غزة تحت حكم حماس من الديمقراطية الإسلامية إلى الحكم الإسلامي

home_politics_blog5
استهداف الاحتلال للفعاليات المدنية في الضفة الغربية.. قراءة في الدوافع
3 سبتمبر ,2018

غزة تحت حكم حماس من الديمقراطية الإسلامية إلى الحكم الإسلامي

معلومات الكتاب

العنوان: غزة تحت حكم حماس: من الديمقراطية الإسلامية إلى الحكم الإسلامي.

Gaza under Hamas: From Islamic Democracy to Islamist Governance

اللغة: الإنجليزية
المؤلف: بيورن برينر.
عرض: حسن عبيد.

الناشر: مطبوعات جامعة برنستون.
سنة النشر: 2017.
عدد الصفحات: 252 صفحة.

فَتَح انتقال حركة المقاومة الإسلامية "حماس" من فصيل معارض تبنى المنهج المسلح، إلى فصيل يحكم قطاع غزة، المجالَ أمام العديد من الأكاديميين للتعمق بدراسة برنامج الحركة وتجربتها. وقد صدرت دراسات عديدة حول حركة حماس قام بها باحثون وأكاديميون بلغات متعددة، منهم طارق بسوني،[1] وزكي شهاب،[2] وخالد الحروب،[3] وجيروين غونينغ.[4] وتحظى حركة حماس باهتمام خاص لدى الباحثين والسياسيين؛ كونها أحد اللاعبين الفاعلين في القضية الفلسطينية، التي تشكل حجر أساس للسياسات الدولية في الشرق الأوسط.

بعد فوز حركة حماس في انتخابات عام 2006، كان العالم يراقب. ودخلت حماس السلطة الفلسطينية، التي كانت نتاج تفاهمات بين منظمة التحرير وإسرائيل، وكانت مقابل اعتراف المنظمة وحركة فتح بحق "إسرائيل" في الوجود. لم تُبدِ حماس أي رغبة في التعاون مع أطراف اتفاق أوسلو من أجل تنفيذه، وهذا فتح تساؤلًا مهما، هو: كيف ستحكم حماس؟ هل تستطيع مجموعة إسلامية من دون خبرة في السلطة، وبأيديولوجية صارمة، التعامل مع الواقع اليومي على الأرض؟ وخاصة أن حماس هي أول حركة إسلامية في العالم العربي تصل إلى السلطة بطرق ديمقراطية. من هنا تأتي أهمية هذا الكتاب "غزة تحت حكم حماس: من الديمقراطية الإسلامية إلى الحكم الإسلامي"، للدكتور "بيورن برينر"، المحاضر في السياسة الشرق أوسطية في جامعة الدفاع السويدية في ستوكهولم. وهنا تجدر الإشارة إلى اهتمامات المؤلف وأبحاثه. فقد ركزت أبحاث "برينر" على السياسات السورية

واللبنانية والإسرائيلية والفلسطينية والأردنية. وكانت إحدى النقاط المحورية هي متابعة وفهم الوضع السياسي المحلي في قطاع غزة، والتوترات بين مختلف الجهات الفاعلة هناك. أمضى برينر أربعة أعوام ما بين 2009- 2012 في جمع المعلومات من أجل هذا الكتاب، وذلك من خلال مراقبة المشاركين في غزة ودمشق والضفة الغربية، والسكن مع عائلات ذات علاقات سياسية مختلفة، تُمكّن الكاتب من مقابلة وزراء وموظفين مدنيين في حكومة غزة، إضافة إلى مقابلة قيادات وعناصر من حركة حماس وأجهزة الأمن في غزة وكتائب القسام، الذراع العسكري لحركة حماس، وكذلك مقابلة قيادات وعناصر في حركة فتح والسلفية الجهادية. وقد حقق بيورن برينر بما حدث في غزة بعد الانتخابات التشريعية عام 2006.

يقع هذا الكتاب في سبعة فصول تختص بتفسير كيف حكمت حماس قطاع غزة، وأبرز التحديات التي واجهتها، ويركز على تصورات حماس وممارساتها في مواجهة تحديات حكمها لغزة. ويلخص الكاتب ثلاثة تحديات تواجه حركة حماس، هي: كيفية نظر حكومة حماس إلى حركة فتح، خصمها الرئيسي في البرلمان. ومشكلات حكومة حماس المتزايدة مع الحركات الراديكالية المتطرفة في مجتمع غزة. وتصورات حركة حماس وممارساتها لإعادة تأسيس النظام الاجتماعي في غزة.

جدلية الأيديولوجيا والممارسة:

يرى الكاتب أن هناك فجوة بين الأيديولوجيا والممارسة عند الحركات الإسلامية. فالحركات السياسية الأيديولوجية محكومة بتصوراتها الطوباوية "المتشددة"، المبنية على مجموعة من الأفكار النظرية بشأن كيف يجب أن يكون المجتمع. لا تُترجم الحركات السياسية الأيديولوجية تصوراتها بنفس درجة التشدد عند الممارسة. وهذا مدخل لاستنتاج الكاتب بأن الاعتماد على مفهوم الأيديولوجيا، كأداة تحليل وتفسير لدراسة مقدار التوافق بين الإسلام والديموقراطية، هو اعتماد غير ذي جدوى (ص 170).

من أهم الأفكار التي يسعى "برينر" لتوضيحها، التفريق بين تصور الحركات الإسلامية للديمقراطية، وبين ممارستها لها. 

انطلق هذا الكتاب من مناقشة فهم حماس للديمقراطية، والممارسات الديمقراطية في السياق الفلسطيني. صعدت حماس للسلطة من خلال الإجراءات الديموقراطية في الانتخابات البرلمانية عام 2006. وعلى المستوى الداخلي لحركة حماس، فإن الممارسات الديمقراطية هي طريقة أساسية لاتخاذ القرارات منذ تأسيسها عام 1987. وهذا بدوره يعطي قيمة لسؤال حول كفاية هذه المؤشرات للحكم إن كانت حركة حماس ديمقراطية أم لا؟ الإجابة تصبح أكثر صعوبة على العقل الأكاديمي الغربي إذا ما تم الخلط ما بين مفهوم الديموقراطية الدارج والمُهيمن على الفكر الغربي، وبين خصائص الإسلاميين أنفسهم؛ لأن المعضلة ستبقى قائمة، حتى لو كان التحليل عن حركات أيديولوجية أخرى كالشيوعية. فهناك فرق بين القيم الليبرالية من جهة، وبين التمسك الثابت بالإجراءات الديمقراطية من جهة أخرى.

يحاول الكتاب المساهمة في حل هذا الإشكال من خلال التفريق بين الإجراءات الديموقراطية من جهة، وبين الليبرالية الديموقراطية من جهة أخرى. من أجل ذلك، طوّر "بيورن برينر" نموذجًا تفسيريًا يعتمد على أربعة مفاهيم لتحديد صفات الحوكمة الإسلامية وخصائصها (Islamist Governance). والمفاهيم الأربعة هي: الدين، والاستبداد، والعلمانية، والليبرالية الديمقراطية (الفصل الأول). ويذكر "برينر" أن الربط بين المفاهيم الأربعة، يُنتج أربعة نماذج للحكم، هي:

1-  الثيوقراطية، وهي المزج بين الدين والاستبداد.

2-  الديمقراطية الإسلامية، وهي المزج بين الشريعة والديموقراطية.

3-  العلمانية الشمولية، وهي المزج بين العلمانية والاستبداد.

4-  العلمانية الديموقراطية، وهي المزج بين العلمانية والديموقراطية.

توافق الإسلاموية والليبرالية الديمقراطية

يفرق الكاتب بين مفهومي الديموقراطية والليبرالية. فالديمقراطية تتعلق أكثر بالإجراءات، كالانتخابات، بينما الليبرالية تتعلق أكثر بمرونة الأيديولوجيا والممارسة، وتعاطيهما مع حقوق الأفراد والمجتمع والحريات.

بعبارة أخرى، فإن السلوك الليبرالي له الأسبقية على السلوك الديمقراطي. ومن خلال هذا المفهوم النظري، يرى الكاتب أهمية مراعاة الفرق بين الأيديولوجيا والممارسة عند دراسة الحركات الإسلامية. لذا، فإنه يرى أن حماس لا تشكك بمفهوم الديمقراطية بحد ذاته، بل إنها مهتمة بتقديم فكرتها الخاصة عن الديمقراطية. وكثيرا ما تصادمت إجراءات حماس على الأرض مع المبادئ الليبرالية، وبهذا المعنى، فهي ليست حالة من الثيوقراطية ولا الديموقراطية العلمانية. حماس تدعو إلى أن تصبح الشريعة المصدرَ الرئيسي للتشريع في فلسطين. ووفقًا لقادة الحركة، فإن المبادئ الديمقراطية والقيم الإسلامية التي تتبناها، متوافقة تمامًا، ويمكن أن تتعايش في إطار واحد، هو الديمقراطية الإسلامية.

تحديات الحكم لدى حماس

·        حركة فتح

بعد فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية عام 2006، أعطت حركة فتح أوامر لكوادرها بعدم التعاون مع حكومة حماس. "سيطرة حماس على قطاع غزة، كان بناء على وجود تصور لديها بأن تعطيل فتح لحكمها يستوجب إنهاء إزدواجية السلطة" (ص 174). بررت حماس ذلك بأنها تدافع عن الشرعية. وعندما أعلن الرئيس الفلسطيني محمود عباس إقالة حكومة حماس، وتشكيل حكومة جديدة، اعتبرت حماس أن هذه الخطوة غير دستورية. وهنا يصل الكاتب إلى نتيجة مفادها أن حماس اعتمدت المبررات الدستورية والديموقراطية لتبرير سلوكها.  

من هذا المنظور، من المهم النظر إلى أن إزاحة حماس لفتح عن حكم غزة، هو مؤشر على عدم اعتدال أو اعتدال حماس. فعلاقات حماس مع المعارضة بعد طرد حركة فتح، أصبحت  أكثر اعتدالًا من ذي قبل. ففي حين استمر القمع المتقطع ضد فتح، ظلت حماس تتحرك نحو علاقة أكثر مرونة مع المعارضة وحركة فتح. أحد الأمثلة على ذلك هو التعاون المحدود بين بعض الوزارات الحكومية في غزة، ونظيراتها في رام الله. أدى هذا التعاون إلى التخفيف التدريجي للتوترات بين الطرفين، وإلى تنازلات جوهرية بلغت ذروتها في نهاية المطاف إلى اتفاقيات القاهرة (ص 195).

·        الحركات المتطرفة

مثلت الحركات الجهادية المتطرفة، أحدَ التحديات التي واجهتها حماس في حكمها. ناقش "بيورن برينر" تصورات حماس تجاه هذه الحركات. فعلى الرغم من استخدام حماس لأسلوب القمع في بعض الأحيان، لبعض الحركات والشخصيات الجهادية الراديكالية، إلا أن حماس كان لها تصور مختلف تجاه هذه الحركات. فهي تنظر إليهم كمواطنين مسلمين، وليسوا مقاتلين أجانب دون حقوق، أو أي حق في الاحترام. ولا تنظر حماس للسلفيين الجهاديين على أنهم مجموعة واحدة متجانسة، وإنما كأفراد مُضللين، وضحايا للتعليم الديني المُتطرف. وبينما تعتبرهم حماس تهديدًا داخليًا لحكمها، فإنها لا تعتبرهم تابعين لأعداء من خارج القطاع (الفصل الثالث).

بهذا المعنى، اعتمدت تصورات حماس تجاه الجماعات الراديكالية، على معايير أقرب للديموقراطية، وأبعد عن السلطوية. إلا أن هذه الممارسات "الديمقراطية"، نُفذت في مكان ممزوج بأساليب قمعية تفتقر إلى أي اهتمام بحقوق الإنسان. يرى "بيرنر" أن إجراءات حكومة حماس "الأكثر ليونة" تجاه الحركات الراديكالية، لم تكن مدفوعة بأي احترام متزايد للفرد، ولكن مدفوعة بحاجتها لإيجاد طرق فعالة للتعامل مع التهديد الناشئ من المتطرفين لحكمها، ومن أجل تحييدهم عن التأثير في تمكين حكومة حماس (الفصل الرابع).

·        إعادة بناء النظام الاجتماعي في غزة

أصبحت حماس تنظر إلى فرض النظام الاجتماعي، باعتباره أكثر أهمية من "حكم القانون واحترام حقوق وحريات الفرد". المدخل الأساسي والمركزي لإعادة بناء النظام الاجتماعي، كان من خلال إعادة الهيكلة الشاملة لكل من النظم القضائية الرسمية وغير الرسمية. وهذه الإصلاحات أعطت حكومة حماس مزيدًا من النفوذ والسيطرة (ص 181). لجان الإصلاح كانت من أبرز الأجهزة القضائية غير الرسمية التي دعمتها حماس، ووسعت نفوذها. وقد استبدلت الحكومة في غزة جميع القضاة والمدعين العامين السابقين، بمجموعة جديدة من الموظفين. وهناك عاملان آخران ساعدا في نفوذ لجان الإصلاح، الأول هو تراكم القضايا في المحاكم الرسمية، وخاصة بعد تدمير البنية التحتية بعد حرب "الرصاص المصبوب"، والثاني هو عدم ثقة السكان على نطاق واسع بالقضاء الرسمي، وثقتهم بالقضاء غير الرسمي (الفصل الخامس).

وجدت حماس في النظام غير الرسمي، لا سيما لجان الإصلاح، طريقة للتواصل مع المجتمع، والتحكم فيه وفق شروطها الخاصة، وكانت أيضا مدخلًا لتطبيق تعاليم الشريعة الإسلامية، فجعلت لجان الإصلاح تحت إشراف رابطة علماء فلسطين. ظل النظامان القضائيان الرسمي وغير الرسمي منفصلين، ويعملان بشكل مستقل عن بعضهما البعض. لكن من الناحية العملية، تفاعلا مع بعضهما البعض، وفي بعض الأحيان تعاونا.

وحول علاقة سلوك حماس بإعادة بناء النظام الاجتماعي، يرى الكاتب أن حماس سعت إلى إعادة تأسيس نظام اجتماعي قائم على القيم الإسلامية. ولكن في نفس الوقت، ظلت حماس حساسة للرأي العام، وكثيرًا ما راجعت سياساتها عندما تعرضت لانتقادات شديدة. بعبارة أخرى، سعت حماس إلى تطبيق تصوراتها، ولكن ضمن ما يسمح به الغزيون، وهذا يتطابق مع نموذج الديموقراطية الإسلامية، أكثر منه من النموذج الثيوقراطي.

·        نظام الحكم

يحدد الكاتب سمات "الإسلامية" و"الديمقراطية" في حكم حماس، ويهدف من خلال تحليل البيانات التي جمعها، إلى تحديد خصائص التصورات لدى حماس، وكذلك سمات الممارسة، والفرق بينهما. فيما يتعلق بممارسات حكومة حماس في الحكم، فقد كانت، حسب الكاتب، أقرب إلى الدين من العلمانية، وأقرب إلى الديمقراطية من السلطوية. أما تصورات حماس للحكم، فهي تتطابق بشكل أكبر مع الأنماط الإسلامية الثيوقراطية، مقارنة بالأنظمة العلمانية السلطوية، والعلمانية الديمقراطية (الفصل الأول). إن وجهة نظر حكومة حماس حول الكيفية التي قد تتصرف بها مرة واحدة في السلطة، لا تشترك كثيرًا مع الديمقراطية التي يمثلها الأسلوب العلماني السلطوي. ومع ذلك ، كان أسلوب حماس الحاكم، بعيدًا جدًا عن القيم الديموقراطية الليبرالية.

يرى الكاتب أن أسلوب حماس يتسم بأسلوب حكم متعدد الأوجه، وغير منظم من الناحية الأيديولوجية، وقابل للتكيف مع الظروف القائمة. وعلى عكس إسلاميين آخرين، لا يبدو أن أجندة حماس تتضمن استبدال النظام السياسي الحالي، ببرنامج يستند إلى الشريعة. لم تُجرِ حماس تغييرات على الدستور الفلسطيني. ومع ذلك، كانت هناك بعض المحاولات من جانب الحكومة، لفرض بعض التعاليم الدينية والسلوكية على سكان غزة. كانت ممارسة القانون والنظام في غزة، تمر بتغيير يمكن وصفه بأنه نوع غير رسمي من الأسلمة  (الفصل السابع).

خاتمة

يخلص "بيورن برينر" إلى أن التجربة الفلسطينية تُظهر أن كل الإسلاميين ليسوا سواء. فلا يمكن تشبيه حماس بالحركات المتطرفة، مثل القاعدة أو داعش، ولا يمكن أيضا تشبيهها بالحركات المعتدلة، مثل حزب النهضة في تونس. وتبين الحالة الفلسطينية أن الأيديولوجية الإسلامية لا تشمل قانونًا صارمًا من القواعد، بل هي عبارة عن إطار منظم بشكل كبير، مع وجود مساحة كبيرة للتأويل. هناك اختلافات هائلة بين الإسلاميين في فهم المفاهيم الإسلامية، مثل "الدولة الإسلامية"، و "حكم الشريعة". ومن أجل تعزيز الفهم العلمي للإسلاميين، يحتاج الباحثون إلى التحقيق في السلوك الفعلي لهم، أكثر منه في أيديولوجيتهم.

 

 


[1]  Baconi, T. (2018). Hamas contained the rise and pacification of Palestinian resistance. Stanford, CA: Stanford University Press.

[2] Chehab, Z. (2008). Inside Hamas: The untold story of the militant Islamic movement. New York: Nation Books.

[3] Harub, K. (2002). Hamas: Political thought and practice. Washington, DC: Institute for Palestine Studies.

[4] Gunning, J. (2010). Hamas in politics: Democracy, religion, violence. London: C. Hurst.

شارك الموضوع اذا اعجبك