ملفات وقضاياشؤون إسرائيلية

التخبط والإرباك وتضارب الصلاحيات لدى الاحتلال في حربه على قطاع غزة: قراءة في حادثة الإفراج عن مدير مستشفى الشفاء

خاص مركز رؤية

المقدمة:

عاشت دولة الاحتلال مؤخرًا حالة من التخبط والإرباك وتبادل الاتهامات بين مختلف أركانها الأمنية والسياسية والقانونية، على خلفية الإفراج عن الدكتور محمد أبو سلمية، المدير العام لمستشفى الشفاء في غزة، والذي اعتُقل في نوفمبر 2023 إبان اقتحام الاحتلال للمستشفى، وتوجيه رزمة اتهامات جائرة بحقه، من بينها تحويل مرافق المستشفى إلى معقل لحركة حماس، الأمر الذي تبين بطلانه لاحقاً، بدليل مصادقة الجيش والشاباك على الإفراج عنه.

شكلت الفوضى التي أحاطت بالإفراج عن أبو سلمية قمة جبل الجليد، للإشارة إلى حالة الفوضى العارمة التي تحيط بدوائر صنع القرار في دولة الاحتلال، في حين أن المؤشرات على ذلك أكثر من أن تُحصى في هذا التقرير.

التنصل من المسئولية:

سادت حالة من التنصل من قرار الإفراج عن أبو سلمية، حيث ألقت إدارة مصلحة السجون التابعة لوزير الأمن القومي “إيتمار بن غفير” بالمسئولية على جهاز الأمن العام -الشاباك- والجيش، في حين أنّ رئيس الحكومة “بنيامين نتنياهو” ووزير الحرب “يوآف غالانت” سارعا بالإعلان عن عدم معرفتهما بنبأ الإفراج، مما حدا بالشاباك لنشر بيان للتنصل من المسؤولية الفعلية، وهكذا لم يقدّم مسئول “إسرائيلي” واحد إجابة عما بات يعتبرها “الإسرائيليون” “فضيحة مكتملة الأركان”.

لا ينكر “الإسرائيليون” أنّ إطلاق سراح أبو سلمية، وما رافقه من حالة هرج ومرج في الأوساط الأمنية والسياسية والقانونية يعني أنّ الاحتلال سجّل في معركة الوعي هزيمة أُخرى، وبدلًا من معرفة ما حدث بالضبط، بدأ على الفور جميع كبار مسؤوليه بإلقاء المسؤولية على بعضهم، والتنصل منها، ف”بن غفير” الذي لم يتمكن منذ أشهر من حلّ محنة السجون، سارع لإلقاء اللوم على رئيس “الشاباك” “رونين بار”، فيما اختار وزراء آخرون إلقاء اللوم على “غالانت”، الذي أوضح أنّ هذه ليست مسؤوليته.

كشفت هذه الأزمة عن جانب آخر عن السلوك “الإسرائيلي” المتخبط في الحرب على غزة، فقد صُنِّف أبو سلمية فور اعتقاله في نوفمبر بأنه “كنز معلومات استخباري”، ولكن فور الإفراج عنه في الساعات الماضية اعترف “الشاباك” ذاته أنّ خطورته صُنِّفت بـ”المنخفضة” مقارنة بآخرين، وبالتالي أُطلق سراحه من هذا المنظور، مما يجعل من إطلاق سراحه خسارة لسردية الاحتلال، بل إضافة نوعية لمناصري الفلسطينيين حول العالم، الأمر الذي يؤكد أنّ هذا الخطأ المهني لم يحدث من فراغ، بل كشف عن سلوك أجهزة الدولة التي تديرها ثقافة سيئة فيما يتعلق بأمنها القومي، دون معرفة الحقائق.

أكثر من ذلك، فقد سُرِّبَت محادثات بين الوزراء عبر مجموعة “واتس أب” الحكومية، وتضمنت دعوات لإقالة رئيس “الشاباك”، مما كشف عن عداوة حقيقية بين أقطاب الدولة، وتشجيعا للفوضى، واتهامات بـ”التآمر”، وهو ذات السلوك الدائم في اجتماعات مجلس الوزراء السياسي الأمني، حيث يُفضل الوزراء التشاجر مع بعضهم بدلاً من طرح خلافاتهم جانبًا، والتحدث بلغة محترمة، والعمل معًا، مما يفسر حالة الهستيريا التي أصابتهم بعد إطلاق سراح أبو سلمية، ومحاولات العثور فوراً على “كبش فداء”.

