رأي الخبراء

المنظومة القانونية الخاصة بحماية النساء الفلسطينيات وحراك “طالعات”

أثار مقتل الشابة الفلسطينية إسراء غريّب على أيدي أفراد من عائلتها، حالة من الغضب في الشارع الفلسطيني وخارجه، لا سيما بعد أن كشفت التحقيقات عن فساد بنيوي في المنظومتين القانونية والطبية، من حيث عدم تقديم الحماية لها داخل المستشفى، واستمرار محاولة عرقلة مجريات التحقيق، ومحاولة تضليل النائب العام.

لم تتوقف حالة الغضب على الحملة الإلكترونية للتضامن مع قضية إسراء غريب، وتداوُل جميع المواد والفيديوهات الخاصة بقضيتها، وإطلاق وسْم خاص (هاشتاج) # كلنا_إسراء_غريب، بل أخذ شكلًا آخر تمثل في خروج الجماهير، وتحديدًا النسوية، إلى الشارع، للتعبير عن حالة الغضب والتضامن، والدعوة لمحاسبة المتورطين في القضية. ولكن كان الأهم هو الضغط باتجاه تأمين الحماية للنساء من أشكال العنف كافة.

بدأت أولى مظاهر الاحتجاج من خلال حراك “طالعات”، الذي دعا للتظاهر في ساحة الأسير في مدينة حيفا، في السادس والعشرين من أيلول/ سبتمبر 2019، ثم امتدت المسيرات إلى 12 مدينة وبلدة فلسطينية، حيث أكدت الناشطات النسويات أنهن مستمرات في العمل، حتى يحققن هدفهن في خلق حيز آمن للنساء الفلسطينيات.

ورغم التفاعل مع ‘”طالعات”، إلا أنّ ذلك لم يمنع من حدوث حالة من الانقسام في الرأي داخل الشارع الفلسطيني بين مؤيد ومعارض، ومن كلا الجنسين. فهناك من يرى أنّ الأولوية يجب أن تكون للمشروع الوطني، وأنّ بقية القضايا، ومن ضمنها قضية المرأة، من الممكن تأجيلها إلى ما بعد التحرر. وفي المقابل، هناك من يرى أنّ قضية المرأة الفلسطينية ليست قضية مؤجلة، وأنّها يجب أن تكون أولوية على الأجندة الوطنية.

وللتعمق أكثر في هذا الموضوع، قام مركز رؤية للتنمية السياسية باستطلاع رأي مجموعة من الخبيرات في هذا المجال، من خلال الإجابة على التساؤلات التالية[1][2]: ما هو الخلل في المنظومة القانونية الفلسطينية الخاصة بحماية النساء من أشكال العنف والتعنيف كافة؟ هل تعتبرون أنّ السلطة التنفيذية الفلسطينية متقاعسة عن القيام بدورها في تنفيذ الأحكام القضائية الخاصة بحماية النساء؟ كيف تقيّمين دور المؤسسات النسوية في الضغط باتجاه حماية النساء؟ وكيف تقيّمين الخطوة التي قام بها حراك “طالعات”؟ وهل أنتم مع ما طرحه الحراك من الربط بين قضية المرأة وبين التحرر؟ هل يستطيع الحراك التوفيق بين خصوصية مطالب النساء في الداخل الفلسطيني (مناطق 48)، والضفة الغربية والقدس وغزة، وفي الشتات؟ وما هو المطلوب من المؤسسات النسوية والحقوقيات والناشطات لدعم حراك “طالعات”؟

وقد تلخصت آراء هذه النخبة فيما يلي:

