استهداف الاحتلال للفعاليات المدنية في الضفة الغربية.. قراءة في الدوافع

home_politics_blog5
محددات بناء الجدار الفاصل في الضفة الغربية والقدس
5 سبتمبر ,2018

استهداف الاحتلال للفعاليات المدنية في الضفة الغربية.. قراءة في الدوافع

●       تمهيد

في الآونة الأخيرة، وعلى نحو متزايد، بات الاحتلال الإسرائيلي يتوسع في استهداف مؤسساتٍ وشخصياتٍ وشرائحَ مجتمعية ومهنية فلسطينية. كان يُفترض أن هذه الجهات الفلسطينية محمية لاعتبارات المهنة أو الوظيفة، أو الطبيعة الاجتماعية، أو لعدم اتصالها بصورة مباشرة بالأعمال التنظيمية التي يلاحقها الاحتلال.

من حيث الأصل، لا تشمل الحماية أحدًا من الفلسطينيين، فيما يتعلق بإجراءات الاحتلال العقابية متنوعة الأشكال، التي تستهدف الشعب بعمومه، وتتسم بطبيعة استعمارية تقليدية. فقد طالت يده طوال تاريخه الاستعماري، ولأدنى مناسبة، كلًا من النساء، والأطباء، والصحفيين، والمؤسسات الصحفية والإعلامية، والمؤسسات الصحية، والشخصيات النقابية، والطلبة الناشطين، والمؤسسات التعليمية والدينية.

بيد أن تجديد الاحتلال لهذه الإجراءات وتوسيعها في الآونة الأخيرة، لا يأتي في سياق ظروف أمنية وعسكرية واسعة، وإنما في ظلّ حالة من الهدوء والارتياح النسبي في الضفة الغربية، يتخللها عدد من الهبّات التي اتّسمت بالعمليات الفردية، مع استمرار التنسيق الأمني بينه وبين السلطة الفلسطينية، وهو ما يطرح التساؤل عن توسيعه إجراءاته العقابية تجاه الصحفيين، والسيدات، والناشطات الطلابيات، وتجاوزه للسلطة الفلسطينية في إغلاق المؤسسات الصحفية والإعلامية، في المناطق الخاضعة لها.

●       نظرة في جذور الحدث/ الظاهرة

وسّع الاحتلال من إجراءاته التي يستهدف بها الصحفيين أثناء عملهم، وذلك منذ الربع الأخير من عام 2015.[1] وكان مجلس الوزراء الإسرائيلي المصغر (الكبينت)، قد اتخذ قرارًا  في 10 آذار/ مارس 2016، بإغلاق عدد من القنوات التلفزيونية الفلسطينية؛ بدعوى تحريضها على الإرهاب.[2] وحسب تقرير للمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، فقد اعتُقل أو احتُجز خلال الفترة الواقعة بين 1 نيسان/ إبريل 2015 و31 آذار/ مارس 2016، 17 صحفيًّا فلسطينيًّا، عَدا حوادث الاعتداء الجسدي المباشر، بإطلاق النار وقنابل الغاز والضرب المبرح، وإغلاق شركات البث وعدد من الإذاعات، ومداهمة منازل عدد من الصحفيين.[3]

وحسب المركز نفسه، وفي العام التالي، وتحديدًا في الفترة الواقعة بين 1 نيسان/ إبريل 2016 و31 آذار/ مارس 2017، اعتقل الاحتلال واحتجز 17 صحفيًّا فلسطينيًّا، إضافة إلى اقتحام 11 مؤسسة إعلامية، من بينها مطابع وإذاعة محلية، وتحطيمها ومصادرة ممتلكاتها.[4]

