حماس و"إسرائيل".. اشتباك على حافّة الحرب

سلسلة المواجهة القائمة بين الاحتلال والمقاومة في قطاع غزّة، تصاعدت في النصف الثاني من تموز/ يوليو الماضي. فقد مهّد الاحتلال الإسرائيلي لعدوانه على قطاع غزّة، بتصريحات أطلقها الجيش الإسرائيلي، هدّد فيها حركة حماس بالشروع في عملية عسكرية تستهدف الحركة، في حال استمرّ إطلاق الطائرات الورقية والبالونات الحارقة[1]. وحسب صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، فإن هذه التهديدات نُقلت إلى حركة حماس عبر طرف ثالث.[2]

وهو ما واجهته حركة حماس وفصائل المقاومة برفع وتيرة ردودها الميدانية الموضعية أو الموسعة على مثل هذه الاعتداءات، هذه الجولات كانت الوساطة المصرية وجهود بعض الجهات الوسيطة توقفها قبل الانزلاق لحرب مفتوحة، لكن المؤكد أن الظرف الأمني ومعادلة الاشتباك قد سجلت تغيرا ملحوظا خلال الشهور الأخيرة عن ذلك الذي ساد منذ نهاية الحرب الإسرائيلية على القطاع صيف ٢٠١٤، ومدخلات جديدة باتت تلعب دورا في تشكيل هذه المعادلة وسلوك الأطراف المتصارعة، بجانب تلك المدخلات والدوافع القائمة.

دوافع ومواقف:

بالتأكيد لم تكن الأحداث الأخيرة التي بدأت منذ الثلث الثاني من شهر تموز/ يوليو الماضي، هي البداية الفعلية للمواجهات مع الاحتلال الإسرائيلي، ويمكن التقاط جذور هذه المواجهة في قراءة السلوك الإسرائيلي تجاه قطاع غزة منذ سيطرة حركة حماس على القطاع ٢٠٠٧، فمنذاك تسعى إسرائيل لفرض تهدئة قسرية دائمة على فصائل المقاومة في قطاع غزة دون الاستعداد للتخلي عن حصارها الخانق على قطاع غزة، أو حرية يدها في تقويض قدرات المقاومة من خلال الغارات والضربات العسكرية المركزة.

إنّ نظرة عابرة على أحداث شهري أيار/ مايو وحزيران/ يونيو الماضيين،[3] تبين أن الأحداث الساخنة الأخيرة في قطاع غزّة، لم تكن إلا استمرارًا لحالة المواجهة بين الجانبين، الاحتلال الذي يسعى لفرض معادلة تكبح فاعلية سلاح المقاومة، حتى في بعده الدفاعي، وتحوله إلى عبء مطلق على الجماهير الفلسطينية في قطاع غزّة. والمقاومة التي تسعى لإيجاد حالة متوازنة بين العمل على كسر الحصار، وبين الحفاظ في الوقت نفسه على سلاحها، وبما يحول دون قدرة الاحتلال على فرض معادلة محددة للاشتباك، والتحكّم بها من طرفه، بمعزل عن إرادتها وفاعليتها.[4]

تعثر المصالحة: 
شكلت المصالحة الفلسطينية بالنسبة لحركة حماس أداة لمواجهة الحصار، ولتوسيع سلة أدواتها في مواجهة الاحتلال بالتخفف من المسؤوليات الخاصة بإدارة حياة السكان المحاصرين في قطاع غزة وتوفير احتياجاتهم، وكذلك بوابة مهمة للدخول في مؤسسات النظام السياسي الفلسطيني كافة ومنها م ت ف، تعثر المصالحة في ظل تصعيد السلطة الفلسطينية لمطالبها الخاصة بإتمام المصالحة وإجراءاتها ضد القطاع المحاصر، أغلق هذه النافذة إلى حد كبير ودفع بحركة حماس للبحث في بدائل مختلفة لمواجهة الحصار على القطاع والاستنزاف المتواصل لقدراتها بغارات الاحتلال.

مسيرات العودة:

لا يمكن تناول المواجهة دون أخذ مسيرات العودة في الاعتبار. فحماس، ومنذ نهاية آذار/ مارس الماضي، تحاول الدفع نحو وسائل جديدة لكسر الحصار على قطاع غزّة، دون أن تتحول تلك الوسائل إلى حرب قاسية، وقد عزّزت الجهود الشعبية تلك المسيرات بوسائل، مثل الطائرات الورقية الحارقة، تضغط على الاحتلال دون أن تتيح له الذرائع للذهاب نحو الحرب.

 بيد أن مسيرات العودة ترتب عليها عشرات الشهداء وآلاف الجرحى، إضافة إلى الازعاج الذي تعرضت له "أعصاب" الإدارة السياسية والأمنية في "إسرائيل"، بما جعل احتمالات التصعيد المتدحرج حاضرة باستمرار.

وقد عدّ بنيامين نتنياهو، رئيس حكومة الاحتلال، الطائراتِ الورقية الحارقة، تهديدًا كبيرًا بالقدر نفسه مع أنفاق المقاومة، أو مع سعي الجماهير للوصول إلى الأسلاك الشائكة، قائلًا إنّ أي وقف لإطلاق النار ينبغي ألا يستثني البالونات والطائرات الورقية الحارقة.[5]

العمل الفلسطيني المشترك:

حالة التوافق الوطني على مسيرات العودة، واتخاذ الموقف العسكري الموحّد لجميع فصائل المقاومة،[6] أشعرت الاحتلال بتآكل الردع، وتراجع الإحساس بالأمن في "غلاف غزّة"، كما صرّح بذلك مرارًا، وزير الحرب الإسرائيلي إيفغدور ليبرمان.[7]

يضاف إلى ذلك إصرار المقاومة في غزّة على منع الاحتلال من فرض معادلته، التي تحيّد فاعلية سلاح المقاومة في القطاع، وتحوله إلى عبء خالص. إنّ الميزة المهمة في محاولة التصدي لهذه المعادلة، رغم المخاطرة العالية في ذلك، هي وحدة الموقف بين جميع فصائل المقاومة في قطاع غزّة، وكذلك انتهاج استراتيجية أمنية تسحب الذرائع من الاحتلال، مع خلق حالة نسبية من توازن الردع، إذ ما تزال الجهة التي تقف خلف عمليات القنص التي استهدفت جنود الاحتلال وضباطه، غير مُعلن عنها.[8]

المعادلة الداخلية الإسرائيلية:

 و بينما كان يغلب على المستويات السياسية الإسرائيلية رفض الذهاب نحو تهدئة مع حماس، بسبب المزايدات الداخلية بين القوى السياسية الإسرائيلية المتنافسة، فإنّ المستويات العسكرية والأمنية كانت تنزع نحو الموافقة على التهدئة.[9]

القوى المناوئة للتهدئة مع حماس، والمنتقدة لموافقة نتنياهو على الذهاب في هذا الخيار، رأت أن "إسرائيل" تعيش حرب استنزاف حقيقية مع حركة حماس، وبالتالي فإن التهدئة المتقطعة التي تتخلل المواجهات، تعطي حماس أفضلية غير متناسبة مع أحجام القوى المتصارعة في إطار المناورة السياسية والعسكرية.[10] بمعنى أن "إسرائيل" لم تعد قادرة على فرض معادلات التصعيد والهدوء من طرفها، أو فرض إرادتها في التدخل الأمني والعسكري، المصحوب بكبح قدرة المقاومة في غزّة على الردّ على اعتداءات الاحتلال، أو محاولة إحباط الإرادة الإسرائيلية في فرض معادلاتها.

فرض الوقائع:

بيد أنّ التصعيد المتواصل في قطاع غزّة، ورغم حيثيته الخاصّة بالقطاع، فإنّه غير منفصل عن التطورات السياسية الكبرى التي تستهدف القضية الفلسطينية. فحين النظر إلى الضفة الغربية، بما في ذلك القدس ومحيطها،[11] والمسجد الأقصى،[12] يتضح أن التصعيد الإسرائيلي يتعاظم، وبشكل حثيث؛ لفرض الوقائع، في محاولة محمومة للاستفادة من وجود الإدارة الأمريكية الحالية، وبعض الحكومات العربية، التي تبدو متواطئة فيما يخصّ خطة الرئيس الأمريكي "صفقة القرن". وفي هذا الاتجاه، تأتي سياسات الحصار، ومحاولة استدراج حماس.

اهتمام أمريكي واقليمي:

يمكن ملاحظة اهتمام الإدارة الأمريكية الحالية بقطاع غزّة، وسياسات حركة حماس، وموقع ذلك كلّه من خطة ترمب، من المقالة التي كتبها أخيرًا، في صحيفة الواشنطن بوست، ثلاثة مسؤولين في الإدارة الحالية، معنيين بالملف الفلسطيني، وهم جاريد كوشنر صهر ترمب وأحد مستشاريه، وجيسون جرينبلات ممثل الولايات المتحدة في المفاوضات الدولية، وديفيد فريدمان سفير الولايات المتحدة في "إسرائيل".[13]

تتبنى مقالة المسؤولين الأميركيين الثلاثة وجهة النظر الإسرائيلية بالكامل، بما في ذلك إدانة الوسائل السلمية المصاحبة لمسيرة العودة. إلا أنّ الأهم من ذلك، هو تحميل حماس مسؤولية الأوضاع الإنسانية والاقتصادية في قطاع غزّة، ودعوتها إلى الاعتراف بـ "إسرائيل"، وتقديم وعود صريحة بتوفير الموارد اللازمة لازدهار قطاع غزّة. لكن ذلك مشروط بتحولات جدّية في مواقف حماس، وعلى نحو يسمح بدمج الفلسطينيين في اقتصاد إقليمي مزدهر.[14]

الدور المصري:

 لسنوات تلت العام ٢٠١٣ تراجعت العلاقات بين حركة حماس ومصر، وباتت الحركة موضعا لاتهامات جسيمة تتعلق بتهديد الأمن القومي المصري، يمكن القول أن هذه المرحلة قد تم تجاوزها إلى حد كبير، فقد نجحت حركة حماس في تحسين علاقاتها مع مصر تدريجيا، في ظل استعادة الأخيرة لاهتمامها بالملف الفلسطيني باعتباره أحد أهم الأوراق الإقليمية التي تحظى باهتمام دولي خاص في عهد إدارة ترامب.

تتركز الجهود المصرية مؤخرا في صيغة مبادرة للمصالحة الفلسطينية تهدف لإعادة السلطة لقطاع غزة، في إطار جهد مصري أعم يربط بين ملفات التهدئة ورفع الحصار والمصالحة، وهو ما يدفع بمصر حاليا للعمل بشكل حثيث للحفاظ على التهدئة الهشة وتطويرها باتجاه ييسر المساعي الدولية بخصوص الملف الفلسطيني والمنطقة ككل.

خلاصة:

يتضح أن جل الفاعلين، المحليين والإقليميين والدوليين، يعملون على تجنب حرب واسعة في قطاع غزّة، على الأقل في المدى المنظور. ولكن استمرار الحصار المفروض على قطاع غزّة، قد يفضي إلى حرب واسعة، كما أنّ الأدوات التي ابتكرتها الجماهير والقوى الفاعلة في غزّة لفك هذا الحصار، قد تؤدي أيضا إلى نشوب الحرب، وقد تجلّى ذلك في الموقف الإسرائيلي العنيف من مسيرات العودة، والطائرات الورقية الحارقة. يُضاف إلى ذلك أن القائمين الأساسيين على خطة ترمب، يرون ضرورة ترويض حركة حماس، أو تحطيمها إذا فشل الترويض؛ لأجل إنفاذ خطة ترمب، لا سيما مع حرص حكومة بنيامين نتنياهو اللحوح على استثمار فترة ترمب. وفي هذا السياق، تحضر المزايدات الإسرائيلية الداخلية، التي قد تعزّز من احتمالات الحرب.

فيما يبدو أن حماس تسعى لاستمرار فاعلية هذه الأدوات، مع الحفاظ على وتيرة يمكن السيطرة عليها، و باستخدام أدوات تحول دون الحرب قدر الإمكان.

يهدف الاحتلال في تعامله العنيف مع مسيرة العودة، و استهدافه لمقرات المقاومة، ونقاط الحراسة التي ترابط فيها، إلى فرض معادلة أمنية تحفظ له اليد العليا على نحو مطلق، في الشأن الأمني والاستراتيجي فيما يخصّ قطاع غزّة، وبما يكبح فاعلية سلاح المقاومة، و يستنزفها تدريجيا.

وفي حين ما يزال الانقسام الفلسطيني قائمًا، ولا يبدو أن السلطة الفلسطينية قد غيرت موقفها من رفع العقوبات، أو من المصالحة، وتُظهر قدرًا كبيرًا من عدم الاهتمام بالقطاع، فيما لا يبدي المحيط الإقليمي تعاطفًا خاصًا مع الفلسطينيين عموما وحماس خصوصا، على نحو يسهل من مهمة الاحتلال في فرض الوقائع على الأرض.

 

[1] وكانت المصادر الإسرائيلية قد تحدثت عن أكثر من ألف حريق طال أكثر من 30 ألف دونم من أراضي المستوطنات الإسرائيلية، المعروفة بـ "غلاف غزّة"، وتسببت في خسائر بعشرات ملايين الشواكل، وذلك جراء إطلاق الطائرات الورقية الحارقة منذ بدايات مسيرة العودة في نهاية آذار/ مارس الماضي.# وفي الجانب الفلسطيني، بلغ عدد شهداء مسيرات العودة، وحسب إحصائية لوزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزّة، 137 شهيدًا، إضافة إلى أكثر من 16 ألف جريح.#

[2] الاحتلال يهدد: الطائرات الورقية قد تؤدي إلى عملية عسكرية ضد غزة، موقع عرب 48، 12 تموز/ يوليو 2018، https://goo.gl/sB3tME

[3] انظر مثلا بيانات كتائب القسام في 27 حزيران/ يونيو 2018، موقع كتائب القسام، https://goo.gl/JvKSCF، وفي 20 حزيران/ يونيو 2018، موقع كتائب القسام، https://goo.gl/21M5n3، وفي بيان مشترك بين سرايا القدس وكتائب القسام، موقع القسام، 29 أيار/ مايو 2018، https://goo.gl/vXZyf2

[4] ساري عرابي، التصعيد الأخير في غزة.. عودة إلى أزمة المقاومة، موقع صحيفة عربي21 الإلكترونية، 29 أيار/ مايو 2018، https://goo.gl/nBVpFb

[5] نتنياهو: نحن في صراع طويل مع حماس، موقع المركز الفلسطيني للإعلام، 16 تموز/ يوليو 2018، https://goo.gl/jzCpMx

[6] انظر مثلا عملية (الوفاء للشهداء) التي أعلنت عنها جميع فصائل المقاومة في قطاع غزة في 29 أيار/ مايو 2018، وذلك بقصف مواقع الاحتلال المحيطة بقطاع غزة بعشرات القذائف الصاروخية، وذلك ردّا على استهداف الاحتلال للمدنيين والمتظاهرين في مسيرات العودة، ولمواقع المقاومة وكوادرها. موقع كتائب القسام، 30 أيار/ مايو 2018، https://goo.gl/bfKCL5

[7] ليبرمان يهدد بعملية عسكرية ويحرض على حماس، موقع عرب 48، 20 تموز/ يوليو 2018، https://goo.gl/4Siqci

[8] "حماس ليست المسؤولة عن قنص الجندي الإسرائيلي"، موقع عرب 48، 21 تموز/ يوليو 2018، https://goo.gl/7jdKc7

[9] الجيش الإسرائيلي والمخابرات يؤيدان تهدئة مع حماس.. ونتنياهو وليبرمان يعارضان، موقع صحيفة الشرق الأوسط، 7 حزيران/ يونيو 2018، https://goo.gl/3oymR2

[10] عاموس غلبوع، بين جبهتين، صحيفة معاريف الإسرائيلية، ترجمة خاصة، 26 تموز/ يوليو 2018.

[11]  كما يجري في تجمع الخان الأحمر المحاذي للقدس.

[12] مثل إغلاق الاحتلال للمسجد الأقصى لساعات يوم الجمعة 27 تموز/ يوليو 2018، موقع صحيفة الحياة، https://goo.gl/n8Bg48

[13] By Jared Kushner, Jason Greenblatt and David Friedman, Help is at hand for Palestinians. It’s all up to Hamas.,The Washington Post, 19 July 2018, https://goo.gl/AF4GXi

[14] المصدر السابق.

شارك الموضوع اذا اعجبك