  • الواقع القانوني الفلسطيني معقد، ويحكمه خليط من القوانين أنتجتها أنظمة استعمارية تعاقبت على فلسطين، ولم تكن نتاج البيئة الفلسطينية. أما بالنسبة للمرأة الفلسطينية في الأراضي المحتلة عام 1948 فإنها تتعرض لعنف مزدوج، يمثله الاستعمار الإسرائيلي والبطريركية الأبوية، الأمر الذي يساهم في خلق قوانين ذكورية بامتياز.
  • هناك إشكالية تلقي بظلالها على واقع المرأة الفلسطينية، وهي تتعلق بشكل الدولة التي نريد: دولة مدنية، أم دولة دينية؟
  • للانقسام انعكاسات سلبية على واقع المرأة الفلسطينية، خاصةً فيما يتعلق بالمنظومة القانونية.
  • ضرورة العمل على تحديث الخطاب النسوي، الذي يوصف حاليا بأنّه خطاب تقليدي وقديم ونخبوي، ولم يتحول حتى اللحظة لخطاب جماهيري، قادر على الانتصار لحقوق المرأة، وتعزيز وصولها لمراكز صنع القرار.
  • المؤسسات النسوية غير مستقلة في برامجها، بسبب احتكامها لأجندة المموّل، الذي يفرض عليها رؤيته وبرامجه. وهناك غياب للتنسيق بين هذه المؤسسات، مما يؤدي إلى العمل على نفس البرامج ونفس الأهداف، وبعثرة الجهود، وإهدار الموارد المالية.
  • حراك “طالعات” هو خطوة مهمة، ويمثل القيادات النسوية الشابة، وهو خطوة وطنية تربط ما بين قضايا المرأة وقضية التحرّر، وترفع شعار “لا وطن حرّ دون نساء حرة”.
  • ضرورة دعم المؤسسات النسوية لحراك “طالعات”، مع التأكيد على ضرورة أن يقوم الحراك بتنظيم أجندته ونشاطاته.

 

شادية الغول، باحثة في العلاقات الدولية، ومنسقة برامج مؤسسة “مفتاح” في قطاع غزة

الواقع القانوني الفلسطيني معقد جدا، فالقوانين الفلسطينية عبارة عن مزيج من القوانين التي أنتجتها الأنظمة التي تعاقبت على حكم فلسطين، الدولة العثمانية والبريطانية والإسرائيلية، وبالتالي لم تكن نتاج البيئة الفلسطينية في يوم من الأيام. وبعد اتفاق أوسلو، وعلى الرغم من كون المرأة شريكة في النضال الفلسطيني، إلا أنّها غابت عن اللجنة القانونية التي تم تشكيلها لصياغة القوانين الفلسطينية، مما أدى إلى إنتاج قوانين بفكر ذكوري، يقوي سلطة الرجل على حساب المرأة، يُضاف إليها الخلل في تنوع مصادر التشريع، حيث تم الاعتماد على المذهب الشافعي، “الذي يوصف بالتشدد”، في حين لم يتم الأخذ ببقية المذاهب التي توصف بالوسطية. وأخيرا، ألقت حالة الانقسام الفلسطيني بظلالها على تباين القوانين، ما بين قرار بقانون يصدر عن الرئيس محمود عباس في الضفة، وقوانين تصدر عن الكتلة البرلمانية الواحدة، ذات التوجه الإسلامي في قطاع غزة.

هناك إشكاليات تحول دون قيام جهاز الشرطة تحديدا، بدوره في مكافحة العنف ضد النساء، وتوفير الحماية لهنّ، رغم العمل المستمر على مأسسة قطاع الأمن. على رأس هذه الإشكاليات غياب القانون الذي ينظم عمل جهاز الشرطة، وضعف تمثيل المرأة في قطاع الأمن.