وقد تصاعدت هذه الاعتداءات في الفترة التالية، من1 نيسان/ إبريل 2017 إلى 30 نيسان/ إبريل 2018، إذ بلغ أثناءها عدد الصحفيين الفلسطينيين المعتقلين، أو المحتجزين، 40 صحفيًّا، بينما تعرضت 15 مؤسسة صحفية للمداهمة، أو الإغلاق، أو المصادرة، هذا فضلًا عن التعرض للضرب، والمنع من السفر، ومن تغطية الأحداث، ومداهمة المنازل وإطلاق النار، لا سيما في غزة وخلال مسيرات العودة، إضافة إلى الاستمرار في منع طباعة صحيفتي فلسطين والرسالة في الضفة الغربية، علمًا أنهما تصدران من قطاع غزّة.[5]

وحسب التقرير، بلغ عدد حالات الاعتقال أو الاحتجاز للصحفيين الفلسطينيين منذ عام 2000 وحتى 30 نيسان/ إبريل 2018، 477 حالة، كما جرى خلال الفترة نفسها، التعدي على 123 مؤسسة صحفية، سواء بالقصف، أو المداهمة، أو الإغلاق، أو المصادرة، إضافة إلى اعتداءات أخرى، منها قتل 23 صحفيًّا فلسطينيًّا.[6]

●       نظرة في الملاحقات الجديدة

بعد أن كان الاحتلال قد أغلق في تشرين أول/ أكتوبر من العام الماضي عددًا من الشركات التي تقدّم خدمة البثّ لقنوات القدس والأقصى وفلسطين اليوم، واعتقل عددًا من أصحاب تلك الشركات ومدرائها،[7] عاد مجددًا لاستهداف المؤسسات الصحفية والعاملين فها، ونشطاء الرأي.

فبعد حظر عملها في الضفة الغربية، حظر الاحتلال، بقرار من وزير الحرب الإسرائيلي إيفغدور ليبرمان، في تموز/ يوليو الماضي، عملَ قناة القدس الفضائية في فلسطين المحتلة عام 1948، واعتقل طاقمها في مدينة أم الفحم لعدة ساعات بعد إخضاعه للتحقيق،[8] ثم قامت قوات الاحتلال في وقت لاحق باعتقال مدير مكتب قناة القدس في الضفة الغربية علاء الريماوي، وعدد من العاملين في القناة، ومراسل قناة التركية العربية،[9] كما قامت بعد ذلك باعتقال الصحفي محمد أنور منى، مراسل وكالة قدس برس، وتحويله إلى الاعتقال الإداري.[10]

وفي وقت سابق من تموز/ يوليو، اعتقل الاحتلال الكاتبة الفلسطينية لمى خاطر بعد مداهمة منزلها،[11] ثم أحالها إلى التحقيق في مركز تحقيق عسقلان. وحسب ما نقله محاميها عنها فإن "التحقيق المتواصل معها منذ اعتقالها، يدور حول كتاباتها ومنشوراتها على مواقع التواصل الاجتماعي والصحافة".[12] وفي هذه الأثناء، أصدرت محكمة عسكرية إسرائيلية على الطالبة الجامعية علا مرشود، حكمًا بالسجن لمدة سبعة شهور، وغرامة مالية، وذلك بتهمة العمل الطلابي داخل الجامعة،[13] وبتهمة التحريض على حسابها على موقع فيسبوك.[14]

تزامن الحكم على الطالبة مرشود مع توجيه ضباط المخابرات الإسرائيلية تهديداتٍ لناشطات الكتلة الإسلامية في الجامعات الفلسطينية، واقتحام بيوتهن للضغط على أهاليهن،[15] وهو الأمر الذي استنكرته حركة حماس في تصريح صحفي رسمي.[16] وإضافة إلى الكاتبة لمى خاطر، اعتقلت قوات الاحتلال من الخليل عددًا من السيدات، من بينهن الصحفية سوزان العويوي، عضو مجلس بلدية الخليل المنتخب.[17]

وحتى 5 آب/ أغسطس 2018، بلغ عدد الصحفيين المعتقلين في سجون الاحتلال، حسب إحصائية لوزارة الإعلام الفلسطينية، 21 صحفيًّا، من بينهم 4 صحفيات.[18]

●       قراءة في الدوافع

شهد عام 2015 ما عرف بـ "هبّة القدس"، التي اتسمت بعدد كبير من العمليات الفردية ضد جنود الاحتلال ومستوطنيه، وظلّت وتيرتها تتراوح صعودًا وهبوطًا، وكان الإعلام الفلسطيني، ونشطاء الرأي الفلسطينيون، في طليعة المتهمين من قبل الاحتلال الذي احتار في تفسير تلك الهبّة. ففي تشرين أول/ أكتوبر 2015، بدأت الفعاليات الإسرائيلية، مثل منظمة "هناك قانون"، بالضغط على موقع فيسبوك قضائيًّا، بذريعة أنه يروج لمنشورات تحرّض على العنف والقتل ضد الإسرائيليين،[19] وهو ما أثمر لاحقًا باستهداف فيسبوك لصفحات فلسطينية، شخصية وعامة، بالإغلاق، أو حذف المنشورات، أو غير ذلك.[20]

وقد بدأت المخابرات الإسرائيلية بملاحقة النشطاء على موقع فيسبوك، وذلك بعد هبّة الطفل محمد أبو خضير عام 2014، وبعد العدوان الكبير على قطاع غزّة في العام نفسه، ثم سُجلت أول محاكمة على خلفية الكتابة على الفيسبوك في أيار 2015.[21] وكانت قوات الاحتلال قد اعتقلت من مدينة القدس وحدها، التي كانت مركز تلك الهبة، 45 فلسطينيًّا بتهمة التحريض.[22] وبلغت الاعتقالات بتهمة التحريض على الفيسبوك خلال النصف الأول من عام 2017، وحسب إحصائية هيئة شؤون الأسرى والمحررين، 70 فلسطينيًّا من الضفة الغربية.[23]

يقوم كل من جهاز المخابرات الإسرائيلي "الشاباك"، ووحدة الاستخبارات "أمان"، بمراقبة حسابات الفلسطينيين على مواقع التواصل الاجتماعي، وتأسيس الوحدات الأمنية الإلكترونية لهذا الغرض.[24] وإضافة إلى الجهد الأمني الاستخباري، انتهجت الأوساط الإسرائيلية سياسة تبتزّ بها السلطة الفلسطينية؛ لدفعها لملاحقة النشطاء بحجة التحريض،[25] واحتشدت لذلك كل من الكنيست والحكومة، وأطراف من الأجهزة الأمنية والعسكرية، وخبراء متقاعدون من تلك الأجهزة.[26]

كما يتداول الكنيست الإسرائيلي منذ العام الماضي مشروع قانون لتشديد الرقابة على الفيسبوك، وأقرّه بالقراءة الأولى. يقف خلف مشروع القانون وزيرة العدل إيليت شاكيد، ووزير الأمن الداخلي غلعاد أردان، بيد أن نتنياهو أوقف مناقشته بسبب صيغته الفضفاضة، التي يمكنها أن تقيّد حرية التعبير في "إسرائيل" نفسها، وطالب بإرجاعه إلى صيغته الأولى، وهي "منع التحريض على الإرهاب في الشبكة".[27]

 يُلاحظ من هذه الجهود السياسية والأمنية والقانونية في "إسرائيل"، أن مضاعفة استهداف الفعاليات المدنية في الضفة الغربية، ومنها العمل الصحفي والإعلامي، وبما يشمل النساء، هو سلوك انتهجته "إسرائيل" منذ تأسيسها، إلا أنّه تسارع منذ أواخر عام 2015 لمواجهة الهبّات الفلسطينية المتتالية في الضفة الغربية.

يعني ذلك ثلاثة اعتبارات ينهض عليها الجهد الإسرائيلي، أولًا: التعامل الجدّي مع الهبّات الفلسطينية المتتابعة في القدس والضفة الغربية، منذ هبّة الطفل محمد أبو خضير، ثم هبّة القدس، ومحاصرتها بأدوات جراحية دقيقة، لا تُغفل أدق التفاصيل وأصغر الفاعلين، ودون أن تُشعر مجمل الجماهير الفلسطينية بتك الإجراءات، وذلك بهدف عزل تلك الجماهير عن مواجهة الاحتلال، سواء على مستوى الوعي بالحدث، أو الممارسة. أي القيام بإجراءات موضعية تطال مناطق بعينها تخرج منها العمليات، وملاحقة أفراد معينين يتهمهم الاحتلال بالتحريض، وعدم اللجوء إلى إغلاقات شاملة، أو اجتياحات واسعة.

ثانيًا: محدودية المشاركة في هذه الهبّات، وعدم اتساعها أفقيًّا وعموديًّا، مما يسهّل على الاحتلال محاصرتها، وملاحقة الفاعلين الذين قد يكونون أقلّ شأنًا في ظروف المواجهة الواسعة، أو المواجهة التي تقوم عليها التنظيمات. ففي الانتفاضة الثانية، كانت الأولوية لدى الاحتلال لملاحقة نشطاء العمل المسلّح، وفي أوقات أخرى كانت الأولوية لملاحقة النشطاء التنظيميين. لكن مع ظهور أنماط أخرى من المواجهة، كالعمليات الفردية، وما يسميه الاحتلال بالتحريض، تمكّن الاحتلال، ولعدم وجود تهديدات أضخم، من صرف أدواته السياسية والقانونية والأمنية، لمواجهة هذه الأنماط الجديدة.

ثالثًا: يربط الاحتلال بشكل عضوي ومباشر، ما بين النشاط على مواقع التواصل الاجتماعي، وما بين العمليات الفردية، وذلك من جانبين. الأول، وهو جانب أمني استخباري صرف، يقوم على فحص سلوك الفلسطينيين على تلك المواقع، وتحليل كتاباتهم، لتكوين صورة عن منفذين محتملين، أو فعليين، بهدف منع العمليات قبل وقوعها. والجانب الثاني يقوم على مراقبة الكتابات في سياقها التعبوي، سواء كانت تعبئة مباشرة، أم تمجيدًا للمقاومة والشهداء، ومراكمة ملفات معزّزة بمنشورات الناشطين الفلسطينيين، والناشطات أيضا؛[28] بهدف ابتزازهم لاحقًا، أو تسهيل محاكمتهم في المحاكم الإسرائيلية وفق قوانين منع التحريض.

وبسبب تآكل العمل التنظيمي في الضفة الغربية نتيجة جملة من السياسات المزدوجة، التي تمارسها كل من سلطات الاحتلال والسلطة الفلسطينية، فإنّ ملاحقة قطاعات العمل العام، كالعمل الصحفي والإعلامي، والعمل الطلابي والنقابي، يكون متاحًا أمام هذه السلطات بشكل أكبر.

ولا ينفكّ عن ذلك استهداف وسائل الإعلام الكبرى. فحسب أحد الإعلاميين المفرج عنهم مؤخرًا، هدد ضباط المخابرات الإسرائيلية بأن احتمالات الحظر قد تطال أي وسيلة إعلامية، ما دامت تتبنى سياسات تحريرية يمكن وصفها بالتحريض.[29] وأفاد إعلامي آخر مفرج عنه، أن المخابرات الإسرائيلية عرضت على الإعلاميين المعتقلين تسجيلات مصوّرة تثبت حركتهم في الميدان أثناء المواجهات، وذلك بهدف اتهامهم بالعمل مع قناة محظورة، والقيام بالتحريض.[30] يدل ذلك على حجم الاهتمام الإسرائيلي بتقييد الإعلام الفلسطيني بكل أشكاله، ومنعه من القيام بأي دور تعبوي راهن، أو تغطية الأحداث لاحقا، وهو ما قد يعتبره الاحتلال في حينه تحريضًا، أو فضحًا لانتهاكاته.

ومن الواضح تمامًا أن الاحتلال بات يَضيق بأي وجود سياسي للفلسطينيين، ويسعى لشطب هذا الوجود، ويظهر ذلك سياسيًّا في تجاوزه المستمر للسلطة الفلسطينية وإعادة إحيائه للإدارة المدنية، وتعامله المباشر مع الجمهور الفلسطيني، ويأتي في هذا السياق تدخله في شكل الحضور الفلسطيني في المجال العام، كما هو ظاهر في استهدافه لمجمل نشاطات المجال العام، ومحاولته تحديدها وتأطيرها بما يناسب الاحتلال، وبما ينفي الحضور السياسي الفلسطيني، كما في تدخله في النشاط النسوي، أو الطلابي، أو الإعلامي، أو سوى ذلك.

وفي إطار الجهد الأمني والسياسي في تصفية القضية الفلسطينية، ومنع أي مظهر من مظاهر النضال، بما في ذلك المظاهر غير التقليدية، والأدوار غير المشتبكة بشكل عنفي، أو بشكل مباشر، أو التي لم يكن للقوانين الإسرائيلية سابق تعامل معها.. نلاحظ توسعة "إسرائيل" لأدواتها الأمنية والسياسية والقانونية والدبلوماسية لمواجهة أي نشاط فلسطيني غير تقليدي، أو أي نشاط متضامن مع الفلسطينيين.

يمكن ملاحظة ذلك في الجهد الإسرائيلي القانوني والدبلوماسي، لمحاصرة حركة المقاطعة "بي دي إس" ومحاولة "إسرائيل" حشد حلفائها في الولايات المتحدة لهذا الغرض[31]، أو في سلسلة قوانينها التي تستهدف الحضور الفلسطيني السياسي في فلسطين المحتلة عام 48، كما في حظرها للحركة الإسلامية/ الجناح الشمالي، وتصاعد تحريضها على بقية التجمعات والقوى السياسية الأخرى كحركة أبناء البلد والتجمع الوطني الديمقراطي[32]، يُضاف إلى ذلك استهداف الأوساط اليمينية الحاكمة في "إسرائيل" لبعض الجمعيات الحقوقية واليسارية الإسرائيلية التي تتناول انتهاك "إسرائيل" لحقوق الإنسان الفلسطيني[33]، ويمكن في الإطار نفسه، قراءة الاستهداف الإسرائيلي الشرس للفعاليات الشعبية، كما في حادثة اعتقال الفتاة عهد التميمي، وهو ما يفسر من جهته تصاعد الحملة على الإعلاميين الذين قاموا في السنوات الأخيرة بتغطية فعاليات المقاومة الشعبية.

●       خلاصة

تعمل سلطات الاحتلال على محاصرة وضرب أي بدائل يبتكرها الفلسطينيون للتعويض عن مجالات العمل العام أو العمل التنظيمي، كالعمل الإعلامي، واستخدام شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، والاعتماد على العنصر النسائي والعمل الطلابي، خاصة وأن تآكل مساحات العمل العام والعمل التنظيمي، ومساحات المواجهة، يسهّل على الاحتلال صرف أدواته المتعددة لمواجهة هذه البدائل، أي أن هذا هو شكل التهديد القائم، وهي تتعامل حتى مع هذا الشكل على بساطته ذلك في إطار سعيها الدائم لسحق وتصفير قدرة الفلسطينيين على الفعل.

لا تقتصر تداعيات هذه السياسة على تأثيرها في قدرات الفلسطينيين في الصراع المباشر مع الاحتلال بنمطه المألوف، ولكن يمكن فهمها أيضا كتجزئة وتقسيم للفضاء العام الفلسطيني، فبينما تتسع مساحات العمل العام وموارده في غزة المحاصرة وفي الخارج، تضيق وتتضاءل هذه المساحات في الضفة الغربية المحتلة، ما يفضي بشكل بآخر لخلق أكثر من حيز عام فلسطيني منفصل ومختلف تبعًا لاختلاف شروط القمع وقيوده.

