قراءة في كتاب "بشكل خاص وعام: عن اليهودية، والسيادة، وحقوق الإنسان"

صدر كتاب "بشكل خاص وعام: عن اليهودية، والسيادة، وحقوق الإنسان"، في شهر كانون أول/ ديسمبر 2017، عن المركز الإسرائيلي للديمقراطية[1]. ويتناول مجمل العلاقات بين حقوق الإنسان واليهودية، في ظل الصراع القائم على شكل الدولة، إذ يفحص الكتاب منظومة العلاقات القائمة والممكنة بين اليهودية ومكوناتها القومية والدينية والثقافية من جهة، وبين مبادئ حقوق الإنسان من جهة ثانية. ويُحاول الوقوف على نقاط الاحتكاك والتوتر بين الطرفين، وتقديم اقتراحات لتجاوز الفجوة المستمرة بينهما.

وقد تم تقسيم الكتاب إلى ستة مقالات وأبحاث مطولة، أعدها ستة باحثين. الأول منها كان بعنوان "كراهية المسيحية في الديانة اليهودية في ظل الحريات والتسامح بين الأديان". وتناول الثاني قوانين ذات صلة بفرض الطابع الديني. وتطرق الثالث للتفسيرات القديمة للديانة اليهودية، التي أنتجت قيمًا معينة. أما المقال الرابع، فقد تناول روح الحريات في ظل النقاش العام لحقوق الإنسان العالمية. وتطرق الخامس لقضية الفروض الدينية وتدخلها في الحياة الشخصية. وأخيرًا، تناول المقال السادس الديمقراطية واليهودية في فكر حاييم يهودا (داجان، ليشيفيتس، و شترن، 2017).

مقدمة الكتاب

يرى الباحثون أنّ لدولة "إسرائيل" هويتيْن، الأولى باعتبارها دولة ديمقراطية، وعضوًا في مجموعة الدول الديمقراطية التي تتبنى الفكر الليبرالي الغربي، والثانية باعتبارها الدولة القومية للشعب اليهودي؛ الأمر الذي خلق تيارين مختلفين ومؤثرين في صياغة شكل الدولة العبرية، ولكل تيار جمهوره وتأثيره على شريحة واسعة من الشعب.

أول صدام يحدث بين الثقافة الغربية والثقافة اليهودية التقليدية، هو تعريف دولة "إسرائيل" على أنّها دولة يهودية ديمقراطية؛ الأمر الذي يحتم على سكانها الانصياع لكلتا الهويتين، ويولّد احتكاكًا بين الثقافتين، ويجعل كل طرف يطرح نفسه بديلًا للآخر، وذلك في ظل رفض متزايد لفكرة التعايش بين الطرفين، أو إمكانية الوصول إلى قواسم مشتركة بينهما.

من هنا، فإنّ الكتاب بأبحاثه الستة، يطرح فكرة إمكانية التعايش بين الإرث اليهودي ووثائق حقوق الإنسان العالمية، حتى في ظل تعريف دولة "إسرائيل" بأنّها دولة يهودية ديمقراطية؛ الأمر الذي يتطلب العمل على وقف التوتر الكبير، والهوّة الآخذة في الاتساع بين الطرفين.

كرما بن يوحنن:[2]

حرية الاحتقار: كراهية المسيحية في اليهودية الأرثوذوكسية

استهلت الدكتورة كرما بن يوحنن بحثها بالإشارة إلى أنّ التسامح الديني بات الميزة الأهم في العالم الليبرالي الذي يؤمن بفصل الدين عن الدولة. وأشارت إلى أنّ الكنيسة المسيحية ساهمت في بلورة جزء من حقوق الإنسان، في فترة ما بين الحربين العالميتين، إذ فضلت الليبرالية كطريقة للحكم، بل وعدّلت في منهجها ليتلاءم مع ذلك.

وترى الباحثة أنّ الوقت قد حان لتجاوز الخلافات التاريخية بين اليهودية والمسيحية، خاصة مع تراجع الكراهية تجاه اليهود. ورغم ذلك، تُشير الباحثة إلى أنّ الموقف اليهودي من المسيحية لم يتغير، إذ ما زالت القيادة الدينية الأرثوذوكسية اليهودية،[3] تمنع الاقتراب من معتنقي المسيحية، وترى ضرورة اقتلاع جذورها من العالم. وتُضيف بن يوحنن، أنّ هذه الرؤية ليست حكرًا على المتدينين، بل تتجاوزهم لتصل إلى فئات أخرى، حتى الذين لا يؤمنون بالصهيونية من اليهود، ولدى غالبية رجال الدين اليهود في وقتنا الحالي.