بصورة لافتة، دخل مراقب الدولة “متانياهو إنغلمان” على خط السجال الحاصل بشأن إطلاق سراح أبو سلمية، مشيرًا إلى أنه يسعى للتأكد من أنّ هذا القرار ليس من أعراض مشكلة عميقة الجذور في المسائل الأمنية، في ظل السجال الجاري بين المسؤولين السياسيين والأمنيين، وسط مخاوف من أنّ اتخاذ هذه القرارات يتم دون آلية منهجية تتناول كافة جوانب المسألة، مما دفعه للطلب من رئيس الوزراء وضع جميع حيثياتها على مكتبه، وبعد مراجعتها، سيدرس مدى ضرورة الدخول في تحقيق حول الموضوع.

قرارات محرجة وسخيفة:

ليست المرة الأولى التي تقع فيها دولة الاحتلال خلال شنّها العدوان المستمر على غزة منذ تسعة أشهر في مثل هذه المواقف المحرجة والسخيفة، ولعل إلقاء نظرة خاطفة على آليات صنع القرار “الإسرائيلي” خلال هذه الحرب، وعلى جميع مستوياته السياسية والعسكرية والأمنية، يكشف ببساطة أنّ المنظومة لا تعمل، أو تتعثر، في ضوء سلسلة من الإخفاقات التي أنتجت حالة من اليأس والإحباط بسبب الصعوبة في تغيير الواقع، أو استبدال القيادة المتنفذة “الفاشلة”، مما يؤكد أنّ “الإسرائيليين” دخلوا في حلقة خطيرة، وباعترافهم هم.

بعيدًا عن الخوض في تفاصيل القرارات الخاطئة التي اتُّخِذَت من قِبل دوائر الاحتلال، لكن ما يظهر منها في اللحظات الخطيرة يكشف أنّ ما تُصدره من قرارات ينتج عنها حالة من عدم الرضا الكبير بين “الإسرائيليين”، والحديث يدور عن النخب الأمنية والسياسية والعسكرية رفيعة المستوى، مما يكشف، ولو جانباً بسيطاً مما يجري خلف الستار من “حرب الكل في الكل”، ولعلّ السجال الحاصل حول إنهاء الحرب على غزة، والتلكؤ في إبرام صفقة التبادل، وتهرّب “الحريديم” من التجنيد، دلائل متناثرة على هذا الأداء المتعثّر.

في غمرة انشغال دولة الاحتلال بالعدوان الدموي على غزة، لاسيما في مستوياتها السياسية والعسكرية والأمنية، فإنّ هذه الدوائر تُظهر غرقاً يومياً بمشاهد الخلل الوظيفي الذي تعاني منه الدولة عموماً، وكل يوم بات يبدأ لل”إسرائيليين” بكارثة مختلفة، مما يجعلهم بحاجة لفهم من هو المسؤول عن هذه التعثرات المتلاحقة، وبدون توقف، لأنهم أصبحوا في حالة تلقي دائم لأداء فاشل جدًا، واستقبال دوري لسلسلة من الأخطاء الإدارية والتنظيمية في مختلف جوانب الحرب الدائرة على غزة.

إنّ الاستنتاج الطبيعي من هذه الإخفاقات هو أنه لا أحد يعمل في الدولة، لأنّه مرّة تلو الأخرى، تتعطل الأنظمة، أو تفشل، والضرر الناجم عن ذلك ذو شقين: أولهما عدم اتخاذ القرارات المصيرية، وثانيهما غرق “الإسرائيليين” بكميات هائلة من المعلومات المزعجة التي لا يمكنهم فعل أي شيء معها، وكأنّ هذه الحكومة تدير الحرب وتبعاتها على الدولة من خلال التصريحات والتغريدات، وليس من المفترض أن يكون “الإسرائيليون” خبراء قانونيين أو عسكريين كي يفهموا من هو الفاشل من صناّع القرار.

لقد كشف الإفراج عن أبو سلمية، وما رافقه من هرج ومرج، وتبادل اتهامات، عن فيضان لا يتوقف من الخلافات الداخلية، بصورة لا تسمح للمجتمع “الإسرائيلي” بالتعافي من الصدمة التي تعرّض لها منذ السابع من أكتوبر، على اعتبار أنّ كل لحظة يعيشها بمثابة فشل متواصل، وعندما يكون هذا هو المناخ، يصبح اليأس أكثر راحة، وهذه الحلقة التي تشكل خطرًا حقيقيا على مستقبل الدولة.