ولأن السلطة الفلسطينية تقوم بالأمر نفسه تجاه هذه البدائل، كما في ملاحقتها للطلبة الناشطين، وإغلاقها المواقع الإلكترونية، واستدعائها للناشطين المجتمعيين، أو اعتقالها لبعضهم، ومنهم صحفيون، فإنّ الفلسطينيين تصبح مهمتهم أصعب في مواجهة الإجراءات الإسرائيلية بالشكل اللازم قانونيًّا وإعلاميًّا ودبلوماسيًّا، وستظل أشكال التضامن والإدانة محدودة كما هو حاصل، علمًا أن أشكال الاستهداف الإسرائيلي للفعاليات المدنية، تمسّ صلاحيات السلطة الفلسطينية نفسها، وتوجّه ضربة لمقولة السلطة وحركة فتح حول المقاومة الشعبية والسلمية، والأدوات الناعمة والدبلوماسية.

إذن وبالرغم من أن هذه السياسات القمعية قديمة نوعًا، لكنها ترتبط في ظروفها الأخيرة بهبات الفلسطينيين المتتالية في السنوات الأربع الأخيرة، وما رافق تلك الهبات من أشكال نضالية جديدة، استندت إلى جملة من التطورات التقنية والإعلامية، وسعت للتعويض عن الغياب النضالي بأشكاله التقليدية التنظيمية، وقد جاءت هذه الهبات في وقت تسعى فيه "إسرائيل" لفرض وقائع نهائية لتصفية القضية الفلسطينية، وبالتالي أخذت تسعى لشطب الوجود السياسي الفلسطيني، وتصفية أي نشاط سياسي فلسطيني حتى لو اتخذ أشكالاً غير عنفية، أو تجنب الاشتباك المباشر معها.

 


[1] توثيق انتهاكات قوات الاحتلال الإسرائيلي بحق الطواقم الصحفية ووسائل الإعلام العاملة في الأرض الفلسطينية المحتلة من 1 إبريل 2015 – 31 مارس 2016، المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، 2 أيار/ مايو 2016.

[2] المصدر السابق.

[3] المصدر السابق.

[4] إخراس الصحافة: توثيق انتهاكات قوات الاحتلال الإسرائيلي بحق الطواقم الصحفية ووسائل الإعلام العاملة في الأرض الفلسطينية المحتلة (1 إبريل 2016 – 31 مارس 2017)، المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، 2 أيار/ مايو 2017.

[5] إخراس الصحافة: توثيق انتهاكات قوات الاحتلال الإسرائيلي بحق الطواقم الصحفية ووسائل الإعلام العاملة في الأرض الفلسطينية المحتلة (1 إبريل 2017 – 30 إبريل 2018)، المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، 6 أيار/ مايو 2018.

[6] المصدر السابق.

[7] عن مجمل اعتداءات الاحتلال على الإعلام الفلسطيني في الفترة المذكورة، انظر تقرير مركز رؤية للتنمية السياسية حول: اعتداءات الاحتلال على الإعلام الفلسطيني: الدوافع، والنتائج، وردود الأفعال، 7 تشرين ثاني/ نوفمبر 2017، https://goo.gl/CcLw4c

[8] الاحتلال يحظر عمل قناة القدس الفضائية بالبلاد، موقع عرب 48، 9 تموز/ يوليو 2018، https://goo.gl/XTLeb4

[9] الاحتلال يعتقل مدير ومراسل ومصور قناة "القدس" برام الله، موقع عرب 48، 30 تموز/ يوليو 2018، https://goo.gl/7irHmt

[10] الاحتلال يحول الصحفي محمد منى للاعتقال الإداري، موقع دنيا الوطن، 13 آب/ أغسطس 2018، https://goo.gl/hudrhH

[11] جيش الاحتلال الإسرائيلي يعتقل الكاتبة الصحفية لمى خاطر، موقع المركز الفلسطيني للإعلام، 24 تموز/ يوليو 2018، https://goo.gl/4phC3h

[12] محكمة الاحتلال العسكرية ترفض استئناف الأسيرة لمى خاطر، موقع عرب 48، 30 تموز/ يوليو 2018، https://goo.gl/n67sdf

[13] الحكم على الأسيرة علا مرشود بالسجن 7 أشهر، 30 تموز/ يوليو 2018، https://goo.gl/hEUepi

[14] الاحتلال الإسرائيلي يحكم على طالبة الإعلام علا مرشود بالسجن 7 أشهر، موقع العربي الجديد، 30 تموز/ يوليو 2018، https://goo.gl/vXosnt

[15] طالبات الكتلة في جامعات الضفة.. عطاء دائم رغم الملاحقة، موقع فلسطين نت، 31 تموز/ يوليو 2018، https://goo.gl/M8jHtX

[16] تصريح صحفي حول مداهمات الاحتلال لبيوت طالبات الكتلة وتهديدهن، موقع حركة حماس، 30 تموز/ يوليو 2018، https://goo.gl/dZPynA

[17] الاحتلال يعتقل 4 نساء من الخليل خلال شهرٍ ونصف، موقع مكتب إعلام الأسرى، 25 تموز/ يوليو 2018، https://goo.gl/qKE9YQ

[18] وزارة الإعلام الفلسطينية: 21 صحفيا معتقل لدى الاحتلال، موقع عرب 48، 5 آب/ أغسطس 2018، https://goo.gl/mBJPTc

[19] إسرائيل تنقلب على فيسبوك وتتهمه بالتحريض، موقع الجزيرة نت، 27 تشرين أول/ أكتوبر 2015، https://goo.gl/eNXPqG

[20] فيسبوك يغلق حسابات فلسطينيين بضغوط إسرائيلية، موقع الجزيرة نت، 11 كانون ثاني/ يناير 2018، https://goo.gl/grcm6U

[21] الفيسبوك سيفًا مسلطًا على الفلسطينيين، موقع حبر، 30 أيار/ مايو 2016، https://goo.gl/EhYJgb

[22] المصدر السابق.

[23] إسرائيل اعتقلت 70 فلسطينيًا بتهمة التحريض في فيسبوك منذ مطلع العام الجاري، موقع العربي الجديد، 9 آب/ أغسطس 2017، https://goo.gl/Stxz8N

[24] المصدر السابق.

[25] إسرائيل تتهم الإعلام الفلسطيني بالتحريض عليها، موقع الجزيرة نت، 29 أيار/ مايو 2017، https://goo.gl/GoRQy7

[26] المصدر السابق.

[27] نتنياهو يأمر بوقف تشريع قانون يزيد الرقابة على فيسبوك، موقع المصدر الإسرائيلي، 18 تموز/ يوليو 2018، https://goo.gl/3Rpxgk

[28] مثلاً.. حين كتابة التقرير كان الاحتلال قد أفرج عن موظفي قناة القدس باستثناء مدير مكتبها في الضفة الغربية علاء الريماوي، وأبقاه رهن الاعتقال بتهمة التحريض على الفيسبوك.

[29] مقابلة خاصة (1) أجراها الباحث بتاريخ 13 آب/ أغسطس 2018.

[30] مقابلة خاصة (2) أجراها الباحث بتاريخ 13 آب/ أغسطس 2018.

[31] . "بي دي أس".. حركة تؤرق إسرائيل، برنامج سيناريوهات، موفع الجزيرة نت، 10 آب (أغسطس) 2018، https://goo.gl/SxMzTt

[32] . عامان على حظر الحركة الإسلامية: استمرار في تراجع الحريات، صحيفة العربي الجديد، 26 تشرين ثاني (نوفمبر) 2011، https://goo.gl/DgWzE3

[33] . "قانون الجمعيات"... سلاح إسرائيل لمحاصرة المنظمات الحقوقية واليسارية، صحيفة العربي الجديد، 28 كانون أول (ديسمبر) 2015، https://goo.gl/ZN2N44

شارك الموضوع اذا اعجبك