ورغم ذلك، فإنّ بعض التيارات الدينية اليهودية في أوروبا، اتخذت مواقفَ أقل تصلبًا تجاه الديانة المسيحية، إلّا أنّها ما زالت تعتبرها أقل درجة وبموقع منحط بالمقارنة مع اليهودية. ربما يُمكن إعادة هذا التسامح، أو المواقف الأقل تصلبًا إلى الدعم الحقيقي الذي أبدته أوروبا في إقامة الدولة العبرية، ودعم الولايات المتحدة المستمر لها، وهذا ما تتطرق إليه الباحثة صراحةً.

أشارت كرما بن يوحنن إلى أنّ بعض تيارات اليهودية، خاصة في أوروبا، قامت بإلغاء أدبيات ومؤلَفات استمرت 300 عام من التاريخ المعادي للمسيحية؛ وذلك لأنّ العلمانية باتت مُسيطِرة على أوروبا بشكل كبير، ولأن الدور التاريخي للكنيسة قد انتهى، وبالتالي تراجع ما يُمكن أن تفرضه الكنيسة من سلوكيات على اليهود.

وأشارت بن يوحنن في ختام بحثها إلى أنّ التيار الأرثوذوكسي، وهو الأبرز في "إسرائيل"، ويتحكم في كل ما يتعلق بالدين في الدولة، عليه أن يبدأ بتغيير نظرته العدائية للمسيحية، وأن يتجاوز عن بعض المبادئ التاريخية والدينية التي حكمت تلك النظرة، وعدم استغلال الحرية والليبرالية في إظهار هذا العداء الكامن. وفي الوقت نفسه، طالبت بألّا يأتي هذا التغيير من فوق، بل من داخل التيار نفسه، ومن خلال نقاش داخلي جدّي يواكب التطورات الحالية.

هنا أظهرت الكاتبة جاهزية مواءمة الدين للسياسة، حيث تنبع نظرتها من منطلق القوّة والسيطرة التي تحظى بها الدول المسيحية، وبالتالي فإنّ التغيير مطلوب من رجال الدين اليهود، كنوع من مواكبة التطورات العالمية، وحفظ العلاقة مع الغرب الأوروبي.

إلّا أنّ هذه المطالبات ليست قابلة للتطبيق من جانب اليهود، وتحديدًا الأرثوذوكس. فالإرث التاريخي اليهودي الذي يرى أنّ المسيحية هي انحراف عن طريق الحق اليهودي، وتمردٌ قاده عيسى عليه السلام، الذي ينعته اليهود بأبشع الصفات، وأنّ المسيحية تتحمل جزءًا كبيرًا من معاناة اليهود تاريخيًا، وأن التصالح معها هو إغضاب للرب، كل ذلك يجعل مطالبات الكاتبة غير واقعية.

شلومو برودي:[4]

قانون "الخميرة" لن يستطيع بلوغ الأهداف الدينية

قانون "الخميرة"، أو قانون عيد الفصح، هو قانون تم وضعه عام 1986. وبموجبه يُمنع بيع كل مخبوز تدخل فيه "خميرة العجين" في المناطق ذات الغالبية اليهودية؛ الأمر الذي اعتبره البعض مُنافيًا للقيم الديمقراطية، وفرضًا للطقوس الدينية على الجميع، حتى أولئك الذين يُصنفون أنفسهم على أنّهم غير دينيين، فيما اعتبره المؤيدون مُهمًّا من أجل فرض الهويّة اليهودية على كل مناحي الدولة.

يُشير الكاتب إلى أنّه رغم الرمزية التي يحظى بها القانون من حيث كونه يُعطي شكلًا للدولة، إلّا أنّه في حقيقة الأمر لا يُمكن أن يمنع فعليًا امتلاك الخميرة خلال عيد الفصح، إذ إن امتلاكها غير ممنوع، ولكن استخدامها علانيةً هو الممنوع، وبالتالي لن يتم اعتبار مالكها مُخالفًا؛ الأمر الذي يجعل القانون خاليًا من مضمونه على أرض الواقع.

ويُؤكد الكاتب أنّ هدف القانون هو هدف ديني، إلّا أنّه في الوضع الطبيعي، ستجد أنّ المحال التجارية ستقوم بالتصرف نفسه دون هذا القانون، معتبرًا أنّ وجود فئة كبيرة من الملتزمين بالشريعة اليهودية الذين يتناولون أطعمة خاصة في عيد الفصح اليهودي، ستدفع أصحاب تلك المحال إلى توفير كل ما هو حلال من وجهة نظر هؤلاء السكان.

إضافة إلى ذلك، فإنّ العلماني الذي لا يريد الالتزام بتلك الطقوس الدينية، بإمكانه أن يمتلك قبل العيد كل ما يريد من مواد ممنوع استخدامها في العيد، وبالتالي عدم الشعور بفرض طقوس دينية معينة. ونوّه الكاتب إلى أنّ هذا السلوك الديني، أو فرض القوانين الدينية، لا يخدم الدين، بل على العكس يدفع الكثيرين للنفور من الدين، والابتعاد عنه.

ردّاً على ذلك، أشار الكاتب، إلى أنّ جمهور المتدينين، وكذلك وزارة الداخلية، لا يعتبرون القانون محاولة لفرض طقوس دينية، إنّما هو لإجبار الشرائح الأخرى على احترام الرؤية الدينية للمتدينين، وعدم المساس بمشاعرهم وشعائرهم.

واختتم الكاتب بحثه بقوله إنّ خلق بيئة يهودية لن يكون من خلال القوانين، بل من خلال خلق ثقافة وبيئة ثقافية، عبر التعليم غير الرسمي. وإذا كان هناك من يعتقد أنّ القانون مهم، رغم أنّه منافٍ للديمقراطية، فإنّ الواقع يُشير إلى عدم جدواه من الناحية الدينية، علاوة على مساسه بالمعايير والقيم الليبرالية.

أراد الكاتب هنا التقليل من قيمة القوانين الدينية عمليًا، واستدل على ذلك بقانون منع الخميرة في عيد الفصح. قد يكون الكاتب لامس الحقيقة فيما يتعلق بهذا القانون، إذ بإمكان غير المتدين من اليهود امتلاكها في بيته قبل أيام العيد، وبكمية تكفيه.

لكن يبقى السؤال بشأن القوانين التي باتت تُشرّع في الآونة الأخيرة، وعلى رأسها قانون محلات يوم السبت، وقانون المواصلات يوم السبت، وغيرها من القوانين التي باتت تفرض هوية محددة على عموم الشعب اليهودي. وإن كانت هذه الحقيقة مقبولة على الكاتب، فلا بأس أن يُعلن دعمه لها، لا أن يحاول التقليل من تأثيرها، في ظل شعور شريحة معينة، بأنها مجبرة عليها.

وحول الهوّية اليهودية التي تحدث عنها الكاتب، التي أشار إلى أن تحقيقها سيكون من خلال مسيرة ثقافية توعوية، فإن هذا ما تعمل عليه الصهيونية الدينية اليوم، التي يرأسها وزير المعارف نفتالي بينت، ويعمل بشكل جاد لبلورة ذلك، ومن خلال قفزات كبيرة بهذا الاتجاه، مستغلة كونها بيضة القبان في الحكومة.

عميت جبريهو:[5]

كلاهما متساويان: تفسير اليهودية القديمة، واستخراج القيم

استهل الكاتب بحثه بأنّ تفسير التوراة يحتمل أوجهًا مختلفة، وأنّ التاريخ شهد محاولات كثيرة لتصحيح بعض ما تم إدخاله في التوراة، وتنقيته وملاءمته للقيم المناسبة، إذ إن الكثير من المفسرين لم يعتبروا أنفسهم قارئين فقط للتوراة، بل قاموا بعدة تفاسير في كثير من الأحيان، تتضمن فجوة كبيرة عمّا جاء في التوراة.

على سبيل المثال، قانون العين بالعين والسن بالسن الوارد في التوراة، فسرها علماء الدين على أنّها قاعدة لجلب حق المُعتدى عليه، وليس شرطًا أن يكون من جنس العمل، فقد كان التركيز على جلب الحق، إمّا بالمال، أو بوسائل أخرى وصلت إلى حدود القتل، والهدف من ذلك هو خلق نوع من الردع لمنع انتشار الجريمة.

من هنا، يرى عميت جبريهو أن علماء الدين اعتمدوا على هذه النصوص كقيم انطلقوا منها، لكن وجود تيارات أخرى تُطالب بالتطبيق الحرفي للنصوص، وهي تيارات كانت موجودة عبر التاريخ وما زالت، ساهم في خلق نوع من الفجوة بين ما ورد في التوراة، وبين ما قدمه رجال الدين من تفسيرات.

ما أراده عميت جبريهو من هذا البحث، هو الإشارة إلى أنّ الخلافات الموجودة في المجتمع اليهودي، بشأن طبيعة القيم التي يجب أن تحكم المجتمع، بالإمكان فهمها في إطار تفسير منطقي للتوراة، وعدم التمسك بنصوص ثابتة، مستدلًا بذلك على التاريخ اليهودي المليء بالتفسيرات التي كانت بعيدة نوعًا ما عن النص.

ويرى جبريهو، وبناء على التاريخ والتفسير، أن كلا التيارين الديني والعلماني، متساويان. وقد يكون جبريهو لامس جزءًا من الحقيقة فيما كتبه حول قانون العين بالعين والسن بالسنّ، إلّا أنّ الخلاف بين التيارين الأساسيين في الدولة، ليس مقرونًا فقط بطبيعة التشريع المتعلق بالعقوبات، بل تُعاني "إسرائيل" من محاولة فرض قيم  يتبناها تيار ديني، على المجتمع ككل. فالمعارضون لهذا التيار، لا يرفعون علنًا شعار رفض التوراة، بل يُطالبون بتفسير يُلائم المجتمع ككل، وليس تيّارًا بعينه. فعلى سبيل المثال، ولّدت قضية العبادة المشتركة عند حائط البراق، شرخًا بين تيارين يهوديين بارزين، الديني والإصلاحي؛ الأمر الذي انعكس على علاقة الجالية اليهودية في الخارج، بالدولة العبرية، وربما سينعكس ذلك سلبًا على "إسرائيل".

عيدو هرري:[6]

روح الحقوق، جسم الإنسان، كمشكلة في نقاشات حقوق الإنسان العالمية

حاول عيدو هرري في بحثه، إثبات تأثر وثيقة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الصادرة عن الأمم المتحدة عام 1948 بالنصرانية التي وضعت روح الإنسان -وليس جسده- في مركز الوثيقة، مُشيرًا إلى ظُلم عام وقع بالتحديد على الديانتين الإسلامية واليهودية.

وتطرق الكاتب إلى احتقار اليهود في الكثير من النصوص المسيحية، واعتبارهم مجرد جثث حيوانية. وأكد أنّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، غير مستمد صراحةً من المسيحية، لكنه تطوُر طبيعي لمجرياتٍ تاريخية مسيحية، وضعت روح الإنسان، لا جسده، فوق كل اعتبار. ومن هنا كان منطلق الحريات، الذي لم يُركز على الجسد، من حيث اللباس والحرية الدينية، بل ركز على حرية روح الإنسان.

ووفق الكاتب، فإنّ لذلك انعكاسًا على ثقافاتٍ أخرى ليست مسيحية، لا تضع الروح في مركز الحدث، بل تضع الإنسان جسدًا وروحًا، وتفرض عليه قوانين طبيعية لها علاقة بالجسد، كطبيعة اللباس، أو المعتقد المتعلق بالجسد والسلوك. هذه القوانين لا تمنح الإنسان حرية مطلقة للتصرف، بل تضعه أمام ضوابط معينة. من هنا، فإنّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ساهم في وجود نوع من التعبيرات المسيئة لديانات، كاليهودية والإسلام.

ما أراد الباحث قوله، هو أنّ وثيقة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، متأثرة بشكل كبير بالفكر المسيحي، وبالتالي لا يُمكن أن تكون عامًة وعالميّةً، وإنما تحتاج إلى محاولة صياغة جديدة، تحترم الثقافات الأخرى، وتأخذها بعين الاعتبار في صياغة الوثيقة، التي هي نتاج للتطورات في أوروبا، وملائِمة بشكل كبير للفكر الديني المسيحي، الذي يضع روح الإنسان فوق كل اعتبار؛ مما يتيح له حرية مطلقة، تصل به إلى العلمانية، التي لا تُلائم ثقافات أخرى.

يحاول الكاتب هنا أن يقول إن مَن يطالبون بالالتزام الحرفي بوثيقة حقوق الإنسان، يخالفون ثابتهم الثقافي اليهودي، وبالتالي يريد الكاتب سحب المسوّغ من هذا التيار، وعدم منحه القدرة للاستنجاد بالخارج؛ من أجل اعتباره مثالًا يُحتذى به.

وإشارة الكاتب إلى تأثر الديانة الإسلامية بما ورد في وثيقة حقوق الإنسان، لا تنبع بالتأكيد من حرصه على الديانة الإسلامية، وإنما يريد تدعيم الموقف اليهودي، والإشارة إلى أنّ وثيقة حقوق الإنسان، التي تُلائِم المسيحية كما يقول، تظلم كتلة كبيرة من البشر، وليس اليهود فقط.

ليئا ترجين زيلر:[7]

"أنجبْ ستًا، أنجبْ سبعًا، أو ثمانية أطفال"

تناولت الباحثة ليئا ترجين زيلر، ما أسمته التدخل الديني الأرثوذوكسي في الحياة الخاصة بين الأزواج، وتحديد رؤية خاصة لطبيعة حياتهم، من حيث الإنجاب والسلوك وغيره، مما يعني عدم وجود حرية شخصية لهؤلاء الأزواج في تحديد مسيرة حياتهم، ونمطها.

وتُشير الباحثة إلى أنّ النظرة العامة للسلطة الدينية على الفرد، هي نظرة سلبية. وبعد بحث مطوّل، تقول ليئا زيلر إنها وجدت ارتباطًا كبيرًا بين الخصوبة المرتفعة لدى المتدينين، وبين الأوامر الدينية من رجال الدين، وتتساءل: كيف يُمكن لإنسان أن يترك مثل هذه القرارات المصيرية، الصعبة والثقيلة، بيد آخرين، سواءً كانوا رجال دين أم أصدقاء.

وبناء على ذلك، طالبت ليئا زيلر بإجراء نقاش جديد حول الحرية والصلاحيات الدينية. وأشارت إلى أنّه مع بداية تأسيس الدولة، كانت هناك مطالبات حكومية بتسريع عجلة الإنجاب، وزيادتها، وذلك لعوامل ديموغرافية، تهدف إلى جعل اليهود أغلبية. كما أشارت إلى أنّ العقد ونصف العقد الأخيرين، شهدا تراجعًا في خصوبة المرأة الدينية، في ظل تطورات اقتصادية واجتماعية. إضافة إلى أنّ السنوات الأخيرة شهدت أيضا تغيّرًا في طبيعة السلطة الدينية، إذ شهدت وفاة كبار رجالاتها.

وأضافت زيلر أنّ نقد المجتمع الأرثوذوكسي يجب أن يكون من الداخل، فمن غير المعقول أن لا يتم بحث هذه القضايا من داخل الوسط الديني.

كما أشارت إلى أنّ السلطة الدينية لرجال الدين الأرثوذوكس على جمهورهم، متنوعة ومختلفة، وتحدثت عن نقاش حاد في الوسط الديني حول طبيعة هذه السلطة، فهناك من يرى أنّ ما تطلبه السلطة الدينية، قابل للتنفيذ أو الرفض، وفي الكثير من الحالات يرفضونها بالمطلق، وهي تختلف من إنسان إلى آخر، ومن زوج إلى آخر؛ ولذا فإن الكثيرين لا يلتزمون بما يتم طلبه منهم حرفيًا.

وهكذا، أشارت الكاتبة إلى نقطة جوهرية، وهي عدم انصياع المتدينين لما تطلبه منهم المؤسسة الدينية، وضربت مثالًا على ذلك بأن السنوات الأخيرة شهدت تراجعًا في نسبة المواليد عند المتدينين، وتساءلت: هل لهذا علاقة برفض السلطة الدينية، أم أنه مرتبط بشكل كبير بالظروف الاقتصادية والمعيشية، التي تعيشها الطائفة الأرثوذوكسية الحريدية؟

ورغم ذلك، ترى الباحثة أن الغالبية العُظمى من الجمهور المتدين، تنصاع بشكل كبير، وتتساءل: لماذا يرفض أكثر من 85% من الحريديم التجنيد، أليس انصياعًا للأوامر الدينية؟ ولماذا تدور حرب داخل الجيش، بسبب رفض المتدينين للخدمة المشتركة بين الرجال والنساء، أليس انصياعًا لتلك الأوامر أيضا؟

إلى جانب ذلك، كما ترى الباحثة زيلر، أثبتت التجارب التفاف الجيل المتدين حول قيادته، حتى وإنْ صنفَ المتدين نفسه في الدرجة الأقل التزامًا. ويظهر ذلك في ارتفاع الروح اليمينية الدينية، وهذا بدوره سينعكس على التوتر الحاصل، في ظل عدم وجود مواءمة مناسِبة بين اليهودية كدولة، وبين القيم الإنسانية والحقوقية، التي أكدتها وثيقة الأمم المتحدة.

بنيامين شفيرتس:[8]

الديمقراطية واليهودية كما يراها حاييم روت

استهل بنيامين شفيرتس بحثه بالقول إنّ الغالبية اليهودية تعتقد بوجود تعارض وتوتر مستمر بين اليهودية من جهة، والديمقراطية والليبرالية من جهة ثانية. وأشار إلى أنّ الكثيرين يعتمدون على ما قدمه حاييم يهودا روت، وهو فيلسوف يهودي ترك "إسرائيل" واستقر في أوروبا، بسبب غياب القيم الديمقراطية في "إسرائيل" منذ بداية تأسيسها.

ولكن أراد شفيرتس أن يُثبت أنّ سبب هجرة روت، غير مرتبط بذلك. فحاييم روت، الذي كان محاضرًا في الجامعة العبرية، استقال منها دون توضيح الأسباب، وإنما أعطى أسبابًا متنوّعة حين أجاب عن سبب استقالته. كما أنّ روت انتقد المجتمع الإسرائيلي من خلال نظرته الإنجليزية، وليس النظرة اليهودية، وحاول أن يكون قدوة داخلية يتبعها الكثيرون، لكنه لم ينجح، فقرر الهرب، وليس الهجرة بسبب الإحباط، بل بسبب فشله في فرض رؤيته الليبرالية، وبسبب الصراع الداخلي في نفسه، بين هويته الإنجليزية وهويته اليهودية.

وبالنظر إلى العلاقة بين الليبرالية واليهودية، يرى بنيامين شفيرتس أنّهما غير متناقضتين تمامًا. فالحرية المطلقة تعني الفوضى، كما أنّ العبودية المطلقة تعني الظُلم والاستبداد، وبما أنّه لا يوجد حل للتعارض بين العبودية والحرية، حاول روت، كما يرى شفيرتس، استثمار وقت كبير، للوصول إلى حل للقضية الفلسفية المذكورة، لكنه لم ينجح.

واختتم شفيرتس بحثه بالتأكيد على ضرورة أن يكون هناك تفسير للنصوص القديمة، لكن ليس من خلال الجلوس وراء مكتب، وإنما بالنزول للحياة العامة، على أن يرى المُفسر نفسه جزءًا من هذه الثقافة وأمينًا لها، ليس من خلال محاولة فهم المستقبل، بل من خلال محاولة صياغته.

ختامًا، بدأ الصراع على هوية الدولة العبرية مع اليوم الأول للإعلان عن قيامها، إلّا أنّه لم يصل إلى هذه المرحلة المتقدمة كما هو عليه اليوم، وهذا ينبع من عدة تغيرات، أهمها استمرار وجود أحزاب المتدينين في الحكومات الإسرائيلية، منذ ثلاثين عامًا تقريبًا، إلى جانب رفع شعار اليهودية، ليكون الشعار الأهم في الدولة.

الأهم من ذلك، هو أنّ اليهودية كقيم، باتت تأخذ مكان القيم الليبرالية التي تأسست عليها الدولة العبرية. ويُمكن فهم ذلك في ظل ارتفاع صوت المتدينين من جانب، وتصنيف غالبية الإسرائيليين أنفسهم على أنّهم يهود تقليديون، بمعنى أنّهم ملتزمون بالحد الأدنى من الشرائع الدينية. وإلى جانب تيار المتدينين، فإنّ العلمانيين باتوا الصوت الأضعف في الدولة، ولا يستطيع مواجهة التيار الأكبر، الذي يحكم الدولة منذ سنوات.

لذلك، ليس من المستبعد أن تشهد السنوات المقبلة، تأسيس كافة القيم العامة على التشريع اليهودي، المبني على الرؤية الدينية الأرثوذوكسية، التي، إن لم تشمل غالبية اليهود، استطاعت أن تُثبت للشريحة الأوسع، أنّها الأكثر حرصًا على اليهودية.  

المرجع:

حنوخ داجان، شاخر ليشيفيتس، و يديدا شترن. (2017). ببرات اوبخلال، عل يهدوت ريبونوت فزخيوت ادم ( بشكل عام وخاص، عن اليهودية السيادة وحقوق الانسان ). القدس: مركز الدمقراطية الاسرائيلي. تم الاسترداد من https://www.idi.org.il/media/10005/bifrat_uviklal_3.pdf

 


[1] المركز الإسرائيلي للديمقراطية: هو مركز مستقل وغير حزبي، متخصص في القضايا العامة التي تهم الجمهور، في نطاقات الحكم، والاقتصاد والمجتمع. تكمن أهدافه في تقوية البنية القيمية في "إسرائيل" كدولة يهودية ديمقراطية، وتحسين أداء مؤسسات الحكم، وبلورة طرق لمواجهة التحديات الأمنية، بالتوازي مع الحفاظ على القيم الديمقراطية. ويقدم المركز مجموعة من الأبحاث الفكرية، إضافة إلى بلورة نقاش عام معتمد على أسس علمية، لتحقيق إصلاحات بنيوية وسياسية واقتصادية تخدم صانعي القرار. يوجد المركز في مدينة القدس.

[2]  الدكتورة كرما بن يوحنن: هي باحثة متخصصة في الشؤون التاريخية، عملت في جامعة كاليفورنيا، وهي اليوم باحثة في أكاديمية بولونسكي في القدس، حيث يتركز بحثها على المواضيع الفكرية الأوروبية في العصر الحديث، وعلاقة اليهودية بالنصرانية.

[3]  الأرثوذوكسية هي اسم يُطلق على المتدينين اليهود بشقيهم الصهاينة المتدينين والحريديم.

[4]  الراب (الحاخام) شلومو برودي: يعد الدكتوراة في كلية القانون في جامعة بار إيلان، وهو يحمل لقب "راب"، أي رجل دين، وكان لمدة عشر سنوات رئيس المجلس الديني في حائط البراق، ونطاق بحثه في تحليل التشريعات اليهودية.

[5] عميت جبريهو: هو باحث يحمل لقب الدكتوراة في التعامل الربوي في التاريخ والتشريع اليهودي، وعمل محاضرًا في الجامعة العبرية في القدس، وفي الجامعة البابوية في روما، وتتركز أبحاثه في أدب التشريع، وأدب قادة الشعب الإسرائيلي الروحانيين القدماء.

[6] عيدو هرري: هو طالب دكتوراة في الفكر الإسرائيلي، عمل باحثًا في البرنامج العالمي لبحث الثقافة والتاريخ اليهودي، وعمل محاضرًا في كلية "علما" في تل أبيب. ورسالة الدكتوراه التي يعدها، متخصصة في محاولة فرض النمط الأرثوذوكسي على الشعب اليهودي.

[7]  ليئا زيلر: باحثة متخصصة في مقارنة الأديان الثلاثة، قدمت رسالتها في الدكتوراة بعنوان "وسائل تنظيم الأسرة في المجتمع الأرثوذوكسي في "إسرائيل"، وتركز أبحاثها على العلاقة بين الصلاحية والجندر والأخلاق والدين.

[8]  بنيامين شفيرتس: هو باحث في منتدى "كهيلت" للسياسات، تتركز أبحاثه في مجال الفكر الاجتماعي والسياسي لدى قادة "إسرائيل" القدماء، ويحاول إثبات وجود القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان خلال العصور القديمة التي عاشها شعب "إسرائيل".

حمل الملف المرفق
شارك الموضوع اذا اعجبك