تبادل الاتهامات:

ليست المرة الأولى التي يُشكّل فيها قرار ما يخص مداولات الحرب على غزة مناسبة كي يلقي وزراء الحكومة كل المسؤولية على عاتق النظام الأمني، واتهامه بـ”​​التراخي والإهمال”، وفي المقابل يقودون الدولة من خلال عقيدة أمنية مخالفة لرأي أجهزة الأمن ذاتها، بدليل تضارب المواقف الخاصة باستمرار الحرب أو وقفها، وإبرام صفقة التبادل أو منعها، وتجنيد المتدنين أو تهرّبهم.

لقد أدى هذا الوضع غير المسبوق في دولة الاحتلال لظهور أحاديث عمّا يسمى “النفوذ المتزايد للدولة العميقة”، الممثلة برئيس الأركان “هآرتسي هاليفي” ورئيسي “الشاباك” “رونان بار” والموساد “ديفيد بارنياع”، وهم يقودون مؤامرة ضد الدولة بعكس ما تريده الحكومة، من خلال اجتماعاتهم الدورية كل ليلة في مقر “الكرياه” في “تل أبيب”، ويخططون لليوم التالي في غزة بمعزل عن “الكابينت” الأمني والسياسي، أمام وزراء عاجزين لا يملكون سوى الصراخ والتغريد على منصة “إكس”، لكن الأقدار جمعتهم جميعًا تحت سقف واحد، وسط قناعات “إسرائيلية” وجدت طريقها إلى وسائل الإعلام بوصف هؤلاء الوزراء بأنهم مجموعة من البلهاء الذين لا يتوقفون عن الهراء، ويكتفون بترديد مفردات فقاعية مثل “النصر المطلق” في غزة.

عديدة هي التوصيفات التي تُطلق على الأداء الحكومي “الإسرائيلي” المتعثر خلال إدارة الحرب على غزة، أهمها أنها تكشف عن أزمة الثقة بين الجهازين الأمني ​​والسياسي، وتجاهل كل منهما لاعتبارات الآخر، مما يمنح حركة حماس بصورة طبيعية لأن تحتفل بهذه الحالة من الإرباك والتخبط لدى الاحتلال، الذي بات يستخدم كلمة المسؤولية بوصفها مهمة “قذرة”.

بدلًا من ذلك يضع جميع المسئولين “الإسرائيليين” رؤوسهم في الرمال حتى تنفجر القضية في وجوههم، كما حصل مع إطلاق سراح أبو سلمية، مما سيترك نتائج استراتيجية سلبية على الاحتلال، وخطر على مستقبل أمنه على المديين القريب والبعيد، بل يضرّ بشكل خطير بقدرة الاحتلال على تحقيق أهداف عدوانه على غزة.

الخاتمة:

كشفت الأزمة الداخلية “الإسرائيلية” الناجمة عن إطلاق سراح أبو سلمية عن أنه في الوقت الذي تخوض فيه دولة الاحتلال حربها العدوانية على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، فإنها تخوض حربًا أُخرى قد لا تكون أقل دموية، ولكن من غير قصف ولا هجمات، تدور حول أدائها المتعثّر في الحرب، وسط تزايد الدعوات باستقالة قادتها: السياسيين والعسكريين على حدّ سواء، لأنّ ذلك هو السبيل الوحيد الكفيل بتدفّق دماء جديدة في جميع مرافقها، بسبب دورهم الكارثي في إخفاق السابع من أكتوبر، وفشلهم المتكرر في الحرب على غزة.

يتكشف عمق الفجوة بين قادة الدولة وكبار جنرالاتها مع مرور الأيام، لاسيما بسبب الغضب والمرارة تجاه بعضهم البعض، وهو غضب ومرارة تأخذان في التراكم كلما مرّ مزيد من الوقت، مما يعني أنّ أزمة الثقة تضخمت إلى أبعاد غير مسبوقة، رغم أنّ مسؤولية فشل الحرب الجارية على غزة تتحملها كل مستويات الدولة: سياسيًا وأمنيًا وعسكرياً.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى