الليكوديون يسعون لإسقاط نتنياهو عبر بوابة الاستيطان

يُعتبر الاستيطان أحد الأعمدة الأساسية لبرنامج اليمين الحاكم، بل إن المستوطنين يعتبرون خزاناً انتخابياً مهمّاً لأحزاب اليمين المختلفة، وتحديداً حزب الليكود وحزب البيت اليهودي، وقد نصت الاتفاقات الائتلافية بين البيت اليهودي والليكود، التي سبقت الإعلان عن الحكومة الحالية، على أن يكون الاستيطان وتوسيعه وإقرار المشاريع ذات الصلة به، من توسيع للشوارع وترميمها وتحسين للبنية التحتية ومعاملة المستوطنين على أنهم مواطنون من الدرجة الأولى، هدفاً مركزياً وأولية لعمل الحكومة القائمة.
خلال فترة حُكم الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، وبالرغم من التوسعة الاستيطانية الكُبرى التي انتهجتها حكومة اليمين برئاسة نتنياهو منذ العام 2009، إلا أنها لم تنل رضى الشريحة الأوسع من التيارات الاستيطانية ورؤساء مجالسها، وقد تذرعت الحكومة الإسرائيلية حينها بأن البيت الأبيض لم يُعط أي ضوء أخضر للبناء في المستوطنات.
مع انتخاب دونالد ترامب سيداً للبيت الأبيض، تعالت الأصوات المطالبة بإطلاق العنان للاستيطان، لا بل إن "نفتالي بينت" -زعيم البيت اليهودي- اعتبر أن انتخابه علامة نهاية الحلم الفلسطيني بدولة مستقلة، وما من شك في أن وصول ترامب للبيت الأبيض سرّع من عجلة الاستيطان التي وصلت إلى حدود الإعلان عن 12 ألف وحدة استيطانية خلال العام 2017، منها أربعة آلاف خلال الشهر الأخير فقط، لكن المفارقة أن نتنياهو يواجه في الأيام الأخيرة سيلاً كبيراً من الانتقادات على خلفية عدة أمور منها: 
1. عدم إقراره ميزانيات لتوسيع الشوارع وترميم البُنى التحتية. 
2. عدم بناء مناطق ومدن صناعية في الضفة الغربية.
3. عدم إقرار المزيد من الوحدات الاستيطانية وتوسعة حدود المستوطنات.
المفارقة أن غالبية النقد الموجه تجاه رئيس الوزراء الإسرائيلي كان من حزبه "الليكود"، الذي تصدى العديد من قياداته لرفع راية دعم الاستيطان واتهام الحكومة بالتقصير.

المواقف السياسية المختلفة من سير عجلة الاستيطان

إن الخلاف حول توسيع دائرة الاستيطان كمّاً ونوعاً - كما في الائتلاف الحكومي- محصورٌ إلى حد كبير بين حزبي البيت اليهودي والليكود، إذ تتهم أطراف واسعة من البيت اليهودي رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو بعدم الالتزام بالاتفاقات الائتلافية وبتوسيع البناء الاستيطاني، بل إن زعيم حزب البيت اليهودي "نفتالي بنت" يتهم نتنياهو بالهروب من إقرار قوانين لضم مستوطنات الضفة الغربية الكُبرى كمعاليه أدوميم.
ربما تكون مواقف "بنت" دبلوماسية بالمقارنة مع عضو حزبه وممثل الحزب في الكنيست بتسلال سموترتس، الذي وصف نتنياهو في غير مرّة بالجُبن والخوف من إقرار توسعات استيطانية، بل إن سموترتس ذاته أبعد صفة اليمينية عن نتنياهو، على خلفية إخلاء مستوطنة عمونا، وهذه التصريحات المتكررة لسموترتس دفعت نتنياهو لطرده من مكتبه.
في البيت السياسي لليكود الذي من المفترض أن يكون حاضنةً لرئيس وزرائه وزعيمه ومدافعًا عن سياسته، تعالت مؤخراً أصوات من قيادات بارزة تنتقد هي ذاتها موقف رئيس الوزراء. يولي أدلشتاين، رئيس الكنيست العبري، وأحد القيادات البارزة في الليكود، قال بأن موضوع البناء والشوارع تم التأكيد عليه كثيراً، وأصبحت الظروف فجأة غير مناسبة، ويجب انتظار التطورات وأمور أخرى، وأنا أقول بأن الوقت لن يكون مناسباً ما دمنا لا نعرف ما نريد.
إلى جانب أدلشتاين، كان هناك مواقف أكثر تشدداً ليسرائيل كاتس، وزير المواصلات والقيادي البارز في الحزب، الذي أعلن نيتَه الترشحَ لخلافة نتنياهو، قال في اجتماع للمجلس الاستيطاني، وبصوت مرتفع: أنا معكم في هذه المعركة جبهة أرض إسرائيل، الجبهة التي يجب أن نعمل لمزيد من البناء اليهودي عليها في الضفة الغربية.
كان رد مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو مُتضمّنًا التذكير بأن حكومته أكثر من عملت من أجل الاستيطان، منوّهاً إلى أن أخذ الظروف السياسية بالحسبان هو أمرٌ مهم، مضيفاً أن سياسة رئيس الوزراء لا تريد وضع الإصبع في عين الرئيس الأمريكي ترامب الذي يسعى لتسوية سياسية، وهو الموقف نفسه الذي يتبناه وزير الجيش وزعيم حزب "إسرائيل بيتنا" أفيجدور ليبرمان.
على جبهة المعارضة كذلك، فإن المواقف التاريخية من الاستيطان لم تعُد هي ذاتها؛ فقد أصبح للمستوطنين ثقلهم، فأعدادهم تتراوح ما بين 700-800 ألف؛ الأمر الذي دفع حزب العمل لتغيير مواقفه المُعلنة تجاه الاستيطان، إذ يُعتبر الحزب مؤسس الاستيطان وراعيه، إلا أنه بعد اتفاق أوسلو اتجه ولو من خلال التصريحات إلى تقنين عجلة الاستيطان.
خلال السنوات الأخيرة، بات الحزب يتبنى -كما ورد على لسان زعيمه السابق هرتسوغ، وكذلك زعيمه الحالي آبي جباي- الاحتفاظَ بالتجمعات الاستيطانية الكُبرى في أية تسوية إن تمت مع الفلسطينيين، وهو الموقف ذاته لزعيم حزب يوجد مستقبل "يائير لبيد"، ليبقى الحزب الوحيد الذي ينادي بتفكيك الاستيطان هو حزب ميرتس الذي لا يُشكل جمهور ناخبيه سوى 4% من مجموع الناخبين في "إسرائيل" ولا يمتلك سوى خمسة مقاعد في الكنيست.

مواقف أعضاء الليكود تجاه الاستيطان

تاريخياً، يُعتبر حزب الليكود صمام أمان اليمين، وعند الحديث عن أي يمين، يصنف الليكود على أنه من اليمين المعتدل الذي يمتلك رؤية سياسية أيدولوجية قد تكون فرضتها عليه عوامل عدة، أبرزها أنه تواجد ولا  يزال  في سدة الحكم منذ فترة طويلة، وبالتالي فإن الحزب سيتحمل أمام جمهور الناخبين المسؤولية عن القرارات وتحديداً المصيرية منها.
خلال السنوات الأخيرة، استطاع المستوطنون أن يُصبحوا شريحة واسعة ومؤثرة داخل الحزب، فوفق الإحصاءات الحزبية، فإن عدد المستوطنين الأعضاء في حزب الليكود يصل إلى نحو  15-20 ألف (شيلو، 2017)، وتُشير المعطيات نفسها إلى أن العدد الإجمالي للأعضاء حوالي 100 ألف، 50% منهم غير ملزمين بانتخابه.
والمعلوم عن المستوطنين أن نسبة التصويت لديهم مرتفعة؛ ففي الانتخابات الأخيرة في العام 2015 وصلت نسبة التصويت العامة إلى 72.3% (المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، 2015)، وفي الكثير من المستوطنات زادت النسبة عن 90% (يشع، 2015)؛ الأمر الذي يُشير بشكل واضح إلى ارتفاع نسبة التصويت لديهم لاعتبارات أيدولوجية، وكونهم جزءًا أساسًا من الصراع ومحورًا هامًّا على طاولة النقاش الدائم.
إذن، يُستنتج مما سبق أن أعضاء الليكود من المستوطنين قد تصل نسبتهم إلى نحو 15-20%، إلا أن تأثيرهم في الصندوق الانتخابي الداخلي قد تصل إلى أكثر من 30%؛ لذلك فإن إرضاء الشريحة الأوسع منهم يُعتبر رصيداً انتخابياً هاماً لأيٍّ من القيادات الحزبية التي تريد المنافسة على رئاسة الحزب.
وهذا ما تسعى إليه القيادات التي باتت تهاجم نتنياهو التي اختارت بالمناسبة موضوع الاستيطان بالتأكيد، وليسَ بشكلٍ عبثي؛ استرضاءً لتلك الشريحة التي باتت مؤثرة. وإذا ما نظرنا إلى طبيعة المهاجمين سواءً كاتس أو أدلشتاين فإن كلا الرجلين ينويان المنافسة على ترؤس الحزب (ليال، 2017) ما بعد نتنياهو إن استقال أو أُقيل في ظل التحقيقات التي تجري ضده على خلفية تُهم فساد متنوعة، وبالتالي فإن هدف تلك القيادات تشكيل أرضية مناسبة تقودهم لرئاسة الحزب إذا ما أُزيح نتنياهو.
احتمالات سلوك نتنياهو
رغم التحقيقات الجارية مع نتنياهو في ملفات فساد ثلاثة متنوعة، إلا أنه الخيار الأول إسرائيلياً لرئاسة الوزراء وبنسب كبيرة وبعيدة عن أقرب منافسيه، والشخصية الأكثر خبرة في الدولة، إلا أن وجوده تحت طائلة التحقيق أعطى الأحزاب الصُغرى فرصة إضافية لابتزازه. من هنا؛ فإن نتنياهو سيسعى إما إلى تأخير الاستجابة لمطالب المستوطنين، أو الاستجابة لجزء من هذه المطالب، والمصادقة على الميزانيات تحديداً لقضية ترميم بعض الطرق، والبناء داخل التجمعات الاستيطانية، دون الذهاب باتجاه تأسيس مستوطنات جديدة، أو بناء مدن صناعية في المرحلة الحالية.
داخليًا، سيسعى نتنياهو لتصفية حساباته مع بعض القيادات التي باتت تُهاجمه ما بين الفينة والأخرى، وقد صرح دود بيتان -رئيس كتلة الليكود- بأن كل من يتطاول على رئيس الوزراء  سُيحاسب في الانتخابات الداخلية للحزب، وهنا تجدر الإشارة إلى أن لنتنياهو قدرة كبيرة في إزاحة خصومه ومنافسيه، ولعل الثلاثي داني دانون وجدعون ساعر وكذلك موشيه يعلون، الذين استطاع نتنياهو إزاحتهم خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة خير دليل على ذلك.
في السياسة الداخلية الإسرائيلية، بات استرضاء المستوطنين هدفاً واضحاً لتيارات وقيادات وازنة؛ سعياً للحصول على أصواتهم الانتخابية، وليس بالضرورة قناعة بالنهج الاستيطاني الأيديولوجي، ولعلّ هذه التصريحات الأخيرة لمجمل القيادات قد تكون سبباً وجيها للإطاحة بهم داخل الليكود، بدل المنافسة على رئاسته في ظل إمساك نتنياهو بالخيوط الأكثر حساسية داخل الحزب.
 
المراجع:
  • المعهد الإسرائيلي للديمقراطية. (14 نيسان، 2015). هشتتفوت ببخيروت 2015 ( المشاركة في انتخابات 2015 ). المعهد الإسرائيلي للديمقراطية.
  • تال شيلو. (21 آب، 2017). لو رك ليكودنيكم حداشيم، مبات هكوح شل متنبدي هليكود ( ليس فقط الليكوديون الجدد، خارطة قوة أعضاء الليكود ). تم الاسترداد من ويلا: https://news.walla.co.il/item/3090345
  • دفنا ليال. (17 كانون ثاني، 2017). الدشتاين يتمودد لريشوت هليكود ( الدشتاين ينوي التنافس على رئاسة الليكود ). تم الاسترداد من ماكو: http://www.mako.co.il/news-military/politics-q1_2017/Article-2d2c7bc0fada951004.htm
  • يشع. (1 نيسان، 2015). متنخليم بكلبي ( مستوطنين في الانتخابات ). تم الاسترداد من يشع- يهودا فشومرون فعزا: http://www.myesha.org.il/?CategoryID=251&ArticleID=6681
 
شارك الموضوع اذا اعجبك