أما دور المؤسسات النسوية في مكافحة العنف، وتوفير الحماية للنساء، فإن جهودها تبقى متواضعة؛ وذلك بسبب غياب رؤية وطنية تنموية للنهوض بواقع المرأة الفلسطينية، وانحسار عملها وفقا لأجندة المموّل، وغياب التنسيق فيما بينها، مما يؤدي إلى تكرار المشاريع، وبعثرة الجهود بدلًا من توحيدها، وفشلها في تكوين حركة اجتماعية تفرض جدول أعمالها على الحكومة. كما لا يمكن إغفال طبيعة الخطاب النسوي نفسه، الذي بات قديمًا ونخبويًا وغير موحد، ولم ينجح في التحول لخطاب جماهيري عام. وقد ضاعف من ذلك أيضا، حالة الانقسام الفلسطيني، الذي وصل إلى المؤسسات النسوية.

استطاع حراك “طالعات” أن يختزل عمل أكثر من عشرين عاما من أجل النهوض بواقع المرأة الفلسطينية، خاصةً مع تأكيده أنّ القضايا النسوية يجب أن لا تُثار بمعزل عن القضايا الوطنية، وعلى رأسها التحرر من الاستعمار، لأنها ليست مجرد قضايا إنسانية تجري بمعزل عن السياق الاستعماري. كما أنّ هناك خصوصية لوضع المرأة في مختلف أماكن تواجدها، في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس. فهي تعاني من عنف مزدوج، يتمثل أولا في الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي، الذي يمارس أشكال العنف كافة، والتي تؤدي بمجملها إلى آثار اجتماعية واقتصادية ونفسية على المرأة، واستقراراها، وحقوقها المختلفة في الحياة داخل أسر مستقرة. وثانيا تعاني المرأة الفلسطينية من عنف مجتمعي داخلي، يستند إلى موروث ثقافي أبوي بطريركي، ويقوم على التمييز ضد النساء في مجمل جوانب الحياة.

وعليه، أعتقد أنّ حراك “طالعات” يمثل فرصة تستحق الدعم من المؤسسات النسوية والحقوقيات والناشطات، وذلك بالعمل أولا على توحيد الخطاب النسوي ليشمل الأجندة الوطنية، وربطها بالأجندة الاجتماعية، وبناء حركة نسوية فعالة، وفتح حوار مع النساء من مختلف التوجهات، وخاصةً نساء الحركة الإسلامية. وأخيرا ضرورة العمل على تقوية جماهير المنظمات النسوية، عبر إقامة التحالفات فيما بينها.

 

ساما عويضة، مديرة مركز الدراسات النسوية في القدس المحتلة، وناشطة نسوية على المستوى الفلسطيني والإقليمي والدولي.

إنّ غياب القوانين الفلسطينية، والاستناد إلى القوانين الأردنية المطبقة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وعلى رأسها قانون العقوبات الأردني، الذي عليه الكثير من المآخذ والملاحظات، قد ساهم في خلق إشكالية على أرض الواقع، خاصةً في القوانين التي تتعلق بحماية النساء. لقد نجحنا في العمل على تعديل قانون العقوبات، وخرجنا بمسودة حظيت بقبول عام، إلا أنّ الرئيس لم يقرّها، وقام بتأجيلها إلى حين إجراء الانتخابات، وتشكيل مجلس تشريعي يصادق عليها.

وهناك إشكالية أخرى حول القانون الذي نريده: هل نريد قانونا مدنيا، أم قانونا مستندا إلى الشريعة الإسلامية؟ وأخيرا لا يمكن إغفال الدور الذي لعبه الانقسام الفلسطيني في عدم إقرار القوانين، خوفا من اتهام طرفي الانقسام، وهما حركتا فتح وحماس، باستغلال هذا الانقسام لصالحهما.

وهناك بعض الجماعات التي تحاول أن تستفيد من ربط قضايا المرأة بالجانب الديني، فمثلًا عند سؤالي لمجموعة من القضاة الشرعيين، عما إذا كانوا يطبقون القانون اعتمادًا على الشريعة الإسلامية فقط؟ أجابوا بأنهم يراعون العقلية التي قامت بوضع القانون، وكذلك البيئة والمجتمع والثقافة، أي أنهم بعبارة أخرى، يعززون من سطوة العقلية الذكورية، وسطوة السلطة العشائرية والمجتمعية والأسرية، على حساب السلطة التنفيذية الرسمية.

وعلى الرغم من ذلك، لا يمكن إنكار الجهود التي تقوم بها المؤسسات النسوية، لحماية النساء من أشكال العنف والتعنيف كافة، وذلك بالضغط لتعديل القوانين، وإقرارها والعمل بها. ومع ذلك، تعرض العديد منها للهجوم، لحد اتهامها بالعمل على إثارة الفتنة في الشارع الفلسطيني، وترويج مبادئ وقوانين تخالف الشريعة الإسلامية، والعمل وفقا لأجندة الممول، وليس من منطلقات وطنية، وذلك لأنها تتلقى الدعم من مؤسسات غربية.

كما تراجع دور الأحزاب في دعم قضايا المرأة، خاصةً بعد الانقسام. إذ بتنا نتحدث فقط عن حركتي فتح وحماس، وبات كل طرف يعمل وفق اعتباراته الخاصة، وبالتالي طغت حسابات الربح والخسارة الحزبية على القضايا الوطنية والحقوقية، ومن ضمنها تفعيل حقوق المرأة.

ولكن ما زال هناك بارقة أمل يمثلها حراك “طالعات”، الذي يعمل على تأطير الشابات من جديد، وهي خطوة جادّة ومهمة جدا؛ لمنح الشابات فرصة التعبير عن آرائهن، وأخذ أدوار نضالية، خاصةً بعد تراجع دور المؤسسات النسوية التابعة لأحزاب سياسية.

أنا شخصيًا من المؤيدات لحراك “طالعات”، وأدين كل صوت يشكك فيه. فالحراك يحمل شعار”لا وطن حر دون نساء حرة”. وإذا ما عدنا للتاريخ، فإنّ ما يطرحه الحراك من ضرورة الربط بين قضية المرأة وقضية التحرر، هو ذاته ما قامت عليه الأطر النسوية منذ تشكيل اتحاد لجان العمل النسائي الفلسطيني الأول عام 1970، وهذا يمثل بداية الحركة النسوية الصحيحة، لأنّه لا يمكن، بأي حال من الأحوال، الحديث عن حركة تحرر اجتماعي، دون تحرر وطني.

لقد أصاب الحراك عندما طرح نفسه كحراك عابر للشرذمة، فهو يعبّر عن رؤية وطنية شاملة، تقوم على مبدأ رفض فكرة التقسيم، والتخلي عن فلسطين بكل مكوناتها. ولكن يبقى على الحراك، تخطي المعيقات على الأرض، من خلال تطوير برامج تخدم جميع أماكن التواجد الفلسطيني.

أخيرا، يجب دعم الحراك، من خلال وضع استراتيجية موحدة لنضال المرأة الفلسطينية، وتوزيع المهام على المؤسسات النسوية كافة، بما فيها حراك “طالعات”، ومتابعة عملية التنفيذ، وصولًا إلى تقييم هذا العمل، بما يساهم في تعزيز مكانة المرأة الفلسطينية، ودعم حقوقها.

 

سمر هواش، مديرة جمعية المرأة الفلسطينية العاملة للتنمية/ مكتب شمال الضفة، ومن أبرز قيادات العمل النسائي والناشطات في الدفاع عن قضايا المرأة.

هناك إشكاليتان بخصوص المنظومة القانونية الخاصة بحماية النساء. الأولى تتمثل في القوانين نفسها؛ فهي خليط عجيب ما بين القانون الأساسي الذي يوجب المساواة، وما بين قوانين فرعية جرى إقرارها وتطويرها، وما بين قانون العقوبات الأردني، وغيرها من القوانين. وبالتالي هناك عدم وضوح في المرجعية، وغياب مرجعية قانونية موحدة للتعامل مع قضايا العنف. هذا إضافة إلى أنّ قوانين الأسرة، تقوم على تمييز صارخ، وفكر ذكوري منذ الأساس. أما الإشكالية الثانية، فتتمثل في التطبيق العملي للقوانين، والرقابة على ذلك.

وكذلك هناك خلل بنيوي في المؤسسات التنفيذية، إضافة إلى غياب المجلس التشريعي، وعدم وجود نظام رقابي. كما أنّ الإرادة السياسية غير حاسمة في كثير من القضايا، وفي مقدمتها شكل المجتمع الذي نريده، وطبيعته. فهل نريد دولة مدنية، أم دولة دينية، أم خليطًا بينهما؟

شخصيًا، أرى أنّ المسؤولية تجاه قضايا المرأة، لا تعني المؤسسات النسوية وحدها. وعلى الرغم من الجهود التي تبذلها هذه المؤسسات، إلا أنها غير كافية، وهذا يعود لثلاثة أسباب:

الأول، هو عدم كفاية التمويل؛ فقد تراجعت رؤية المؤسسات النسوية في إطارها الجماهيري في الآونة الأخيرة، بسبب عدم وجود كفاية في الخدمات القانونية المقدمة للنساء، وبالتحديد بسبب نقص التمويل. والثاني، هو اتجاهات الممول، حيث هناك اهتمامات لبرامج تتعلق بالمرأة على حساب برامج أخرى، وهو ما يُحدث نوعًا من الإرباك في قدرة المؤسسات على تقديم الخدمات. والثالث، هو الأدوات التي تستخدمها الحركة النسوية في الاحتجاج على الممارسات، أو عدم إقرار القوانين، حيث إنها لا زالت أدوات خفيفة، كالوقفات الاحتجاجية، والخطابات التقليدية، ولم تصل حتى الآن لمرحلة الاحتكاك المباشر، أو التصعيد، والحشد الجماهيري الواسع، والمناصر لقضايا المرأة.

يضاف إلى ما سبق، ضعف وتراجع دور الفصائل والأحزاب الفلسطينية في تفعيل حقوق المرأة، حيث باتت قضية حقوق المرأة الفلسطينية، وتعزيز وصولها لمراكز صنع القرار، مجرد شعارات بعيدة عن التطبيق العملي، رغم أنّ المضامين الحزبية تتحدث عن ذلك، إلا أنّها تصطدم في الواقع مع تركيبة المجتمع العائلية والعشائرية، والثقافة المجتمعية، التي لا تزال ذات تأثير كبير على الأحزاب. وهنا لا بد من الإشارة إلى حالة التضاد والصراع الخفي، ما بين الأحزاب والأطر النسوية، رغم أنّ هذه الأطر كانت امتدادا للأحزاب في فترات معينة.

أما عن حراك “طالعات”، ورغم تشكيك البعض به، وبمن يقف وراءه، فهو يمثل خطوة مهمة وإيجابية، ويعبّر عن الجيل الجديد من القيادات والحراكات النسوية، ويسد فجوة التواصل بين الأجيال. وما يميزه هذا الحراك، هو العودة لما نشأت عليه الحركة الوطنية النسوية، من الجمع ما بين البعدين الوطني والاجتماعي، مما يمنحه القوة، خلافا لباقي الحركات النسوية التي ظهرت حديثا. كما أنّه قادر على أن يكون حراكًا عابرًا للشرذمة، ما دامت رؤيته قائمة على البعد الشمولي، الذي يعكس شمولية النسيج الفلسطيني، السياسي والاجتماعي.

أخيرًا، على المؤسسات النسوية دعم حراك “طالعات”، من خلال رفع مستوى التنسيق فيما بينها بشكل عام، والعمل على تطوير نظام التحويل الوطني، ليشمل كل المؤسسات العاملة في قضايا المرأة على المستوى الرسمي والأهلي، والعمل على تأسيس المرصد التوثيقي لقضايا النساء.

رفاه عنبتاوي، المديرة العامة لجمعية “كيان” -تنظيم نسوي- في الأراضي المحتلة عام 1948، وناشطة نسوية واجتماعية. حاصلة على اللقب الأول في العمل الاجتماعي، وعلى اللقب الثاني في الإدارة والتنظيم المجتمعي.

بالنسبة لتعامل المنظومة القانونية “الإسرائيلية” مع حقوق المرأة الفلسطينية، وما تعانيه من أشكال العنف والتعنيف، لا بد من التمييز ما بين المستويين النظري والعملي، حيث إن الفجوة بينهما عميقة. فعلى المستوى النظري، أي القوانين المتعلقة بالنساء، والتي تشمل النساء العربيات واليهوديات، وتحديدًا المتعلقة بموضوع العنف، يتبين أنها تنصفهن بشكل عام. ولكن هذا لا ينفي وجود إشكاليات عامة في بعض القوانين، والتي تحتاج الى تعديلات وإضافات. فمثلًا، يحتاج قانون منع التحرش الجنسي، لإجراء تعديلات تتعلق بالتحرش في مكان العمل، وتوفير بيئة عمل آمنة. أما على المستوى التطبيقي، فهناك تمييز ممنهج بشكل واضح، وذلك عندما نتحدث عن النساء الفلسطينيات مقارنة مع اليهوديات، لأننا نتحدث عن سياق استعماري يتبع سياسات تمييزية عنصرية، تجاه المواطنين الفلسطينيين فيها، وعلى المستويات كافة، السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها. مع ملاحظة أنّ تأثير وإسقاطات هذا التمييز، تكون مضاعفة على النساء.

يمكن تلخيص أهم الإشكاليات فيما يتعلق بتعامل الدولة المستعمرة، ومنظومتها القانونية، مع موضوع العنف تجاه النساء، على النحو التالي:

  • القوانين، والهيئات المسؤولة عن تطبيقها، كجهاز الشرطة، والمحاكم، والمؤسسات العلاجية، غير متاحة للنساء. فمثلًا، معظم القوانين والمعلومات متوفرة باللغة العبرية فقط، حيث يصعب على النساء فهمها، والتواصل في حال تقديم شكاوى، أو طلب مساعدة.
  • وجود حساسية ثقافية أو جندرية، الأمر الذي يصعب على النساء التوجه لطلب المساعدة، فنحن نتحدث عن مؤسسات ذكورية تتعامل مع المرأة بدونية، خاصةً عندما يكون الحديث عن نساء فلسطينيات ينتمين لمجتمع ذكوري. إضافة الى استغلال موضوع الثقافة بشكل سلبي من قبل الشرطة تحديدًا.
  • وجود سياسة عامة من الاستهتار واللامبالاة تجاه المجتمع العربي بشكل عام، والنساء بشكل خاص. فسياسات دولة الاستعمار “إسرائيل” بهيئاتها كافة تساهم في ترسيخ العنف وتعزيزه. على سبيل المثال: تزداد نسبة العنف في المجتمع العربي، وتزداد نسبة حالات العنف ضد النساء وقتلهن، دون أن يتم الكشف عن القاتل في غالبية الحالات. كذلك موضوع السلاح المنتشر في المجتمع العربي، حيث لا تحرّك الشرطة الإسرائيلية ساكنًا في هذا الموضوع، ولا تقوم بحملات لجمعه والحد من انتشاره، إلا في حالة الإبلاغ عن تهديد للأمن العام، وتحديدا أمن المواطنين اليهود.
  • الخطط الحكومية الإسرائيلية لعلاج ظاهرة العنف يتم بلورتها دون التشاور والرجوع للمجتمع العربي، وبالتالي يتم الخروج بخطة لا تلائم طبيعته، ولا تفي باحتياجاته، وفي الغالب تُصاغ بطريقة لتبييض وجه “إسرائيل” أمام العالم، وتسويقها على أنّها دولة تحترم التعددية، وتحافظ على حقوق الإنسان.

وعليه، يمكن القول إنّ الاستعمار الإسرائيلي، لا يعتمد المساواة خلال تنفيذه الأحكام الخاصة بحماية النساء. فمثلاً، عدد الملاجئ العربية للنساء المعنفات، يقتصر على اثنين فقط، وعدد الأسرّة محدود جدا. يُضاف إلى ذلك عدم وجود قانون مدني في الأحوال الشخصية، حيث يتم الاحتكام للقانون الديني، مما يضطر النساء للجوء إلى المحاكم الدينية، الشرعية والدرزية والكنسية، بدلًا من المحاكم المدنية، وغالبا ما يرافق ذلك تعرّضهن لعنف عائلي، خاصةً في قضايا الطلاق.

على صعيد آخر، لا يمكن تقييم دور المؤسسات النسوية، بمعزل عن السياق السياسي الذي نعيشه، والذي بطبيعة الحال، يضعنا في مكانة صعبة، ومحدودة الإمكانيات. وهنا يجب الفصل بين نضالنا المجتمعي، الذي يهدف إلى تغيير موازين القوى في المجتمع الفلسطيني، وتحقيق المساواة والعدالة ووضع النساء فيه، وبين نضالنا مقابل الدولة وسياساتها العنصرية. على الصعيد المجتمعي، نجحت المؤسسات النسوية بوضع قضايا النساء على الأجندة العامة، وكسر محرمات ومسلّمات تتعلق بالنساء في عدة مجالات، أهمها دورهن في الحيّز العام، وفي مواقع اتخاذ القرار، وفي تمثيل المرأة في السياسة. هناك تقدم ملحوظ، ولو أنه غير كاف، في تمثيل النساء في السلطات المحلية. وكذلك في موضوع الأحوال الشخصية، حيث تناولنا موضوع تعدد الزوجات والزواج المبكر، وتمكنا من خلق نقاش مجتمعي حول الموضوع، رغم اعتراض رجال الدين والمنظومة الدينية، واستطعنا رفع سن الزواج إلى 18 عاما بفضل الضغط المجتمعي.

أما بالنسبة لحراك “طالعات”، فهو خطوة مهمة ومباركة، ولا بد من التعاون معه وتشجيعه. وما يميزه أنه حراك نسوي وطني، وأن ما يطرحه من الربط بين قضية المرأة وقضية التحرر من الاستعمار، ينم عن وعي سياسي نسوي. لقد تمكن الحراك، وبقوة لم نشهدها من قبل، من التشبيك مع العالم العربي في كل مكان. ولكي ينجح الحراك في تحقيق أهدافه، عليه أنّ يوضح أهدافه العينية وآليات عمله، كي يحافظ على قيمته الإضافية المهمة، وعلى المؤسسات النسوية دعم خطواته، من خلال العمل على خلق حركة نسوية عربية فلسطينية عابرة للحدود، تعمل على إنهاء الاحتلال، والنظام الاستعماري، والنظام الذكوري الأبوي في المجتمع العربي. وأخيرا، ضرورة توحيد الخطاب النسوي والوطني، والعمل بشكل يضمن توصيل القضايا الجامعة، وأن يكون راديكاليا قادرا على مواجهة المنظومة المجتمعية البطريركية، التي تميز ضد النساء في المستويات كافة.

[1] ساهم في إعداد هذا التقرير الباحثة منار راسم يونس، وهي حاصلة على منحة المجلس العربي للعلوم الاجتماعية / برنامج المنح الصغيرة بدورته الرابعة للعام 2017.

[2] الأسئلة وجهت للخبيرات من أماكن مختلفة في فلسطين المحتلة. ولذلك بعض الإجابات ستتطرق لخصوصيات حقوق المرأة الفلسطينية وفقا لأماكن تواجدها.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق