة في تقريرها أنّ “إسرائيل” هجّرت 1222 فلسطينياً من 19 تجمعًا رعويًا نتيجة لعنف المستوطنين، إضافة إلى تهجير 592 مواطناً فلسطينياً، بينهم 282 طفلاً في الضفة الغربية والقدس بعد هدم منازلهم بحجة عدم حصولهم على تصاريح بناء، وذلك منذ السابع من أكتوبر 2023 وحتى آذار/ مارس 2024.

أصدرت الحكومة اليمينية “الإسرائيلية” من جهتها عدة قرارات تتعلق بالاستيطان بعد السابع من أكتوبر 2023، أبرزها:

  1. الحفاظ على المبالغ المالية المخصصة للاستيطان في موازنة الحكومة، رغم مطالبات بإعادة توزيع الموازنة بفعل ارتفاع تكلفة الحرب على غزة، وتخصيص موازنة إضافية لتغطية نفقات الحرب العسكرية والمدنية، حيث رفض “سموتريتش” إلغاء المخصصات السابقة.
  2. استمرار طرح ومناقشة فكرة بناء جدار على طول الحدود مع الأردن بطول 238 كم، يمتد من بحيرة طبريا حتى خليج العقبة، لوجود هواجس أمنية، وهو قرار طُرِحَ قبل 20 عاماً، وأعاد “نتنياهو” طرحه نهاية أيلول 2023، وتداوله مرة أخرى خلال شهر آذار 2024 بعد الادعاء بافشال محاولة تسلل مسلحين من الأردن إلى الضفة الغربية.
  3. المصادقة على بناء 3500 وحدة استيطانية جديدة في مستوطنة “معاليه أدوميم” شرق مدينة القدس.
  4. تفعيل “سموتريتش” لمقترح “المناطق الآمنة” التي يُمنع الفلسطينيون من الاقتراب منها، وترافق هذا الإعلان مع موسم قطف الزيتون، حيث مُنع الفلسطينيون من الدخول إلى أراضيهم الواقعة داخل الجدار، والتي يُتوقع أن تصل مساحتها مع إتمام بنائه إلى حوالي نصف مليون دونم، إضافة إلى المناطق القريبة من المستوطنات “الإسرائيلية” التي تُقدّر مساحتها ب 200 ألف دونم، وهي مناطق جديدة يستهدفها المخطط، وترافق المخطط مع زيادة في جرائم المستوطنين بحق من يقترب من المزارعين الفلسطينيين، ومن يعمل في أرضه، حيث بلغت ما يقارب 390 اعتداء، شملت اعتداءات جسدية وإتلاف للزيتون، وإطلاق للنار على المزارعين أثناء القطف.

زيادة نشاط المجموعات المتطرفة:

شهدت الأشهر الأخيرة زيادة في هجمات المجموعات المتطرفة على الأحياء الفلسطينية في الضفة الغربية، والتي كان آخرها هجمات على عدد من القرى في رام الله ونابلس، مثل المغير وخربة أبو فلاح ودوما وعقربا، وقرى أخرى قضاء نابلس مثل قصرة والساوية وغيرها، حيث بلغ عدد اعتداءات المستوطنين جسدياً 1562 اعتداءً، قُتل خلالها 20 فلسطينياً برصاص المستوطنين، وأصيب عشرات، عدا عن وتقطيع الأشجار، والتي وصل عددها إلى أكثر من 10 الآف شجرة، إضافة إلى تدمير المحاصيل الزراعية وتجريف الأراضي، وإجراءات تتمثل بمحاولة المستوطنين إقامة 37 بؤرة داخل الضفة الغربية، ويتولى هذه الأعمال العدوانية مجموعات مثل “شبيبة التلال”، التي جاء اسمها من هدفها المستمر في البحث عن تلال فلسطينية يسهل السيطرة عليها وإقامة بؤر استيطانية فيها، لتشكل انطلاقة للاعتداء على الفلسطينيين وأراضيهم، وألقت صحف ومصادر “إسرائيلية” مسؤولية مئات حالات القتل والاعتداء على هذه المجموعة التي ترتبط أيديولوجياً بالوزيرين “سموتريتش وبن غفير”، وتلقى دعماً مالياً وتسليحاً منهما، ويشكّل مشروعها العدواني جزءًا من عقيدة اليمين المتطرف، الذي يشكل انتماءهم وولاءهم له تعويضاً عن حالة انعزالهم المستمر عن المجتمع “الإسرائيلي”، وامتهانهم مهن مثل رعي الأغنام والزراعة على المساحات التي تُقام فيها البؤر الاستيطانية.

ساهمت جرائم مجموعة “شبيبة التلال” ومجموعات “تدفيع الثمن” في ملاحقة قياداتها من خلال عدد من الدول، منهم الرئيس الأمريكي “بايدن” الذي أصدر قراراً بمعاقبة أربعة من قادة المستوطنين ومنعهم من دخول الولابات المتحدة، وقرارات من الخارجيتين البريطانية والفرنسية بمعاقبة عدد من المستوطنين المتورطين بجرائم في الضفة الغربية، وتبقى هذه العقوبات شكلية بالنظر إلى طبيعة وحجم الجرائم المرتكبة من قِبَل هذه المجموعات، وتُستَخدم غطاءً لبقية الجرائم.

تداعيات توسع الاستيطان على الجغرافيا ومشاريع “التسوية السياسية”:

يساهم استمرار المشاريع الاستيطانية بتبعات متعددة على جغرافية الضفة الغربية بمزيد من التفتيت والتجزئة، وما ينعكس على المشاريع السياسية المطروحة، وأبرزها:

أولًا: انعدام تام لمنطقية طرح “حل الدولتين”، والذي وصل إلى طريق مغلق بعد توقف المفاوضات، واستمرار “إسرائيل” بتغيير جغرافيا الضفة الغربية المجزأة أصلاً منذ اتفاق أوسلو عبر زيادة التوسع الاستيطاني عليها، فوصلت المستوطنات إلى أكثر من 180 مستوطنة، و 194 بؤرة استيطانية، وأقامت سلطات الاحتلال جدار الضم والتوسع بطول تجاوز 712 كم، والذي ضمّ داخله أكثر من 295 كم2 من الأراضي التي باتت معزولة وممنوعة على الفلسطينيين، فيما تواصل سياسات إقامة المعازل والبوابات التي وصل عددها إلى 132 بوابة أقيمت على مداخل التجمعات والقرى الفلسطينية، وتعمل بنظام الفتح والاغلاق، إضافة إلى الحواجز الدائمة لتقطيع أوصال الضفة الغربية، والمحميات الطبيعية التي تسيطر عليها “إسرائيل”، ويبلغ عددها 48 محمية في الضفة الغربية والقدس، بإجمالي مساحة تصل إلى 167 كم2، ويؤدي الاستيطان وتسارعه والمشاريع الاستيطانية المختلفة  إلى تثبيت وقائع جديدة من قِبل دولة الاحتلال، والتي تشكل عقبات خلال أي مفاوضات حول هذا الاطار مستقبلاً، وتفتح المجال لطرح حلول بديلة كالتي تتبناها الولايات المتحدة الأمريكية، بإقامة دولة فلسطينية دون سيادة على الأراضي التي لازالت بحوزة الفلسطينيين داخل الكانتونات المعزولة في الضفة الغربية، مثل “صفقة القرن”، أو الحلول المبنية على تثبيت الواقع الراهن على أساس مشاريع السلام الاقتصادي.

ثانيًا: تغيرات ديمغرافية ناتجة عن زيادة أعداد المستوطنين في الضفة الغربية، ويؤدي إشراكهم في تنفيذ هذه المخططات بشكل مباشر أو تلبية طموحاتهم الاستعمارية إلى فتح شهيتهم نحو المزيد، وإلى  تمسكهم بالبقاء في الضفة الغربية ورفض أي طروحات مستقبلية لتفكيك البنية الاستعمارية، وينتج عن ذلك تداعيات أمنية على الفلسطينيين بزيادة وتيرة جرائم المستوطنين، وحدّة المواجهة مع الفلسطينيين خلال تنفيذ المشاريع الاستيطانية، أو القيام بأعمال عدوانية بحق القرى الفلسطينية التي تلتهمها المستوطنات.

ثالثاً: فتح المجال أمام عودة مشاريع تثبت موقف حكومة “نتنياهو” الرافض لفكرة دولة فلسطينية، ومنها ضم الضفة الغربية، عدا عن قرار الحكومة “الإسرائيلية” ببناء جدار على الحدود الشرقية مع الأردن وما يشكل من تثبيت للسيادة “الإسرائيلية” على الحدود والمعابر مع الأردن، واستمرار للتوسع الاستيطاني في منطقة الأغوار الفلسطينية، وسلب الموارد الطبيعية والمياه، وخنق ما تبقى من تجمعات بدوية وقرى فلسطينية، وتسريع تنفيذ مشروع القدس الكبرى عبر ربط القدس بأحيائها الشمالية والجنوبية، عبر بناء مزيد من الوحدات الاستيطانية في الأراضي الواقعة في المنطقة المصنفة E1)).

رابعاً: زيادة الفرصة لتطبيق “مشاريع التهجير”، وخصوصاً في ظل زيادة سطوة المستوطنين وتسليحهم، واتباع إنشاء “البؤر الرعوية” في المناطق والتجمعات الريفية والبدوية بهدف تهجير الفلسطينيين، حيث يصل عدد هذه البؤر إلى 96 بؤرة من أصل 196 بؤرة تأخذ أشكالاً ومهاماً متنوعة، 71% منها أُنشِئت بعد عام 2015، تقع 78% منها في الجزء الشرقي المتمثل في الاغوار وشرق رام الله والقدس، وتمنع هذه البؤر الفلسطينيين من الوصول إلى حوالي 390 ألف دونم من أراضي الضفة الغربية، وبالرغم من أنها تمارس عملها دون أوامر عسكرية وإجراءات معلنة، إلّا أنها تحظى بحماية وحراسة الجيش خلال تنفيذ الهجمات والاعتداء على الفلسطينيين، وتقوم في نهاية المطاف بتهجير التجمعات الفلسطينية، وقد أفادت إحصائيات بأن 25 تجمعاً بدوياً فلسطينياً هُجِّرو خلال عام 2023 بفعل إرهاب المستوطنين.

الخاتمة:

يُلاحَظ أنّ سياسات “إسرائيل” الاستعمارية التي جاءت خلال الحرب على قطاع غزة هي امتداد لذات السياسات التي أسست لها الحكومة اليمينية منذ استلامها الحكم في “إسرائيل”، عبر حزم القوانين والقرارات المتعلقة بالاستيطان التي تبنتها، والمبنية على عقيدة متطرفة تهدف إلى إعادة الاستيطان في الضفة الغربية إلى الواجهة، وحشد المتطرفين من المستوطنين ممن يحملون ذات العقيدة المتطرفة وينتهجون سياسات التصفية والقتل والترحيل للفلسطينيين، لكن الفعل على الأرض تفاقم بقرار “إسرائيلي” تقوده الحكومة وتنفذه بشكل مشترك مع المستوطنين، فقد استغلت الحكومة قرارات إعلان الطوارئ والحرب على الفلسطينيين كغطاء لزيادة عمليات التوسع الاستيطاني والجرائم بحق الفلسطينيين في قرى الضفة الغربية والتجمعات الريفية والرعوية، وعززت من تسليح مجموعات المستوطنين، وزادت من مستوى تنظيمهم في مجموعات تمارس أدواراً توسعية وقمعية بحق الفلسطينيين، ويُلاحَظ من القرارات التي أصدرتها الحكومة قبل وبعد الحرب بأنها جاءت انعكاساً لتصريحات وزراء الحكومة المتطرفة وقادة المستوطنين في الضفة الغربية، في إطار استغلال قوانين الحرب التي أقرّها الكنيست لفرض القبضة الأمنية على الفلسطينيين. 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى